الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / لهاميم العرب – الجزء الثاني: حرب صفين

لهاميم العرب – الجزء الثاني: حرب صفين

الشيخ-حسين-المياحي
الكراس رقم : 80
عدد الصفحات:87
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

دراسة استقرائية تحليلية جديدة، لأبرز المعارك التي خاضها العراقيون بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) – حرب صفين

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي (ع) وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين (ع).
وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

صفحة 1
cover image

صفحة 2

عنوان الإصدار  : لهاميم العرب

الجزء الثاني: حرب صفين

تأليف : الدكتور الشيخ حسين المياحي

سنة الإصدار : 2026/1447 ـ رقم (80)

نوع الإصدار  : إلكتروني ـ PDF

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع  : fajrashura.com

صفحة 3

عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام مخاطباً جيشه:

«وأنتم لهاميمُ العَرب، ويآفيخُ الشَّرف، والأنفُ المُقدَّم، والسَّنامُ الأعظم».

وعنه عليه السلام متوعداً معاوية: «وأنا مُرقلٌ نحوَك، في جَحْفلٍ من المُهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديدٌ زِحامُهم، ساطعٌ قَتامهم، مُتسربِلين سَرابيلَ الموت، أحبُّ اللقاءِ إليهم لقاءُ ربِّهم، قد صَحِبَتْهم ذُريَّةٌ بدرية، وسيوفٌ هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ﴾»

صفحة 4

صفحة 5

هذه الدِّراسة

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي عليه السلام وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين عليه السلام.

وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

صفحة 6

مقدمة

خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، خلال فترة قصيرة من خلافته، مجموعة من الحروب الدموية العنيفة، أبرزها الجمل وصفين والنهروان، والكثير من المعارك في جبهات متعددة، امتدت على جغرافيا مترامية الأطراف، من الموصل ونصيبين والرقة شمالاً، حتى الأهواز ورامهرمز وساحل الخليج جنوباً. ومن سلسلة جبال (زاگروس) في بلاد فارس شرقاً، حتى الأنبار وهيت وعانة غرباً، بل امتدت على طول الحدود الافتراضية الفاصلة بين العراق والشام آنذاك، واتسعت لتشمل مكة والمدينة واليمن.

وقد قامت هذه الحروب والمعارك والغارات

صفحة 7

على جماجم ودماء أصحاب علي عليه السلام من أهل العراق، من الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة بالخصوص، رأس الحربة فيها على مدى أكثر من أربع سنوات من القتال. فلم يُغمد فيها سيفٌ حتى اللحظة الأخيرة من العمر المبارك لأمير المؤمنين عليه السلام، يوم احتشد عشرات الآلاف في النُّخيلة استعداداً للعودة إلى القتال في صفين، قبل أيام قلائل من اغتياله عليه السلام على يد ابن ملجم.

كان ذلك في وقت تكالبت فيه الأمة كلها على علي عليه السلام، وتألَّبت قريش بقضها وقضيضها لمقاتلته، واستنفرت قبائل العرب الموتورة من سيف علي عليه السلام لمؤازرة معاوية وبني أمية، وتفجرت الضغائن الكامنة في الصدور، ولم يعد بين يديه سوى ثلة مجاهدة من أهل العراق، تسربلت سرابيل الموت، وأحبت لقاء الله. عمادها لهاميم العرب،

صفحة 8

ويآفيخ الشرف، والأنف المقدم، والسنام الأعظم، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، تصحبهم ذرية بدرية، وسيوفٌ هاشمية. فكانوا نعم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجُنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، كما وصفهم صلوات الله عليه.

وسوف نحاول في هذا البحث، أن نلقي نظرة على دورهم في تلك المعارك والحروب، التي صُنف فيها الكثير من المصنّفات، وإن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير جداً. كما نتناول ـ ضِمناً ـ العديد من النقاط ذات العلاقة بعقيدتهم في الولاية، أو تاريخهم الجهادي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو بعض مواقفهم الأخرى في غير المعارك العلوية، أو ثناء علي عليه السلام عليهم، ووصفهم بخصال الفضل، وسجايا الشجاعة والشرف، ودعائه لهم، ووعيد الأعداء بهم، وأمثال ذلك. مع التعريف ـ ما

صفحة 9

أمكن ـ بأبرز أعلام صحابته عليه السلام وقيادات جيشه الذين وردت أسماؤهم في الأخبار.

وقد كنا قد استعرضنا في السابق، جانباً يسيراً من تلك المعارك، في كتيّبٍ صغير تحت عنوان: «الكوفة كنز الإيمان»، لكن موضوعه لم يكن يسمح بالإسهاب والاستطراد كثيراً في استقرائها وسردها، إنما أردنا فيه أن نقدّم صورة مختصرة تبيّن (فضل الكوفة) على لسان أهل البيت عليهم السلام وما أفاده الواقع التاريخي في بعض المعارك. أما هذا البحث فيتناول بشكل رئيس (أصحاب علي) المجاهدين بين يديه، واستعراض تاريخهم في المعارك الكثيرة التي دارت رحاها مع أهل الشام والخوارج، وما يتعلق بها مما ذكرنا من نقاط، للتحقق مما نُسب إليهم من التقصير بحق إمامهم، وتقاعسهم عن نصرته، وخذلانه في المعارك والغارات، كما زعمت بعض الأخبار والنصوص.

صفحة 10

وقد قسمنا هذه الدراسة إلى أجزاء:

معركة الجمل

معركة صفين

معركة النهروان

الغارات

ونسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لنا، يقرّبنا من رضاه في الآخرة، ويسهم في كشف الكثير من الحقائق، وتصحيح الكثير من التصورات.

ولا يفوتني أن أشيد بمركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة الذي أخذ على عاتقه إخراج هذا العمل ونشره بأجزائه الأربعة، والحمد لله رب العالمين.

حسين المياحي

كربلاء المشرفة / رمضان المبارك/ 1447هـ

***

صفحة 11

وقعة صفين

بعد انتهاء معركة الجمل، وهزيمة جيش الناكثين على يد علي عليه السلام وأنصاره وشيعته من أهل العراق والحجاز، من المهاجرين والأنصار والصحابة، توجه نحو الكوفة. فلما دخلها «ومعه أشراف الناس، وأهل البصرة، استقبله أهل الكوفة، وفيهم قُرَّاؤهم وأشرافهم، فدعوا له بالبركة»(1).

ثم تقاطرت عليه وفود أهل العراق، من البصرة وغيرها، فلما استقر في الكوفة، بعث جرير بن عبد الله البجلي الهمداني إلى معاوية، واستمرت المفاوضات طويلاً.

ومن اللافت للنظر هنا، أن أصحاب علي عليه السلام


(1) وقعة صفين: 3.

صفحة 12

كانوا مندفعين للقتال أكثر من علي عليه السلام، لأنه كان أكثر أناةً ورويّةً وحكمةً، ويسعى جاهداً أن لا تذهب الأمور باتجاه السيف وسفك الدماء، وهذا من أبرز الأوصاف التي تميز بها النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، بل هو منهج سار عليه النبي والأئمة طيلة حياتهم. فلم يبدأوا أحداً بقتال قط، ولم يدعوا إلى مبارزة، ولم يستثنوا أو يستبعدوا أي فرصة لحقن الدماء، مهما كان الاحتمال فيها ضئيلاً. بخلاف ما حاول التاريخ تقديمه من صورة دموية لعلي عليه السلام، بأنه خاض في دماء المسلمين.

فمما ورد في استعجال أصحابه التحرك لقتال معاوية، ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة، بقوله:

«ومن كلام له عليه السلام، وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب، بعد إرساله جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية: إن استعدادي

صفحة 13

لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام، وصرف لأهله عن خيرٍ إن أرادوه. ولكن قد وقَّتُّ لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً. والرأي عندي مع الأناة، فأرْوِدُوا، ولا أكره لكم الإعداد. ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه، وقلبت ظهره وبطنه، فلم أر لي إلا القتال أو الكفر، إنه قد كان على الناس وال أحدث أحداثاً، وأوجد للناس مقالاً، فقالوا ثم نقموا فغيروا»(1).

وفي خطبة أخرى: «ومن خطبة له عليه السلام وفيها يصف أصحابه بصفين، حين طال منعه لهم من قتال أهل الشام… إلخ»(2).

وفي خطبة ثالثة: «ومن كلام له عليه السلام وقد استبطأ أصحابُه إذنه لهم في القتال بصفين…إلخ»(3).


(1) نهج البلاغة: 48. صبحي الصالح. الخطبة رقم 43.

(2) نهج البلاغة: 90. صبحي الصالح. الخطبة رقم 54.

(3) نهج البلاغة: 91. صبحي الصالح. الخطبة رقم 55.

صفحة 14

وسوف يأتي في استعراض المعارك والغارات مع الأمويين أو الخوارج، شواهد أخرى، تكشف عن اندفاع أصحابه، وحماسهم للمشاركة في المعارك. وقد كان يتوعد بهم أعداءهم، ويصفهم بالقول: «متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم».

وبعد جهد جهيد من علي عليه السلام، لاحتواء معاوية، وتجنب الحرب، فشلت الجهود المبذولة في الصلح، وسط تعنت وعناد من معاوية. فجهز عليٌّ عليه السلام جيشاً جراراً من أهل العراق، بلغ تعداده مئة ألف، أو يزيدون(1)، وتوجهوا نحو الشام، فاشتعلت المعارك شبه اليومية، ودارت رحاها بين (أهل العراق) و (أهل الشام). حتى أصبحت (العراقيّة) صفة


(1) وقعة صفين: 157. وقال في موضع آخر:«استعمل علي عليه السلام على مقدمته الأشتر بن الحارث النخعي، وسار علي في خمسين ومئة ألف من أهل العراق». (وقعة صفين: 156).

صفحة 15

لجيش علي عليه السلام وشيعته، فلا يقال: عراقي، إلا وهو مناصر لعلي عليه السلام وشيعة له، كما أصبحت (الشامية) صفة لجيش معاوية(1).

وكان جيش علي عليه السلام يمثل النخبة الخيّرة من المسلمين، السابقين للإسلام والإيمان، والصفوة المؤمنة من المجاهدين الصادقين، الذين بايعوه على الموت.

قال اليعقوبي: «وكان مع علي يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلاً، وممن بايع تحت الشجرة سبعمئة رجل، ومن سائر المهاجرين والأنصار أربعمئة رجل، ولم يكن مع معاوية من الأنصار إلا النعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد، وصدقت نيّاتُ أصحاب علي في القتال»(2).


(1) انظر: وقعة صفين: 178. قالت أخت الأجلح الكندي، وهي ترثي أخاها الذي كان في جيش الشام:كريمٌ ماجدُ الجدينيشفي من أعاديناوممن قاد جيشَهمعليٌّ والمضلّوناشفانا الله من أهل الــعراق فقد أبادونا

(2) تاريخ اليعقوبي2: 188.

صفحة 16

وذكر المسعودي أنهم ألفان وثمانمائة رجل:

قال المسعودي: «وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الانصار. وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة »(1).

وهذه الحقيقة، من حضور جُلّ الصحابة مع علي عليه السلام في صفين وغيرها، شهد بها القاصي والداني، ويكفينا ما ورد عن علي عليه السلام في واحد من كتبه لمعاوية جواباً على كتاب له من قوله: «وأنا مُرقلٌ نحوك، في جَحْفلٍ من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديدٌ زِحامهم، ساطعٌ قَتامهم، مُتسربِلين


(1) مروج الذهب2: 325.

صفحة 17

سرابيلَ الموت، أحبُّ اللقاءِ إليهم لقاءُ ربِّهم، قد صحبتهم ذُرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ﴾»(1).

ومن الحوادث الملفتة للنظر في تلك المعركة، أن جيش الشام حالَ بين جيش العراق وماء الفرات قبل اندلاع المعارك بينهما، وبقي جيش علي عليه السلام يوماً وليلة بلا ماء، فقال عمرو بن العاص لمعاوية:

«خَلِّ بينهم وبين الماء، فإنَّ علياً لم يكن ليظمأ وأنت رَيَّان، وفي يده أعِنَّة الخيل، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت، وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز»(2).


