تهمة الشرك ـ (تطهير المناهج من التكفير)

 

تطهير المناهج من التكفير

سماحة الشيخ عبد الله الدشتي

المؤلف : الشيخ عبد الله الدشتي

المقدمة

لا شك بأن الوحدة ونبذ التنازع هدف يصبو إليه كل مسلم يريد الخير للإسلام والمجتمعات الإسلامية، والوحدة لا تعني إلغاء التنوعات الموجودة في مجتمعاتنا الإسلامية بل تعني التلاقي والتفاهم بين المجاميع المتنوعة والمختلفة في رؤاها داخل الإطار الإسلامي العام بحيث تعترف كل طائفة وجماعة منها بانطباق عنوان الإسلام على الأخرى.

وعليه ليس كل حديث عن الاختلاف والمختلفين يعني إثارة الكراهية والبغضاء بل قد يقصد منه عكس ذلك أي ترسيخ المحبة والمودة بين أولئك المختلفين، وذلك اعتمادا على أصلين، الأول أنهم إخوة مسلمون أحمل لهم كل المحبة في قلبي، والآخر أنهم أصحاب رأي قِوامه الأدلة التي قامت عندهم، فأحترم رأيهم وإن خطأتهم، والحصيلة أن المهم والمطلوب مع التنوع والاختلاف العمل بقوله تعالى ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ آل عمران:103 وقوله عز وجل ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ الأنفال: 46.

فلا يمكن لأحد تجاهل اختلاف الرؤى بين المسلمين فهو أمر واقع لا محيص عنه، بل صرح القرآن بأن حياة البشر قائمة على الاختلاف فقال تعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ هود: 118 – 119، وليس هو أمر متحقق بين الطوائف فقط بل حتى في الطائفة الواحدة كما هو واضح وجلي ونلمسه في واقعنا المعاش.

والمشكلة الكبيرة التي نريد التركيز عليها هنا أن هذه الوحدة المنشودة تصبح غير ممكنة مع وجود طرف لا يرى أن هناك مجالا للتلاقي مع الآخرين، بل ويتجاوز هذه المرحلة إلى اتهام الأطراف الأخرى (التي يفترض أنها تشاركه مسمى الدين الإسلامي والعيش المشترك) أنها ليست من الإسلام في شيء، فيحمل راية التكفير والإخراج من الملة، وهنا يطل شيطان التنازع والفشل برأسه بكل ما يحمل من مخاطر ونتائج مدمرة على الأمة.

إن وجود هذه الفئة وما تحمله من أفكار هدامة سيجر الأمة إلى الصراع الداخلي بل الاقتتال فيشكل أرضية هامة وأساسية للتدخلات الأجنبية التي نلمسها اليوم ونلمس الآلام والمآسي التي جلبتها للأمة وعمت الجميع ولم تختص بفئة دون أخرى، ولنا في قوله تعالى ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خاصة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ الأنفال: 25 عبرة.

ولكن ما زال في هذه الأمة مخلصون من أبنائها ممن يحمل همّ إماطة الأذى عنها ويعمل على نشر روح المحبة والمودة بين مختلف الكيانات والطوائف الإسلامية.

ونعتقد أن الخطوة السابقة في السير باتجاه الوحدة بالنسبة لمثل هذه الفئة المكفرة هو بيان خطأها في التكفير وضلالتها، وهنا يتلخص الخير الذي نقصده وتكمن الفائدة المرجوة من كتابة هذه الأسطر.

وصحيح أن جزءا من مشاكل الخلاف والاختلاف بين المسلمين تتم معالجتها من خلال الدعوات المتكررة للوحدة الإسلامية والتآلف بين المسلمين وإقامة المؤتمرات المباركة بهذا الاتجاه، ولكن لا أعتقد أن مثل هذه الدعوات وتلك المؤتمرات مجدية تجاه هذه الفئة التكفيرية، إذ ما الفائدة في المطالبة بالوحدة والتآلف ومواجهة العدو الواحد المشترك مع من يكفرك ويعتبرك مشركا؟ فكأن لسان حاله يقول: أتريدني أن أضع يدي في أيديكم وأنتم أجلى مصاديق الكفر والشرك عندي؟ هل أضع يدي في يد مشرك لمواجهة كافر؟! إن خطرا من هذا القبيل لا يعالج إلا ببيان مواطن الخلل في رؤيتهم للكفر والإيمان والشرك والتوحيد.

وخلاصة ليس مكمن الخطر الذي يواجه المجتمعات الإسلامية في مجرد الاختلاف، بل على العكس من ذلك إذ يعبر عن حالة طبيعية وصحية، وإنما مكمن الخطر ينحصر في الفئات الإقصائية التي تريد أن تفرض رؤيتها الخاصة على الآخرين ممن يعيشون معهم في نفس المجتمع، وأخطر الأدوار التي يمارسونها تتلخص في اعتبار من يخالفهم في بعض الرؤى كافرا خارجا عن ملة الإسلام.

بل إن الكفر بمعناه المجرد أمر هين، إذ إن من أنواعه الكتابي وهو الذي قد حفظ له الإسلام ذمته، كما هو الحال بالنسبة لليهود والنصارى، ولكن أسوأ أنواع التكفير وأخطره هو التجرؤ بالحكم على أن المسلم الذي يشهد الشهادتين مشرك، فالشرك بالله أسوأ الضلالات البشرية كما قال عز وجل ﴿ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ﴾ النساء: 48، وأخطر ما يرتبونه على الكفر الشركي هو الحكم بهدر دم من يكفرون وإباحة ماله.

التكفير بتهمة الشرك:

إن الأمر الذي نود تفصيله يرتبط بإبراز فهم خاطئ وشاذ للتوحيد والشرك، بل رؤية خطيرة تنتشر بين الشباب المسلم – لاسيما في الخليج والجزيرة العربية – تقلب خارطة العالم السياسية حيث تُخرج جل المسلمين المقرين بالشهادتين عن الإسلام باعتبارهم مشركين.

إنها دعوى عظيمة بحق مسلمين يشهدون الشهادتين يقشعر منها بدن كل سليم الفطرة، والسؤال: كيف آمن بهذه الدعوى هذا العدد الكبير من الشباب المسلم؟!

بل الأنكى كيف تم إقناع بعضهم بممارسة أبشع جرائم العصر الحديث والمتمثلة بالمفخخات التي نراها على نحو شبه يومي على شاشات الفضائيات؟!

لماذا أصبح جيش العدو الصهيوني أقل خطرا بحيث تكالبت هذه الفئة على الشعب المسلم في العراق بنسائه وأطفاله وشيوخه؟ هل لأن جيش العدو الصهيوني أصبح كتابيا بينما الشعب العراقي شعب مشرك؟!!

لقد تم حشو عقول هؤلاء الشباب بمقولة إن العراق أصبح موطنا للشرك والمشركين بحيث لم يعد مجتمعا مسلما، وهذا الأمر لم يكن ليكتب له النجاح لولا وجود رواد لهذا الفكر التكفيري المضلل سعوا وبكل جهدهم لتحريف مقاييس الشرك والتوحيد عند الشباب المغرر بهم، ولم يتوقف التضليل عند هذا الحد بل تعداه إلى مقولة إنه لا فرق في جواز القتل بين الكبير والصغير والشيخ والطفل والرجل والمرأة، فلم تحفظ حرمة لأحد كما حفظها الإسلام، فأصبحت هذه الضلالة هي أكبر منبع ورافد لما نجده في ساحتنا السياسية من مجازر وفظائع تمارس ضد المسلمين خاصة والإنسانية عامة وباسم الإسلام !!

وللأسف الشديد فإن الخطر الأهم والأعظم أن البعض ممن يحارب الإرهاب مخلصا في حربه لها وقع تحت طائلة هذه الرؤية الخطيرة من حيث لا يشعر، حيث تسربت إلى أهم مراكز المجتمع التعليمية (المدراس ومناهجها التعليمية)، فنجد أنه بدلا من أن يدرس فيها ما يعرضه القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة من مقاييس للتوحيد والشرك تم تدريس تلك الرؤية الضالة والخاطئة لهؤلاء التكفيريين وفهمهم الخاطئ للتوحيد والشرك.

ونكتفي بعرض نموذجين لذلك على سبيل المثال لا الحصر:

أولهما: فقرات من منهج التربية الإسلامية للصف التاسع، حيث نقرأ فيه تحت عنوان (معنى العبادة ومن يستحقها):

” من دعا غير الله أو ذبح أو نذر لغير الله أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك الشرك الأكبر، وسواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو شجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو لولي من الأولياء، فهذا كله شرك والله عز وجل لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا مقرب قوم ولا نبي مرسل ولا ولي ولا غيرهم، قال تعالى ﴿ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ﴾، وقال عز وجل ﴿ وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً “، وقال سبحانه ” وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾.

ومع الأسف الشديد فقد اتخذت القبور في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله، يذهب إليها الناس يطلبون من أصحابها قضاء حوائجهم بحجة أنهم أناس صالحون ولهم جاه عند الله، وقد نسوا أن هذا – والله – هو قول المشركين كما ذكره في القرآن في قوله تعالى ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ” وقوله عز وجل ” أَلا لِلهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّار ﴾[1].

وثانيهما من منهج التربية الإسلامية للصف العاشر، وصياغته أخطر لأنه يصرح بأن حكم هؤلاء هو القتل، فكُتب في المنهج تحت عنوان نواقض التوحيد: “الشرك نوعان: أ- الشرك الأكبر: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى كالدعاء لغير الله عز وجل أو التقرب بالذبائح والنذور لغير الله عز وجل من القبور والجن والشياطين والخوف من الموتى أو غيرهم أن يضروه أو يمرضوه وعبادة غير الله كالذين عبدوا العجل والكواكب والأحجار والأصنام قال تعالى ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ﴾”.

