دراسة استقرائية تحليلية جديدة، لأبرز المعارك التي خاضها العراقيون بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)
محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي (ع) وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين (ع).
وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.
فهرس المحتويات
عنوان الإصدار : لهاميم العرب
الجزء الأول: حرب الجمل
تأليف : الدكتور الشيخ حسين المياحي
سنة الإصدار : 2026/1447 ـ رقم (79)
نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF
الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي
الموقع : fajrashura.com
عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام مخاطباً جيشه:
«وأنتم لهاميمُ العَرب، ويآفيخُ الشَّرف، والأنفُ المُقدَّم، والسَّنامُ الأعظم».
وعنه عليه السلام متوعداً معاوية: «وأنا مُرقلٌ نحوَك، في جَحْفلٍ من المُهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديدٌ زِحامُهم، ساطعٌ قَتامهم، مُتسربِلين سَرابيلَ الموت، أحبُّ اللقاءِ إليهم لقاءُ ربِّهم، قد صَحِبَتْهم ذُريَّةٌ بدرية، وسيوفٌ هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ﴾»
هذه الدِّراسة
محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي عليه السلام وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين عليه السلام.
وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.
مقدمة
خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، خلال فترة قصيرة من خلافته، مجموعة من الحروب الدموية العنيفة، أبرزها الجمل وصفين والنهروان، والكثير من المعارك في جبهات متعددة، امتدت على جغرافيا مترامية الأطراف، من الموصل ونصيبين والرقة شمالاً، حتى الأهواز ورامهرمز وساحل الخليج جنوباً. ومن سلسلة جبال (زاگروس) في بلاد فارس شرقاً، حتى الأنبار وهيت وعانة غرباً، بل امتدت على طول الحدود الافتراضية الفاصلة بين العراق والشام آنذاك، واتسعت لتشمل مكة والمدينة واليمن.
وقد قامت هذه الحروب والمعارك والغارات
على جماجم ودماء أصحاب علي عليه السلام من أهل العراق، من الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة بالخصوص، رأس الحربة فيها على مدى أكثر من أربع سنوات من القتال. فلم يُغمد فيها سيفٌ حتى اللحظة الأخيرة من العمر المبارك لأمير المؤمنين عليه السلام، يوم احتشد عشرات الآلاف في النُّخيلة استعداداً للعودة إلى القتال في صفين، قبل أيام قلائل من اغتياله عليه السلام على يد ابن ملجم.
كان ذلك في وقت تكالبت فيه الأمة كلها على علي عليه السلام، وتألَّبت قريش بقضها وقضيضها لمقاتلته، واستنفرت قبائل العرب الموتورة من سيف علي عليه السلام لمؤازرة معاوية وبني أمية، وتفجرت الضغائن الكامنة في الصدور، ولم يعد بين يديه سوى ثلة مجاهدة من أهل العراق، تسربلت سرابيل الموت، وأحبت لقاء الله. عمادها لهاميم العرب،
ويآفيخ الشرف، والأنف المقدم، والسنام الأعظم، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، تصحبهم ذرية بدرية، وسيوفٌ هاشمية. فكانوا نعم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجُنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، كما وصفهم صلوات الله عليه.
وسوف نحاول في هذا البحث، أن نلقي نظرة على دورهم في تلك المعارك والحروب، التي صُنف فيها الكثير من المصنّفات، وإن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير جداً. كما نتناول ـ ضِمناً ـ العديد من النقاط ذات العلاقة بعقيدتهم في الولاية، أو تاريخهم الجهادي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو بعض مواقفهم الأخرى في غير المعارك العلوية، أو ثناء علي عليه السلام عليهم، ووصفهم بخصال الفضل، وسجايا الشجاعة والشرف، ودعائه لهم، ووعيد
الأعداء بهم، وأمثال ذلك. مع التعريف ـ ما أمكن ـ بأبرز أعلام صحابته عليه السلام وقيادات جيشه الذين وردت أسماؤهم في الأخبار.
وقد كنا قد استعرضنا في السابق، جانباً يسيراً من تلك المعارك، في كتيّبٍ صغير تحت عنوان: «الكوفة كنز الإيمان»، لكن موضوعه لم يكن يسمح بالإسهاب والاستطراد كثيراً في استقرائها وسردها، إنما أردنا فيه أن نقدّم صورة مختصرة تبيّن (فضل الكوفة) على لسان أهل البيت عليهم السلام وما أفاده الواقع التاريخي في بعض المعارك. أما هذا البحث فيتناول بشكل رئيس (أصحاب علي) المجاهدين بين يديه، واستعراض تاريخهم في المعارك الكثيرة التي دارت رحاها مع أهل الشام والخوارج، وما يتعلق بها مما ذكرنا من نقاط، للتحقق مما نُسب إليهم من التقصير بحق إمامهم، وتقاعسهم عن نصرته، وخذلانه في المعارك والغارات،
كما زعمت بعض الأخبار والنصوص.
وقد قسمنا هذه الدراسة إلى أجزاء:
معركة الجمل
معركة صفين
معركة النهروان
الغارات
ونسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لنا، يقرّبنا من رضاه في الآخرة، ويسهم في كشف الكثير من الحقائق، وتصحيح الكثير من التصورات.
ولا يفوتني أن أشيد بمركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة الذي أخذ على عاتقه إخراج هذا العمل ونشره بأجزائه الأربعة، والحمد لله رب العالمين.
حسين المياحي
كربلاء المشرفة / رمضان المبارك/ 1447هـ
وقعة الجمل ومعارك البصرة
بعد مقتل عثمان، وبيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة، رفض معاوية بيعته، ونكثها طلحة والزبير، فاتّخذ عليه السلام قراراً جريئاً خطيراً لم يكن لأحد غيره أن يُقدم عليه، وهو عزل معاوية عن ولاية الشام. وبعد أن فشلت جميع محاولاته في عزله سلماً، وإصرار معاوية على دعوى (الثأر لدم عثمان) اضطر لاتخاذ قرار العزل بالقوة.
فحشد عليه السلام جيشاً متواضعاً من وجوه المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وتوجه نحو العراق، للاستقواء بشيعته هناك، ثم التوجه نحو الشام، لكنه فوجئ بتحرك الناكثين نحو البصرة.
فقد ذكر الشيخ المفيد، نقلاً عن تواريخ العامة، أن علياً عليه السلام استشار أصحابه بقوله: «أشيروا عليّ بما أسمع منكم القول فيه. فقال عمار: الرأي أن نسير إلى الكوفة، فإنّ أهلها لنا شيعة… وقال ابن عباس: الرأي عندي يا أمير المؤمنين، أن نقدّم رجالاً إلى الكوفة فيبايعوا لك، وتكتب إلى الأشعري أن يبايع لك، ثم بعده المسير حتى نلحق بالكوفة، فنُعاجل القوم قبل أن يدخلوا البصرة. وتكتب إلى أم سلمة فتخرج معك، فإنها قوة لك. فقال أمير المؤمنين: بل أنهض بنفسي ومن معي في اتباع الطريق وراء القوم، فإن أدركتهم بالطريق أخذتهم، وإن فاتوني كتبت إلى الكوفة، واستمددتُ الجنود من الأمصار، وسرت إليهم»(1).
لقد كانت الخطة العلوية منذ اللحظة الأولى
الاستقواء بأهل الكوفة، لأنها مركز الثقل، وفيها جماجم العرب من شيعته وأنصاره، وهذا ما حصل بالفعل.
ولا بد أن نذكر هنا أن كُتّاب التاريخ حاولوا تقليل عدد المهاجرين والأنصار الذين بايعوا علياً ونهضوا معه، لإنكار انعقاد الخلافة له بالإجماع، طبقاً لما يرونه في انعقادها. حتى أن سيف بن عمر جعلهما اثنين فقط من أعلام الأنصار(1).