(1) نهج البلاغة : 389 – صبحي الصالح.

(2) وقعة صفين: 163. شرح نهج البلاغة3: 320. مروج الذهب2: 375.

صفحة 18

وروى نصر بن مزاحم، أن الحصار والعطش أثار في نفوس العراقيين النخوة والحمية والإصرار على القتال، خلاف ما كان يظن معاوية، فكان علي عليه السلام يسمع الأشعار الحماسية تنطلق من القبائل وهي تطالبه بالسماح لها بفك الحصار، أو الموت على طاعة علي عليه السلام. وكانت قبيلة كندة أجبرت قائدها الأشعث بن قيس على أن يطالب علياً بالهجوم نحو الفرات.

قال أحد شعراء مذحج(1):

أيمنعُنا القومُ ماءَ الفرات

وفينا الرِّماحُ وفينا الحَجَفْ(2)

وفينا الشَّوازب مثل الوشيج

وفينا السيوف وفينا الزَّغَفْ(3)


(1) انظر هذه الأبيات في المصادر التالية: وقعة صفين: 164. الفتوح3: 8. شرح نهج البلاغة3: 321. مروج الذهب2: 375.

(2) الحَجَف: جمع الحَجَفة، وهي التُّرس من جلود الإبل. وتسمى الدَّرَقة أيضاً.

(3) الشوازب: الخيل الضامرة. والوشيج: أراد به الرماح، وأصل الوشيج شجر الرماح. وشبّه الخيل بالرماح في دقتها وضمرها. والزَّغَف: جمع زَغْفة، وهي الدرع الواسعة الطويلة المحكمة. والغين تسكن وتحرك في المفرد والجمع.

صفحة 19

وفينا عليٌّ له سورةٌ(1)

إذا خوّفوه الرّدَى لم يخَفْ

فنحن الذين غداة الزبير

وطلحة خُضنا غمار التَّلَف

فما بالُنا أمس أُسْدُ العرين

وما بالنا اليوم شاء النجف

فما للعراق وما للحجاز

سوى اليوم يومٌ فصكوا الهدف

فدِبُّوا إليهم كبُزل الجمال

دُوَين الذَّميلِ وفوق القَطَف(2)

فإما تحلّوا بشط الفرات

ومنا ومنهم عليه الجيف


(1) السَّوْرة: اسم من الغضب، أو الحدّة، أو البطش. ويقال أيضاً: له سَوْرةٌ في الحرب، وذو سَورة: أي وثبة.

(2) الذميل والقطف: نوعان من مسير الجمال.

صفحة 20

وإما تموتوا على طاعةٍ

تحل الجنان وتحبو الشرف

وإلا فأنتم عبيد العصا

وعبد العصا مستذل نطف

وانتدب اثنا عشر ألفاً من جيش علي عليه السلام، من خيرة رجال العراق، بقيادة الأشتر النخعي، فأقحم الخيل حتى وضع سنابكها في الفرات، وأخذت أهلَ الشام السيوف فولَّوا مدبرين.

***

صفحة 21

شواهد الولاء في صفين

من ينظر في أشعار صفين، وإفادات صحابة علي عليه السلام، والكثير من الوقائع الأخرى، يدرك بلا أدنى شك، أن اصطلاح «أهل العراق» وإن كان يعني جيش علي عليه السلام عموماً، وهو جيش كبير من الشيعة العَقَديين القائلين بالنص والتنصيب الإلهي، أو غيرهم، إلا أنه من العام المراد به الخاص، أي أنه يعني الشيعة بالخصوص. فكان شيعة علي عليه السلام، من أهل الإيمان بالولاية والإمامة، هم الدعامة الأساسية في جيش العراق، بما لهم من عقيدة راسخة، وفروسية وشجاعة وإقدام منقطع النظير على الموت. وهو ما برز في أقوالهم وأشعارهم بشكل واضح.

صفحة 22

فمن ذلك:

1ـ قول الأعور الشَّنّي(1) بعد وصول علي عليه السلام إلى الكوفة قادماً من البصرة، وكان قد حضر معه الجمل، وهو يحثُّه على قتال معاوية:

قل لهذا الإمام قد خبت

الحرب وتمّت بذلك النعماءُ

وفرغنا من حرب من نقض

العهدَ وبالشام حيةٌ صماءُ(2)

فقد استعمل لفظ (الإمام)، الذي لم يكن استعماله معهوداً مع من سبق علياً عليه السلام. أضف إلى ذلك، أن أخبار الشنّي الأخرى تعكس


(1) وهو أبو منقذ، بِشْر بن منقذ، أحد بني شَنّ بن أفصي بن عبد القيس من ربيعة. قال عنه الآمدي: «شاعرٌ خبيث، وكان مع علي رضي الله عنه يوم الجمل». (المؤتلف والمختلف من أسماء الشعراء: 46). انظر كذلك: (إكمال الكمال7: 299. تاريخ دمشق10: 312). وهو شاعر معروف. (انظر: البيان والتبيين1: 154. الشعر والشعراء2: 624. أنساب الأشراف5: 600). وغيرها كثير.

(2) وقعة صفين: 8. شرح نهج البلاغة3: 107. الأخبار الطوال: 152.

صفحة 23

عقيدته في القول بإمامة علي عليه السلام وأبنائه من بعده. فمن ذلك قوله لعلي عليه السلام: أنت الإمام، عليك أن تقول وعلينا أن نفعل.

قال نصر: «قام الأعور الشَّنّي إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نقول لك كما قال صاحب أهل الشام لمعاوية(1)، ولكن نقول: زاد الله في سرورك وهداك. نظرتَ بنور الله، فقدمتَ رجالاً، وأخّرتَ رجالاً. عليك أن تقول، وعلينا أن نفعل. أنت الإمام، فإن هلكت فهذان من بعدك ـ يعنى حسناً وحسيناًعليهما السلامـ وقد قلتُ شيئاً فاسمعه، قال: هات، فأنشده:


(1) قال له أحد الشعراء اليمانيين، وقد ساءه أن يؤمِّرَ معاوية عليهم بسر بن أرطاة وأمثاله: معاويُّ أحييتَ فينا الإحنوأحدثت بالشام ما لم يكنعقدتَ لبسر وأصحابهوما الناس حولك إلا اليمنإلى آخر ما قال. وهذه إفادة أخرى، وشهادة من أحد الشهود العيان، تثبت خلاف ما قيل في أصحاب معاوية من الطاعة، وأصحاب علي من العصيان.

صفحة 24

أبا حسنٍ أنت شمسُ النهار

وهذان في الحادثات القمرْ

وأنت وهذان حتى الممات

بمنزلة السمع بعد البصرْ

وأنتم أناس لكم سُورةٌ

تقصر عنها أكف البشرْ

يخبرنا الناس عن فضلكم

وفضلكم اليوم فوق الخبرْ»(1).

فما أتم كلامه، حتى انهال عليه الثناء، وسارع أصحاب عليعليه السلام إليه بالإتحاف والإهداء.

قال نصر، بعد أن ذكر أبياته بتمامها: «فلم يبق أحد من الناس به طِرْق، أو له ميسرة(2)، إلا أهدى للشَّنّي أو أتحفه»(3). وفي لفظ ابن أبي الحديد: «فلم يبق أحدٌ من الرؤساء إلا


(1) وقعة صفين: 425.

(2) الطِّرق: القوة والقدرة. والميسرة: الغنى.

(3) وقعة صفين: 426.

صفحة 25

وأهدى إلى الشَّني أو أتحفه»(1).

2ـ ما اشتهر من شعر قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاري(2):


(1) شرح نهج البلاغة8: 69.

(2) قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، من خيار شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وخواصه، من ذوي البصائر النافذة، والعقيدة الراسخة في الإمامة الإلهية، والشجاعة المنقطعة النظير. كان من الرافضين لبيعة أبي بكر، وقال في وقتها: «يا معشر قريش، قد علم خياركم أن أهل بيت رسول صلى الله عليه وآله أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الأمر لعلي بمحضر منكم وسماع أذنيكم، فلا ترجعوا ضُلالاً فتنقلبوا خاسرين». (رجال البرقي: 65. وعنه: معجم رجال الحديث15: 96).وقد روى الطبري عن معاوية أنه عدله بمئة ألف مقاتل، لما له من الرأي والدهاء والشجاعة. (انظر: الطبري4: 70). وهو ممن شهد لعلي عليه السلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. وأبياته المذكورة، احتج بها علماء الشيعة على دلالة حديث الغدير على الإمامة الإلهية: قال الشيخ المفيد في هذه الأبيات، وفي شعر حسان بن ثابت في حديث الغدير: «وهذه الأشعار مع تضمُّنِها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة، وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم». (الفصول المختارة: 291). وقال: «ومن ذلك ما تطابقت به الأخبار، ونقله رواة السير والآثار، ودوّنه حملة العربية والأشعار، من قول قيس بن سعد بن عبادة، سيد نقباء رسول الله صلى الله عليه وآله من الأنصار رحمه الله، ومعه راية أمير المؤمنين عليه السلام، وهو بين يديه بصفين، في قصيدته اللامية التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا… ». ثم ذكر دليلين في هذا الشعر: «أحدهما: أن المولى يتضمن الإمامة عند أهل اللسان، للاتفاق على فصاحة قيس، وأنه لا يجوز عليه أن يعبر عن معنى ما لا يقع عليه من اللفظ عند أهل الفصاحة، لا سيما في النظم، الذي يعتمد صاحبه فيه الفصاحة والبيان. والثاني: إقرار أمير المؤمنين عليه السلام قيساً وترك نكيره، وهو ينشد بحضرته، ويشهد بالإمامة له، ويحتج به على الأعداء، وأمير المؤمنين عليه السلام ممن لا يقر على باطل، ولا يمسك عن الإنكار، لا سيما مع ارتفاع التقية عنه، وتمكُّنه من الإنكار». (أقسام المولى في اللسان:36). أقول: ومن أوضح ما في شعره من دلالة على الاعتقاد بالإمامة الإلهية قوله: «أتى به التَّنزيلُ»، فهو إمام منصوص عليه من الله تعالى، وليس بالاتفاق والاختيار، أو التسلط بالقوة والقهر، وهذه عقيدة الشيعة في الإمامة على مدى العصور. وقال الشيخ الطوسي: «وأيضاً فقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم فهموا من الخبر فرض الطاعة والإمامة، منها قول عمر الذي قدمناه، وذلك لا يليق إلا بما قلناه، ومنها قول حسان بن ثابت… وقال قيس بن سعد…». ثم ذكر الأبيات. (الاقتصاد: 221. انظر كذلك: الكراجكي، كنز الفوائد: 234). وقال الشيخ الأميني: «فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم». (الغدير2: 67). والبيت الثالث في رواية ابن أعثم الكوفي: وعليٌّ إمامنا لا سواهفي كتابٍ أتى به التنزيلُوقد روى ابن أعثم القصيدة اللامية لقيس بن سعد من عشرة أبيات، ثم نقل قول الراوي: « فانكسر معاوية بهذا الشعر، ثم قال: لئن أمكنني الله من حمى الأنصار لأشفين نفسي به». (الفتوح3: 42). توفي قيس في المدينة سنة 60 هـ.أقول: لا يبقى بعد ذلك عذر لمن ظنّ أن التشيع بين أصحاب علي عليه السلام آنذاك، كان بمعنى الحب والاتّباع فقط، أو أنه قولٌ بخلافته قياساً على من كان قبله، لا بإمامته الإلهية، فهؤلاء كبار أصحابه وقادة جيشه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، يصرحون بإمامته وفرض طاعته والنص عليه بعد النبي صلى الله عليه وآله بما لا يقبل الشك والتردد، وقد صدّقت أفعالُهم أقوالَهم طيلة مسيرتهم الجهادية مع إمامهم، حتى آخر يوم من حياة علي عليه السلام ثم واصلوا جهادهم من بعده مع أبنائه المعصومين.