ثم يضع جدولا يفرق فيه بين حكم الشرك الأكبر والشرك الأصغر فيذكر أنه من حيث العقيدة الشرك الأكبر يخرج من ملة الإسلام، ومن حيث العقوبة فعقوبة الشرك الأكبر هي إباحة دم المشرك وماله وخلوده في النار[2]، هذا بعد أن تعلموا أن زوار القبور من المشركين.

عوامل انتشار الفكر التكفيري:

المهم أن هذا الفكر أصبح مستوعبا لعدد كبير من الشباب المسلم في الخليج والجزيرة العربية، و لاشك بأن فيهم المخلص للإسلام وأمته، ويرجع ذلك الانتشار إلى عاملين أساسيين:

الأول: القدرة المالية: فلا شك بأن لوجود القدرة المالية عند المتبنين لتلك الرؤية دورا كبيرا في انتشارها وبلوغها مناطق بعيدة من العالم الإسلامي.

الثاني: التلبيس القرآني: إن المتتبع لما كتبه مؤسسو تلك الرؤية وعلماؤها يرى أن هناك عاملا آخر غير القدرة المالية لا ينبغي إغفاله كان له دور مهم في جذب الشباب وأدى إلى ازدياد أتباع تلك الرؤية للتوحيد والشرك وانتشارهم في بلاد المسلمين.

وخلاصته أنهم ألبسوا عقيدتهم ورؤيتهم لباسا قرآنيا من خلال الاستناد على بعض الآيات التي ادعوا أنها محكمة في رؤيتهم للتوحيد والشرك، وغدت مادتهم التعليمية والتربوية قائمة على تلك القراءة الخاصة لتلك الآيات، فكان لهذه الصبغة الإعلامية القرآنية دور كبير في انتشار ذلك الفهم الخاطئ وتلك الرؤية الضالة.

ولذا فإن لبيان خطأهم وخللهم في قراءة الآيات وفهمها الدور الأكبر والأساس في مواجهة هذه الضلالة الكبيرة التي نخرت ومازالت تنخر في الجسد الإسلامي.

وهذا البحث يهدف لبيان مدى الخلل الكبير الذي وقعوا فيه في قراءتهم وفهمهم للآيات التي استندوا إليها، وهذا البيان من شأنه – بإذن الله – العمل على إنقاذ الشباب من براثن هذه الرؤية الخطيرة.

تمهيد

عرض للرؤية التكفيرية:

تقوم الرؤية التكفيرية التي نتحدث عنها على أساس التفريق بين نوعين من التوحيد هما توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية ومن ثم يقابلهما نوعان من الشرك هما شرك الربوبية وشرك الإلوهية (ويُعبر عنه أحيانا بشرك العبادة)، وتتقوم رؤيتهم لآيات التوحيد والشرك في القرآن بهذا التنويع.

ما المقصود بتوحيد الربوبية؟

توحيد الربوبية هو إفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير، وينطلق هذا الاصطلاح من المعنى اللغوي لكلمة الرب، قال ابن فارس: ” الراء والباء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب: المالك والخالق والصاحب، والرب: المصلح للشيء… والله جل ثناؤه الرب لأنه مصلح أحوال خلقه… “[3].

ما المقصود بتوحيد الألوهية؟

توحيد الإلوهية (ويعبر عنه أحيانا بتوحيد العبادة) هو إفراد الله عز وجل بالعبادة[4]، فسجودك وصلاتك يجب أن يكونا لله وليس لأي موجود آخر، وهذا أيضا ينطلق من المعنى اللغوي لكلمة الإله، قال ابن فارس: ” إله الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال: تأله الرجل إذا تعبد … “[5]، وبناء على هذا الفارق اللغوي سيتضح الفرق بين كلمتي رب وإله في سورة الناس، قال تعالى ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ ﴾ الناس: 1- 3.

تعليق على هذا التمييز:

إن هذا التمييز بين المفردتين غير مرفوض من الناحية النظرية، ولكن من الناحية العملية يرى المتتبع أن الأديان قامت على التلازم بين هذين الأمرين، فهو الأصل عند جميع الديانات حتى المنحرفة منها والمشركة.

ونقصد بهذا التلازم أن أتباع الديانات المختلفة إذا اعتقدوا بربوبية موجود ما – بمعنى أن له قدرته الذاتية والمستقلة في النفع والضر- عبدوه، كما أنهم إذا عبدوا موجودا ما – بمعنى قصدوه في طقوسهم وعباداتهم – فهذا يعني أنهم يرون أن له شأنا في الربوبية.

لكن هذا لا يمنع ولا ينفي فرضية وجود بعض من خالف هذا الأصل فعبد من لا يعتقد بربوبيته أي تأثيره المستقل في شئون الكون أو بعضها، فتقوم عقيدته على التفكيك بين الأمرين خلافا للأَصل القائم على الملازمة عند جل البشر.

كيف حكم التكفيريون على جل الأمة بالشرك؟

وبعد التمييز السابق ادعى أصحاب هذه الرؤية الخاصة دعويين رئيسيين حكموا من خلالهما بشرك جمع كبير من المسلمين، هما:

الدعوى الأولى: إن المشركين لم يشركوا في الربوبية: يركز أصحاب هذه الرؤية على أن مشركي البشر ومنهم مشركو قريش لم يشركوا بالله في الربوبية بل كانوا يوحدونه في هذا الجانب، وكان شركهم يقتصر على شرك الألوهية، وقد استدلوا بآيات عدة يرونها صريحة في الدلالة على دعواهم هذه.

الدعوى الثانية: إن المسلمين اليوم يشركون بالله في الألوهية: وفي هذه الدعوى يعتبر هؤلاء أن بعض الأعمال التي يقوم بها المسلمون اليوم هي من الشرك في الألوهية، فيرون أن النذر والذبح والدعاء من جملة العبادات التي صرفها بعض المسلمين لغير الله، وقصد غير الله بهذه العبادات موجب للوقوع في شرك الألوهية.

نتيجة الدعويين المدمرة:

وينتج من الدعويين أن المسلمين الذين يقومون بتلك الأعمال المنافية – وفق وجهة نظر تلك الفئة – لتوحيد الألوهية أشركوا بالله كما أشرك من كان قبلهم، وعليه تستباح دماء أولئك المسلمين وأموالهم كما استبيحت دماء وأموال المشركين من قبل لأنه لا فرق بينهم فكلهم مشرك في الألوهية وإن وحد الله في ربوبيته !!!

فلا ينبغي أن نستغرب إذن من مشاعر الحماس لدى بعض الشباب المضلل الناتجة من هذه الرؤية الخاطئة والهدامة تجاه المسلمين المقرين بالشهادتين، تلك المشاعر التي أصبحت نفس المشاعر تجاه مشركي قريش في جزيرة العرب، وهذا يكشف لك جزءا من الحقد الأسود الذي يقف خلف المفخخات ويفسر لك حقيقة ما يجري في العراق الدامي حيث تمزق أجساد الأبرياء.

منهج البحث:

والمهم عندنا أن نتناول بموضوعية الآيات التي استُدل بها على الدعويين مبينين الفهم السليم لها وبالتالي تتبين حقيقة الخلل الذي جر الويلات وما زال يجر أعظم المخاطر بل ويهدد أصل الإسلام، وسنقسم البحث إلى فصلين، هما:

الفصل الأول: حقيقة ما ادعي من توحيد المشركين في الربوبية:

سنتناول فيه الدعوى الأولى إذ سنناقش فيه الأدلة القرآنية التي استظهروا منها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وسيتبين أن الواضح من النصوص الشرعية وقوع الشرك في الربوبية عند المشركين قبل الإسلام كما أشركوا في الألوهية.

الفصل الثاني: حقيقة ما ادعي من شرك المسلمين في الألوهية:

سنتناول فيه الدعوى الثانية إذ سنناقش فيه الآيات التي يستدل بها أصحاب تلك الرؤية للحكم على جل المسلمين بالوقوع في شرك الألوهية، وسيتبين أن الدعوى الثانية ليست إلا مغالطة وتلبيسا للباطل بالحق وفهما خاطئا لآيات القرآن الكريم.

تنبيه:

ولا بد في المقام من التنبيه على أن لب مشكلتهم يتركز في الفصل الثاني، فالدعوى الأولى أي مجرد قصر شرك المشركين على شرك الألوهية لا يوجب تهمة المسلمين بشيء من الشرك.

وبعبارة أخرى نقول حتى لو سلمنا بصحة دعواهم الأولى، وأن المشركين وحدوا الله في الربوبية وأشركوا في الألوهية فقط، فذلك لا يعني أنهم استطاعوا أن يثبتوا بذلك وقوع المسلمين في الشرك، بل جوهر خللهم ينصب في أنهم وضعوا معايير خاطئة لشرك الألوهية وطبقوها على المسلمين كما سيتبن لك في الفصل الثاني.

وتبقى الفائدة المرجوة عندهم من الحديث عن عدم وقوع المشركين في شرك الربوبية تتلخص في تحضير نفس المستمع كي تتكون عنده – تجاه المسلمين المتهمين – نفس المشاعر التي تكونت تجاه المشركين زمن النبي (ص).

الفصل الأول:  حقيقة توحيد المشركين بالله في الربوبية

أدلتهم على توحيد المشركين في الربوبية:

ذكرنا فيما سبق أن هؤلاء ادعوا أن المشركين موحدون لله في الربوبية، وإنما كان شركهم يقتصر على شرك الألوهية، وقد استدلوا على هذه الدعوى بالآيات التي تفيد إقرار المشركين بخالقية الله وتدبيره، ومنها الآيات التالية:

  1. ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ العنكبوت: 61 – 63.
  2. ﴿ قل مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴾ يونس: 31.
  3. ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ… ﴾ لقمان: 25.
  4. ﴿ قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ المؤمنون: 84 – 89.