ورووا عن مجالد، عن الشعبي قوله: «الله الذي لا إله إلا هو، ما نهض في ذلك الأمر إلا ستة بدريين ما لهم سابع»(2). وكلا الرجلين ـ مجالد والشعبي ـ منحرف عن علي عليه السلام، لا سيما الشعبي.
لكن الشيخ المفيد نقل عن تواريخ العامة، أنه
نهض معه سبعمئة رجل من وجوه المهاجرين والأنصار(1) الذين بايعوه في المدينة، كما
(1) انظر: الجمل: 129. هنالك فرق في كلام الشيخ المفيد بين (العدد الكلي) الذي بايعه من المهاجرين والأنصار، وهو كلُّهم بالإجماع، إلا من شذّ، كسعد بن أبي وقاص وأمثاله. وبين من (خرجوا معه من المدينة حصراً) للقتال. لأن علياً عليه السلام مكث في المدينة بعد البيعة حوالي أربعة أشهر قبل أن يخرج للبصرة. أي أن الكثير ممن بايعه ربما عاد إلى أهله ووطنه، فلما خرج من المدينة، التحقوا به أثناء الطريق، كما ذكروا في شأن عدي بن حاتم الطائي الذي التحق بعلي عليه السلام في الطريق، في نحو ستّمئة من قومه. أو أن العدد الكلي الذي التحق به في الطريق بلغ نحواً من ألفي رجل.(انظر: الجمل: 140، 143). أو أن بعضهم كان في الكوفة أو البصرة أو مصر، ثم التحق به مع من التحق من الجيش الذي تكامل تدريجياً. فالشيخ المفيد تارةً يذكر (العدد الكلي للمبايعين من المهاجرين والأنصار بالخصوص)، للاستدلال على انعقاد الخلافة بالإجماع، بغض النظر عن كونهم من أهل الكوفة أو المدينة أو مصر أو غيرها. وأخرى يذكر العدد الذي خرج منهم معه من المدينة فقط للقتال. فتكون النتيجة: أن الذين بايعوه من المهاجرين والأنصار، ممن كانوا حاضرين في المدينة، ألف وخمسمئة رجل، والذين خرجوا معه للقتال أولاً سبعمائة رجل، فيما التحق به الباقون أثناء الطريق أو في ذي قار. هذا غير أبناء المهاجرين والأنصار ومواليهم. فيكون عدد الحاضرين معركة الجمل من المهاجرين والأنصار ألفاً وخمسمائة رجل، لم يتخلف عنه أحد منهم ممن بايعه وثبت على بيعته. بالإضافة إلى غيرهم من أبنائهم ومواليهم وسائر الناس. فلا تعارض بين الموردين. (انظر: الجمل: 49). أما المسعودي، فذكر أن إجمالي عدد الصحابة الذين كانوا مع علي عليه السلام في صفين، من المهاجرين والأنصار وأصحاب بيعة الرضوان وغيرهم، ألفان وثمانمئة رجل. قال: «وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة»، وذكر منهم المهاجرين والأنصار، من البدريين وأصحاب بيعة الرضوان. (انظر: مروج الذهب2: 352). وقد ورد عن علي عليه السلام الكثير في مدحهم، ووصفهم بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، أو أبناء المهاجرين والأنصار، أو غير ذلك من الأوصاف التي تؤكد أنهم الامتداد الطبيعي لصحابة النبي صلى الله عليه وآله.وهذه الظاهرة ـ أي التفاف المهاجرين والأنصار وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله عموماً حول علي عليه السلام، ونصرتهم إياه ـ أثارت حفيظة الأمويين بشدة، فهي تعني عملياً، وراثة علي عليه السلام الواقعية للنبي صلى الله عليه وآله، وأن اجتماعهم على بيعته يسلب الشرعية تماماً من معاوية في نظر الأمة، طبقاً لنظرية الشورى. فكانت هذه من أبرز الأسباب والدوافع لتشويه تاريخ هؤلاء، واتهامهم بشتى التهم الباطلة، تحت شعار وستار: أصحاب علي، أو أهل العراق، أو شيعة العراق. وهنالك الكثير من الشواهد على ملاحقة معاوية والأمويين للصحابة، والأنصار بالخصوص، بالقتل والتشريد والتشويه، وهذا ما يجب أن نحذر منه في شأن الصحابة، لأنهم في الأعم الأغلب كانوا من شيعة علي عليه السلام، واستشهد الكثير منهم معه أو مع أبنائه من بعده.
ذكر في موضع آخر أن الذين حضروا معه معركة البصرة ألف وخمسمئة من المهاجرين والأنصار. أي أن المهاجرين والأنصار أجمعوا على بيعته ونصرته، ولا عبرة بالشاذ النادر ممن بايع فنكث، أو لم يبايع.
إلا أن هذا العدد لم يكن بالمستوى الكافي للخروج إلى قتال الجيش الذي حشده طلحة والزبير وعائشة وشيعة عثمان، ومنهم معاوية
في الشام، فكانت الكوفة العامل الرئيس في تغيير موازين القوى لصالح أمير المؤمنين عليه السلام. لذا خرج بهذه الثلة المؤمنة المجاهدة من المدينة، ليستصرخ أهل الكوفة فيما بعد.
أما الجيش المناهض لعلي عليه السلام فقد تجمع في مكة، بقيادة طلحة والزبير وعائشة، وتوجهوا نحو البصرة للاستيلاء عليها، وكان عليها الوالي الجديد لعلي عليه السلام عثمان بن حنيف الأنصاري، وكانوا قد قصدوا الاستيلاء عليها ثم على الكوفة، كما كاتبوا معاوية أن يمدهم بالجند من أهل الشام(1). وبذلك تشكّلت أكبر وأقوى جبهة سياسية وعسكرية للإطاحة بعلي عليه السلام.
في مثل هذه الظروف خرج عليه السلام من المدينة بجيشٍ متواضع، عُمدته عيون المهاجرين، ووجوه الأنصار، وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله
وبنو هاشم، وشيعته عليه السلام وموالوه. وأمّر عليها سهل بن حنيف، أخا عثمان بن حنيف والي البصرة، وقيل غيره. وسار حتى بلغ الرَّبذة، ثم نزل في ذي قار من أرض العراق، ثم بعث إلى أهل الكوفة يستنهضهم ويستصرخهم.
قال البلاذري والثقفي: «وقال أبو مخنف، وغيره: لما دعا الحسنُ وعمار أهل الكوفة إلى إنجاد علي والنهوض إليه، سارعوا إلى ذلك، فنفر مع الحسن عشرة آلاف على راياتهم، ويقال: اثنا عشر ألفاً»(1).
ومن اللافت للنظر، أن بعض المصادر ذكرت إسراعهم لنصرة أمير المؤمنين في البحر والبر. فقد روى ابن أبي الحديد، عن أبي مخنف عن «ابن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، قال: نفر إلى علي عليه السلام إلى ذي قار من الكوفة في البحر والبر ستة آلاف وخمسمائة
وستون رجلاً»(1). ولعل المقصود بالبحر هنا نهر الفرات، الذي يمر بالكوفة باتجاه ذي قار والبصرة. فيظهر أنهم انقسموا إلى فريقين:
الأول: الفرسان الذين هبّوا مسرعين نحو علي عليه السلام من ناحية البر.
الثاني: الراجلون أو الصنف المختص بحمل الطعام والعلف وما يحتاجه الجيش من الميرة.
وفي رواية الطبري عن أبي الطفيل، قال: «قال علي: يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل، فقعدتُ على نجفة ذي قار(2)، فأحصيتهم فما زادوا رجلاً ولا نقصوا رجلاً»(3).