صفحة 26
صفحة 27

قلتُ لما بغى العدوُّ علينا

حسبُنا ربُّنا ونعم الوكيل

حسبُنا ربنا الذي فتح البصرة

بالأمس والحديث طويل

وعليٌّ إمامنا وإمامٌ

لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبيصلى الله عليه وآله من كنتُ

مولاه فهذا مولاه خطب جليل

إنّ ما قاله النبيُّ على الأمة

حتمٌ ما فيه قال وقيلُ(1)

3 ـ تقدم قول الشاعر المذحجي آنفاً:

وإما تموتوا على طاعةٍ

تحل الجنان وتحبو الشرف

4 ـ قول النُّعمان بن عجلان الأنصاري(2):


(1) الشيخ المفيد، الفصول المختارة: 291. وغيرها من المصادر التي ذكرناها ضمناً في ترجمته.

(2) ذكره نصر باسم: النضر بن عجلان الأنصاري، ويظهر أن النضر لقبه. من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولاه على البحرين أيام خلافته. قال الأميني: «نعمان بن عجلان الأنصاري، لسان الأنصار وشاعرهم». (الغدير1: 185). وقال بن حبان: «النعمان بن عجلان الأنصاري، له صحبة». (الثقات3: 410). وهو ممن شهد لعلي عليه السلام بسماع حديث الغدير من النبي صلى الله عليه وآله في حادثة المناشدة في الرحبة. (انظر حادثة المناشدة وأسماء الشهود من الصحابة، ومنهم النُّعمان بن عجلان الأنصاري، في أسد الغابة3: 307). وغيره. ولم أعثر على تاريخ وفاته أو شهادته، ولا يبعد أن يكون (نعيم بن عجلان الأنصاري) الذي ذُكر في عداد الشهداء من أنصار الحسين عليه السلام، وعليه التسليم في الزيارة: السلام على نعيم بن عجلان الأنصاري. والله أعلم.

صفحة 28

كيف التفرقُ والوصيُّ(1) إمامنا

لا، كيف؟ إلا حيرةً وتخاذلا

لا تعتبُنَّ عقولُكم لا خير في

من لم يكن عند البلابل عاقلا

وذروا معاويةَ الغويَّ وتابعوا

دين الوصي تصادفوه عاجلاً(2)

5 ـ قول عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي(3):


(1) هذا الصحابي من البدريين، وهو يعتقد بإمامة علي عليه السلام ووصيته، وهذا واحد من مئات الشواهد والأدلة على أن التشيع كان منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله، وهو ما عليه الباحثون الشيعة قديماً وحديثاً. وقد تكرر لفظ الوصي والوصية في أشعار أصحاب علي عليه السلام كثيراً، أي أنهم شيعة باصطلاحنا نحن، لا باصطلاح بعض العامة الذي يوسع مفهوم التشيع كثيراً ليشمل غير القائلين بالإمامة والنص.

(2) وقعة صفين: 365. شرح نهج البلاغة1: 149.

(3) لم أجد له ترجمة وافية، سوى ما نقله بعضهم عن وقعة صفين وشعره فيها. (انظر: أعيان الشيعة7: 463). ولا يخفى أنه من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الأشداء، وخيار أصحابه، بدلالة الأبيات المأثورة عنه. وذكر ابن اعثم أنه أصيب في صفين، وأثخن بالجراحات. فلا يبعد أنه استشهد فيها. (انظر: الفتوح3: 148). وفي الفتوح زيادة بيت رابع، بعد البيت الثاني مباشرة، لم يذكره نصر بن مزاحم، وهو قوله لمعاوية: أكلَّ الدهر مَرعوسٌ جبانتُحاربُ من يقومُ إلى الكتابوالمرعوس: المضطرب، المرتجف.

صفحة 29

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ

أما لك لا تنيبُ إلى الصواب

فإن تسلم ونبقى الدهر يوماً

نزُرك بجحفلٍ شبه الهضابِ

يقودهمُ الوصيُّ إليك حتى

يردك عن عوائك وارتيابِ(1)

6 ـ قول المغيرة بن الحارث بن المطلب(2):

فيكم وصيُّ رسول الله قائدكم

وأهله وكتاب الله قد نشرا

7ـ وكتب معاوية بن صعصعة(3)، وهو ابن


(1) وقعة صفين: 382. الفتوح3: 148.

(2) من الصحابة المهاجرين الأوائل، ممن يعتقد بالوصية لعلي عليه السلام، فهو من أصحابه وشيعته.

(3) من وجهاء بني تميم البصريين، وفرسانهم، وشعرائهم البارزين. عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب علي عليه السلام. (انظر: رجال الطوسي: 83). بل يظهر جلياً من شعره ومواقفه، أنه من خيار شيعته الموالين الأوفياء. وقد كتب هذه القصيدة من الكوفة لبني سعد من تميم، يستنهضهم فيها ويحثهم على الإسراع بالالتحاق بجيش علي، فاستجابوا له. قال نصر: «فلما انتهى كتاب الأحنف، وشعر معاوية بن صعصعة إلى بني سعد، ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة، فعزّت بالكوفة وكثرت، ثم قدمت عليهم ربيعة». (وقعة صفين: 27).

صفحة 30

أخي الأحنف، شعراً، جاء في بعضه:

وإن علياً خيرُ حافٍ وناعلٍ

فلا تمنعوه اليوم جهداً ولا جِدّا

ومن نزلت فيه ثلاثون آيةً

تسميه فيها مؤمناً مخلصاً فردا

سوى موجباتٍ جئن فيه وغيرها

بها أوجب الله الولاية والودّا(1).

قال التستري بعد ذكر الأبيات: «وهي ظاهرة في استبصاره»(2).

8 ـ أمر عليٌّ عليه السلام النجاشي أن يكتب جواباً لمعاوية على كتاب له، فكان مما قال:


(1) وقعة صفين: 27.

(2) قاموس الرجال10: 134.

صفحة 31

فقل للمضلل من وائل

ومن جعل الغث يوماً سمينا

جعلتم علياً وأشياعه

نظير ابن هند لا تستحونا

إلى أول الناس بعد الرسول

وصنو الرسول من العالمينا

وصهر الرسول ومن مثله

إذا كان يومٌ يشيب القرونا(1).

ومن شعر النجاشي:

رضينا بما يرضى عليٌّ لنا به

وإن كان فيما يأتي جَدعُ المناخرِ


(1) وقعة صفين: 59. الكامل في اللغة والأدب1: 261. قال المُبرِّد: «ثم دعا النجاشيَّ أحد بني الحارث بن كعب فقال له: إن ابن جعيلٍ شاعرُ أهل الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجب الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين، أسمعني قوله، قال: إذاً أسمعك شعر شاعرٍ، فقال النجاشي يجيبه…». ثم اكتفى بذكر بيتين فقط من أول قصيدته الطويلة، هما: دَعَنْ يا معاوي ما لن يكونافقد حقق الله ما تحذروناأتاكم عليٌّ بأهل العراقوأهل الحجاز فما تصنعونا ثم قال: «وبعد هذا ما نمسك عنه».

صفحة 32

وصيُّ رسول الله من دون أهله

ووارثه بعد العموم الأكابرِ(1).

9ـ قول مالك الأشتر لأمير المؤمنين عليه السلام أثناء الاستعداد لصفين: «جميعُ من ترى من الناس شيعتُك، وليسوا يرغبون بأنفسهم عن نفسك، ولا يحبون بقاءً بعدك، فإن شئت فسر بنا إلى عدوك»(2).

وذكر أبو جعفر الإسكافي ونصر بن مزاحم، أن علياً عليه السلام قال لأصحابه في الكوفة قبل المسير إلى صفين: «فأشيروا عليّ، فإنّكم ميامين الرأي، راجحو العقل، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والأمر»(3). فقال له الأشتر ما قال.


(1) وقعة صفين: 137.

(2) وقعة صفين: 95. الأخبار الطوال: 164. الفتوح2: 499. جمهرة خطب العرب1: 315.

(3) المعيار والموازنة: 125. وهذا خلاف ما نُسب إليه عليه السلام من قوله لهم: «حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، وأمثال ذلك». وقد أورد الإسكافي الكثير من الشواهد على استجابة أصحابه السريعة لقتال أهل الشام، بل حثهم إياه على عدم التأخير في ذلك. وقد أُدرج هذا المقطع في إحدى الخطب المنسوبة لأمير المؤمنين عليه السلام ليكون المفهوم منه عكس المقصود، وهو الذمّ وليس المدح، وسوف يأتي بحثه في محله إن شاء الله.

صفحة 33

وذكر نصر بن مزاحم خبر استشارة علي عليه السلام أصحابه قبل المسير إلى أهل الشام، فقال: «أما بعد، فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم، فأشيروا علينا برأيكم»(1). ثم ذكر من أجابوه، ومنهم: هاشم بن عتبة المرقال، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وسهل بن حنيف، ولم يذكر الأشتر، إنما ذكره في محل آخر في حادثة أخرى.

10 ـ وقال حجر بن عدي(2) يذكر علياً:


(1) وقعة صفين: 92.

(2) وهو أشهر من أن يعرّف، وله من المواقف البطولية ما يعزّ على الحصر والعدّ. فقد حضر حروب أمير المؤمنين الثلاثة الكبرى، وقضى فيما بعد على حركة الأشهب بن بشر الخارجي. وقاد أربعة آلاف مقاتل لملاحقة الضحاك بن قيس الفهري، فهزمهم شرّ هزيمة. وذلك بعد معركة صفين والنهروان.

صفحة 34

لا أخطل الرأي ولا بغياً

واحفظه ربي حفظك النبيا

فإنه كان له ولياً

ثم ارتضاه بعده وصيا(1)

وقال هذا لكم وليا

من بعد إذ كان بكم حفيا(2)

11 ـ قال الفضل بن العباس مخاطباً معاوية في قصيدة طويلة، منها:

دعوتَ ابن عباسٍ إلى السلم خُدعةً

وليس لها حتى تدين بقابلِ

وقلتَ له لو بايعوك تبعتَهم

فهذا عليٌّ خيرُ حافٍ وناعلِ

وصي رسول الله من دون أهله

وفارسُه إن قيل: هل من منازلِ؟(3)


(1) وقعة صفين: 381.

(2) الدر النظيم: 355.

(3) وقعة صفين: 416.

صفحة 35

12ـ قال المنذر بن أبي حَمِيصَة الوادعي(1) لأمير المؤمنين عليه السلام:

«والله لآخرتُنا خيرٌ من دنياهم، ولَعراقُنا خيرٌ من شامهم، ولأمامُنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منا بالنصر، واحملنا على الموت»(2). ثم أنشد أبياتاً منها:

وسألنا حُسنَ الثواب من الله

وصبراً على الجهاد ونيّه

ولأهلُ العراقِ أحسنُ في الحرب

إذا ما تدانت السَّمهريه

ولأهلُ العراق أحمَلُ للثِّقل

إذا عمّت العبادَ بليّه


(1) شاعر همْدان وفارسها. والوادعي: نسبة إلى وادعة، بطن من همدان. لم أجد له ترجمة وافية في مصادر الفريقين، كما لم أجد له سوى خبر واحد في مصادر العامة، وهو قسمته للفارس سهمين، وللراجل سهماً، فبلغ ذلك عمر فرضي به. (انظر: الآثار: 171. معرفة السنن والآثار13: 169).

(2) وقعة صفين: 435.

صفحة 36

ليس منا من لم يكن لك في الله

وليّاً يا ذا الوَلا والوصيه

وفي رواية ابن اعثم(1):

و لأهلُ العراق أحسنُ في الحرب

إذا كلّت الرجال نقيه

و لأهلُ العراق أصبرُ في النقع

إذا ثارت العجاج عشيه

ولأهلُ العراق أحملُ للثقل

إذا عمت البلاد بليه

ولأهلُ العراق أعرفُ بالله

وبالدين والأمور السنيه

ليس منا من لم يكن لك في الله

ولياً يا ذا الولا والوصيه

13ـ من كتاب لمحمد بن أبي بكر إلى معاوية: «فكيف يا لك الويل، تعدل نفسك بعلي، وهو وارثُ رسول الله صلى الله عليه وآله، ووصيُّه، وأبو ولده،


(1) الفتوح3: 134.