قالوا إن هذه الآيات صريحة في إقرار المشركين بأن الله هو الخالق المدبر وهو يعني نفي هذه الصفات عن آلهتهم، وهذا هو حقيقة توحيد الربوبية، فلا يبقى سبب لاعتبارهم مشركين إلا شركهم في الألوهية (العبادة).

والحصيلة إن كل آلهة المشركين غير الله لا حول لها ولا قوة في نظر هؤلاء المشركين إلا التوسط والتشفع عند الله لقضاء الحوائج فليس لها تأثير مباشر في قضائها.

وكمثال على استدلال أصحاب هذه الرؤية على توحيد المشركين في الربوبية بالآيات، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: “… أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (ص) كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى ﴿ قل مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ… ﴾ يونس: 31”.

مناقشة هذا الرأي:

إن من الغريب حقا اعتبار هذا الفهم من المسلمات والواضحات مع وجود ثلاثة أمور واضحة في الآيات والأخبار تتنافى مع ذلك الفهم وتتعارض معه، وإليك بيانها:

الأمر الأول: الآيات والروايات تصرح بأنهم كانوا يعتقدون بأن آلهتهم تضر وتنفع:

فهناك العديد من النصوص التي تصرح باعتقاد المشركين بأن آلهتهم تضر وتنفع، ويمكننا تقسيمها إلى القسمين التاليين:

أولا: الآيات الكريمة:

1) ﴿ إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ… ﴾ هود: 54، فهذه الآية صريحة الدلالة على اعتقاد المشركين بأن آلهتهم ضرت نبي الله هودا (ع).

2) ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ مريم: 81، فالآية ظاهرة الدلالة على أن المشركين عبدوا غير الله لأن آلهتهم المعبودة تحقق العز والنصر بنفسها وذلك لما تملك من قدرة خارقة وفق عقيدتهم الباطلة.

3) ﴿ إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ العنكبوت: 17، وهذه الآية تشير إلى أنهم يعتقدون أن آلهتهم ترزق إذ من غير المعقول أن يقال لمن يعتقد أن الرزق بيد الله وأن الآلهة ليست إلا وسيطا في رزق الله: ﴿ … إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ ﴾ لأن رد ذلك سيكون واضحا إذ سيقولون: نحن نعرف أنها لا ترزق والذي يرزق هو الله ونبتغي الرزق من الله وهذه الآلهة فقط تتوسط عند الله كي يرزقنا.

4) ﴿ أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ الزمر: 36 – 38، ووجه الاستدلال بالآية أنها تصرح بأن المشركين يخوفون الرسول (ص) بآلهتهم، قال البغوي في تفسير الآية: ﴿… وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ…﴾ وذلك أنهم خوفوا النبي (ص) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: “لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون”[6]، فكلامهم صريح بنسبة الإضرار إلى آلهتهم.

ثانيا: الأخبار:

1) روى ابن هشام في سيرته قال: ” حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق… رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه “[7]، فقولهم: ” فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا ” صريح في الدلالة على أنهم ينسبون تلك الأفعال إلى آلهتهم، وليس ذلك إلا لأنهم اعتقدوا بوجود قدرة ذاتية لها على ذلك.

2) روى الطبري في تفسير قوله تعالى ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ… ﴾ عن قتادة أنه قال: ” بعث رسول الله (ص) خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم إليها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها “[8]، فعبارتهم صريحة في أن لها شدة بنفسها لا من خلال الاستعانة بقوة أخرى.

3) قال السهيلي عند الحديث عن مبدأ قصة الأوثان في قوم نوح ورواية البخاري لذلك: ” وذكر الطبري هذا المعنى وزاد أن سواعا كان ابن شيث وأن يغوث كان ابن سواع وكذلك يعوق ونسر كلما هلك الأول صورت صورته، وعظمت لموضعه من الدين ولما عهدوا في دعائه من الإجابة فلم يزالوا هكذا حتى خلفت الخلوف وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها تزرق وتنفع وتضر واتخذوها آلهة “[9].

توضيح: إن تنافي هذه النصوص مع توحيد المشركين في الربوبية واضح حيث أنهم لو كانوا موحدين في الربوبية لما اعتقدوا بأن آلهتهم تضر وتنفع إذ إن وجود آلهة تضر وتنفع ومستقلة في قدرتها على ذلك يتنافى مع وحدة المدبر في العالم.

الأمر الثاني: الاعتقاد بوجود أبناء وبنات لله من مسلمات عقائد المشركين:

إن أعظم آيات التوحيد في القرآن الكريم هي سورة التوحيد أي قوله عز وجل ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ سورة التوحيد وهي تتحدث عن أحد أهم منافيات التوحيد أي الاعتقاد بوجود ولد لله، فهل تتحدث هذه الآيات عن أمر نظري لم يحدث في الواقع، فلم يوجد من المشركين من اعتقد بوجود أولاد وبنات لله؟! أليس الاعتقاد بوجود بنات لله أهم عقائد المشركين وخاصة مشركي الجزيرة العربية؟!

وقد تحدث عنها القرآن بنحو جلي وواضح في موارد عدة:

منها قوله تعالى ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ البقرة: 116 ، وقوله عز وجل ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ﴾ الكهف: 4.

ألم يعتبر القرآن ادعاء الولد لله أقبح مقالات مشركي العرب فقال عز وجل ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ﴾ مريم: 88 98؟! ألا تعني الآية الأخيرة أنهم اعتقدوا بأن هناك في السماوات والأرض أبناء لله ليسوا عبيدا له؟!

وقد حددت آيات سورة النجم أسماء آلهتهم التي اعتقدوا أنها بنات الله فقال تعالى ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ… ﴾ النجم: 19 23.

فهل هؤلاء الأولاد مجرد شفعاء ولم يكن لهم أي تأثير في الكون؟! إن كان هذا هو المراد فلماذا إذن عنونوا بعنوان أبناء الله وبناته؟! ألا يدل ذلك على اعتقادهم بوجود نوع اتحاد وتجانس بين الأب الإله والأبناء الآلهة؟، فالابن له بعض قدرات الأب، إن الاعتقاد بوجود أبناء لله يعني شرك الربوبية، فالآلهة الأولاد هم أرباب كما أن الإله الأب رب، ولا معنى للتجانس بين الابن والأب إلا ذلك.

وهذا ما صرح به القرطبي بقوله: ” ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شبها لله لأن الولد من جنس الوالد وشبهه “[10].

الأمر الثالث: استدلال القرآن بدليل التمانع القائم على افتراض وجود قدرتين مستقلتين:

لقد واجه القرآن عقيدة المشركين بتعدد الآلهة بدليل التمانع في موارد متعددة (ومفاده: لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله لبطلتا وفسدتا، لما سيقع بينهم من الاختلاف والتضاد والتمانع) منها قوله تعالى ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ الأنبياء: 22 وقوله تعالى ﴿ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ المؤمنون: 91 – 92 ، وهذا يعني – بشكل واضح – أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود مؤثرين في الكون حيث كان الرد القرآني صريحا: أنه لو كان هناك موجودان يؤثران في الكون وكل منهما إله لفسدت السموات والأرض ولانهار نظام الكون المتسق.

فهل يعقل أن يكون هذا الرد القرآني لعقيدة المشركين رد على مشركين يعتقدون بأن الخالق المالك المدبر واحد؟! لو كان المشركون موحدين في الربوبية – كما ذهب إليه أصحاب هذه الرؤية – لأجابوا وبكل سهولة بأنهم لا يعتقدون بوجود إلهين لهما تأثير في الكون، بل نحن نعتقد بأن المؤثر واحد والآخر مجرد إله للعبادة والشفاعة !!

وآيات سورة المؤمنون ذكرت دليل التمانع لكنها أضافت الحديث عن أمرين آخرين هما إقرارهم بخالقية الله وزعمهم وجود أبناء له بما يكشف أن عقيدة هؤلاء المشركين المقرين بأن الله هو الخالق المدبر تتضمن وتترافق مع الاعتقاد بوجود أبناء مستقلين في التأثير ببعض جوانب الكون، فهناك ثلاثة محاور في الآيات تكشف حقيقة عقيدة هؤلاء:

الأول: إقرار المشركين بخالقية الله وتدبيره للكون.

الثاني: اعتقادهم بوجود أبناء لله.

الثالث: اعتقادهم بوجود تأثير مستقل للآلهة عن الله، لذا رد عليهم بدليل التمانع.

وإليك الآيات بمحاورها الثلاث، قال تعالى في سورة المؤمنون ﴿ قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ المؤمنون: 84 – 92.

فكما ترى بدأت الآيات بذكر إقرارهم بالله وخالقيته، ثم كشفت عن التناقض بين ادعائهم بربوبية الله وبين ادعاء الولد له والذي مقتضاه تعدد المؤثرين في تسيير شئون الكون وإدارته، لذا ردت عليهم بدليل التمانع القائم على فرضية وجود قدرتين مستقلتين في التأثير، معتبرا اعتقادهم بوجود ولد لله عين القول بتعدد الآلهة المستقلة في التأثير.

وهناك كلمة لابن كثير في هذا المقام تؤكد ما نقوله هنا إذ قال في تفسير قوله تعالى ﴿ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ… ﴾: ” ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال ﴿ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ﴾ أي لو قُدِّر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿ مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكنا، لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا، ولهذا قال تعالى ﴿ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي عما يقول الظالمون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا ﴿ عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ﴾ أي يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه ﴿ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل عما يقول الظالمون والجاحدون “[11].