وعن الطبري أيضاً: «عن ابن أبي ليلى، عن
أبيه، قال: خرج إلى علي اثنا عشر ألف رجل، وهم أسباع: على قريش وكنانة وأسد وتيم والرباب ومزينة، معقل بن يسار الرياحي(1). وسبع قيس، عليهم سعد بن مسعود الثقفي(2)، وسبع بكر بن وائل وتغلب، عليهم وعلة بن مخدوج الذهلي، وسبع مذحج
(1) الصحيح: معقل بن قيس الرياحي، من بني يربوع، من تميم، أما معقل بن يسار المزني، فهو صحابي من مزينة. وإليه يُنسب نهر معقل في البصرة. وقد تحول إلى البصرة وسكن بها إلى أن مات في آخر عهد معاوية. ولم يكن مع علي عليه السلام في الكوفة. وأما معقل بن قيس الرياحي، فهو من خيار أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته. وصفه عليه السلام بالحسيب الصليب الورع التقي، ووصف جنده الذين أرسلهم معه إلى مكة بذوي البسالة والنجدة. (الغارات2: 348). كان على سبع أهل الكوفة من تميم وضبة والرباب وكنانة وقريش وأسد. له مواقف مشهودة في حروب علي وغاراته وسراياه، منها ملاحقة الخرِّيت بن راشد الخارجي إلى رامهرمز، وقتله وهزيمة أنصاره. ومنها القضاء على حركة هلال بن علقمة الخارجي وأخيه. ومنها التوجه نحو مكة لملاحقة يزيد بن شجرة، وهزيمة يزيد باتجاه الشام، بعد أسر مجموعة من جنوده. بالإضافة إلى دوره في معركة الجمل وصفين والنهروان.
(2) له صحبة، وهو جدّ إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، صاحب كتاب الغارات. كان عامل علي عليه السلام على المدائن. وكان في صفين على سبع قيس عيلان وعبد القيس من أهل الكوفة. كتب له أمير المؤمنين عليه السلام ذات مرة: «أما بعد، فقد وفرت على المسلمين فيئَهم، وأطعت ربك، ونصحت إمامك، فعل المتنزه العفيف، فقد حمدت أمرك، ورضيت هديك، وأبنت رشدك، غفر الله لك. والسلام». (أنساب الأشراف2: 158).وكتب إليه عليه السلام ذات مرة: «أما بعد، فإنك قد أديت خراجك، وأطعت ربك، وأرضيت إمامك، فعل البر التقي النجيب، فغفر الله ذنبك وتقبل سعيك وحسن مآبك. (تاريخ اليعقوبي2: 111).
والأشعريين، عليهم حُجر بن عدي، وسبع بُجيلة وأنمار وخثعم والأزد، عليهم مِخنَف بن سليم الأزدي»(1).
معركتا الجمل الأولى والثانية
هذا عن جيش علي عليه السلام، أما جيش الناكثين القادم من مكة، فتوجه نحو البصرة، وكانوا اثني عشر ألفاً. وقيل: ثلاثون ألفاً. فوجدوا شيعة علي عليه السلام بانتظارهم، فاستماتوا في الدفاع عنها، واقتتلوا قتالاً شديداً، وأصيب من عبد القيس خاصة خمسمئة شيخ مخضوب من أصحاب عثمان بن حنيف الأنصاري وشيعة علي عليه السلام، سوى من أصيب من سائر الناس. وهذه هي المعركة الأولى في البصرة، قبل
وصول علي إليها(1). وتدعى: (معركة الجمل الأولى، أو الصغرى).
قال الشيخ المفيد، نقلاً عن تواريخ العامة بخصوص عائشة، بعد خُطبتها في المربد: «فقال بعض الناس: صدقت، وقال بعض الناس: كذبت، واضطربوا بالفعال، وتركتهم وسارت حتى أتت (الدبَّاغين)، وقد تحيّز الناس، بعضهم مع طلحة والزبير وعائشة، وبعضهم متمسك ببيعة أمير المؤمنين والرضا به. فسارت من موضعها ومن معها، واتبعها على رأيها طلحة والزبير ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير، حتى أتوا دار الإمارة، فسألوا عثمان بن حنيف الخروج عنها، فأبى عليهم ذلك، واجتمع إليه أنصاره وزمرة من أهل البصرة، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى زالت الشمس. وأصيب يومئذٍ من عبد القيس
خاصة خمسمائة شيخ مخضوب من أصحاب عثمان بن حنيف وشيعة أمير المؤمنين، سوى من أصيب من ساير الناس. وبلغ الحرب بينهم التزاحف إلى مقبرة بني مازن، ثم خرجوا على مسنّاة البصرة حتى انتهوا إلى الزابوقة، وهي ساحة دار الرزق، فاقتتلوا قتالاً شديداً، كثر فيه القتلى والجرحى من الفريقين»(1).
ثم اتفق الطرفان على إيقاف القتال حتى وصول علي عليه السلام، وكانت خديعة من جيش الناكثين، إذ هاجموا البصرة تحت جنح الظلام، وغدروا بأهلها، فقتلوا (السبابجة) الأجانب، وهم حراس بيت المال، وألقوا القبض على عثمان بن حنيف، واستولوا على بيت المال.
فلما تناهى الخبر إلى حكيم بن جبلة
العبدي(1)، استعد لقتالهم مع جماعة من بني عمومته.
قال الشيخ المفيد: «وبلغ حكيم بن جبلة العبدي ما صنع القوم بعثمان بن حنيف وقتلهم السبابجة الصالحين خزان بيت مال المسلمين. فنادى في قومه: يا قوم، انفروا إلى هؤلاء الضالين الظالمين الذين سفكوا الدم الحرام وفعلوا بالعبد الصالح، واستحلوا ما حرم الله عز وجل. فأجابه سبعمئة رجل من عبد قيس، وأتوا المسجد واجتمع الناس إلى
(1) حُكَيم بن جَبَلة بن حصن العبدي البصري، العبد الصالح، أو الرجل الصالح، كما لقّبه أمير المؤمنين عليه السلام. من سادات عبد القيس، وزُهّاد ربيعة، يعود نسبه إلى أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. قال عنه ابن الأثير: «وكان رجلاً صالحاً، له دين، مُطاعاً في قومه». (أسد الغابة2: 40). وقيل: إنه أدرك النبي صلى الله عليه وآله، فهو من الصحابة أيضاً. ومما روي من شعر عن أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله قوله فيه وفي من قتل معه من ربيعة:يا لهف أمّاه على الربيعةربيعة السامعة المطيعةقد سبقتني بهم الوقيعةدعا حكيم دعوة سميعةنال بها المنزلة الرفيعة(أنساب الأشراف2: 234. انظر كذلك: العقد الفريد3: 309. الأوائل: 203).
حكيم بن جبلة… ثم ركب فرسه وأخذ بيده الرمح واتبعه أصحابه وأقبل طلحة والزبير ومن معهما، وهم في كثرة من الناس قد انضم إليهم الجمهور، واقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثرت بينهم الجرحى والقتلى»(1).
وقد قتل في هذه المعركة جمعٌ من خيار شيعة علي عليه السلام، وعلى رأسهم حكيم بن جبلة العبدي، والمئات من أنصاره وأقربائه. كلُّ ذلك قبل وصول علي عليه السلام إلى البصرة. وهي (معركة الجمل الثانية).
وقد ارتكب الناكثون بعدها مجزرةً مروعة في البصرة، إذ قاموا بملاحقة شيعة علي عليه السلام تحت ذريعة (قتلة عثمان) فقتلوا الكثير منهم صبراً.
قال الطبري نقلاً عن سيف بن عمر: «ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا
من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة، فليأتنا بهم. فجيء بهم كما يُجاء بالكلاب، فقُتلوا»(1).
وقد وردت خلاصة الموقف في البصرة، في كتاب علي عليه السلام لوالي الكوفة أبي موسى الأشعري، جاء فيه: «أما بعد فإني أرسلتُ إليك هاشم بن عتبة المرقال(2)، لتشخص معه من قبلك من المسلمين، ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي، وقتلوا شيعتي»(3).