صفحة 37

وأول الناس له اتباعاً، وآخرهم به عهداً»(1).

14 ـ مما يؤكد عقيدة الإمامة الراسخة عند شيعة علي عليه السلام آنذاك، وأن صفة التشيع لا تُطلق ـ اصطلاحاً ـ إلا على القائل بإمامته نصاً وتعييناً، أن هرثمة بن سليم كان مع علي عليه السلام في صفين، لكنهم ذكروا أن زوجته (كانت شيعة لعلي).

فقد روى هرثمة نزوله عليه السلام كربلاء وصلاته فيها، ثم أخذَه شيئاً من تربتها ليشمه، وقوله: واهاً لك أيتها التربة، ليحشرنَّ منك قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب.

قال نصر: «فلما رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته وهي جرداء بنت سمير، وكانت شيعة لعلي، فقال لها زوجها هرثمة: ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن؟ لما نزلنا كربلاء رفع


(1) وقعة صفين: 119. أنساب الأشراف2: 395. كنز الدرر وجامع الغرر3: 350. جمهرة رسائل العرب1: 477.

صفحة 38

إليه من تربتها فشمها، وقال: واهاً لك يا تربة، ليحشرن منك قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب، وما علمه بالغيب؟ فقالت: دعنا منك أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً…»(1).

فالرجل لم يكن شيعياً، وإن قاتل مع علي، بخلاف زوجته الشيعية، لذا وصفوها بالتشيع دونه.

15ـ ذكر نصر وغيره أبا الطفيل، عامر بن واثلة بالقول: «إنه آخر من بقي من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد مع علي عليه السلام صفين، وكان من مخلصي الشيعة»(2).

16 ـ ذكر نصر بن مزاحم أبا أيوب الأنصاري(3) بقوله: «وكان سيداً معظماً من


(1) وقعة صفين: 141. أمالي الصدوق:136. وفي تكملة الخبر أن هرثمة بن سليم (مسلم) بقي إلى أيام كربلاء، وهو الذي قال للحسين عليه السلام: لا معك ولا عليك، وأنه لم ينصره.

(2) وقعة صفين: 395.

(3) هو خالد بن زيد الخزرجي الأنصاري، اشتهر بكنيته. من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن شيعة علي عليه السلام. حضر معه الجمل وصفين والنهروان، وغيرها. مات بالقسطنطينية سنة 51 هـ ودفن قريباً من سورها. وهو من الأوائل الذين رفضوا خلافة أبي بكر، ومن الشهود لعلي عليه السلام بسماعه حديث الغدير. وقد أجاب السيد الخوئي رحمه الله عن وصف الفضل بن شاذان رحمه الله لأبي أيوب بقلة الفقه والغفلة، بسبب قتاله المشركين مع معاوية، بقوله: «أقول: اعتراض الفضل على أبي أيوب في غير محله. فإنّ قتال المشركين مع خلفاء الجور، إذا كان بإذنٍ خاص أو عام من الإمام عليه السلام لا بأس به، بل هو موجب للأجر والثواب، فقد قاتل الكفَّارَ مع من هو شرٌّ من معاوية، من هو خير من أبي أيوب وأجل وأرفع مقاماً». (معجم رجال الحديث8: 26).

صفحة 39

سادات الأنصار، وكان من شيعة علي عليه السلام»(1).

17 ـ ذكر نصر أن معاوية بعث أبا مسلم الخولاني ومعه كتابٌ إلى علي عليه السلام يطلب منه تسليم (قتلة عثمان)، فقال له علي: اغدُ عليّ غداً، فخذ جواب كتابك. فجاء في اليوم التالي «فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحَتَها، ثم غَدَوا فملأوا المسجد، وأخذوا ينادون: كلُّنا قتل ابن عفان…»(2).

ولا شك أن هذا الموقف لا يُحتمل صدوره


(1) وقعة صفين: 366.

(2) وقعة صفين: 86.

صفحة 40

عن أتباع الخلافة، لا من العثمانية ولا غيرهم. ومن المعلوم أنهم لم يقتلوا عثمان فعلاً، لكنهم أرادوا سلب الذريعة التي يتذرّع بها معاوية.

18ـ قول عمار بن ياسر لعمرو بن العاص: «أيها الأبتر، ألستَ تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ وأنا مولى الله ورسوله وعلي بعده، وليس لك مولى»(1).

أي أنّ الرواة المتقدمين، والمؤرخين القدامى، كانوا يفرّقون بين (شيعة علي) القائلين بإمامته، وهي الصفة الغالبة في جيشه، وبين من خرجوا معه للقتال، لكنهم لا يقولون بها، إنما يرون أنه الخليفة الشرعي للمسلمين وفق نظرية الشورى. وهذا ما أكّده الدكتور طه حسين بقوله:

«يذكرُ أهلُ العراق مكان عليّ من النبي


(1) وقعة صفين: 338.

صفحة 41

وقول النبي لأصحابه: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فلما قالوا له: بلى، أخذ بيد علي وقال: من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ويذكرون كذلك قول الله في القرآن الكريم: ﴿النَّبيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾(1).

ثم يذكرون قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(2). فهم كانوا يَرَوْنَ أنهم حين يقاتلون مع علي كأنهم يقاتلون مع النبي نفسه، جهاداً في سبيل الله»(3).

***


(1) الأحزاب: 6.

(2) التوبة: 24.

(3) علي وبنوه: 78.

صفحة 42

صور من شجاعة أصحاب عليعليه السلام وشيعته

من خلال تعبئة علي عليه السلام للجيش أثناء الحرب في صفين، نجد أن عُمدته وغالبيته الساحقة كانت من أهل الكوفة والبصرة، مع ثُلّة من أهل الحجاز من عيون المهاجرين والأنصار وعلية القوم، الذين أطلق عليهم جميعاً فيما بعد (أهل العراق) أو (أهل الكوفة) أو (أصحاب علي).

جاء في وقعة صفين: «أن علياً عليه السلام بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجَّالة أهل الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وكان قد أقبل من مصر

صفحة 43

إلى صفين ـ وجعل معه هاشم بن عتبة، وابنه، وجعل مسعود بن فدكي التميمي على قرّاء أهل البصرة. فصار قراء أهل الكوفة إلى ابن بديل وعمار بن ياسر»(1).

ومن الحوادث الملفتة للنظر في صفين أيضاً، استماتة جيش علي عليه السلام في نصرته، والشواهد فيه كثيرة جداً، وهي مسطورة في جميع المصادر التي ذكرت تلك الوقعة الملحمية. فمن ذلك مواقف ربيعة:

قال نصر بن مزاحم: «وقال معاوية لعمرو: أما ترى يا أبا عبد الله ما قد دَفَعنا فيه؟ كيف ترى أهل العراق غداً صانعين؟ إنا لبمعرض خطرٍ عظيم. فقال له عمرو: إن أصبحتْ ربيعةُ متعطِّفين حول عليّ، تعطُّفَ الإبل حول فَحْلها، لقيتَ منهم جِلاداً صادقاً وبأساً


(1) وقعة صفين: 208. انظر كذلك: وقعة صفين: 205. تاريخ خليفة بن خياط: 146. الأخبار الطوال: 171.

صفحة 44

شديداً، وكانت التي لا يَتَعزَّى لها. فقال له معاوية: أبِخُؤولتك تخوِّفني يا أبا عبد الله؟ قال: إنك سألتني فأجبتُك.

فلما أصبحوا في اليوم العاشر، أصبحوا وربيعةُ محدقةٌ بعليعليه السلام إحداقَ بياضِ العين بسوادها. وقام خالد بن المُعمَّر(1)، فنادى: من يبايعُ نفسَه على الموت ويشري نفسَه لله؟ فبايعه سبعةُ آلاف على ألا ينظرَ رجلٌ منهم خلفه حتى يَرِدَ سُرادقَ معاوية. فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقد كسروا جفون سيوفهم»(2).

وقال نصر: «قال عمر: حدثني ابن أخي عَتّاب بن لقيط البكري، من بني قيس بن


(1) خالد بن المعمَّر السدوسي: كان سيد قومه. حضر مع علي عليه السلام الجمل، وكان من أمرائه على ذهل البصرة في صفين. بل ذكر نصر بن مزاحم، والطبري، أن راية ربيعة كلها، كوفيتها وبصريتها، كانت مع خالد بن المعمَّر من أهل البصرة، وأن علياً عليه السلام هو الذي أعطاه رايتهم بعد أن تنافسا هو وسعيد بن ثور السدوسي. (انظر: وقعة صفين: 290. تاريخ الطبري4: 24). ذكره ابن حجر في الإصابة في من له إدراك. (انظر: الإصابة في تمييز الصحابة2: 299).

(2) وقعة صفين: 305. انظر كذلك: شرح نهج البلاغة5: 241.

صفحة 45

ثعلبة، أن علياً حيث انتهى إلى رايات ربيعة، قال ابن لقيط: إنْ أصيبَ عليٌّ فيكم افتَضَحْتُم، وقد لجأ إلى راياتكم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، ليس لكم عُذرٌ في العرب إن أصيب عليٌّ فيكم، ومنكم رجل حيّ. إن منعتموه فحَمْدَ الحياة أُلبستموه. فقاتَلوا قتالاً شديداً لم يكن قبله مثله حين جاءهم عليّ.

ففي ذلك تعاقدوا، وتواصَوا، ألا ينظر رجلٌ منهم خلفه، حتى يَردَ سُرادق معاوية. فلما نظر إليهم معاوية قد أقبلوا قال:

إذا قلتُ قد ولَّتْ ربيعةُ أقبلت

كتائبُ منهم كالجبال تُجالدُ

ثم قال معاوية لعمرو: ما ترى؟ قال: أرى أن لا تحنَثَ أخوالي اليوم. فخلّى معاويةُ عنهم وعن سُرادقه وخرج فارّاً عنه، لائذاً إلى بعض مضارب العسكر فدخل فيه»(1).


(1) وقعة صفين: 306. انظر كذلك: شرح نهج البلاغة5: 242.

صفحة 46

وفي تاريخ الطبري عن أبي مخنف، عن الحضين بن المنذر: «فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عال جهير، كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة. فقال: بل هي رايات الله عز وجل، عصم الله أهلها، فصبرهم وثبت أقدامهم»(1).

وفي تاريخ الطبري: «قال أبو مخنف: حدثني ابن أخي غياث بن لقيط البكري، أن علياً حيث انتهى إلى ربيعة، تبارت ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب عليٌّ فيكم وقد ألجأ إلى رايتكم افتضحتم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علي فيكم، وفيكم رجل حيٌّ، وإن منعتموه فمجدَ الحياة اكتسبتموه. فقاتلوا قتالاً شديداً حين جاءهم عليّ، لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي


(1) تاريخ الطبري4: 23.

صفحة 47

ذلك قال عليّ:

لمن رايةٌ سوداءُ يخفِق ظلُّها

إذا قيل قدِّمْها حُضينُ تقدَّما

يُقدِّمُها في الموت حتى يزيرها

حِياضَ المنايا تقطُرُ الموتَ والدِّما

أذقْنا ابنَ حرب طَعْنَنَا وضِرابَنا

بأسيافِنا حتّى تولّى وأحجَما

جزى الله قوماً صابروا في لقائهم

لدى الموتِ قوماً ما أعفَّ وأكرما!

وأطيبَ أخباراً وأكرمَ شِيمةً

إذا كَانَ أصواتُ الرجال تَغَمْغَما

رَبِيعَةَ أعني أَنَّهُمْ أهلُ نجدةٍ

وبأسٍ إذا لاقوا جسيماً عَرَمْرَما (1)

وحُضين هذا: هو حُضَين بن المنذر (أو الحضين) بن الحارث الرقاشي البصري، وكنيته أبو ساسان، كان شابّاً شجاعاً، أعجب


(1) تاريخ الطبري4: 26.

صفحة 48

عليّ عليه السلام بزحفه وثباته فأعطاه رايته(1). وكان حضين يفتخر ويقول: «أعطاني عليٌّ الراية ثم قال: سِرْ على اسم الله يا حضين، واعلم أنه لا يخفق على رأسك رايةٌ أبداً مثلها، إنها رايةُ رسول الله صلى الله عليه وآله»(2).