إذن ما حقيقة ذلك الإقرار بالربوبية في جواب المشركين؟

بعد وضوح ذلك يبقى علينا أن نفسر تلك الآيات التي ظاهرها إقرار المشركين بربوبية الله وهناك رأيان نجدهما في كلمات المفسرين، مقتضى الأول أنه إقرار حقيقي بالتوحيد، لكنه جواب العقل الباطن والفطرة السليمة، ومقتضى الثاني أنه إقرار بربوبية الله وخالقيته دون توحيده في ذلك وإنما اقتصروا على ذكر الله في الجواب لأنه الأب والإله الأكبر الذي تنتهي إليه علة الموجودات، وإليك كلمات المفسرين:

الرأي الأول: إنه جواب الفطرة:

يرى أصحاب هذا الرأي أن الإقرار المذكور في الآية ليس اعتقادا للمشركين وإنما هو إقرار بلسان الفطرة أو لوضوحه للعقل وضوحا لا يمكن معه الإنكار، أو هو معلق على الإنصاف.

  • عرض القرطبي رأين في تفسير ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ… ﴾ قال: ” لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا “[12]، والثاني هو ما نقصده هنا.
  • قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى في سورة يونس ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ… ﴾: ” لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه “[13].
  • قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة يونس ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ… ﴾: ” إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه “، وقال في تفسير قوله تعالى في سورة المؤمنون ﴿ سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ *… سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ *…. سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾: ” لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها “[14].
  • وقال الثعالبي في سورة يونس: ” ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ أي لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه “، وقال في سورة المؤمنون: ” أمر الله تعالى نبيه (ص) بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها توحيد الله “[15].
  • وقال الشوكاني في سورة يونس: ” ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ أي سيكون قولهم في جواب هذا الاستفهام إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم “، وقال في سورة المؤمنون: ” > سَيَقُولُونَ لِلهِ < أي لا بد لهم أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببديهة العقل “[16].
  • وفي تراث أهل البيت  يكفي أن ننقل ما رواه الكليني بسند حسن بل صحيح عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: ” قال رسول الله (ص) كل مولود يولد على الفطرة، يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، كذلك قوله تعالى ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ…. ﴾[17].

الرأي الثاني: إنه إقرار بالربوبية دون التوحيد بذلك:

وهذا ما قرره السيد الطباطبائي(رحمه الله) في تفسيره للآيات 31 – 36 من سورة يونس حينما اعتبر إقرارهم بأن الله هو المدبر إقرارا حقيقيا باعتبار عدم تنافيه في نظرهم مع تدبير الآلهة الصغيرة لبعض شئون الكون، قال: ” فالحجة الأولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الأصنام فإنهم إنما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون…… فالله سبحانه يلقن نبيه (ص) الحجة على توحيده بالربوبية، فأمر بقوله (قُلْ) أن يقول لهم في سياق الاستفهام ﴿ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ…… فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك “[18].

فكما ترى يعتبر إقرارهم المصرح به في الآيات هو إقرار بربوبية الله عز وجل وليس إقرارا بتوحيده في ذلك وإنما يذكرون الله دون غيره من آلهتهم المؤثرة لأنه الأكبر أو لأنه الذي تنتهي إليه جميع هذه التدبيرات باعتبار أنه الإله الأب في نظرهم خلافا للأولاد المزعومين.

نعم هناك من المتقدمين من فسر الإقرار بما فسره به أصحاب هذه الرؤية، فقد ذهب إلى ذلك الطبري من القدماء، فقال في تفسير قوله تعالى ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ البقرة: 22، ” وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها وإشراكها معه في العبادة غيره، وإن ذلك لقول، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقر بوحدانيته غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جل ثناؤه ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾…، فالذي أولى بتأويل قوله ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله وإنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم… أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره “[19].

وقد بينا بطلان هذا الرأي فيما سبق، ولكن حتى لو سلمنا بهذا الرأي وقبلنا به، فإن اتهام أصحاب تلك الرؤية المضللة للمسلمين بالشرك لا يبتني على هذه المقدمة، إذ لا مدخل لها في موجب الحكم بشرك المسلم في معاييرهم وإنما يذكرونه توطئة[20]، فسواء أثبت أن المشركين يقرون بوحدانية الله في الربوبية أم لم يثبت فأصحاب تلك الرؤية يرون أن الشرك هو شرك الألوهية، وهو يقع من كافر لا يشهد الشهادتين ومن مسلم يشهد الشهادتين، وكل هؤلاء إنما يشركون من حيث الألوهية فقط دون الربوبية، وعلى هذا سنبحث في الفصل التالي حقيقة ما ادعوه من تحقق شرك الألوهية عند المسلمين.

الفصل الثاني: هل وقع المسلمون في شرك الألوهية؟

يدور البحث في هذا الفصل حول لب الخلل الذي وقعت فيه تلك الفئة، وهذا الخلل يرتبط بشرك الألوهية (شرك العبادة) الذي يدعي أصحاب هذه الرؤية أنه واقع بين المسلمين، وهي دعوى لم يسبق إليها أحد قبل القرن الثامن الهجري حين نشأت بذور الفكرة عند ابن تيمية.

إن الآيات التي تتحدث عن العبادة وضرورة توحيد الله في العبادة وعدم عبادة موجودات أخرى معه تتكرر في القرآن فهي من مسلمات القرآن ومحكماته، قال تعالى ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ… ﴾ يونس: 18، وهكذا يظهر أنه أصل في دعوة الأنبياء كما في قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ…. ﴾ النحل: 36.

العبادات المدعى وقوعها عند القبور:

غير أن السؤال المهم الموجه إلى تلك الفئة في هذا البحث هو التالي: كيف تتهمون المسلمين بأنهم يعبدون غير الله عند قبور الأولياء في حين أنهم يصلون لله عندها ويصومون لله، وإذا حجوا، حجوا لله؟ فأين العبادة التي مارسها المسلمون عند قبور الأولياء لغير الله سبحانه حتى يقال: إنهم أشركوا بالله في العبادة؟

ورد في تراث هؤلاء ذكر ثلاثة عبادات ادعوا إن المسلمين قصدوا بها غير الله، وهي الدعاء والذبح والنذر، وسوف نتناول الذبح والنذر في المبحث الأول من هذا الفصل والدعاء في المبحث الثاني.

المبحث الأول: الذبح والنذر[21].

إن الخلل الذي وقعت فيه تلك الفئة بالنسبة للذبح والنذر ليس خللا فكريا عقديا، وإنما كفروا المسلمين بناء على معلومات مغلوطة نبعت من فهم خاطئ لتصرفات بعض المسلمين أو كذب وتشنيع من بعض هؤلاء على من يخالفهم في الرأي، والمهم أنه على ضوء تلك المعلومات الخاطئة والمغلوطة تصور أتباع تلك الفئة أن هناك من المسلمين من ينذر لغير الله أو يذبح لغير الله، وهذا ادعاء باطل غير صحيح أبدا:

  • فأما بالنسبة للذبح فقد كان رد المرجع الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء في رسالته للأمير عبد العزيز بن سعود صريحا وواضحا ودافعا لكل شك ولبس، فقد كتب إليه: ” لا يشك أحد من المسلمين في أن من ذبح لغير الله ذبح العبادة كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على الذبايح أسماءهم ويهلون بها لغير الله خارج عن ربقة المسلمين سواء اعتقدوا آلهيتهم أو قصدوا أن يقربوهم زلفى لأن ذلك عبادة لغير الله.

وأما من ذبح عن الأنبياء والأوصياء والمؤمنين ليصل الثواب إليهم كما نقرأ القرآن ونهدي إليهم ونصلي لهم وندعو لهم ونفعل جميع الخيرات عنهم، ففي ذلك أجر عظيم وليس قصد أحد من الذابحين للأنبياء أو لغير الله سوى ذلك…، وإني والذي نفسي بيده منذ عرفت نفسي إلى يومي هذا ما رأيت ولا سمعت أحدا من المسلمين ذبح أو نحر ذاكرا لاسم نبي أو وصي أو عبد صالح، وإنما يقصدون إهداء الثواب إليهم، فإن كان في أطرافكم قبل تسلطكم مثل ذلك فصاحب الدار أدرى بالذي فيها “[22].

  • أما ما يختص بالنذر فقد أوضح الشيخ محمد أمين زين الدين – أحد كبار علماء النجف المعاصرين – الحقيقة قائلا: ” لا يجوز النذر لغير الله سبحانه من رسول أو نبي أو ولي أو ملك أو عبد صالح ولا يجوز للكعبة والمشاهد والمساجد والمعابد… والنذر نحو من أنحاء العبادة، ومن أجل ذلك فلا بد فيه من القربة… ولذلك كله فلا يجوز النذر لغير الله تعالى.

والأنبياء والأولياء… والمساجد… إنما هي وجوه من القربات التي يتقرب بتكريمها إلى الله فيصح للعبد أن ينذر شيئا لله… على أن يصرف المنذور في بعض هذه الوجوه المقربة.

والفارق كبير وواضح جدا بين أن ينذر الإنسان لله وحده متقربا إليه ويعين في نذره صرف ما نذره لله في بعض هذه الوجوه المقربة إلى الله… – وهذا هو ما يفعله خاصة الشيعة وعامتهم حتى الجهلة منهم بالأحكام، وهذا ما يقصدونه في نذرهم حتى من يغلط منهم في التعبير – وبين أن ينذرها للنبي أو الولي أو المعبد أو المشهد أنفسها، فلا ينعقد النذر ولا يجوز لأنه لغير الله، وهذا ما تصرح كتب علماء الشيعة بعدم جوازه “[23].

المبحث الثاني: الدعاء.

إن دعوى هؤلاء المتعلقة بالدعاء وكونه عبادة هي أساس عملية التكفير ولب المسألة التي نريد إيضاحها في هذا الفصل، والخطأ الذي وقعوا فيه هنا خطأ علمي في فهم الآيات التي يتكرر فيها ذكر دعاء غير الله كأحد محاور الشرك، وهو خطأ نبع غالبا من قصور في فهم مفردات الآيات المستدل بها، ولكن تشعر في بعض الأحيان بالتعمد ووضع الكلم في غير مواضعه.