(2) هاشم بن عتبة بن مالك الزهري، ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وابن عم عمر بن سعد لعنه الله. لكنه من خيار شيعة علي عليه السلام، ومن القلائل الذين كانوا معه من قريش، وهم خمسة كما ذكر الكشي. استشهد معه في صفين. كان من عيون صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله. ولُقِّب بالمرقال عليه السلام لأنه كان يرقل أثناء الحرب، أي يُسرع. وهو صاحب راية علي عليه السلام في بعض المواطن، ومنها ليلة الهرير. قال نصر: «ودفع اللواء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص». (وقعة صفين: 205). كما ذكر مواقفه البطولية في العديد من المواضع من كتابه. وقال الدينوري في وصف الاستعداد لصفين: «ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة المرقال». (الأخبار الطوال: 171). (انظر خبر هاشم بن عتبة المرقال أيضاً، وليلة الهرير، في تاريخ الطبري4: 33).
كما ذكر ذلك في خطبة أخرى في البصرة جاء فيها: «أيها الناس، إن طلحة والزبير قدما البصرة، وقد اجتمع أهلُها على طاعة الله وبيعتي، فدعواهم إلى معصية الله تعالى وخلافي، فمن أطاعهما منهم فتنوه، ومن عصاهما قتلوه، وقد كان من قتلهما حُكيم بن جَبَلة ما بلغكم، وقتلهم السبابجة، وفعلهما بعثمان بن حنيف ما لم يَخفَ عليكم. وقد كشفوا الآن القناع، وآذنوا بالحرب، وقام طلحة بالشتم والقدح في أديانكم(1)، وقد أرعد وصاحبه وأبرقا، وهذان أمران معهما
(1) يعني في عقائدهم، أي أن عقيدة شيعة علي عليه السلام ليست مرضيّة عند طلحة. وهذه من أقدم مظاهر تكفير الشيعة. وبها يثبت أن الذين نصروا علياً عليه السلام ـ إجمالاً ـ وهبُّوا للانضمام إلى جيشه في البصرة وغيرها، هم شيعته القائلون بإمامته الإلهية بالنص والتعيين، لا كما يتصور بعضهم أنهم بايعوه على الخلافة فقط، فهذا ليس موجباً للقدح في دينهم، بل القدح في ميلهم السياسي فقط. وهذا ما أشار إليه الدكتور طه حسين في بعض كلماته بهذا الخصوص، وسوف تأتي لاحقاً. (انظر: علي وبنوه: 78). وتؤيده وتؤكده الكثير من الشواهد بل الحقائق.
الفشل»(1).
وقد تألّم علي عليه السلام كثيراً لمقتل شيعته في البصرة، ودعا على قاتليهم بقوله: «اللهم إنك تعلم أنهم اجترأوا عليك، واستحلّوا حرماتك. اللهم اقتلهم بمن قتلوا من شيعتي(2)، وعجِّل لهم النقمة بما صنعوا بخليفتي»(3)، أي عثمان بن حنيف الأنصاري.
ومن خطبة له عليه السلام رواها المفيد في الكافئة جاء فيها: «إنه أتاني خبر متفظع، ونبأ جليل، أن طلحة والزبير وردا البصرة، فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً، وتُرك لا يدرى أحيٌّ هو أم ميت. وقتلا العبد الصالح
(1) الجمل: 177. وقد ورد ذيل الرواية في نهج البلاغة، وهو قوله: «وقد أرعدوا وأبرقوا، ومع هذين الأمرين الفشل. ولسنا نُرعد حتى نُوقع، ولا نُسيل حتى نُمطر». (نهج البلاغة: 54). ولا يخفى ما في كلامه بصيغة الجمع، من مدحٍ لشجاعة أصحابه وشدة بأسهم.
(2) ما يرد في النصوص عن الأئمة عليهم السلام من قولهم: شيعتنا، أو شيعتي، فإنه يعني القائلين بإمامتهم بالنص والتعيين، ليس إلا.
حكيم بن جبلة، في عدة من رجال المسلمين الصالحين، لقوا الله موفين ببيعتهم، ماضين على حقهم»(1).
الجمل الكبرى
مكث علي عليه السلام في ذي قار، مع عدد قليل نسبياً من المقاتلين، لا يساوي شيئاً قبال الجيش الجرار القادم من مكة، ومن التحق به من العثمانيين في البصرة، وقد سيطروا عليها واستباحوها. فانتظر حتى التحق به الآلاف من شيعته من الكوفة والبصرة، فبلغ جيشه ستة عشر ألفاً(2) وقيل عشرين ألفاً، غالبيتهم الساحقة من الكوفة ثم البصرة.
وقد حاول الزبير أن يعاجل علياً عليه السلام وهو في ذي قار قبل أن يلتحق به أنصاره، ليستبق
تكاملهم عنده واستقواءه بهم، ولكن حصل خلاف بينه وبين ابنه عبد الله وطلحة وعائشة، فمنعوه من ذلك.
قال الشيخ المفيد: «ولما استقر الأمر عند القوم بعد خروج عثمان بن حنيف، وعلم طلحة والزبير وعائشة أن أمير المؤمنين بذي قار ينتظر الجموع، وأنه لا يصبر على ما فعلوه بصاحبه والمسلمين، أمرت عائشة الزبير أن يستنفر الناس إليه. فخطبهم الزبير، وأمرهم بالجدّ والاجتهاد، وقال لهم: إنّ عدوكم قد أظلكم، والله لئن ظفر بكم لا ترك بكم عيناً تطرف، فانهضوا إليه، حتى نُكِبَّ عليه قبل أن تلحقه أنصاره. وقال لهم: امضوا فخذوا أعطيتكم.
فلما رجع إلى منزله قال له ابنه عبد الله: أمرت الناس أن يأخذوا أعطيتهم ليتفرقوا بالمال قبل أن يأتي علي بن أبي طالب، فتضعف. بئس
الرأي الذي رأيت. فقال له الزبير: اسكت، ويلك، ما كان غير الذي قلت. فقال طلحة: صدق عبد الله، وما ينبغي أن يُسلَّمَ هذا المال حتى يقربَ منا علي، فنضعه في موضعه فيمن يدفعه عنا. فغضب الزبير وقال: والله لو لم يبق إلا درهم واحد لأعطيته. فلامته عائشة على ذلك ووافق رأيُها برأي الرجلين. فقال الزبير: والله لتَدَعوني أو ألحق بمعاوية، فقد بايع في الشام الناس. فأمسكوا عنه»(1).
أما جنود علي وأنصاره من أهل الكوفة، ورفاقهم من أهل البصرة، فقد أسرعوا إليه على كل صعب وذلول، وركبوا البر والبحر، لا يحملهم إليه طمعٌ بدينار ولا درهم، إنما هو (الولاء) الذي بذلوا من أجله الغالي والنفيس، والوفاء الذي لا يعرف الحدود، والشوق للقاء الله تعالى.
ومما ذكره الشيخ المفيد، نقلاً عن تواريخ العامة، قوله: «ولما استقر أمرُ أهل الكوفة على النهوض لأمير المؤمنين عليه السلام، وخَفّ بعضهم لذلك، بادر ابنُ عباس ومن معه من الرسل فيمن اتبعهم من أهل الكوفة إلى ذي قار، للالتحاق بأمير المؤمنين، وإخباره بما عليه القوم من الجِدّ والاجتهاد في طاعته، وأنهم لاحقون به غير متأخرين عنه، وإنما تَقدَّمَهم ليستعد للسفر وللحرب، وقد كان استخلف قرظة بن كعب(1) على الكوفة على ما قدمناه، ويحث الناس على اللحاق به.
فورد على أمير المؤمنين كتاب قد كُتب إليه
(1) قرظة بن كعب بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي: من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله شهد معركة أحد وما بعدها، ثم شهد مع علي عليه السلام معركة صفين، وكان على راية الأنصار. وكان علي عليه السلام قد ولاه الكوفة عند مسيره إلى البصرة من ذي قار. وبعد معركة الجمل، وتوجه علي نحو الكوفة، استقبله قرظة ووجهاء أهل الكوفة، وقال له: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعزّ وليك، وأذل عدوك، ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين. توفي في خلافة علي صلى الله عليه وآله وهو الذي صلى عليه.