وقد طلب الراية منه ذات مرة جَبَلة بن عطية الذُّهلي، ويدعى أبا عَرْفاء، قائلاً له: أعِرْها عمَّك ساعة، فما أسرع ما ترجع إليك، فعلم الحُضين أنه يريد أن يستقتل، فأعطاه الراية. قال نصر: «فأخذ الرايةَ أبو عَرْفاء فقال: يا أهلَ هذه الراية، إنَّ عملَ الجنةِ كُرْهٌ كُلُّه وثقيل، وإنَّ عَمَلَ النار خِفٌّ كُله وحبيب، وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره، وليس شي ء مما افترض الله على العباد أشدَّ من


(1) كما أعطاها هاشم بن عتبة المرقال في بعض الأيام، وخالد بن المُعمَّر وغيرهما. انظر: وقعة صفين: 193، 290.

(2) وقعة صفين: 300.

صفحة 49

الجهاد، هو أفضل الأعمال ثواباً. فإذا رأيتموني قد شدَدْتُ فشُدُّوا. ويحكم، أما تشتاقون إلى الجنة؟ أما تحبون أن يغفر الله لكم؟ فشَدَّ وشدُّوا معه، فاقتتلوا اقتتالاً شديداً… فقاتل أبو عرفاء حتى قُتل، وشدت ربيعةُ بعده شدةً عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها»(1).

ومنها مواقف هَمْدان، وكان عليها سعيد بن قيس، وكفاها فخراً قول علي عليه السلام فيها:

دعوتُ فلباني من القوم عُصبةٌ

فوارسُ من همدان غير لئامِ

فوارسُ من همدان ليسوا بعُزَّلٍ

غداة الوغى من شاكرٍ وشِبام

ومن هذه القبيلة الكثير من أمراء علي وقادته وولاته، منهم مالك بن كعب الأرحبي، الذي بعثه علي على رأس جيش إلى مصر، ثم أمره بالعودة لما سمع بمقتل محمد بن أبي بكر.


(1) وقعة صفين: 304.

صفحة 50

وعمرو بن سلمة الأرحبي، عامل علي على البحرين. وهانئ بن الخطاب الهمداني، الذي سرحه سعيد بن قيس أمامه في ملاحقة سفيان بن عوف، في غارته على هيت، وغيرهم. أما سعيد بن قيس، فأشهر من نار على علم.

وحديث الشجاعة والإقدام والتضحية المنقطعة النظير في صفين، طويل جداً لا تُحيط به الصفحات، ولا توفيه المحابر والأقلام، بل أصبح فيه العراقيون مضرب المثل، شهد لهم به العدو قبل الصديق(1).

وهكذا نجد أن هذه الحرب قامت على


(1) من ذلك ما قاله عمرو بن العاص لمعاوية بعد أن أزاحهم الأشتر عن الماء، وكان معه أربعة آلاف من متبصري أهل العراق:فكيف رأيت كباش العراقألم ينطحوا جمعنا نطحهأظن لها اليوم ما بعدهاوميعاد ما بيننا صبحهفإن ينطحونا غداً مثلهانكن كالزبيري أو طلحهوقد شرب القوم ماء الفراتوقلدك الأشتر الفضحةالمصدر: نصر بن مزاحم، وقعة صفين: 86.كما تقدم قوله لمعاوية: فإنَّ علياً لم يكن ليظمأ وأنت رَيّان، وفي يده أعنّة الخيل، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت، وأنت تعلم أنه الشجاع المُطرِق، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز.

صفحة 51

رؤوس العراقيين، وشُيّدت بجماجمهم، وارتوت من دمائهم، وهي حربٌ ضروس استمرت ما يقرب من أربعة أشهر(1)، خلفت وراءها آلاف الشهداء، وأفواجاً من الأرامل واليتامى والآلام والآهات، كل ذلك في طاعة عليعليه السلام وانقياداً لأمره.

***


(1) ذكروا أنها استمرت مئة وعشرة أيام، ولم تكن متواصلة بشكل يومي، إنما كانت بشكل معارك متفرقة، وغارات، أبلى فيها أصحاب علي عليه السلام أحسن البلاء، وهو ما يعكسه عدد القتلى الذي ذكرته التواريخ من أهل الشام، فقد بلغ أربعين ألفاً، في مقابل خمسة وعشرين ألفاً من أصحاب علي عليه السلام من جيش العراق.

صفحة 52

تداعيات صفين

على طريقة الكثيرين في التعاطي مع الحالات الشاذة السلبية فقط، حتى قبل التحقق منها، وتسليط الضوء عليها، وتضخيمها، والنفخ فيها، وتهويلها، لاتهام شيعة علي عليه السلام وأصحابه بالتخاذل، جعل بعضهم النهاية التي انتهت إليها صفين مدخلاً للطعن بشيعته وأصحابه قاطبةً، ورميهم بالتخاذل والتفرق عنه، وعدم الوفاء له.

ولا يمكن هنا التغاضي عن منهج الاستهداف التاريخي الدائم لشيعة علي عليه السلام، ودور الأقلام الأموية أولاً، ثم العباسية وغيرها، ممن كتبت تاريخ صفين وغيرها.

فتجد أنّ ما وقع من بعض المنتسبين لجيشه،

صفحة 53

يُنسب لأصحابه على نحو العموم والإجمال، لا لمن حصلت عنده شبهة كالخوارج، الذين تاب أكثرهم فيما بعد، بتدبير حكيم من أمير المؤمنين عليه السلام، ولا لأصحاب الأغراض، كالأشعث بن قيس وأنصاره، وهم قلة قليلة ضئيلة لا تقاس بالسواد الأعظم من جيشه، من أنصاره وأهل بيته وشيعته، من المهاجرين والأنصار، من شرطة الخميس وغيرهم.

ولا بد أن نشير هنا إلى مسألة منطقية وشرعية في الوقت نفسه، وهي نسبة النتائج إلى الأسباب في المسائل النظرية، فكثيراً ما يُنسب المعلول إلى علّةٍ مع تعدد احتمالات العلل، ومجهولية العلّة الواقعية، فيترتب على ذلك حكمٌ ظنّي، بعيد كل البعد عن الحق والصواب القطعي. وهذا الحكم إذا تناول مؤمناً بالتهمة والقدح، فلا شك ولا ريب أنه ذنبٌ عظيم يتعرض صاحبه للحساب والمساءلة.

صفحة 54

ومن خلال الوقائع التاريخية القطعية، لا يشكّ ذو عقل، ولا يجادل منصف، أن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته الذين جاهدوا معه، مؤمنون، بشهادة علي عليه السلام نفسه، بل هم أساس الإيمان وأصله بعد أئمتهم عليهم السلام، لأنهم أخذوه مباشرةً عن المعصوم، ثم نقلوه للأجيال اللاحقة. وقد تقدم فيما مضى ـ وسوف يأتي ـ الشواهد المتكاثرة التي لا تدع مجالاً للشك في ذلك.

فلا يجوز ـ شرعاً ـ إصدار الأحكام الجزافية من القدح بهم، إلا بدليل قطعي لا يقبل التأويل، فكيف إذا كانت الأدلة على تلك الأحكام من النوع المتضارب المتعارض، بل المتكاذب أحياناً، أو المتعدد العلل، أو من اللوازم الافتراضية غير اللازمة. وبعد ذلك كله: مصدرها وطرقها من خصومهم ومبغضيهم، بل مبغضي علي عليه السلام نفسه وسائر الأئمة عليهم السلام؟

صفحة 55

فمن أمثلة تلك الأحكام الجزافية ما ذكره الشيخ مغنيةرحمه الله في (تقاعس) أصحاب علي عليه السلام بقوله: «رفعَ معاويةُ المصاحف، فقال الإمام: لا تُصدّقوا، إنها مكيدة، فأبَوا إلا الكفّ عن القتال. ثم اختاروا للتحكيم أبا موسى الأشعري، فقال الإمام: لا، ولكن ابن عباس، فأبوا عليه إلا الأشعري.

وغارت خيل معاوية على الأطراف، فدعاهم الإمام إلى الذبّ عن أنفسهم فلم يسمعوا(1)، ثم توغلت خيل العدو حتى


(1) هذه (كذبة تاريخية) اصطنعها الجاحظ وأمثاله. فقد بعث أمير المؤمنين عليه السلام في غارة سفيان بن عوف على الأنبار، سرية قتالية بقيادة سعيد بن قيس الهمداني، أو قيس بن سعد بن عبادة، أو هانئ بن خطاب (انظر: أنساب الأشراف2: 441). وفي كتاب الغارات للثقفي أنه بعث سعيد بن قيس من النخيلة بثمانية آلاف، فتبعهم حتى بلغ قنسرين، وقد هربوا، فلم يلحق بهم. (انظر: الغارات2: 482). وفي الغارات أيضاً: «أنّ علياً عليه السلام ندب الناس عندما أغاروا على نواحي السواد، فانتدب لذلك شرطة الخميس، فبعث إليهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ثم وجههم فساروا حتى وردوا تُخوم الشام ». (الغارات2: 236). وشرطة الخميس: اثنا عشر ألفاً بايعوا علياً عليه السلام على الموت، وشارطهم الجنة. بل ذكر الطبري أنهم أربعون ألفاً. (تاريخ الطبري4: 121). وفي غارة الضحاك بن قيس على طريق الحجاج، بعث جيشاً بقيادة حجر بن عدي، فهرب منهم الضحاك إلى عمق الصحراء، فتبعوه وقتلوا بعض أصحابه. وفي هذه الغارة كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام وصفه فيها بأنه «أقل وأذل من أن يقرب الحيرة». ووصف هروبه المشين، وفراره المدوّي. أما في غارة بُسر على الحجاز واليمن، فبعث جارية بن قدامة ووهب بن مسعود الخثعمي في أربعة آلاف، فهرب منهم بُسر. وقد قرر عليه السلام بعدها العودة إلى صفين، وخطب آخر خطبة له في حياته، ثم عقد الرايات بعشرات الآلاف، كما ذكر الشريف الرضي في نهج البلاغة بقوله: «وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون». (نهج البلاغة: 264. صبحي الصالح).

صفحة 56

دنت من العاصمة، فصاح بهم فسمعوا وانصرفوا(1). وبعد أن دارت عليهم الدائرة


(1) هذا خلاف ما روته التواريخ تماماً، ولا أدري من أين جاء الشيخ مغنية بهذه المعلومة التاريخية؟. ولعله أراد حادثة أبي مريم السعدي، وهو من الخوارج وهذا قتله أصحاب عليعليه السلام على بعد ثمانية وعشرين كيلومتراً تقريباً من الكوفة كما سوف يأتي، مع أنه لم يصل إلى هذا المكان بغارة أو توغُّل، إنما استقرّ وعسكر هناك قادماً من شهرزور، ولم يكن علي عليه السلام يبدأ أحداً بقتال، إلا إذا دُعي لذلك، بل كانت له سيرة خاصة في السعي لاستيعاب الخوارج ما أمكن. وكيف لا يهبّ أصحاب علي للدفاع عن أنفسهم وقد وصل التهديد إلى بيوتهم وأعراضهم بحسب الزعم، وهم جماجم العرب، ولهاميمها ويآفيخها وأنفها المقدم، وسنامها الأعظم، وفرسانها الذين خاضوا أعنف المعارك مهاجمين لا مدافعين؟ وسوف يأتي كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أخيه عقيل، يذكر فيه غارة الضحاك بن قيس في غرب العراق، وقوله فيه: «إن الضحاك أقل وأذلّ من أن يلمّ بالحيرة». أي أنه لا يجرؤ على الدنو قريباً من الكوفة. وكان معاوية يحذّر أصحابه المغيرين غدراً على غرب العراق أن يقربوا الكوفة، لأن الاقتراب منها يعني الاحتراق بلهيب نارها، والموت بسيوف فرسانها. ولو كانت كما صورتها أقلام المؤرخين العباسيين، والرواة الأمويين والزبيريين، لما توانى معاوية لحظة واحدة في مهاجمتها واحتلالها، بدلاً من إشغال جيشه بالإغارة هنا أو هناك.