لقد صور أصحاب هذه الرؤية أن دعاء غير الله بمعنى مسألة غيره عبادة لذلك الغير وبالتالي أصبح من يدعو غير الله ويطلب من ذلك الغير مشركا في الألوهية، وعدوا هذا الأمر من واضحات القرآن الكريم، ويسوقون آيات عديدة في هذا الصدد.

الآيات المستدل بها:

استدل هؤلاء على دعواهم بآيات عديدة، أهمها:

  1. ﴿ وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً * وأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً * قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ الجن: 19 – 20.
  2. ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ…… وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ يونس: 104 – 106.
  3. ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ… هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ﴾ غافر: 60 – 66.
  4. ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ﴾ فاطر: 40.
  5. ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ﴾ الأحقاف: 5 – 6.
  6. ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ﴾ الإسراء: 56 – 57.

فكما ترى فإن جميع هذه الآيات تدل وبصراحة على أن شرك المشركين كان في دعاء الآلهة التي عبدوها من دون الله، وهل هناك حاجة لأدلة أصرح من هذه الآيات؟!!

قال الشيخ سليمان حفيد ابن عبد الوهاب في شرحه لكتاب جده التوحيد: ” الدعاء عبادة من أجل العبادات بل هو أكرمها على الله… فإن لم يكن الإشراك فيه شركا فليس في الأرض شرك وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله (ص) فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يخلصون في الشدائد لله وينسون ما يشركون “[24].

وحتى تصبح المناقشة علمية وتامة يجب:

أولا: تحديد المقصود بالدعاء الموجب للوقوع في شرك العبادة، فهل للكلمة استعمال واحد في اللغة والقرآن أم تتعدد معانيها واستعمالاتها؟ وبعبارة أخرى هل الحديث القرآني عن شركية دعاء غير الله تنطبق على ما يدعيه هؤلاء من وقوع المسلمين في دعاء غير الله أم الحديث القرآني عن دعاء غير الله يقصد به أمر آخر غير الدعاء والطلب الذي قد يقع عند أضرحة الأولياء.

ثانيا: الحديث عن شركية دعاء غير الله بمعنى الطلب من غير الله نراه مقيدا في كلماتهم بخصوص طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، في حين أن كل الآيات التي يستدلون بها لا تشير إلى هذا التفصيل والتقييد، فما هو الوجه في هذا التقييد مع إطلاق الآيات المستدل بها؟

وهناك تساؤلات وحقائق عديدة أخرى ستتبين فيما بعد.

المهم، بملاحظة النقطتين الأخيرتين سينقسم الموضوع إلى بحثين.

البحث الأول:

معنى الدعاء في الآيات المستدل بها:

وينبغي أن نبدأ بعرض معاني كلمة الدعاء في كتب اللغة واستعمالات القرآن، وأهم المعاني التي استعملت فيها كلمة الدعاء وانعكست في القرآن هي المعاني التالية:

1) مجرد النداء: بمعنى أن يصيح عليه بما ينبه للالتفات أو الحذر أو المجيء كما في قولنا ادعوا زيدا، ومنه قوله تعالى ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ النمل: 80، وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ ﴾ الروم: 25 ، وقوله تعالى ﴿ اسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الأنفال: 24.

2) التسمية والادعاء: مثل دعوت المولود زيدا أي سميته زيدا، وبهذا المعنى استعملت في قوله تعالى ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ مريم: 90 – 91، أي ادّعوا زورا أن لله ولدا، قال ابن الجوزي: ” قوله تعالى ﴿ أَن دَعَوْا ﴾… قال أبو عبيدة: معناه: أن جعلوا، وليس هو من دعاء الصوت… “[25].

ومنه قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ الفرقان: 68، فجاء الدعاء هنا بمعنى الاتخاذ والجعل وهاتان المفردتان أي الاتخاذ والجعل جاء ذكرهما في القرآن عند الحديث عن عقيدة المشركين كما في قوله تعالى ﴿ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ الذاريات: 51 وقوله عز وجل ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ مريم: 81 ويدل على ذلك ما رواه البخاري في سبب نزول آية الفرقان عن عبد الله بن مسعود (رض) قال: ” سألت أو سئل رسول الله (ص): أي الذنب عند الله أكبر؟، قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله (ص) ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾[26].

3) الطلب والاستغاثة: وهذا كثير في القرآن مثل قوله تعالى ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ﴾ آل عمران: 38، وكذلك قوله تعالى ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يونس: 89، وانطلاقا من هذا المعنى تستعمل مفردة الدعاء في الطلب من الله والاستغاثة به كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ الأنعام: 41، وقوله ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الأعراف: 56، وهذا الاستعمال هو ما اصطُلِح عليه بدعاء المسألة.

4) العبادة: وهو المذكور في قول الأزهري: ” وقد يكون الدعاء عبادة ومنه قول الله جل وعز ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ أي الذين تعبدون من دون الله “[27]، بل أكثر استعمالات القرآن قصد منها هذا المعنى، فقد قرر الشوكاني استدلال البعض بقوله: ” الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة “[28]، وهذا الاستعمال هو ما اصطُلِح عليه بدعاء العبادة كما سيأتي.

وقد لخص أبو البقاء المعاني المتعددة للدعاء مستشهدا بآيات القرآن الكريم، قال: ” والدعاء: الرغبة إلى الله والعبادة نحو ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾، والاستعانة نحو ﴿ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم ﴾، والسؤال نحو ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[29]، والقول نحو ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ ﴾، والنداء نحو ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾، التسمية نحو ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا ﴾[30].

وعليه يجب علينا حينما نستدل بآية من الآيات التي استعملت فيها كلمة الدعاء أن نحدد أي المعاني المتعددة التي عرضنا هو المقصود والملحوظ في الآية.

إقرارهم بأن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة:

والحق إن أصحاب هذه الرؤية يقرون بانقسام الدعاء إلى نوعين دعاء عبادة ودعاء مسألة، فهو أمر واضح في تراثهم.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: “الدعاء ينقسم إلى قسمين:

الأول: دعاء عبادة مثاله الصوم والصلاة… وهذا القسم كله شرك….

الثاني: دعاء المسألة فهذا ليس كله شركا بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك فليس بشرك…، وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة”[31].

وقال الشيخ صالح الفوزان: “أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة – كما سبق – هو نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، دعاء العبادة هو الثناء على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته ودعاء المسألة هو طلب الحاجات من الله سبحانه وتعالى”[32].

والسؤال الكبير المهم أنه يترتب على ذلك استفهام كبير وأساسي، هل الآيات التي استعملت فيها عبارة يدعون من دون الله تتحدث عن دعاء العبادة أي النوع الأول أو دعاء المسألة وهو النوع الثاني أو عن كليهما أو بعضها عن الأول وبعضها الآخر عن الثاني؟!

ومن الواضح أن المسلمين المتهمين بالشرك من قبل هؤلاء هم متهمون بدعاء غير الله دعاء المسألة لا دعاء العبادة قطعا.

وعليه الاستدلال بالآيات على شركية دعاء غير الله دعاء المسألة مرهون بأن يقصد منها دعاء المسألة، وأما إن كان الحديث في الآيات عن دعاء العبادة لن يبقى دليل على شركية دعاء المسألة، فالمطلوب منهم إثبات أن الآيات تتحدث عن دعاء المسألة حتى نقول بعدها أن القرآن حكم بكفر من يدعو غير الله دعاء مسألة.

والحصيلة عن أي المعنيين تتحدث الآيات؟ هذا ما سنبحثه فيما يلي.

هل الآيات تتحدث عن دعاء العبادة أو دعاء المسألة؟

بعد أن بينا المعاني المختلفة للفظة الدعاء في اللغة والقرآن بل في تراث أصحاب هذه الرؤية وانقسامه على نحو أساسي إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة، أصبح من الممكن فهم آيات القرآن الكريم التي تتكلم عن الدعاء أكثر، فلننظر أتقصد الآيات دعاء المسألة أم دعاء العبادة؟ وإليك تفسير أربعة نماذج أساسية من الآيات التي تتضمن كلمة الدعاء:

1) ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ مريم: 48- 49..

هذه الآية التي تنقل قول إبراهيم (ع) هي أوضح آية تدل على الترادف بين كلمتي (يدعو) و (يعبد) في القرآن، فلا شك أن الآية حينما بدأت بقوله ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ثم أُعقِبَت بقوله ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ…) أثبتت الترادف بين يدعون من دون الله ويعبدون من دون الله على نحوٍ لم يلاحظ فيه معنى الطلب والمسألة.

قال البغوي: ” ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ أي أعتزل ما تعبدون من دون الله، قال مقاتل: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثى[33]، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي ﴾ أي أعبد ربي ﴿ عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ﴾ أي عسى ألا أشقى بدعائه وعبادته كما أنتم تشقون بعبادة الأصنام “[34].

وقال ابن الجوزي وديدنه استقصاء الآراء في تفسيره: ” وفي معنى ﴿ تَدْعُونَ ﴾ قولان: أحدهما: تعبدون، والثاني: أن المعنى وما تدعونه ربا، ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي ﴾ أي وأعبده ﴿ عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ﴾ أي أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام “[35]، فنلاحظ أنه لم يذكر الطلب كأحد الاحتمالات، بل تردد المعنى عنده بين يعبدون ويسمون.

وقال ابن كثير: ” وقوله ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي ﴾ أي أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي ﴾ أي وأعبد ربي وحده لا شريك له “[36].

2) ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ﴾ النساء: 117.

وقد استعملت مفردة الدعاء في هذه الآية بمعنى العبادة، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ﴾ فلا مجال لتفسير الآية إلا بعبادة الشيطان المذكورة في قوله تعالى ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ يس: 60، إذ إن مشركي قريش لم يكونوا يدعون الشيطان دعاء المسألة ويطلبون منه شيئا بل الدعاء هنا هو العبادة التي حقيقتها بالنسبة للشيطان طاعته واتباعه.