من البصرة، بما صنعه القوم بعامله عثمان بن حنيف رحمه الله، وما استحلّوه من الدماء ونهب الأموال، وقتل من قتلوه من شيعته وأنصاره، وما أثاروه من الفتنة فيها، فوجده ابن عباس وقد أحزنه ذلك، وغمّه، وأزعجه، وأقلقه، فأخبره بطاعة أهل الكوفة، ووعده منهم بالنصرة، فسُرَّ عند ذلك، وأقام ينتظر أهل الكوفة، والمَدَدَ الذي ينتصر بهم على عدوه»(1).
وذكر الشيخ المفيد أيضاً، طرفاً من أخبار وصول الكوفيين إلى ذي قار لنصرة علي عليه السلام وثنائه عليهم.
فمن ذلك ما رواه في الإرشاد، عن سلمة بن كهيل قال: «لما التقى أهل الكوفة بأمير المؤمنين عليه السلام بذي قار رحبوا به، وقالوا: الحمد لله الذي خصَّنا بجوارك، وأكرمنا بنصرتك.
فقام أمير المؤمنين عليه السلام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة، إنكم من أكرم المسلمين، وأقصدهم تقويماً، وأعدلهم سنة، وأفضلهم سهماً في الإسلام، وأجودهم في العرب مركباً ونصاباً. أنتم أشدُّ العرب ودّاً للنبي صلى الله عليه وآله ولأهل بيته، وإنَّما جئتُكم ثِقةً بعد الله بكم، للذي بذلتُم من أنفسكم عند نقض طلحة والزبير وخلعِهما طاعتي، وإقبالِهما بعائشة للفتنة، وإخراجِهما إياها من بيتها، حتى أقدماها البصرة فاستغوَوْا طَغامَها وغوغاءَها، مع أنه قد بلغني أن أهل الفضل منهم وخيارهم في الدين قد اعتزلوا وكرهوا ما صنع طلحة و الزبير. ثم سكت.
فقال أهل الكوفة: نحن أنصارك وأعوانك على عدوك، ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه. فدعا لهم أمير المؤمنين عليه السلام وأثنى عليهم، ثم
قال: قد علمتم معاشر المسلمين أن طلحة والزبير بايعاني طائعين راغبين، ثم استأذناني في العمرة فأذنت لهما فسارا إلى البصرة فقَتلا المسلمين وفعلا المنكر. اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألّبا الناس عليّ، فاحلل ما عقدا، ولا تحكم ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملاً»(1).
كما ذكر هذه الخطبة في كتاب الجمل باختلاف يسير ببعض ألفاظها، قال: «ولما صار أهل الكوفة إلى ذي قار، ولقوا علياً عليه السلام بها، رحبوا به، وقالوا: الحمد لله الذي خصَّنا بمودتك، وأكرمنا بنصرتك، فجزّاهم خيراً. ثم قام وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال:
يا أهل الكوفة، إنكم من أكرم المسلمين، وأعدلهم سنّة، وأفضلهم في الإسلام سهماً،
وأجودهم في العرب مركباً ونصاباً. حزبكم بيوتات العرب وفرسانهم ومواليهم. أنتم أشد العرب وُدّاً للنبي، وإنما اخترتكم ثقةً بعد الله، لما بذلتم لي أنفسكم عند نقض طلحة والزبير بيعتي وعهدي، وخلافهما طاعتي، وإقبالهما بعائشة لمخالفتي ومبارزتي، وإخراجهما لها من بيتها، حتى أقدماها البصرة. وقد بلغني أن أهل البصرة فرقتان: فرقة الخير والفضل والدين، قد اعتزلوا وكرهوا ما فعل طلحة والزبير! ثم سكت عليه السلام.
فأجابه أهل الكوفة: نحن أنصارك وأعوانك على عدوك، ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه. فردّ عليهم خيراً»(1).
ولكن، مع كون الشيخ المفيد نقل كتاب الجمل من مصادر العامة ورجالهم، ولم ينقل
عن مصدر شيعي كما صرح بذلك، إلا أن هذا الخطبة التي ذكرها في كل من الجمل والإرشاد، لم نجد لها عيناً ولا أثراً في كتب العامة فيما بعد عصر الشيخ المفيد! إلا ما نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج(1)، عن أبي مخنف. فأين ذهبت يا ترى؟
قال الشيخ المفيد: «فهذه جملة من أخبار البصرة وسبب فتنتها، ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها، قد أوردناها على سبيل الاختصار، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار عن رجال العامة دون الخاصة، ولم نُثبت في ذلك ما روته الشيعة في إنكاره»(2).
أي أن هذه الخطبة كانت موجودة في التواريخ التي نقل عنها الشيخ المفيد وابن أبي الحديد. خصوصاً أن ابن أبي الحديد نقلها
عن أبي مخنف، وهو مؤرخ مشهور. لكنها ضاعت، أو أُخفيت، لما فيها من الثناء على شيعته من أهل الكوفة والدعاء لهم.
وروى ابن أبي الحديد هذه الخطبة في شرح نهج البلاغة، قال: «قال أبو مخنف: فلما قدم أهل الكوفة على علي عليه السلام، سلموا عليه، وقالوا: الحمد لله يا أمير المؤمنين، الذي اختصنا بموازرتك، وأكرمنا بنصرتك، قد أجبناك طائعين غير مكرهين، فمرنا بأمرك.
قال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وقال: مرحباً بأهل الكوفة، بيوتات العرب ووجوهها، وأهل الفضل وفرسانها، وأشد العرب مودّةً لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأهل بيته، ولذلك بعثتُ إليكم واستصرختكم عند نقض طلحة والزبير بيعتي، عن غير جور مني ولا حدث. ولعمري لو لم تنصروني يا أهل الكوفة،
لرجوتُ أن يكفيني الله غوغاء الناس، وطَغام أهل البصرة، مع أنّ عامة من بها ووجوهها وأهل الفضل والدين قد اعتزلوها، ورغبوا عنها.
فقام رؤوس القبائل فخطبوا، وبذلوا له النصر، فأمرهم بالرحيل إلى البصرة»(1).
وقد روى الطبري هذه الحادثة من طريق سيف بن عمر، ولكنه ذكر الخطبة بصيغة أخرى مختلفة تماماً عما رواه المفيد وابن أبي الحديد عن أبي مخنف، فلم يذكر الثناء عليهم، ولا الدعاء لهم، ولا وصفهم بالمودة العظيمة للنبي وأهل بيته عليهم السلام، ولا بأنه اختارهم ثقةً بهم بعد الله للنصرة على الناكثين، ولا غير ذلك من صفات الفضل والثناء، سوى قتالهم
العجم في الفتوحات:
قال سيف بن عمر برواية الطبري عنه: «لما التقوا بذي قار، تلقاهم علي في أناس، فيهم ابن عباس، فرحب بهم، وقال: يا أهل الكوفة، أنتم وليتم شوكة العجم وملوكهم، وفضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فأغنيتم حوزتكم، وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجّوا داويناهم بالرفق، وباينّاهم حتى يبدؤونا بظلم، ولن ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله»(1).
ومن العجب أن تنقل بعض المصادر الشيعية النص الذي رواه سيف بن عمر، وتترك ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي مخنف،
وما رواه الشيخ المفيد عن مؤرخي العامة، ومنهم أبو مخنف(1).
وتوجه بهم علي نحو البصرة، ودارت معركة الجمل، فكانت يوماً واحداً، انتصر فيها علي عليه السلام على جيش جرّار، لا يعرف الرحمة ولا القيم الإنسانية ولا الإسلامية. وحسم المعركة بجهاد وجهود وسيوف أهل العراق من الكوفة والبصرة، مع العدد الأقل من أهل الحجاز، من وجوه المهاجرين والأنصار، ومن التحق بجيش علي في الطريق.
وقد كتب علي عليه السلام بعدها كتاباً إلى قرظة بن كعب الأنصاري، الذي ولاه على الكوفة، شرح فيه حال الناكثين، وما آل إليه مصيرهم، ومما جاء فيه: «واستُشهد منا رجالٌ صالحون، ضاعف الله لهم الحسنات، ورفع درجاتهم،
وأثابهم ثواب الصابرين، وجزاهم من أهل مصر عن أهل بيت نبيهم أحسن ما يَجزي العاملين بطاعته، والشاكرين لنعمته، فقد سمعتُم وأطعتم، ودُعيتم فأجبتم، فنعم الإخوان والأعوان على الحق أنتم»(1).
وفي كتاب آخر لأهل الكوفة ذكره الشيخ المفيد، يستعرض فيه الأسباب التي جعلت الأمور تؤول إلى ما آلت إليه: «فنهضتُ من المدينة، حين انتهى إليّ خبرُهم، وما صنعوه بعاملي عثمان بن حنيف، حتى قدمت ذا قار، فبعثت إليكم ابني الحسن وعماراً وقيساً، فاستنفروكم لحقّ الله وحق رسوله وحقِّنا(2)، فأجابني إخوانُكم سراعاً، حتى قدموا عليّ،
(1) الجمل: 216. وفي نهج البلاغة: 364: «وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم، أحسن ما يجزي العاملين بطاعته، والشاكرين لنعمته، فقد سمعتم وأطعتم، ودعيتم فأجبتم». وكلامه يشير إلى تشيعهم أيضاً، وولائهم لأهل البيت عليه السلام ونصرتهم إياهم.
(2) أي أهل البيت عليهم السلام، وهو مؤشر آخر، بل دليل على تشيعهم لأهل البيت عليهم السلام.
فسرتُ بهم، وبالمسارعين إلى طاعة الله، حتى نزلتُ ظهر البصرة، فأعذرت بالدعاء، وأقمت الحجة…»(1).
وقد سأله أحد العُثمانيين فيما بعد، ويدعى أبا بردة الأزدي، وكان قد «تخلف عنه يوم الجمل، وحضر معه صفين، على ضعف نية في نصرته، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير بم قُتلوا؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بما قَتَلوا شيعتي وعُمّالي، وبقتلهم أخا ربيعة العبدي رحمه الله(2)، في عصابة من المسلمين، قالوا: لا ننكث البيعة كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلماً وعدواناً، فسألتُهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني منهم، أقتلهم بهم، ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم، فأبوا عليّ وقاتلوني،
وفي أعناقهم بيعتي، ودماء نحو ألف من شيعتي، فقتلتهم بذلك. أفي شك أنت من ذلك؟ فقال: قد كنت في شك، فأما الآن فقد عرفت، واستبان لي خطأ القوم(1)، فإنك أنت
(1) لكنه بقي على عثمانيته، وكان «ينافق أمير المؤمنين عليه السلام، ويكاتب معاوية سراً، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة، وكان عليه كريماً». أمالي المفيد: 129. وقد اتخذ الكثيرون من هذه الحادثة وأمثالها، ذريعة للطعن بشيعة علي عليه السلام وأصحابه قاطبةً. قال الدكتور طه حسين: «ويكفي أن تلاحظ ما قدمته آنفاً من أن أشراف أهل العراق! كانوا يتصلون بمعاوية في أيام علي، يتلقون ماله، ويمهدون له أمره». (علي وبنوه: 181). ونقلها عنه الشيخ مغنية في كتابه: في ظلال نهج البلاغة1: 307. وهو تهويل لا أساس له، ولا تسعفه الشواهد الكافية، إنما هي حالات فردية متبادلة بين الفريقين، من شأنها الحصول في أرقى الدول والجيوش. ولم ينظر هؤلاء بالعين الأخرى لمن كان في جيش معاوية يكاتب علياً عليه السلام: فمن هؤلاء: امرأة الهيثم بن الأسود أبي العريان، وهي علوية الرأي، وكانت «تكتب بأخبار معاوية في أعنّة الخيل، وتدفعها إلى عسكر علي عليه السلام في صفين، فيدفعونها إليه». (الغارات2: 376. شرح نهج البلاغة4: 92). وقد اعترف زوجها أمام معاوية أن أهل العراق كانوا أنصح لعلي من أصحاب معاوية، وقال له بشكل صريح: «لأن القوم ناصحوه على الدين، وناصحك أهل الشام على الدنيا، وأهل الدين أصبر، وهم أهل بصيرة، وإنما أهل الدنيا أهل طمع». المصدران السابقان.ومن هؤلاء: معاوية بن الضحاك بن سفيان، صاحب راية بني سليم مع معاوية، وكان يكتب بالأخبار إلى عبد الله بن الطفيل العامري، ويبعث بها إلى علي عليه السلام. وكان شاعراً مقرّباً من معاوية، ويحظى بثقته. وقد أرسل ذات مرة إلى عبد الله بن الطفيل أنه سوف يقول شعراً يُذعّر به أهل الشام، فأنشد ليلاً قصيدةً، هزّت نفوس الشاميين وأرعبتهم، حتى قال فيها معاوية: والله لقول السلمي أشدّ على أهل الشام من لقاء علي. (انظر: وقعة صفين: 468. شرح نهج البلاغة15: 120). وقد صرح أمير المؤمنين عليه السلام بانقلاب الكثير من أصحاب معاوية، ولجوئهم إلى علي، كما ورد عنه في نهج البلاغة من كتاب له إلى معاوية: «وأردَيتَ جيلاً من الناس كثيراً، خدعتَهم بغيِّك، وألقيتَهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجازوا عن وجهتهم، ونكصوا على أعقابهم، وتولَّوا على أدبارهم، وعوَّلوا على أحسابهم، إلا من فاء من أهل البصائر، فإنَّهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصعب، وعدلت بهم عن القصد». (نهج البلاغة: 406). ولم أجد في التاريخ هذه الظاهرة المزعومة التي ألصقوها بأصحاب علي عليه السلام، في حدود التتبّع والبحث، إلا ما زعمه المسعودي من قوله: «فكاتبَ أكثرُ أهل الكوفة معاوية سراً في أمورهم، واتخذوا عنده الأيادي». (مروج الذهب2: 418). وهي دعوى باطلة ليس عليها شاهد ولا دليل. ولو فرضنا جدلاً، وجود الشاذ النادر، من أمثال أبي بردة الأزدي، فلا يقاس عليه. لكنها النفوس المريضة التي تتصيد الساقطات هنا وهناك، وتغض الطرف عن جميع الحقائق الناصعة، والأخبار القطعية في الولاء والوفاء والفداء والإخلاص والتضحية. وهو أشبه بقول الشاعر: وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌولكن عينَ السخط تبدي المساوياأو قول الآخر: إن يسمعوا سُبّةً طاروا بها فرحاًمنّي وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
شواهد الولاء قبل الوقعة وأثناءها
بالعودة للكثير من الأشعار والأقوال التي قيلت قبل وأثناء معركة الجمل الكبرى، نجد أن عقيدة الولاية والوصية، والقول بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالنص، بارزة بوضوح لا يقبل الشك والتردد، وقد تقدم بعض ذلك، من أمثال قول عمار بن ياسر في الكوفة: «فإنّ أهلها لنا شيعة». وقول علي عليه السلام: «إلى قوم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي». وقوله: «اللهم اقتلهم بمن قتلوا من شيعتي». وقوله: «بما قتلوا من شيعتي وعمالي».
وهذه شواهد أخرى تؤكد الولاء والتشيع لأمير المؤمنين عليه السلام:
1ـ قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد
المطلب:
ومنا عليٌّ ذاك صاحب خيبرٍ
وصاحب بدرٍ يوم سالت كتائبُه
وصيُّ النبي المصطفى وابنُ عمه
فمن ذا يُدانيه ومن ذا يُقاربُه(1)
2 ـ قال عبد الرحمن بن جُعَيل، بعد بيعة علي عليه السلام في المدينة:
لعمري لقد بايعتمُ ذا حفيظةٍ
على الدين معروفَ العفاف مُوفَّقا
علياً وصيَّ المصطفى ووزيرَه
وأولَ من صلى أخا الدين والتقى(2)
3 ـ قال أبو الهيثم بن التيّهان(3):
(2) شرح نهج البلاغة1: 143. وفي الفصول المختارة للمفيد: 270: وأول من صلى لذي العرش واتقى. انظر كذلك: أبو الفتح الكراجكي، التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة: 35.
(3) أبو الهيثم، مالك بن التَّيِّهان الأنصاري، من السابقين إلى الإسلام من الأوس. من كبار صحابة النبي صلى الله عليه وآله، والنقباء الاثني عشر الذين اختارهم صلى الله عليه وآله بإشارة من جبريل، ومن عيون البدريين وأجلائهم. ومن خيار شيعة علي عليه السلام وأصحابه. بل وصفه عليه السلام وأمثاله بالإخوان، في آخر خطبة له وردت في نهج البلاغة عن نوف البكالي، جاء فيها: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟ أين عمار، وأين ابن التَّيِّهان، وأين ذو الشهادتين، وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأُبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟». وقد استشهد في معركة صفين مع عمار وخزيمة وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وجماعة من البدريين.
قُل للزبير وقل لطلحةَ إننا
نحن الذين شعارنا الأنصارُ
إن الوصيَّ إمامنا ووليُّنا
برح الخفاء وباحت الأسرار(1)
4 ـ قال رجلٌ من الأزد يوم الجمل:
هذا عليٌّ وهُو الوصيُّ
آخاه يوم النجوة النبي
وقال هذا بعدي الولي
وعاه واع ونسي الشقي(2)
5 ـ قال سعيد بن قيس الهمداني(3) يوم
(1) انظر: شرح نهج البلاغة1: 143.
(3) من كبار التابعين ورؤسائهم وزهادهم، ومن صحابة أمير المؤمنين عليه السلام المخلصين، وقادته الشجعان البارزين. قال الكَشّي نقلاً عن الفضل بن شاذان: «فمن التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم: جُندب بن زهير، قاتل الساحر. وعبد الله بن بديل، وحُجر بن عدي، وسليمان بن صُرَد، والمسيب بن نَجَبَة، وعلقمة، والأشتر، وسعيد بن قيس، وأشباههم كثير، أفناهم الحرب ثم كثروا بعد، حتى قُتلوا مع الحسين عليه السلام وبعده ». (رجال الكشي1: 286).وهو القائل لأمير المؤمنين عليه السلام بعد صفين: «يا أمير المؤمنين، والله لو أمرتنا بالمسير إلى قسطنطينية ورومية مشاةً حفاة، على غير عطاء ولا قوة، ما خالفتك أنا ولا رجلٌ من قومي. فأجابه عليه السلام: فصدقتم، جزاكم الله خيراً». (الغارت2: 439 ). وقال له في موضع آخر: «فارمِ بنا حيث شئتَ وأين أحببت، فنحن لك سامعون مطيعون». (الفتوح3: 31). فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام بقصيدة ميمية في الثناء على قبيلة همدان. وفي رواية نصر أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «أجبنا الله وأجبناك، ونصرنا نبي الله صلى الله عليه وآله في قبره، وقاتلنا معك من ليس مثلك، فارم بنا حيث أحببت». (وقعة صفين: 437). شهد الجمل وصفين أميراً على همدان وحمير، وأثنى عليه علي عليه السلام في قصيدته المذكورة بقوله: يَقودُهمُ حامي الحقيقة ماجدٌسعيدُ بن قيس، والكريمُ محامِيوفي غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار بعثه علي عليه السلام على رأس ثمانية آلاف لمطاردة الغزاة واللحاق بهم، فهربوا ولم يُدركهم، وقد لحقهم إلى تخوم الشام. وقد حاول بعض الرواة تشويه هذه الحادثة وتحريف الحقائق فيها، فلم يفلحوا. توفي سنة 41هـ.
الجمل:
أيّةُ حربٍ أُضرمت نيرانُها
وكسرت يوم الوغى مُرّانها
قل للوصي أقبلت قحطانها
فادع بها تكفيكها هَمْدانها
همُ بنوها وهمُ إخوانها (1)
6 ـ قال زياد بن لبيد الأنصاري(2):
كيف ترى الأنصارَ في يوم الكَلَبْ
إنا أناس لا نبالي من عَطَبْ
ولا نبالي في الوصيِّ من غضبْ
وإنما الأنصارُ جِدٌّ لا لعب(1)
7 ـ قال خزيمة بن ثابت الأنصاري(2)، ذو الشهادتين في يوم الجمل:
يا وصيَّ النبي قد أجلت
الحرب الأعادي وسارت الأظعان
واستقامت لك الأمور سوى
الشام وفي الشام يظهر الإذعان(3)
وقال في يوم الجمل أيضاً:
أعائشُ خَلِّي عن عليٍّ وعيبِه
بما ليس فيه إنما أنت والده
وصيُّ رسول الله من دون أهله
وأنتَ على ما كان من ذاك شاهده(1)
8 ـ قال عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي(2) يوم الجمل:
(1) انظر الأبيات بتمامها في شرح نهج البلاغة1: 146.
(2) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعيان شيعة علي عليه السلام، حضر معه الجمل ثم صفين واستشهد فيها. ومما روي من أخباره أنه لما أصيب في صفين، وكان في الرمق الأخير، أدركه أحد أبناء عمومته فقال له: رحمك الله يا عبد الله، والله إن كان جارُك لَيأمنُ بوائقك، وإن كنتَ لمن الذاكرين الله كثيراً. أوصني رحمك الله قال: أُوصيك بتقوى الله، وأَن تناصح أمير المؤمنين، وأن تقاتل معه المُحلِّين، حتّى يظهر الحق أَو تلحق بالله، وأَبْلِغْه عني السلام. فلما بلغ الخبر أمير المؤمنين عليه السلام قال: رحمه الله، جاهد معنا عدونا في الحياة، ونصح لنا في الممات. (انظر: وقعة صفين: 456). وفي شرح الأخبار للقاضي النعماني، أنه انفرد في صفين للموت بثلاثة آلاف مقاتل من أصحاب علي عليه السلام فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، ولم يزالوا يُقتل الواحد منهم الواحد بعد الواحد، حتى قتلوا عن آخرهم. (انظر: شرح الأخبار2: 32). وعن الشيخ المفيد في الكافئة أن عبد الله بن بديل الخزاعي قال لعائشة: «ألم نسمعك تقولين: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي على الحق، والحق معه، لن يزيلا حتى يردا عليّ الحوض؟ قالت: بلى، قال: فما بدا لك؟ قالت: دعوني، والله لوددتُ أنهم تفانوا». (الكافئة: 35). وأورد الخبر في الجمل، وذكر الحديث بلفظ: «عليٌّ مع الحق، والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». (انظر: الجمل: 231). وهذا دليل جليّ على حسن عقيدته، واعتقاده بعصمة علي عليه السلام، كما هو حال سائر شيعته الذين قاتلوا معه وأخلصوا له.
يا قومِ للخُطَّة العظمى التي حدثت
حربُ الوصيِّ وما للحرب من آسي
الفاصلُ الحكم بالتقوى إذا ضربت
تلك القبائلُ أخماساً لأسداس(1)
9 ـ قال عمرو بن أحيحة(2) يوم الجمل في خطبة الحسن بن علي عليه السلام بعد خطبة عبد الله بن الزبير:
حسنَ الخير يا شبيهَ أبيه
قمتَ فينا مقامَ خيرِ خطيب
قمتَ بالخُطبة التي صدع الله
بها عن أبيك أهل العيوب
وكشفت القناع فاتضح الأمر
وأصلحت فاسدات القلوب
لست كابن الزبير لجلج في القو
ل وطاطا عنانَ قِيلٍ(1) مُريبِ
وأبى الله أن يقوم بما قام
به ابنُ الوصي وابنُ النجيب
إن شخصاً بين النبي ـ لك
الخير ـ وبين الوصيِّ غير مشوب(2)
قال ابن أبي الحديد بعد أن أورد هذه الأشعار وغيرها بتمامها: «ذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مخنف، لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل. وأبو مخنف من المحدِّثين، وممن يرى صحَّة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة، ولا معدوداً من رجالها»(3).
(1) في شرح النهج، والجمل: 328: (فَسْلٍ). وفي البحار38: 23، نقلاً عن شرح النهج: (قِيلٍ).
(3) شرح نهج البلاغة1: 147. وهو يؤكد ما أشار إليه الشيخ المفيد أيضاً، من عدّه أبا مخنف مع مؤرخي العامة، حيث نقل عنه وعن سائر مؤرخي العامة، أخبار وقعة الجمل، ثم قال لاحقاً: «وقد أوردناها على سبيل الاختصار، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار من رجال العامة دون الخاصة». (الجمل: 423).
والمقصود من كلام ابن أبي الحديد، أن هذه الأشعار في (الوصية)، وردت من طريق من لا يقول بالوصية، وهذا أبلغ في الحجة.
هل تعرضت وقعة الجمل للتشويه؟
هذا السؤال يقودنا لسؤال أخطر بكثير، يكشف عن دور الأصابع الأموية في نقل ورواية تاريخ الأحداث، ويؤكد أن كل ما ورد من تشويه لسيرة أصحاب علي عليه السلام وجيشه من أهل العراق، ابتدأت شرارته من الأمويين.
فمما يلاحظه الباحث في معركة الجمل، أنها لم تتعرض للتشويه في خصوص النيل من أصحاب علي عليه السلام من أهل العراق، وذلك لأسباب عديدة، منها:
1 ـ تواتر أخبار النصر: فلم يكن بوسع الراوي أو المؤرخ إنكار تحقق النصر السَّريع في الجمل، مع أن جيش النّاكثين كان أكثر
عدداً، وأشد تحصُّناً، وأقوى دعاية وإعلاماً، وأمضى فتنةً، لوجود اثنين من كبار الصحابة في قيادة الجيش، مع زوجة النبي صلى الله عليه وآله. فهذا يعني بوضوح أن أصحاب علي عليه السلام كانوا أنفذ بصيرةً، وأشد بأساً، وأثبت جناناً.
صحيح أن المؤرِّخين والرُّواة اختلفوا في بعض الجزئيات، كأعداد المقاتلين الكوفيين والبصريين الذين التحقوا بعلي عليه السلام، لكن ذلك لا يعني شيئاً، ولا قيمة له بعد أن تحقق النصر. فكان (عامل النصر) من أشد العوامل التي حدَّت من تدخل الرواة والمؤرخين في تشويه صورة الشيعة الكوفيين والبصريين، إن لم نقل منعت من ذلك.
2ـ أن الطرف المقابل لعلي عليه السلام من الناكثين، لم يكن من أصحاب السلطة في وقتها، ولا بعدها، فالرأسان الكبيران، طلحة والزبير، قتلا فيها، فقد قتل طلحة بين الصفّين، وقتل
الزبير خارج المعركة. أما عائشة فأصبحت فيما بعد خصماً للأمويين، بسبب مقتل أخيها محمد بن أبي بكر في مصر. بعبارة أوضح: أن الطرف الآخر لم يكن معاوية ولا بني أمية، ولم يكن لديه إعلام منظَّم في مقابل علي عليه السلام ودولته، كما هو حال معاوية في مواجهته مع علي وجيشه.
3 ـ مما يلاحظ أيضاً، أن هذا الأمر ـ أي انعدام التشويه أو محدوديته تكرر مع الخوارج، فلم نشهد في كتب التاريخ ـ إجمالاً ـ من اتهم شيعة علي عليه السلام وأصحابه في حرب النهروان، بالتقاعس أو التواني عن نصرته، للسببين المذكورين آنفاً، وهما: (عامل النصر) الذي تحقق على الخوارج في النهروان بسرعة، وعدم وجود الأمويين طرفاً في القتال.
ولم تنحصر هذه الظاهرة في حرب النهروان فحسب، إنما تعدت لسائر المعارك الأخرى
التي خاضها أصحاب علي مع الخوارج، فلم نجد توجهاً في التاريخ للطعن بأهل الكوفة، أو أهل العراق، أو أصحاب علي، في القتال مع الخوارج مطلقاً، أي لا في النهروان ولا غيرها من معارك الخوارج الأخرى.
بعبارة أخرى: ما ورد من أخبار في الطعن بأصحاب علي عليه السلام كانت محصورة، أو في غالبها الساحق، في قتال أهل الشام.
بل حتى معركة صفين قبل رفع المصاحف، لا تكاد تجد فيها تشويهاً لسيرتهم، ولا تهمة لهم بالتقاعس، لسبب واضح لا جدال فيه، وهو أنهم خاضوا ما يقرب من أربعة أشهر من القتال المرير، سقط فيه عشرات الآلاف من الطرفين، حتى أيقن معاوية أنه مهزوم لا محالة، وهو ما اضطره لرفع المصاحف.
لذا انحصر التشويه والطعن، ونسبة التخاذل إليهم، في الغارات والمعارك التي حدثت بعد
رفع المصاحف وقضية التحكيم، وبالتحديد تلك التي وقعت بينهم وبين أهل الشام. أي أن الأصابع الأموية هي التي تصدت أولاً لذلك، للتخلص من عقدة الهزائم المتلاحقة التي ذاقها الأمويون الشاميون، على أيدي أهل العراق من أصحاب علي عليه السلام. خصوصاً أولئك الذين كانت تلاحقهم عقدة الشعور بعار الهزيمة، ممن تسلطوا على الكوفة فيما بعد، كالضحاك بن قيس، الذي تعرض لهزيمة مدوّية، ذكرها علي عليه السلام بنفسه في كتابٍ لأخيه عقيل كما سوف يأتي لاحقاً.
فالضحاك بن قيس، الذي لم يصمد لوقع المشرفيات العلوية بقيادة حُجر بن عدي، وولى هارباً في عمق الصحراء، فلحقه أصحاب علي عليه السلام وقتلوا بعضاً من أصحابه، أصبح فيما بعد والياً على الكوفة. فكان يقرأ في وجوههم لغة التعيير، ويرى في أعينهم
علامات السخرية والاستخفاف، ولهذا شواهد ليس هنا محل ذكرها(1).
مصنفات في واقعة الجمل
لقد كُتب تاريخ معركة الجمل بشكل واسع، وكثرت فيه المصنفات، وذكرته أمهات المصادر التاريخية. فممن صنف من الشيعة أو العامة في معركة الجمل، بشكل مستقل:
1ـ إبراهيم بن محمد بن هلال الثقفي الكوفي.
2ـ أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكوفي.
3ـ جابر بن يزيد الجعفي الكوفي.
4ـ عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري.
5 ـ أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزدي، الغامدي، الكوفي.
6 ـ محمد بن زكريا بن دينار البصري. له
كتابان: الجمل الكبير، والجمل المختصر.
7 ـ الشيخ الصدوق.
8ـ محمد بن علي بن النعمان، المعروف بمؤمن الطاق.
9ـ محمد بن عمر الواقدي.
10ـ الشيخ المفيد.
11ـ ابن أبي الجهم القابوسي: وهو المنذر بن محمد بن المنذر، من طبقة الشيخ الكليني.
12ـ نصر بن مزاحم المنقري.
13ـ هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
14ـ أبو الحسن، علي بن محمد المدائني.
15ـ أبو عبيدة، معمر بن المثنى (له كتاب الجمل، وكتاب صفين).
16ـ سيف بن عمر التميمي الضبي.
17ـ إسحاق بن بشر.
18ـ إسماعيل بن عيسى العطار البغدادي.
وغيرهم كثير.
أما كتب التاريخ والأنساب والحديث والطبقات وغيرها، فقد ذكرتها بكثرة، كالطبري في تاريخه، وابن أبي شيبة الكوفي في المصنف، والمسعودي، واليعقوبي، وغيرهم كثير.
***

One تعليق
سددكم الله وأعلى شأنكم