صفحة 57

عرفوا واعترفوا بأنهم لو أطاعوا الإمام لكان لهم النصر والظفر، ولعدوهم الهزيمة والفشل»(1).

وقال في موضع آخر، في بيان معنى الحكومة: «يريد بهذه الحكومة تحكيم ابن العاص والأشعري، بعد رفع المصاحف، وكان رأيه المضيّ في القتال حتى النهاية، وعدم الاستجابة لخديعة معاوية ونفاقه… ولو أخذ أصحاب الإمامعليه السلام برأيه لاهتدوا نهج الخير والصواب، وتجنبوا تلك الفتن ومعضلاتها»(2).

وفي موضع آخر: «ولما بدت علامات النصر


(1) في ظلال نهج البلاغة1: 193.

(2) في ظلال نهج البلاغة1: 232.

صفحة 58

في جبهة الإمام عليه السلام وظهر الوهن في جبهة معاوية رفع هذا المصاحف حيلة وخداعاً، ودبّ الخلاف والاضطراب في أصحاب الإمام، ولم يكن من المستطاع جمعهم على كلمة سواء»(1).

وقال أيضاً: «وبهذا الوازع(2) انحاز إليه من انحاز في صفين، ومعاوية يعرف هذه الحقيقة، ولذا رفع المصاحف حيلةً وغيلةً ومكراً وخداعاً، وأعلن الإمام ذلك لأصحابه، وقال لهم: لا تصدقوا معاوية، إنه يغدر ويفجر، وينعق بالكذب والضلال، فإذا أجبتموه أضلكم عن الهدى وسواء السبيل. ولكنهم أعرضوا عن دعوة الحق، واستجابوا للخداع والضلال. ولمّا كشفت الدعوة الخادعة عن أسرارها، قامت قيامة الخوارج، وقالوا


(1) في ظلال نهج البلاغة1: 349.

(2) أي وازع الدين والضمير.

صفحة 59

للإمام: أخطأت، فذكّرهم بتحذيره، ولكن أبوا إلا هكذا، كما هو شأن المارق المعاند»(1).

وقال مما قال: «كان الإمام ينصح أصحابه، ويرشدهم سواء السبيل، ويدع الخيار لهم فيما يرون(2)، وقد نهاهم عن قبول التحكيم، وبيّن


(1) في ظلال نهج البلاغة2: 223.

(2) هذه الفكرة أخذها الشيخ مغنية من الدكتور طه حسين، الذي زعم أن علياً عليه السلام لم يكن يُكره الناس على أمرين: الأول: البقاء في ظل سلطانه. والثاني: الحرب، فلم يكن يفرضها عليهم فرضاً، ولا يدفعهم إليها بقوة السلطان. إنما كان يندبهم ويعظهم وينصحهم. (علي وبنوه: 152). وهذه من الطامات التي نُسبت لعلي عليه السلام بتأثير الأقلام الأموية والعباسية، وهي امتداد لأكذوبة «السبئية» التي ابتدعها سيف بن عمر، التي صورت علياً عليه السلام أنه مملوك لا يملك، ومأمور ليس بآمر. فإذا كان علي عليه السلام ينصحهم ويُرشدهم، ثم يدع الخيار لهم، فيما لهم فيه الخيار واقعاً، من الأمور غير الإلزامية، فلا لوم عليهم، ولا يؤاخذون بذلك، وقد كان هذا دأب علي عليه السلام وديدنه وسيرته في تربية الجماعة الصالحة، لتنمية الشعور بالمسؤولية في نفوسهم، وتعزيز الثقة بها. وقد ورد عنه قبل خروجه إلى البصرة استشارته ابن عباس وعمار بن ياسر، وما أكثر ما استشار أصحابه كما استشارهم النبي صلى الله عليه وآله قبل ذلك، لا لعدم قدرته على التشخيص، لكنها طريقة العظماء في تربية الأتباع. فالإمام عليه السلام لا يتعامل بفرض الرأي الأحادي والطاعة العمياء كما هو معروف عند الطغاة والجبابرة. والأكثر من ذلك أنه كان يشجع أصحابه على السؤال والاستفهام والنقاش لمعرفة أسرار المواقف. أما القرارات المصيرية المهمة، ومنها قرارات الحرب والسلم والصلح والمهادنة، فلم يكن هنالك من هو أشد منه حزماً وإصراراً، وهو بطل القرارات الصعبة في الساعات الحرجة. وهذه هي الصفات القيادية التي يجب أن يتحلى بها كل قائد ناجح، فضلاً عن أن يكون إماماً معصوماً. أما أن يتعامل مع القرارات المصيرية بالنصح والإرشاد والوعظ فقط، وهو القائد الأعلى للدولة والجيش، ويترك القرار بيد من هبّ ودبّ، ثم يخضع مرغماً لقرار خطير مخالف، تتخذه شرذمة قليلة من أتباعه، لا أثر لها في جيش جرار مستميت بين يديه طاعةً له، ويبدو أمامهم بلا حول ولا طَول ولا قوة، فهذه صورة خرافية أسطورية، رسمتها الأقلام الأموية والعباسية لعلي عليه السلام، لإظهاره بمظهر القائد الفاشل الذي يفتقر لأبسط مقوّمات القيادة الناجحة. وسوف تأتي لاحقاً، تصريحات من علي عليه السلام نفسه، أنه كان راضياً بالاحتكام لكتاب الله تعالى، مع علمه أنها مكيدة، وهي طريقة معروفة في إلزام الحجة، واغتنام شتى الفرص للسلام وحقن الدماء.

صفحة 60

لهم أن رفع المصاحف حيلة وغيلة، فأصروا على الضلال، وسكت هو دفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف(1). وسبق الكلام عن ذلك


(1) لو كانت هذه الفرضية مستندة لمعطيات واقعية لكانت معقولة، لكن معطياتها ومقدماتها المتوفرة لا تصلح للاستناد إليها، فغالب الجيش، كمّاً ونوعاً، كان مع علي عليه السلام ومنهم المهاجرون والأنصار، وشرطة الخميس، وأهل بيته، وسائر شيعته. والفرقة التي انخدعت برفع المصاحف ـ بحسب الفرض ـ لم تكن تتجاوز إلا نسبة مئوية ضئيلة، ولم يكن بينها أحد من المهاجرين أو الأنصار ولا أحد من شيعته العقديين المعروفين، فكيف يستسلم ويخضع لما فيه إذلال المؤمنين، وإضعاف جبهة الحق التي قاتلت وضحّت وقدمت الغالي والنفيس، حتى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من النصر، خوفاً من شرذمة قليلة، غاية ما يُتوقع منها ترك القتال، أو أن يقاتله بعضهم إلى جانب معاوية؟ وقد رأينا لاحقاً، أنه قاتل من تبقى من هذه الشرذمة في النهروان، دون كلل أو تردد أو استشارة أحد، بعد أن استنفد جميع الوسائل في إعادتهم للصواب، فأبادهم عن آخرهم، إلا من حالفه الحظ بالنجاة، وهم أفراد قلائل. فمن استطاع قتلهم في النهروان، لا يعجز عن قتالهم في صفين، على فرض أنهم كانوا سيقاتلونه.

صفحة 61

مراراً، منها في الخطبة 120»(1).

وقد نقل الشيخ مغنية في كتابه الكثير من أقوال العامة في صحابة علي عليه السلام، وتبناها واستشهد بها بلا تردد، ومن ذلك: بعض أقوال الدكتور طه حسين(2) في كتابه «علي


(1) في ظلال نهج البلاغة3: 237.

(2) الدكتور طه حسين: كاتب معروف، وهو عميد الأدب العربي، وكتابه المذكور مهم جداً في الكثير من التحليلات والآراء الجريئة. إلا أنه مع سعة اطلاعه وحفظه، وعدم تعصّبه، وقدرته الواضحة في التحليل، استند لوقائع تاريخية دون التحقيق فيها أولاً. وهذه المعطيات انعكست على الكثير من النتائج المتضاربة التي انتهى إليها، كما هو حال الكثيرين الذين يقفزون من التحقيق إلى التحليل.فقد عدّ الإمام الحسن عليه السلام من العثمانية، بالمعنى الدقيق للكلمة، وربما غلا في عثمانيته. وأنه كان على خلاف دائم مع علي عليه السلام، حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحب، بل وجّه إليه تهمة قتل عثمان بشكل مباشر، بقوله: «لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء، يعني عثمان». (علي وبنوه: 176). كما اضطرب رأيه في تحديد ظهور الشيعة زمنياً، فبينما ذكر أن منطلقات أهل العراق في طاعة علي عليه السلام هي حديث الغدير وأمثاله، وأنهم كانوا يرون أنهم حين يقاتلون مع علي كأنهم يقاتلون مع النبي نفسه، جهاداً في سبيل الله (ص: 78). وأنهم كانوا يحبون علياً في الله، ويرون أن حبه دين (ص: 170)، أنكر لاحقاً أن يكون التشيع في زمان علي بالمعنى الديني، إنما ظهر بعده، وكان قبل ذلك تشيعاً بالمعنى اللغوي فقط، شأنه شأن التشيع لمعاوية وعثمان (ص: 173). واضطرب كثيراً، وتهافت كلامُه في تقديم صورة محددة المعالم لأصحاب علي من أهل العراق، فبينما يستعرض الكثير من منقولات التاريخ في (تقاعسهم) عن الجهاد، (وعدم استجابتهم) لعلي عليه السلام في مواطن كثيرة من كتابه، يستعرض بإزائها حوادث كثيرة أخرى في استجابتهم له، وإسراعهم في طاعته وتنفيذ أوامره في جهاد أعدائه، خصوصاً في التصدي لغارات الخوارج وغارات معاوية. كما زعم بعض المزاعم التي لا أصل لها في التاريخ، أو أنها من نوع التهويل للحادثة الصغيرة وتعميمها على الجميع.

صفحة 62

وبنوه»، وعبد الكريم الخطيب في كتابه «علي بن أبي طالب».

ومع أن الشيخ مغنية لا ينكر أن الذين خالفوا علياً عليه السلام هم الخوارج وأمثالهم من أصحاب المصالح، وهم قلة قليلة في جيشه، إلا أن لغته في التعاطي مع المشهد تَنسبُ العصيان والاختلاف لأصحاب علي عليه السلام عموماً دون استثناء، سواء من كان رأيه القتال أو الكفّ عنه. فكأنهم تركوا علياً وحده معزولاً، وانشغلوا بالجدل في مواصلة القتال أو عدمه. وهذا لونٌ من الضبابية في

صفحة 63

الخطاب، تؤثر سلباً في ذهن المتلقي، حتى لو لم يكن الكاتب قاصداً ذلك، فيكون الأصل عنده في أصحاب علي عليه السلام (الخيانة والخذلان والتقاعس). مع أن انشقاق جماعة صغيرة من جيش جرّار بعشرات الآلاف، يُفترض أن تكون مسألة طبيعية جداً، تحصل مع أي قائد مثل علي عليه السلام، الذي لا يضرب الأعناق لمجرد المخالفة. فجيشه لم يكن يخلو من هؤلاء منذ البداية. بل حصلت الكثير من الانشقاقات في جيش معاوية أيضاً، مع شدة القبضة الحديدية هناك. وسوف تأتي بعض الشواهد منها.

فكيف جعل الشيخ مغنية العنوان العام (أصحاب علي) مُختزَلاً في هذه الجماعة، وليس العكس، بأن يجعل الوفاء والولاء هو الأصل، والانشقاق والعصيان حالة شاذة؟

ولا شك أن هذه المبالغات، والتضخيم،

صفحة 64

والتهويل، وتسليط الضوء على بعض السلبيات المفترضة فقط، والتغاضي عن غيرها، والتنكر له، تجعل ذهن المتلقي يخرج بنتيجة سلبية حتماً، وهو ما يعتمده الكثير ممن يستعرض تاريخ أصحاب الأئمة عليهم السلام وشيعتهم، بل تاريخ الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.