قال البغوي: ” قوله تعالى ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا ﴾ نزلت في أهل مكة، أي: ما يعبدون كقوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ﴾ بدليل قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾، قوله ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ من دون الله…… ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ﴾ أي وما يعبدون إلا شيطانا مريدا، لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان “[37].

3) ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ غافر: 60.

يدعي هؤلاء بأن هذه الآية واضحة في الحديث عن الدعاء بمعنى الطلب (دعاء المسألة)، قالوا وذيلها ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ يدل على ذلك.

ولكن الذي نراه في كلمات اللغويين والمفسرين أنهم فسروا كلمة الدعاء هنا بالعبادة على أنها مرادفة لها، لا أنها استعملت بمعنى الطلب والطلب من مصاديق العبادة كما تخيل هؤلاء استئناسا بذيلها ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ أو بقوله ﴿ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، فالحق إن كلمة الدعاء في المقطع الأول من الآية قصد بها العبادة، لا أن كلمة العبادة في المقطع الثاني يقصد بها الدعاء كمصداق للعبادة كما فهم هؤلاء.

فمفردة الدعاء في الآية فسرت بالعبادة في أثر صحيح مروي عن بعض الصحابة، فقد روى الحاكم النيسابوري عن جرير بن عبد الله البجلي (رض) في قول الله عز وجل ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قال: ” اعبدوني استجب لكم”.

قال الحاكم: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه”، قال الذهبي: “على شرط مسلم”[38].

ونجد هذا صريحا في خبر آخر صحيح روي عن رسول الله (ص) فهم منه المفسرون ما نقوله هنا لا ما فهمه هؤلاء، قال القرطبي: ” قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ الآية، روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي (ص) يقول: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾، قال أبو عيسى[39]: “هذا حديث حسن صحيح، فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة، وكذا قال أكثر المفسرين، وأن المعنى: وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم”[40].

قال الأزهري: ” قال أبو إسحاق في قول الله جل وعز ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ البقرة: 186 يعني الدعاء لله على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وكقولك: ربنا لك الحمد، إذا قلته فقد دعوته بقولك ربنا ثم أتيت بالثناء والتوحيد، ومثله قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾”[41].

فمن الواضح إذن أن الدعاء في الآية دعاء العبادة وليس دعاء المسألة، فكيف يستدل بالآية على أن دعاء المسألة عبادة؟!

ولا ينبغي ادعاء أن كلمة (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) في الآية قرينة واضحة على أن المقصود دعاء المسألة، لأن من الواضح أن البشر مارسوا عباداتهم وطقوسهم – والتي عبر عنها في القرآن بالدعاء – كي يتقربوا إلى الآلهة ويكونوا محظوظين عندهم مستجابي الدعاء، فلذا من الطبيعي أن يقال لهم اعبدوا الله وحده بمعنى اذكروه وصلوا له كي يستجيب لكم ويقضي حوائجكم، فإنما يستجاب للمصلي الصائم المزكي.

وكذلك يقال في مثل قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ الأحقاف: 5 فالمعنى ومن أضل ممن يعبد من دون الله من لا تحدث عبادته أي ردة فعل عند المعبود، فلا يكون هذا العابد محظيا مستجاب الدعاء عند المعبود لأنه جماد غافل عن عبادته له.

وما روي عنه (ص): ” من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء “[42] يقرب ما نريده قوله هنا، فهو يستجاب له في الشدائد أي عندما تضيق عليه الأمور وتشتد عليه الحاجة ولكن بشرط أن يكون في حال الرخاء منشغلا بعبادته الله في حال الرخاء وهو ما عبر عنه في الخبر فليكثر الدعاء حال الرخاء.

وبمعناه ما رواه الكافي عن الصادق (ع): ” من تقدم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء وقالت الملائكة صوت معروف ولم يحجب عن السماء، ومن لم يتقدم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل البلاء وقالت الملائكة: إن هذا الصوت لا نعرفه”[43].

4) ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾ الجن: 18 – 20.

ومفردة الدعاء في هذه الآية جاءت بمعنى العبادة لا الطلب والمسألة، فالصراع بين رسول الله (ص) وقريش كان على وحدانية الله في العبادة ولم يُقصد من كلمة يدعو إلا ذلك، ولذا انتهت الآيات بقوله تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾.

قال الطبري: ” يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص):… ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا ﴾ أيها الناس ﴿ مَعَ اللهِ أَحَدًا ﴾ ولا تشركوا به فيها شيئا، ولكن أفردوا له التوحيد وأخلصوا له العبادة… وقوله ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ يقول: وأنه لما قام محمد رسول الله (ص) يدعو الله يقول: لا إله إلا الله ﴿ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾…

عن ابن عباس قوله ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ يقول: لما سمعوا النبي (ص) يتلو القرآن…… عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قول الجن لقومهم ﴿ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده… “[44].

قال البغوي: “﴿ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ ﴾ يعني النبي (ص) ﴿ يَدْعُوهُ ﴾ يعني يعبده ويقرأ القرآن، وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن”[45].

وخلاصة:

يتضح من العرض السابق أن كلمة الدعاء في القرآن الكريم تأتي في كثير من الموارد بمعنى العبادة بل هي في أكثر الموارد بهذا المعنى كما في تقرير الشوكاني لاستدلال البعض ” الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة”[46]، ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: كيف يُدّعى وضوح القرآن الكريم في اعتبار الدعاء عبادة بنحو مطلق في حين أن الآيات التي تتحدث عن الشرك تتحدث عن خصوص دعاء العبادة ولا تقصد دعاء المسألة بوجه؟!

هل هناك تلازم بين دعاء المسألة والعبادة؟

هناك دعوى تجدها في بعض كلماتهم حصيلتها أن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، قال الفوزان: “والعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، أن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، فإذا قال: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يلزم من هذا أنه يسأل الله سبحانه وتعالى، ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة بمعنى أن دعاء العبادة داخل في دعاء المسألة، فالذي يسأل الله حوائجه يتضمن هذا أنه يعبد الله بذلك”[47].

والقول بأن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة كلام غير واضح بل غير معقول، والمعقول منه أن من يرى موجودا ما مستحقا لدعاء عبادة لا شك أنه يراه أهلا لأن يسأل دعاء مسألة، وأما إذا قصدوا أن دعاء العبادة حينما يحدث يلزم منه حدوث دعاء مسألة فغير صحيح، إذا قد يسبح المرء ربه وليس في ذلك دعاء مسألة حتى يقال لزم من دعاء العبادة دعاء المسألة، فلا أعرف كيف لزم من قول ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ دعاء مسألة؟!!

والقول بأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة أبعد عن التعقل، فهل المقصود أن كل من يدعو دعاء مسألة ففعله هذا يتبطن دعاء عبادة للمدعو أو المسئول؟! بمعنى إذا سألت حاجة من أخيك فدعاء المسألة هذا يتضمن دعاء عبادة له، أو أن ما ذكره عز وجل في قوله تعالى ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ ﴾ القصص: 15 وهو دعاء مسألة يعنى أن استغاثة الذي من شيعته تضمنت دعاء عبادة لموسى (ع)؟!

نعم يحتمل وجود من يعبد الله بدعائه دعاء مسألة كما نعبد الله نحن بالصلاة والصيام، لكن أين مثل هذا الإنسان في الواقع الخارجي؟! فالذي يسأل الله حوائجه يسأله لأنه رب قادر على كل شيء، ولا يقصد عبادة الله بذلك أبدا، كما لا يتضمن سؤال غيره شيئا من العبادة لذلك الغير.

هل لمقولتهم تلك معنى معقول؟! لا أعرف، على أصحاب هذه الرؤية توضيح الأمر !!

البحث الثاني:

تقييد شركية دعاء المسألة بما لا يقدر عليه إلا الله:

كما رأيت هم يقرون بأن دعاء المسألة لغير الله ليس شركا بصورة مطلقة بل هو مقيد بما لو دعا وسأل أمرا لا يقدر عليه إلا الله، وكلمات مشايخهم صريحة في ذلك، قال محمد بن صالح العثيمين: ” الدعاء ينقسم إلى قسمين:

الأول: دعاء عبادة مثاله الصوم والصلاة… وهذا القسم كله شرك….

الثاني: دعاء المسألة فهذا ليس كله شركا بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك فليس بشرك……، وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة “[48].

وأصل التقييد تجده في كلمات ابن عبدالوهاب في رد إشكال أورده قال: ” ولهم شبهة أخرى وهو ما ذكر النبي (ص) أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله (ص) قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا.

والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ﴾، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء بقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله “[49]، وعبارتهم ظاهرة في أن الشرك يختص بما إذا كان الأمر المسئول والمطلوب من الخوارق التي لا يمكن أن تصدر إلا من الله خالق الكون.

والإشكال الأساس الذي يرد عليهم أننا نقطع بأن هناك أمورا هي من قبيل الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله – أي الخوارق – مكن منها بعض مخلوقاته الكريمة كالملائكة وبعض عباده الصالحين المخلصين، فأصبحوا قادرين على فعلها.

ويكفي مثالا على ذلك قدرة المسيح (ع) على إحياء الموتى إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، ولا شك أن المسلم لا يطلب مثل تلك الأمور التي هي في مقدور الله أصالة إلا إذا اعتقد أن المدعو أعطي القدرة من الله عز وجل ومكن بإذنه كالقدرة التي أعطيت للمسيح (ع) والمذكورة في قوله تعالى ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ آل عمران: 49، وهكذا بالنسبة لسليمان (ع) إذ قال تعالى ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ ص: 63، فوجود مثل تلك القدرات أمر مصرح به في القرآن، فكيف يمكن تكفير مسلم لاعتقاده بذلك أو ترتيبه الأثر على تلك العقيدة وطلب الأمر المعجز من ذلك النبي، وهل يعقل أن يقال وبكل بساطة: إن دعاء المرضى الذين عاشوا في زمن المسيح (ع) وطلبهم منه الشفاء أمر موجب للشرك، فلو طلب الأكمه والأبرص الشفاء من عيسى (ع) لكان مشركا؟!

وإذا أراد مكابر أن يدعي ذلك، نقول: يكفيك أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش ملكة سبأ بطلب من سليمان (ع) كما في قوله تعالى ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ النمل: 38، فاستجاب الذي عنده علم من الكتاب لطلب سليمان a وقام بذلك كما في قوله تعالى ﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ النمل: 40، فهل أشرك نبي الله سليمان (ع) بطلبه هذا؟!

بل الميت يمكن أن يمكّن من بعض الأمور، فقد مُكِّن رسول الله (ص) من رد السلام على المؤمنين وهو ميت في قبره، فقد روي بسند صحيح قوله (ص): ” ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام “[50].

ولوضوح الأمر أقر الشيخ ابن عبد الوهاب بأن الطلب ممن مكّنه الله على الخوارق ليس شركا، فقال: ” ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم (ع) لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم.

فالجواب: إن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه ﴿ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل “[51].

وعلى هذا يجب عليهم أن يعدلوا في قيود دعاء المسألة الموجب للشرك فيقولون: هو أن يطلب الإنسان من موجود ما أمرا لا يقدر عليه إلا الله ولم يكن ذلك الموجود حيا كان أو ميتا ممن مكنه الله على مثل ذلك الأمر.

وهنا سندخل في مشكلة أخرى إذ تختلف آراء المسلمين حول تمكين الله لبعض عباده المكرمين بسبب الاختلاف في صحة بعض الأحاديث وضعفها، فسيكون الاختلاف من قبيل الخلاف في بدعية عمل ما وسنيته، فإذا ثبت تمكين الله له وثبت جواز الطلب منه بدليل معتبر فلن يكون بدعة بل هو سنة جائزة بالدليل، وأما إذا لم يثبت تمكينه أو ثبت ولكن لم يثبت جواز الطلب منه بدليل معتبر فسيكون بدعة لا سنة، وعليه ستخرج المسألة عن بحث التوحيد والشرك إلى بحث السنة والبدعة.

وهل يجوز في هذه الخلاف النابع من الخلاف في تقييم بعض الأحاديث أن يتهموا المسلمين بالشرك مستحلين بذلك دماءهم وأموالهم؟! فكيف يمكن الحكم على مسلم بالشرك لمجرد أنه أخطأ في تخيل صحة خبر أثبت تمكين الله لمخلوق كريم من مخلوقاته ودعاه دعاء مسألة بناء على ذلك؟!

انتقال من دعاء العبادة إلى المسألة خروج عن بحث الألوهية:

الانتقال من دعاء العبادة إلى المسألة خروج عن بحث الألوهية لكن الخلل كل الخلل في أنهم جعلوا الشرك نوعين شرك ربوبية وشرك ألوهية، ثم جاءوا إلى أمر لم يتضح دخوله في النوع الأول أو الثاني ومع ذلك اعتبروه شركا، ونقصد به دعاء المسألة الذي تحدثنا عنه قبل قليل.

وبتقريب آخر نقول: لا شك بأن المسلم لو دعا غير الله دعاء عبادة عد مشركا، ولكن مشكلة أصحاب هذا الرأي أنهم أقاموا دعواهم بأن المسلمين وقعوا في شرك الألوهية – التي هي الشرك في العبادة – على فرضية اعتبار الدعاء أحد أجلى مصاديق العبادة، ثم قسموا الدعاء إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة بما ظاهره خروج دعاء المسألة عن عنوان العبادة، فكان عليهم بيان وجه بقائه – دعاء المسألة – تحت عنوان شرك العبادة بعد ذلك، فلم يفعلوا بل اقتصروا على تقييده بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ومجرد تقييده بذلك لا يدخله في سلك العبادة كما هو واضح.

والنتيجة مع خروج دعاء المسألة عن عنوان الألوهية والعبادة أو على الأقل عدم اتضاح اندراجه تحت ذلك العنوان، كيف يمكن إدراج دعاء غير الله دعاء مسألة تحت شرك الألوهية والعبادة؟!

وعليه إذا أردنا أن نحكم بشركية دعاء غير الله دعاء مسألة فإما أن نبين وجه دخوله في العبادات أو نخضعه للنوع الآخر من الشرك أي شرك الربوبية – بعد أن نبين الوجه والدليل على دخوله تحت النوع الآخر – وإن لم يفلحوا في إثبات شيء من ذلك لن يكون دعاء المسألة من الشرك في شيء.

وأما أن يقروا بأن دعاء المسألة غير دعاء العبادة ومع ذلك يصرون على إبقائه تحت عنوان شرك الألوهية وشرك العبادة دون بيان الوجه والدليل على ذلك فهذا العجب الذي صدر من هؤلاء.

هل سيصبح دعاء المسألة عبادة بتقييده بما لا يقدر عليه إلا الله؟

نعم كما قلنا هم وضعوا لدعاء المسألة الشركي قيدا وهو أن يتعلق السؤال والطلب بما لا يقدر عليه إلا الله، لكن السؤال المهم هل هذا التقييد يرجع دعاء المسألة إلى حظيرة شرك الألوهية والعبادة ويعد بمجرد ذلك عبادة؟!

أبدا، فلن يرجع البحث إلى بحث العبادة والألوهية بهذا القيد ما لم يتحقق مع هذا الدعاء قصد الخضوع العبادي الخاص الذي نجده في الصلاة وغيره من العبادات، وهذا كما قلنا لا واقع له في الخارج فليس دعاء المسألة عبادة كما الصلاة عبادة على نحو يتقرب به إلى الله تقربنا نحن بالصلاة والصيام، نعم يمكن تخيل أن يقصد أحد بذلك العبادة ولكنها فرضية غير متحققة في الواقع.

ومن غير الواضح إدخالهم إياه في بحث شرك الربوبية وإلا لأدرجوه هناك، نعم يمكن أن يدخل في شرك الربوبية لو افترضنا أن من يسأل دعاء المسألة ينطلق من الاعتقاد بالقدرات الذاتية للمسئول والمدعو على نحو مستقل عن قدرة الله عز وجل ودون إذنه.

وعلى ذلك سيضيع المعيار الذي حكموا على أساسه بشرك من يدعو غير الله دعاء المسألة، فهل أخل الداعي بتوحيد الألوهية أو توحيد الربوبية؟! هذا ما لا يمكن تحديده في كومة كلماتهم.

دعاء المسألة يمكن أن يصبح شركا في أحد الفرضين التاليين:

بناء على ما سبق لا ننفي إمكان دخول دعاء المسألة تحت عنوان الشرك، ولكن ليس بمجرده بل إذا صاحب دعاء المسألة أمر آخر يدخله في شرك الربوبية أو شرك الألوهية، والعقل هو الذي يستقل في الحكم بشركيته بسبب ما لازمه، وذلك عند تحقق ضابطة أحد نوعي الشرك إما شرك الربوبية أو شرك الألوهية.

فهو يدخل في شرك الربوبية إذا اعتقد الداعي السائل أن هذا الموجود سواء أكان صنما أم غير ذلك قادر على قضاء حاجاته بشكل مستقل عن الله وفي عرض قدرة الله تعالى، فهذا شرك بلا شك، فلو سأل أحدهم غير الله أمرا لا يقدر عليه إلا الله واعتقد أنه بمقدور ذلك الغير من دون أن يمكنه الله بل بقدرته الذاتية المستقلة عن الله أصبح مشركا شرك ربوبية، وسبب الشرك هنا في الحقيقة ليس دعاء المسألة وإنما اعتقاد السائل الذي يرجع إلى شرك الربوبية لا الألوهية.

وهذا ما يدل عليه القرآن صريحا، فتقييدنا لشركية دعاء المسألة بالاعتقاد بربوبية المدعو الذاتية المستقلة عن الله مصرح به في قوله تعالى ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ﴾ آل عمران: 49، فمن الواضح من الآية الكريمة أن تقييد القدرات الخارقة للعادة بإذن الله أي بتمكين الله وعدم استقلاليته كان السبب الأساسي في عدم اعتبار ذلك شركا، وبالتالي إذا لم يكن الاعتقاد بقدرة ذلك المسئول – على فعل الخوارق – مقيدا بإذن الله، كما لو اعتقد استقلاليته في ذلك أصبح شركا في الربوبية.

وبناء على ما سبق فالصحيح أن يقال: إن من شرك الربوبية أن يطلب الإنسان من موجود غير الله قضاء حاجته انطلاقا من الاعتقاد بأنه قادر على ذلك بذاته وبدون إذن الله، وأما إذا اعتقد أنه بإذن الله كما هو حال المسيح (ع) فهذا الإنسان لم يشرك شرك ربوبية لأنه يعتقد بأن الخالق المدبر هو الله وما المسيح (ع) إلا عبد مكنه الله من بعض الخوارق وهو ليس بشرك حتى لو سأله وطلب منه ذلك الأمر الخارق الذي لا يقدر عليه إلا الله أصالة.

نعم قد يكون مبتدعا إذا لم يعتمد على دليل معتبر في ذلك، ومخطئا إذا اعتمد على دليل باطل تخيل صحته، وقد يكون مصيبا إذا أفاد الدليل الصحيح ثبوت ذلك لأحد عباده المكرمين كما أفادت الآيات ثبوت ذلك للمسيح (ع).

ويمكن أن يدخل دعاء المسألة تحت عنوان شرك الألوهية إذا رافق الدعاء القصد العبادي الخاص يعني اعتبر الداعي دعاءه – دعاء المسألة – عبادة مثل الصلاة والصوم يتقرب به إلى الله ويعبده بهذا السؤال والطلب، وهذا بعيد فلا نجد بين البشر من يعتبر دعاء المسألة عبادة فضلا عن أن يتخذ كذلك من قبل بعض المسلمين.

التوحيد والشرك يعرفان بالعقل ولا مدخل للنصوص فيها:

والحقيقة تكمن في أن العقل بنفسه يعرف بطلان الاعتقاد بوجود إله آخر مع الله مستقل في تأثيره على الكون وهو ما يعرف بشرك الربوبية، كما أنه مستقل في معرفة بطلان أن يقصد الإنسان غير الله بالعبادات أي ما يعرف بشرك الألوهية.

وعليه إذا أدرك العقل تحقق ضابطة شرك أكبر في مورد سواء كان شركا في الربوبية أو شركا في الألوهية فلا يمكن أن يأتي النص كي يجيز ذاك الشرك كيف وقد قال عز وجل ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ آل عمران: 80، كما إنه استقل بعدم تحقق ضابطة الشرك لا شرك ربوبية ولا شرك ألوهية لا يمكن للنص الشرعي أن يجعله شركا.

ففي مثل موردنا إذا استقل العقل بالحكم على أن دعاء المسألة ليس من الشرك في شيء، فلا يمكن أن يأتي بعد ذلك دليل أو نص يعتبره شركا في خصوص ما لا يقدر عليه المدعو دون ما يقدر عليه، وإذا استقل بالحكم على أن دعاء المسألة شرك فلا يمكن أن يأتي الدليل ويجيزه في خصوص ما يقدر عليه المدعو، كما هو الحال في دعاء العبادة الذي لا يمكن أن يجيزه الشرع في أية حالة ما دام العقل متحققا من شركيته.

تنبيهان لا بد منهما:

التنبيه الأول: لا ربط للشفاعة بالشرك:

قد يتصور البعض أن اتخاذ الشفعاء يعد من موجبات الشرك كما قد يفهم من قوله تعالى ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ ﴾ يونس: 18 وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الزمر: 3، غير أن الاعتقاد بالشفاعة يعتبر من مسلمات الدين الإسلامي الحنيف، فقد بين القرآن عقيدة الشفاعة في العديد من آياته، قال تعالى ﴿ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ طه: 109، وقال متحدثا عن شفاعة الملائكة ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ الأنبياء: 28، وبهذا لا ربط للشرك بالاعتقاد بالشفاعة لا من قريب ولا من بعيد.

وأما بالنسبة لقوله تعالى ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ ﴾ وقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ﴾ فالشرك المتحقق عند أولئك لم يكن من جهة الاعتقاد بالشفاعة وإنما كان من جهة عبادتهم لغير الله، وأما الشفاعة المذكورة في الآيتين فهي أمرٌ اعتقدوه في الأولاد المزعومين زائدٌ على عبادتهم لها، فقد تخيلوا أن إكرام أبناء الرب بعبادتها يقرب من الإله الأكبر ويرضيه ويوجب قبول شفاعتها فيما يختص به الإله الأكبر من قدرات، والآيتان غير ناظرتين إلى ممارساتهم الأخرى مع تلك الآلهة من قبيل طلب قضاء الحوائج منها باعتبار أنهم كانوا يعتقدون بقدرتها على الضر والنفع بذاتها وبشكل مستقل عن الإله الأكبر فيما لا يختص به من قدرات.

التنبيه الثاني: لا علاقة للتوسل بالشرك أيضا:

حقيقة التوسل أن يتوجه العبد لله ويدعوه ولكن يذكر في دعائه صفاته الجليلة التي تقتضي قضاء حاجة العبد كسعة رحمته وغفرانه، فيتوسل بهذه الصفات، وقد يتوسل بالمكانة الخاصة التي للأنبياء والصالحين عنده من عباده، وقد توسل عمر بعم النبي العباس بن عبد المطلب كما في صحيح البخاري فقال: ” اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا “[52].

فاتخاذ الوسائل المقربة إلى الله من ضرورات الدين ومسلماته، فقد علمنا الله عز وجل المناسك وشرع لنا أعمالا نتقرب بها إليه، ولقد ذكرها بعبارة عامة في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ المائدة: 35.

ومن تلك الوسائل الصلاة والحج وتقبيل الحجر الأسود وشد الرحال إلى المساجد الثلاثة بل زيارة قبر النبي (ص) ودعاء الله عند قبره كما شرع لنا دعاءه عز وجل في كل مكان بل شرع لنا السلام عليه (ص) أينما كنا، فيتقرب المسلم إلى الله بالسلام على خاتم الرسل وتحصيل رده لأن روحه ترد عليه (ص) فيرد السلام كما في الخبر الصحيح الذي مر ذكره.

وهذه كلها قربات هي من صلب التوحيد ولا تمت إلى الشرك بصلة إلا إذا قصد المتقرب عبادة الرسول أو القبر أو صاحب القبر، وهذا ما لم يقع فيه مسلم شهد الشهادتين.

نعم يمكن أن يدخل بحث الوسيلة في بحث السنة والبدعة فما هو ثابت في الشرع يدخل في السنة وما هو غير ثابت يعتبر بدعة، ولا يمكن اعتبار الثابت وغير الثابت في الشرع هنا من الشرك والتوحيد بأي وجه.

وهناك عبارة جامعة لابن تيمية هي صريحة في عدم ارتباط بحثي الشفاعة والتوسل بالشرك والتوحيد قال في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة):

” وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغي إتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث:

إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: يا سيد فلان أغثني… أو انصرني على عدوي… فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه.

الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا…، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة…

الثالثة: أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه، وتقدم أيضا أنه هذا ليس بمشهور عن الصحابة… “[53].

وكما ترى فإنه اعتبر فقط دعاء الميت مباشرة وكأنه القادر على قضاء الحوائج هو الموجب للشرك، وأما الاحتمالان الآخران – أي طلب الشفاعة من غير الله في المرتبة الثانية والتوسل بمكانة شخص في المرتبة الثالثة – فقد أدخلهما في بحث السنة والبدعة، واعتبر الأول منهما من البدع وتردد في بدعية الآخر. ■■

[1] التربية الإسلامية للصف التاسع في دولة الكويت ص 22- 23، الطبعة الثانية 1423 هـ.

[2] التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت ص 44- 45، الطبعة الثانية 1423 هـ.

[3] معجم مقاييس اللغة ص 378.

[4] القول المفيد على كتاب التوحيد ج1 ص 14.

[5] معجم مقاييس اللغة ص 69.

[6] تفسير البغوي ج 4 ص 69

[7] سيرة ابن هشام ج 1 ص 94 – 95

[8] تفسير الطبري مج 12 ج 24 ص 9

[9] الروض الانف ج1 ص168.

[10] تفسير القرطبي، مجلد8، ج16، ص66.

[11] تفسير ابن كثير ج3 ص264.

[12] تفسير القرطبي مجلد 4 ج 8 ص 247.

[13] المحرر الوجيز ج 9 ص 38.

[14] أنوار التنزيل ج 1 ص 434، ج 2 ص 110.

[15] الجواهر الحسان ج2 ص 96، ج2 ص 431.

[16] فتح القدير ج2 ص504، ج3 ص 586.

[17] الكافي ج 2 ص 12 – 13.

[18] الميزان ج 11 ص 47 – 51.

[19] تفسير الطبري، مجلد 1، ج 1 ص 238.

[20] راجع ما ذكرناه في التمهيد تحت عنوان ” تنبيه “.

[21] جمعنا الذبح والنذر في مبحث واحد نظرا لوحدة المشكلة المرتبطة بهما.

[22] منهج الرشاد لمن أراد السداد ص 92 – 94.

[23] كلمة التقوى ج6 ص422 – 423.

[24] دعاوى المناوئين ص 347 – 348 عن تيسير العزيز الحميد باختصار يسير.

[25] زاد المسير ج 5 ص 196.

[26] صحيح البخاري ج 6 ص 137 – 138.

[27] تهذيب اللغة ج 3 ص 76.

[28] فتح القدير ج 4 ص 571.

[29] سيأتي أن الصحيح إن ادعوني هنا بمعنى اعبدوني.

[30] الكليات ص 447.

[31] القول المفيد على كتاب التوحيد ج 1 ص 120 – 121.

[32] إعانة المستفيد ج 1 ص 267.

[33] كوثى: البلدة التي نشأ بها إبراهيم (ع).

[34] تفسير البغوي ج 3 ص 166.

[35] زاد المسير ج 5 ص 176 – 177.

[36] تفسير ابن كثير ج 3 ص 130.

[37] تفسير البغوي ج 1 ص 383 – 384.

[38] المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 301.

[39] المقصود به الترمذي صاحب السنن.

[40] الجامع لأحكام القرآن مج 8 ج 15 ص 292، قال محقق الطبعة: إسناده صحيح رواه الترمذي في التفسير (2969).

[41] تهذيب اللغة ج3 ص 76.

[42] المستدرك عل الصحيحين ج1 ص729 قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

[43] الكافي ج2 ص 472، وصححه المجلسي في مرآة العقول ج12 ص 22.

[44] تفسير الطبري مج 14 ج 29 ص 144 – 146.

[45] تفسير اللغوي ج4 ص373.

[46] فتح القدير ج4 ص571.

[47] إعانة المستفيد ج1 ص 268.

[48] القول المفيد على كتاب التوحيد ج 1 ص 120 – 121.

[49] شرح كشف الشبهات ص 125 – 126.

[50] ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ج5 ص 338.

[51] شرح كشف الشبهات ص 129 – 130.

[52] صحيح البخاري ج1 ص 342.

[53] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 164- 168.

الزيارات : 229

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + 2 =