وسوف نقف على بعض النقاط المهمة التي تكشف حقيقة الحال فيما حدث عند رفع المصاحف في صفين.

***

صفحة 65

نظرة موجزة في التحكيم ورفع المصاحف

سوف نذكر في ما يلي بعض النقاط التي تعينُنا على تكوين صورة واضحة لحادثة التحكيم، وأثر رفع المصاحف فيها:

أ ـ من المؤكد حصول خديعة ابن العاص في رفع المصاحف، بعد أن ضيق أصحاب علي عليه السلام الخناق على الجيش الشامي، وهذه تُحسب لأصحاب علي عليه السلام لا عليهم. فقد قاتلوا بشراسة لبضعة أشهر، وقدموا خمسة وعشرين ألف شهيد، عدا الجرحى، وكانت كفتهم هي الراجحة، ولوا ذلك لما اضطر معاوية لرفع المصاحف، والاحتكام لكتاب الله تعالى، الذي دُعي إليه مراراً قبل صفين فلم يُجب.

صفحة 66

لكن تلك الخديعة لم تكن تنطلي لا على علي عليه السلام ولا على أصحابه من أهل البصائر والدين والطاعة والتضحية، وهم الغالبية الساحقة في جيشه، المطيعة له في السراء والضراء، كما تقدم. وهم الذين كانوا يستعجلونه في قتال معاوية.

ب ـ الذين انخدعوا بها، أو حاولوا خداع غيرهم، أو حصلت لهم شبهة، كانوا ثُلّة قليلة من جيش علي عليه السلام كالأشعث بن قيس وأشباهه، وإذا عرفنا أن غالب هذه الفئة آل أمرُها فيما بعد للخروج على علي بالمطلق، نجد أن عددهم الكلي لا يتجاوز الاثني عشر ألفاً بادئ الأمر في أعلى التقادير، ثم تناقص إلى الثلث فقط بعد أن تاب منهم ثمانية آلاف ورجعوا إليه عليه السلام نتيجة لحكمته ونهجه الأبوي في التعامل مع الأمة. أما الأربعة آلاف أو أقل، فقد قاتلهم فيما بعد لما أصروا

صفحة 67

على قتاله، وتمكن من حشد عشرات الآلاف من جيشه. فكيف يُنسب للمجموع العصيان وانطلاء حيلة رفع المصاحف، مع أن الذين انخدعوا بها شرذمة قليلة نسبياً بالمقارنة مع جيشه البالغ مئة ألف، أو مئة وخمسين ألفاً؟

ج ـ عند التدقيق في أسماء المنشقّين عنه في صفين، أو الذين خرجوا بعد التحكيم ـ على قلة عددهم ـ كالأشعث بن قيس، وحرقوص بن زهير، وعبد الله بن وهب الراسبي، وأمثالهم، لا نجد بينهم أحداً من شيعة علي عليه السلام وأصحابه المقربين مطلقاً(1)، خصوصاً من


(1) بل لم نجد بينهم من صحابة النبي صلى الله عليه وآله سوى حرقوص بن زهير، المعروف بذي الخويصرة، أو ذي الثُّدَيَّة، وقد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله في حياته أن له أصحاباً سوف يخرجون من الدين كما يخرج السهم كمن الرَّميِّة. وزعم الجاحظ أن هناك صحابياً آخر هو فروة بن نوفل الأشجعي، كان مع الخوارج، والصحيح أن أباه نوفل الأشجعي كان صحابياً وليس هو. (انظر: العثمانية: 174. البخاري، التاريخ الكبير7: 127. و: 8: 108). أما عبد الله بن وهب الراسبي، وهو من رؤوس الخوارج، وشريح بن أبي أوفى العبسي، وعبد الله بن الكواء اليشكري، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين، والأشهب بن بشر البجلي، وأمثالهم من الخوارج، فلم نجد بينهم من هو من شيعة علي عليه السلام ولا من أصحابه المقربين الذين يشار إليهم بالبنان، كخزيمة وعمار وأبي الهيثم وخَبَّاب، وأمثال هؤلاء. بل سوف يأتي لاحقاً أنهم كانوا على نهج الشيخين، أبي بكر وعمر.

صفحة 68

المهاجرين والأنصار، أو من التابعين الذين كانوا معروفين بطاعة علي عليه السلام.

فقد ذكر الشيخ المفيد أصناف المبايعين لعلي عليه السلام من المهاجرين والأنصار، وبني هاشم، وعِلْية الشيعة «وأهل الفضل في الدين والإيمان والعلم والفقه والقرآن، المنقطعين إلى الله تعالى بالعبادة والجهاد والتمسك بحقائق الإيمان». ثم قال في آخر كلامه:

«فبايعوه على حرب من حارب، وسلم من سالم، وأن لا يولُّوا في نصرته الأدبار، وحضروا مشاهده كلها، لا يتأخر عنه منهم أحد، حتى مضى الشهيد منهم على نصرته، وبقي المتأخر منهم على حجته، حتى مضى أمير المؤمنين عليه السلام لسبيله. وكان من بقي منهم بعده على ولايته، والاعتقاد بفضله على الكافة

صفحة 69

بإمامته»(1).

وذكر الشيخ المفيد أمثلة من أعلام كل مجموعة من المجموعات الأربع السابقة، على طبقاتهم في التقى ومراتبهم في الدين، وممن دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد لهم بالجنة، ممن بايعوا البيعتين وصلَّوا القبلتين، واختصوا من مدائح القرآن، والثناء عليهم من نبي الهدى، عليه وآله السلام، مما لم يختلف فيه من أهل العلم اثنان، وممن لو أثبت أسماءهم لطال بها كتابه، ولم يحتمل استيفاء العدد(2).

فلم نجد أحداً من الأسماء التي ذكرها الشيخ المفيد لهؤلاء، ولا ممن ذكره غيره، كان من بين الخوارج المنشقّين، كما لم نجد بينهم أحداً منهم، ولو بالمواصفات العامة.

بل نجد في كلام قادتهم أنهم كانوا على دين


(1) الجمل: 52.

(2) انظر: الجمل: 51.

صفحة 70

الشيخين منذ البدء، ويرون أفضليتهما على عليعليه السلام، وهذه بعض الشواهد:

1ـ روي عن رأس الخوارج الذي بويع في النهروان، وهو عبد الله بن وهب الراسبي، قوله مخاطباً أمير المؤمنينعليه السلام: «وقام بالأمر بعده(1) أبو بكر، بما قد شهدتَه وعاينتَه، متمسكاً بدين الله، مؤثراً لرضاه، حتى أتاه أمر ربّه، فاستخلف عمر، فكان من سيرته ما أنت عالم به، لم تأخذه في الله لومة لائم، وختم الله له بالشهادة»(2).

2 ـ قال عبد الله بن شجرة السلمي الخارجي، قبل نشوب القتال: «إنّ الحق قد أضاء لنا، فلسنا متابعيكم أبداً، أو تأتونا بمثل عمر»(3).


(1) أي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

(2) أنساب الأشراف2: 370.

(3) أنساب الأشراف2: 371. فالخوارج لم يكونوا قبل ذلك من الشيعة بالمعنى العقدي المعروف عند الشيعة وهو القول بالإمامة والوصية، إنما كانوا في عداد جيش علي عليه السلام. لكن الدعاية الأموية، والتثقيف العباسي، بمعونة الأقلام الزبيرية وغيرها، جعلت كلّ من في جيش علي عليه السلام شيعة له بالمعنى العقدي، لا سيما بعد استشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام واشتراك بعض الخوارج في قتله، ومنهم شبث بن ربعي. وكذلك اشتراك بعض العناصر ممن كانوا في جيش علي، لكنهم من القائلين أيضاً بإمامة من سبقه. كلّ ذلك للطعن بشيعة علي عليه السلام وهم أهل العراق والحجاز بالأغلبية الساحقة.

صفحة 71

3 ـ ذكر الطبري أن الخوارج لما خرجوا من الكوفة «أتى علياً أصحابُه وشيعتُه فبايعوه، وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي، وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم، فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر. قال له علي: ويلك، لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونا على شيء من الحق. فبايعه، فنظر إليه عليٌّ وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقُتلت، وكأني بك وقد وطئتك

صفحة 72

الخيل بحوافرها. فقُتل يوم النهر مع خوارج البصرة»(1).

فالخوارج لم يكونوا يوماً من شيعة عليعليه السلام، ولا من أتباعه البارزين من الصحابة وأمثالهم.

أضف إلى ذلك ـ بحسب الكثير من الشواهد ـ أن الكثير من الخوارج لم يكونوا من المخدوعين برفع المصاحف، إنما كانوا مصرين على مواصلة القتال، ليأسهم من معاوية. فيكون ذنبهم في عدم طاعة الإمامعليه السلام، لا في انخداعهم برفع المصاحف، وقد وصفهم عليه السلام، بأنهم طلبوا الحق فأخطأوه(2)، أي أن هدفهم صحيح، لكن سلوكهم خاطئ. وهذا ما يحتاج لبحث مستقل، ليس هنا محله.

بعبارة أخرى: فرقة الخوارج ظاهرةٌ نادرةٌ شاذة عن الأصل، بل لم تكن قبلُ من الأصل.


(1) تاريخ الطبري4: 56.

(2) كقوله عليه السلام: «لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه». (نهج البلاغة: 94).

صفحة 73

فمن منا لا يعرف شبث بن ربعي، صاحب التاريخ المتقلب، الذي أسلم متأخراً، ثم ارتدّ عن الإسلام والتحق بسجاح فكان مؤذّنها، ثم حصل على عفو من السلطة، ثم شارك في الثورة على عثمان، ثم خرج مع علي إلى صفين، ثم صار إلى الخوارج(1)، ثم تاب والتحق بعلي، ثم انضم للأمويين في الكوفة أيام زياد بن أبيه، ثم كاتب الحسين عليه السلام ـ بحسب مزاعم التاريخ ـ ثم انقلب عليه فقاتله. فلم يكن يوماً من شيعة عليعليه السلام، ولا من أصحابه المعروفين.


(1) مع أنه كان من الخوارج، ولكن لم يثبت أنه خرج على علي عليه السلام في صفين عند رفع المصاحف. فالخوارج إنما خرجوا على علي عليه السلام علناً، وتشددوا في مواقفهم حتى القتال، بعد نتائج التحكيم، وليس بعد رفع المصاحف مباشرةً، وإن خالفه الكثير منهم عند رفعها. لكن هناك من مال منهم، ومن غيرهم ـ كالأشعث بن قيس إلى خديعة رفع المصاحف بلا شك. وقد اشتبه الأمر على الكثيرين، فجعلوا كل من خالف علياً عليه السلام منخدعاً برفع المصاحف، مطالباً بوقف القتال، وأطلقوا عليهم جميعا لقب الخوارج، وليس الأمر كذلك. فهناك أيضاً من رفضوا (إيقاف القتال)، ولم يطيعوا علياً عليه السلام، وهم قسم من الخوارج. وهذا ما تعكسه الكثير من النصوص في حواراتهم مع علي عليه السلام كما سوف يتبين، عند التطرق لموقف أمير المؤمنين عليه السلام من التحكيم.

صفحة 74

وخروجه للقتال في صفين كخروج الأشعث بن قيس وأمثاله، ممن ظنوا أن السلطة والجاه والمصالح أصبحت بيد علي عليه السلام.

ومن منا لا يعرف حرقوص بن زهير المعروف بذي الخويصرة، الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله أنه سوف يخرج وأصحابه من الدين؟ وهكذا في أمثالهم.

فهل من الإنصاف، بل التقوى والدين، أن يُصادَر الاسم المقدس لشيعة علي عليه السلام، وأصحابه، فيُختزل بهؤلاء المنحرفين؟ بحيث يتحمل الاسم بالمطلق تبعات وسيئات ثلة قليلة ضالة انحرفت عن علي عليه السلام، أو عرضت لها شبهة، فيقال: خالفه أصحابه وعصوه وتفرقوا عنه؟

د ـ عند قراءة المشهد فيما بعد صفين، تتضح الصورة أكثر، فقد نهض مع علي عليه السلام ما يقرب من سبعين ألفاً، بعد أن قرر العودة إلى صفين،

صفحة 75

وهو دليل قاطع على طاعة أصحابه ووفائهم وولائهم، رغم جراحات صفين المؤلمة، وأفواج الأرامل واليتامى التي غصت بها أحياء الكوفة.

ويؤكد ذلك ما تقدم عن الشيخ المفيد، نقلاً عن تواريخ العامة، من وفاء أصحابه عليه السلام من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وعلية الشيعة، وأنهم حضروا مشاهده كلها، وثبتوا على ولايته بعد شهادته.

هـ ـ دعوى تهديد علي عليه السلام بالقتل كما قُتل عثمان، أو تسليمه إلى معاوية أسيراً(1)، أقرب


(1) وهو ما نسبه نصر بن مزاحم لبعض المعترضين على عدم إيقاف القتال من قولهم لعلي عليه السلام: «لتُرسِلَنَّ إلى الأشتر فَليأتينَّك، أو لَنقتُلنَّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لَنُسلِّمنَّكَ إلى عدوك». (وقعة صفين: 491). فهي نسخة طبق الأصل من أكذوبة سيف بن عمر التي أسس عليها نظريته المعروفة باتهام شيعة علي عليه السلام بالسبئية، قتلة عثمان، وأن علياً عليه السلام كان أشبه بالأسير بين أيديهم، حتى قال فيهم بحسب الزعم: يملكوننا ولا نملكهم. وأنهم تآمروا عليه في البصرة قبل بدء القتال فقالوا: « فهلمّوا، فلْنتَواثبْ على علي، فنلحقه بعثمان، فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون». (تاريخ الطبري3: 507).

صفحة 76

إلى الطُّرفة الساخرة منها إلى المعلومة التاريخية، ولعلّ من نقلها في التاريخ كان يضحك ملء شدقيه من العقول التي سوف تُصدقّها. فمن ذا الذي يخطر بباله ذلك وقائمُ سيف علي عليه السلام بيده، ومن حوله أنصاره وأهل بيته بعشرات الآلاف، منهم من شرطة الخميس فقط اثنا عشر ألفاً(1)، أو أربعون ألفاً(2)، بايعوه على الموت؟

***


(1) انظر: طبقات ابن سعد6: 380. تاريخ دمشق13: 262. تهذيب الكمال6: 244، 245.

(2) في تاريخ الطبري: «جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها، وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب، وكانوا أربعين ألفاً بايعوا علياً عليه السلام على الموت». (انظر: تاريخ الطبري4: 121).

صفحة 77

موقف أمير المؤمنين عليه السلام من التحكيم

يظهر من الكثير من النصوص أن علياً عليه السلام لم يكن مصمماً أيضاً على مواصلة القتال بعد رفع المصاحف، وإن كان يعلم أنها خديعة. وقد كان يبرر فكرة التحكيم ويراها وجيهة. فلو أنه كان يرى فسادها لما استطاع أحدٌ ثنيه عن مواصلة القتال، أيّاً كان، ولما بررّها ودافع عنها. فعليٌّ عليه السلام أكبر وأعظم من أن تثنيه شرذمة قليلة تحت تهديد السلاح، عن قرار يراه تكليفاً شرعياً. وهذا التصور ينسجم تماماً مع سيرة المعصومين جميعاً عليهم السلام جميعاً، إذ إنهم يجنحون إلى السلم ما أمكن، ويحقنون الدم ما استطاعوا، ولا يفرطون بأي فرصة في ذلك، مهما كان احتمالها ضئيلاً، فكيف إذا انضم

صفحة 78

إلى ذلك اعتبارات أخرى، كإتمام الحجة على الأمة، أو منح الجيش المقاتل فرصة لاستعادة قوته في حرب ضروس، وأمثال ذلك؟

وإليك بعضاً من تلك النصوص التي تؤكد هذا التصور:

1 ـ في نهج البلاغة: من كتاب له عليه السلام إلى أهل الأمصار في ذكر صفين ونتائجها: «وكان بدءُ أمرنا أنّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربَّنا واحد، ونبيَّنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة. لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا. الأمر واحد، إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء، فقلنا: تعالَوا نُداوِ ما لا يُدرَكُ اليوم، بإطفاء النائرة وتسكين العامة، حتى يشتد الأمر ويَسْتَجمِع، فنَقْوَى على وضع الحق مواضعه، فقالوا: بل نداويه بالمُكابرة، فأبوا حتى جنحت الحرب ورَكدَت، ووقدت نيرانها وحَمِشَت.

صفحة 79

فلما ضَرَّسَتْنا وإياهم، ووضعت مخالبها فينا وفيهم، أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه، فأجبناهم إلى ما دعوا، وسارعناهم إلى ما طلبوا، حتى استبانت عليهم الحجة، وانقطعت منهم المعذرة. فمن تم على ذلك منهم فهو الذي أنقذه الله من الهلكة، ومن لجَّ وتَمادى فهو الراكس الذي ران الله على قلبه، وصارت دائرة السَّوء على رأسه»(1).

2 ـ في نهج البلاغة، والإرشاد، وتاريخ الطبري، وغيرها: أن الخوارج احتجوا على علي عليه السلام بأنه حكّم الرجال في الدماء، فقال: «إنّا لم نُحكّم الرجال، وإنّما حكّمنا القرآن، هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من تَرجُمان، وإنما ينطقُ عنه الرجال. ولمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن، لم نكن الفريق المتولِّي عن كتاب


(1) نهج البلاغة: 448. صبحي الصالح. رقم الكتاب: 58.

صفحة 80

الله سبحانه وتعالى، وقد قال الله تعالى عزّ من قائل سبحانه: ﴿فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوْهُ إلى اللهِ والرَّسُوْلِ﴾(1)، فَرَدُّه إلى الله أن نَحكُم بكتابه، وردُّه إلى الرسول أن نأخذ بسنته. فإذا حُكمَ بالصدق في كتاب الله فنحن أحقُّ الناس به، وإن حُكم بسنة رسول اللهصلى الله عليه وآله فنحنُ أحق الناس وأولاهم بها»(2).

3 ـ في نهج البلاغة أيضاً في جواب الخوارج: «وأما قولُكم: لم جعلتَ بينك وبينهم أجلاً في التحكيم؟ فإنما فعلتُ ذلك ليتبيَّنَ الجاهلُ، ويتثبَّتَ العالم، ولعلَّ اللهَ أن يُصلحَ في هذه الهُدنة أمر هذه الأمة، ولا تؤخذ بأكظامها، فتعجلَ عن تبيُّن الحق، وتنقادَ لأول الغيّ. إنَّ أفضل الناس عند الله من كان العملُ بالحق


(1) النساء: 59.

(2) نهج البلاغة: 182. صبحي الصالح. الإرشاد1: 271. تاريخ الطبري4: 48. المناقب، لابن شهرآشوب3: 189.

صفحة 81

أحبَّ إليه وإن نقصه وكَرَثهُ(1)، من الباطل وإن جرّ إليه فائدة وزاده»(2).

4 ـ في نهج البلاغة أنه كتب لمعاوية: «وقد دعوتنا إلى حكم القرآن، ولستَ من أهله، ولسنا إياك أجبنا، ولكنا أجبنا القرآن في حكمه، والسلام»(3).

وفي نص آخر: «ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمتُ أنك لست من أهل القرآن، ولست حكمَه تريد، والله المستعان. وقد أجبنا القرآن إلى حكمه، ولسنا إياك أجبنا، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالاً بعيداً»(4).


(1) كَرَثَهُ: اشتدّ عليه.

(2) المصادر السابقة وغيرها.

(3) نهج البلاغة: 423. صبحي الصالح. وقعة صفين: 494. الفتوح3: 191. وقريب منه جداً ما في الأخبار الطوال: 191: «دعوت إلى حكم القرآن، وإني لأعلم أنك ليس حُكمَهُ تُحاول، وقد أجبنا القرآن إلى حكمه لا إياك، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالاً بعيداً».

(4) وقعة صفين:494.

صفحة 82

هذا يعني أن التحكيم لم يكن مفروضاً عليه، لا بقوة التهديد والسلاح، ولا مداراةً لهم بدفع الضرر الأشد بالأخف، وإلا لقال لهم: أنتم فرضتموه عليّ بالقوة، ولست أنا. وقد ذكر لهم قبل ذلك عدم رضاه أولاً بالتحكيم، وأن رفع المصاحف خديعة.

5 ـ كان علي عليه السلام منذ أول الأمر كارهاً للقتال، وقد بادر أثناء معركة صفين إلى إيقاف القتال والصلح حقناً للدماء، فبعث وفداً إلى معاوية في شهر محرم، أي بعد حوالي شهر من القتال. فكان مما قال له أحد أعضاء الوفد، وهو عدي بن حاتم الطائي: «أما بعد، فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتَنا وأمتنا، ويحقن الله به دماء المسلمين، وندعوك إلى أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام آثاراً…». فأبى معاوية المهادنة والصلح وحقن دماء المسلمين، وزعم أن علياً عليه السلام قتل

صفحة 83

عثمان وآوى قتلته(1). أي أن علياً عليه السلام كان قد دعا معاوية إلى كتاب الله، قبل أن يدعوه معاوية لذلك. فهو أول من (رفع المصاحف) قبله لحقن الدماء.

6ـ بعد انتهاء شهر محرم، أثناء معركة صفين، وقد كانت بينهما هدنة في الشهر الحرام، بعث علي عليه السلام مرثد بن الحارث الجشمي، فنادى جيش الشام: «يا أهل الشام، ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: قد استدمتكم واستأنيت بكم، لتُراجعوا الحق وتنيبوا إليه، واحتججتُ عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، فلم تتناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق…» (2).

فقد كان عليه السلام سباقاً لدعوتهم إلى كتاب الله وحقن الدماء، ولا شك أنه يغتنم كل فرصة


(1) انظر الخبر بتمامه في وقعة صفين: 197.

(2) وقعة صفين: 203.

صفحة 84

لذلك مهما كان أثرها المتوقع.

بعبارة أوضح: كونه يعرف مسبقاً أنها خديعة، شيء، وكونه أراد باختياره إقامة الحجة على الخصم، وإعطاء فرصة لحقن الدم، واغتنام مهلة السلام، شيءٌ آخر. فلم يكن مكرَهاً على التحكيم، ولا رافضاً له بالمطلق، ولا لوم عليه ولا على أصحابه، بل كان نعم الرأي والقرار طبقاً للموازين الشرعية والعقلائية التي لا يُخطئها علي عليه السلام.

***

صفحة 85

مصنفات في واقعة صفين

حظيت صفين باهتمام الرواة والمؤرخين من شتى المذاهب والاتجاهات، وصنفت فيها الكثير من المصنفات، نذكر منها:

1 ـ كتاب صفين: لأبان بن تغلب، وهو من خواص أصحاب الأئمة: السجاد، والباقر، والصادق عليهم السلام، وشيعتهم المخلصين. «وكانت له عندهم منزلة وقدم»(1).

2 ـ كتاب صفين: إبراهيم بن محمد الثقفي.

3 ـ كتاب صفين: جابر بن يزيد الجعفي.

4 كتاب صفين: عبد العزيز بن يحيى الجلودي.

5 ـ كتاب صفين: أبو مخنف، لوط بن يحيى.


(1) رجال النجاشي: 10.

صفحة 86

6 ـ كتاب صفين الكبير، وكتاب صفين المختصر: محمد بن زكريا بن دينار.

7 ـ كتاب صفين: منذر بن محمد القابوسي.

8ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري.

9ـ كتاب صفين: هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

10ـ كتاب صفين: إسحاق بن بشر.

11 ـ كتاب صفين: أبو الحسن المدائني.

12 ـ كتاب صفين: محمد بن عمر الواقدي.

13ـ وقعة صفين: محمد بن زكريا الغلابي.

14ـ كتاب صفين: إسماعيل بن عيسى العطار.

15ـ كتاب صفين: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة.

وغيرها. هذا غير الكتب التي صُنفت تحت عنوان: حروب علي عليه السلام، والتواريخ وكتب السير والطبقات وغيرها.

***

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين