الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / لهاميم العرب – الجزء الثالث ـ معركة النَّهروان وحملات الخوارج

لهاميم العرب – الجزء الثالث ـ معركة النَّهروان وحملات الخوارج

الشيخ-حسين-المياحي
الكراس رقم : 81
عدد الصفحات:52
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

دراسة استقرائية تحليلية جديدة، لأبرز المعارك التي خاضها العراقيون بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) – حرب صفين

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي (ع) وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين (ع).
وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

صفحة 1
cover image

صفحة 2

عنوان الإصدار : لهاميم العرب

الجزء الثالث: حرب النهروان

تأليف : الدكتور الشيخ حسين المياحي

سنة الإصدار : 2026/1447 ـ رقم (81)

نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF

الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع : fajrashura.com

صفحة 3

عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام مخاطباً جيشه:

«وأنتم لهاميمُ العَرب، ويآفيخُ الشَّرف، والأنفُ المُقدَّم، والسَّنامُ الأعظم».

وعنه عليه السلام متوعداً معاوية: «وأنا مُرقلٌ نحوَك، في جَحْفلٍ من المُهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديدٌ زِحامُهم، ساطعٌ قَتامهم، مُتسربِلين سَرابيلَ الموت، أحبُّ اللقاءِ إليهم لقاءُ ربِّهم، قد صَحِبَتْهم ذُريَّةٌ بدرية، وسيوفٌ هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ﴾»

صفحة 4

صفحة 5

هذه الدِّراسة

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي عليه السلام وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين عليه السلام.

وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

صفحة 6

مقدمة

خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، خلال فترة قصيرة من خلافته، مجموعة من الحروب الدموية العنيفة، أبرزها الجمل وصفين والنهروان، والكثير من المعارك في جبهات متعددة، امتدت على جغرافيا مترامية الأطراف، من الموصل ونصيبين والرقة شمالاً، حتى الأهواز ورامهرمز وساحل الخليج جنوباً. ومن سلسلة جبال (زاگروس) في بلاد فارس شرقاً، حتى الأنبار وهيت وعانة غرباً، بل امتدت على طول الحدود الافتراضية الفاصلة بين العراق والشام آنذاك، واتسعت لتشمل مكة والمدينة واليمن.

وقد قامت هذه الحروب والمعارك والغارات

صفحة 7

على جماجم ودماء أصحاب علي عليه السلام من أهل العراق، من الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة بالخصوص، رأس الحربة فيها على مدى أكثر من أربع سنوات من القتال. فلم يُغمد فيها سيفٌ حتى اللحظة الأخيرة من العمر المبارك لأمير المؤمنين عليه السلام، يوم احتشد عشرات الآلاف في النُّخيلة استعداداً للعودة إلى القتال في صفين، قبل أيام قلائل من اغتياله عليه السلام على يد ابن ملجم.

كان ذلك في وقت تكالبت فيه الأمة كلها على علي عليه السلام، وتألَّبت قريش بقضها وقضيضها لمقاتلته، واستنفرت قبائل العرب الموتورة من سيف علي عليه السلام لمؤازرة معاوية وبني أمية، وتفجرت الضغائن الكامنة في الصدور، ولم يعد بين يديه سوى ثلة مجاهدة من أهل العراق، تسربلت سرابيل الموت، وأحبت لقاء الله. عمادها لهاميم العرب،

صفحة 8

ويآفيخ الشرف، والأنف المقدم، والسنام الأعظم، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، تصحبهم ذرية بدرية، وسيوفٌ هاشمية. فكانوا نعم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجُنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، كما وصفهم صلوات الله عليه.

وسوف نحاول في هذا البحث، أن نلقي نظرة على دورهم في تلك المعارك والحروب، التي صُنف فيها الكثير من المصنّفات، وإن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير جداً. كما نتناول ـ ضِمناً ـ العديد من النقاط ذات العلاقة بعقيدتهم في الولاية، أو تاريخهم الجهادي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو بعض مواقفهم الأخرى في غير المعارك العلوية، أو ثناء علي عليه السلام عليهم، ووصفهم بخصال الفضل، وسجايا الشجاعة والشرف، ودعائه لهم، ووعيد

صفحة 9

الأعداء بهم، وأمثال ذلك. مع التعريف ـ ما أمكن ـ بأبرز أعلام صحابته عليه السلام وقيادات جيشه الذين وردت أسماؤهم في الأخبار.

وقد كنا قد استعرضنا في السابق، جانباً يسيراً من تلك المعارك، في كتيّبٍ صغير تحت عنوان: «الكوفة كنز الإيمان»، لكن موضوعه لم يكن يسمح بالإسهاب والاستطراد كثيراً في استقرائها وسردها، إنما أردنا فيه أن نقدّم صورة مختصرة تبيّن (فضل الكوفة) على لسان أهل البيت عليهم السلام وما أفاده الواقع التاريخي في بعض المعارك. أما هذا البحث فيتناول بشكل رئيس (أصحاب علي) المجاهدين بين يديه، واستعراض تاريخهم في المعارك الكثيرة التي دارت رحاها مع أهل الشام والخوارج، وما يتعلق بها مما ذكرنا من نقاط، للتحقق مما نُسب إليهم من التقصير بحق إمامهم، وتقاعسهم عن نصرته، وخذلانه في المعارك والغارات، كما زعمت بعض الأخبار والنصوص.

صفحة 10

وقد قسمنا هذه الدراسة إلى أجزاء:

معركة الجمل

معركة صفين

معركة النهروان

الغارات

ونسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لنا، يقرّبنا من رضاه في الآخرة، ويسهم في كشف الكثير من الحقائق، وتصحيح الكثير من التصورات.

ولا يفوتني أن أشيد بمركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة الذي أخذ على عاتقه إخراج هذا العمل ونشره بأجزائه الأربعة، والحمد لله رب العالمين.

حسين المياحي

كربلاء المشرفة / رمضان المبارك/ 1447هـ

***

صفحة 11

معركة النهروان

في سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وبعد حادثة التحكيم التي انطلقت بخديعة عمرو بن العاص، خرج على عليّ ما يقرب من اثني عشر ألفاً، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فكلمهم وحاجّهم، فرجع أكثرهم، وتديّن من تبقى منهم ببغضه وسبه وتكفيره، وقَتْل من ينتمي إليه، وتغلغلوا في الكوفة مستفيدين من التسامح البالغ الذي أبداه علي عليه السلام معهم.

قال البلاذري نقلاً عن أبي مجلز: «وبعث عليٌّ إلى الخوارج: أن سيروا إلى حيث شئتم، ولا تُفسدوا في الأرض، فإنّي غير هائجكم، ما لم تُحدثوا حدثاً. فساروا حتى أتوا النهروان، وأجمع عليّ على إتيان صفين، وبلغ (ذلك)

صفحة 12

معاوية فسار حتى أتى صفين»(1).

فحادثة التحكيم ورفع المصاحف، لم تقف عائقاً أمام علي عليه السلام لمواصلة القتال في صفين، لكنه اغتنم الفرصة لإلقاء الحجة، وفضح خديعة معاوية وابن العاص وإجهاضها، وكان واثقاً أنّ تحكيم القرآن لو تَمّ لم يكن ليُخطئه، فهو صاحب الحق القطعي في الإمامة والخلافة، بل هو ترجمان القرآن.

فلما آل أمر التحكيم إلى خديعة أخرى، أزمع أن يستأنف معركة صفين، بل دعا الخوارج للمشاركة فيها قطعاً لحجتهم، لكنهم أبوا إلا (استتابته من الكفر)!

وكانوا قبل ذلك قد آذوه كثيراً، قبل أن ينحازوا إلى النهروان(2).


(1) أنساب الأشراف2: 367.

(2) انظر: تاريخ الطبري4: 53. فقد ذكر الكثير من الحوادث في مقاطعته عليه السلام وهو يخطب، وكان شعارهم: لا حكم إلا لله. وقد جهدت الأقلام الأموية والعباسية في تصوير هذه الفترة وما بعدها، أبشع تصوير، فحرّفت ما صدر منه عليه السلام من كلمات وخطب بحق الخوارج، أو العثمانية، فجعلتها في أصحابه وشيعته وأهل الكوفة قاطبةً، بل أسرفت كثيراً في الكذب والافتراء والتحريف والتزوير، ووضعت الكثير من الأخبار لإسقاط شيعة علي عليه السلام وأصحابه وجيشه وأهل الكوفة أو العراق بالمطلق. وسوف نخصص فصلاً خاصاً لتلك الخطب التي حُرّفت أو انتُحلت وألصقت بعلي عليه السلام وسائر الأئمة أو شيعتهم.

صفحة 13

قال البلاذري: «فلما تفرق الحكمان، كتب عليٌّ إليهم وهم مجتمعون بالنهروان: إن الحكمين تفرقا على غير رضا، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، وسيروا بنا إلى الشام للقتال، فأبوا ذلك وقالوا: لا، حتى تتوب وتشهد على نفسك بالكفر، فأبى»(1).

وقال: «وكتب علي إلى الخوارج بالنهروان: أما بعد، فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإني أريد المسير إلى الشام. فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إماماً وقد كفرت! حتى تشهد على نفسك بالكفر، وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما


(1) أنساب الأشراف2: 361.

صفحة 14

غضبت لنفسك، فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم؛ فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة ـ وقد كان عسكر بها حين جاء خبر الحكمين ـ إلى الشام»(1).

وذكر الطبري كتاب علي عليه السلام إلى الخوارج، واستعداده للعودة إلى صفين، ودعوتهم للمشاركة في ذلك. فقد خطب خطبة في الكوفة، دعا فيها الناس للعودة إلى صفين، جاء فيها: «استعدوا وتأهبوا للسير إلى الشأم، وأصبِحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين»(2).

قال الطبري: «ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين، وعبد الله


(1) أنساب الأشراف2: 367.

(2) تاريخ الطبري4: 57. لاحظ كيف يُصدر علي عليه السلام الأوامر بالاستعداد للقتال، على خلاف ما نسب إليه الشيخ مغنية وطه وحسين من أنه كان يترك خيار الحرب لأصحابه، ويكتفي بالمواعظ والنصح.

صفحة 15

بن وهب، ومن معهما من الناس، أما بعد: فإنّ هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما(1)، قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما، بغير هدى من الله. فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكماً، فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون. فإذا بلغكم كتابي هذا فأَقْبِلوا، فإنّا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه، والسلام.

وكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء. ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِيْنَ(2). فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضى بالناس إلى


(1) هذا تصريح آخر يضاف لتصريحاته عليه السلام التي تؤكد رضاه بالتحكيم.

(2) الأنفال: 58.

صفحة 16

أهل الشأم، حتى يلقاهم فيناجزهم»(1).

ثم نزل عليٌّ بين أنصاره وجيشه الكوفي في النخيلة، وخطب فيهم، وحثهم على الجهاد، وأبلغهم بقراره الحاسم بالعودة إلى صفين، فكان مما قال:

«تيسَّروا وتهيأوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليُقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم، شَخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»(2).

وكتب إلى عبد الله بن عباس: «أما بعد فإنّا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي، وأقم


(1) تاريخ الطبري4: 57.

(2) تاريخ الطبري4: 58. انظر للأوامر الصارمة التي يُصدرها عليه السلام بخصوص قرار الحرب، فلا ينتظر أحداً يقرر نيابة عنه.

صفحة 17

حتى يأتيك أمري. والسلام»(1).

فلما وافاه من وافاه من البصرة إلى النخيلة، خطب خطبة، أثنى فيها على أهل الكوفة أحسن الثناء.

قال الطبري: «فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة، ورؤوس الأسباع، ورؤوس القبائل، ووجوه الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، أنتم إخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل»(2).

هذه صورة مقتضبة من الاستعدادات


(1) تاريخ الطبري4: 58. ويبدو أن هذا الكتاب كان في آخر قرار لأمير المؤمنين عليه السلام بالعودة إلى صفين، قبل استشهاده بأيام قلائل، وسوف يأتي لاحقاً. وهو نموذج آخر من الأوامر التي تصدر عن قرار صارم وحازم في العودة للقتال، على خلاف ما صوروه في علي عليه السلام من أنه كان يدعو الناس فلا يستجيبون، أو أنه كان يكتفي بالمواعظ بخصوص الحرب، أو أنه كان ضعيفاً يشتكي ويضجر ويسأم.

(2) تاريخ الطبري4: 58.

صفحة 18

العسكرية في نخيلة الكوفة للعودة إلى صفين، كما عرضها الطبري والبلاذري وغيرهما، فلم نجد فيها سوى الوفاء والولاء المنقطع النظير، والاستجابة السريعة والحماس الشديد، ولم نر فيها علياً عليه السلام إلا كما نعرفه، في شدته وشجاعته وحزمه وعزمه وحسن تدبيره.

وقد اجتمع عنده في النخيلة ثمانية وستون ألفاً كما ذكر الطبري، خمسة وستون ألفاً منهم من أهل الكوفة(1).

وبينا علي وأصحابه وشيعته يستعدون للعودة إلى صفين، تناهى إلى سمعه قول بعضهم: «لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم، وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين». فقام فيهم خطيباً يبين لهم الفرق بين الخوارج ومعاوية، وأن قتال معاوية وأهل الشام أولى، فكان مما قال: «فدعوا ذكرهم،


(1) تاريخ الطبري4: 59.

صفحة 19

وسيروا إلى قوم يقاتلونكم، كيما يكونوا جبارين ملوكاً، ويتخذوا عباد الله خولاً»(1).

فكانت ردة الفعل في غاية الحماس والإعراب عن الطاعة المطلقة.

قال الطبري: «فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت»(2).

وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني(3) فقال: «نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك. فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية


(1) تاريخ الطبري4: 59.

(2) تاريخ الطبري4: 59. الإمامة والسياسة1: 125. نهاية الأرب20: 173.

(3) من خواص أصحاب علي عليه السلام وشيعته من ربيعة. حضر مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبه الثلاث الكبرى. قُتل مع حجر وأصحابه في أيام زياد بن أبيه. (انظر: تاريخ الطبري4: 198. تاريخ دمشق24: 258)، وغيرهما. قال عنه الزركلي: «أحد الشجعان المذكورين، من أصحاب علي بن أبي طالب. كان يقيم في الكوفة، واشترك في إثارة الناس على بني أمية، فقتله معاوية صبراً بالشام، مع حجر بن عدي». (الأعلام3: 211).

صفحة 20

أتباع»(1).

وقال محرز بن شهاب التميمي(2)، من بني سعد: «يا أمير المؤمنين، شيعتُك كقلب رجل واحد في الإجماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فأبشر بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال»(3).

***


(1) تاريخ الطبري4: 59.

(2) محرز بن شهاب المنقري: من خواص شيعته ومواليه، ومن أصحاب حجر بن عدي، قتل معه صبراً في مرج عذراء. (انظر: أنساب الأشراف5: 262. تاريخ دمشق57: 80). قال الزركلي: «محرز بن شهاب السعدي التميمي: من مقدَّمي أصحاب علي. كان موصوفاً بالشجاعة وجودة الرأي. قتله معاوية بعد أن قبض عليه زياد بن أبيه في الكوفة مع حجر بن عدي». (الأعلام5: 284).

(3) تاريخ الطبري4: 59.

صفحة 21

غرور الخوارج

كان القرار في الكوفة التوجه نحو صفين مرة أخرى، وأعدّ علي عليه السلام العدة على خير ما يُرام، بل تحرك بالفعل حتى بلغ الأنبار.

قال البلاذري: «فسار بهم علي إلى الأنبار، وأخذ على قرية (شاهي) ثم على (دباها) من الفلوجة، ثم إلى (دمما) »(1). وهو ما أكده الطبري كذلك، من أن مسير علي للخوارج كان من الأنبار، وهو في طريقه إلى صفين(2).

ولكن تناهى إلى مسامع علي عليه السلام أن الخوارج ارتكبوا جرائم بشعة، أبرزها قتل عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتّ وزوجته، وثلاث نسوة


(1) أنساب الأشراف2: 367.

(2) انظر: تاريخ الطبري4: 61.

صفحة 22

كنّ معه. فطالبهم علي بتسليم قاتله، قائلاً: «ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم حتى ألقى أهل الشام، فلعلّ الله يقلب قلوبكم، ويردّكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فبعثوا إليه فقالوا: كلنا قَتَلتُهم، وكلُّنا نستحل دماءهم ودماءكم»(1).

وقال البلاذري: «فبعثوا إليه: أنه ليس بيننا وبينك إلا السيف، إلا أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تُبنا. فقال علي: أبعد جهادي مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وإيماني، أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللتُ إذن وما أنا من المهتدين»(2).

ولم يبدأهم علي عليه السلام بقتال، وبالغ في وعظهم والنصيحة لهم، فخرجت منهم مجموعات


(1) تاريخ الطبري4: 62.

(2) أنـساب الأشراف2: 369.

صفحة 23

اعتزلت القتال، وأصر من تبقى على مهاجمة جيش علي عليه السلام، وقيل إنهم ألفان وثمانمئة، وقيل أكثر بقليل.

وما هي إلا جولة، حتى قضى عليهم علي عليه السلام وأصحابه.

إلا أن قصة الخوارج لم تنته عند هذا الحد، بل كانوا غُصّة في حلق الخلافة العلوية، ولم يتركوا علياًعليه السلام يجذب أنفاسه. فبعد عرقلة عودته إلى صفين، واصلوا الهجمات المتلاحقة والغارات على ما كان تحت سيطرته من القرى والمدن والكور، حتى انتهى أمرهم إلى اغتياله في أبشع جريمة ارتكبوها. كما أن هذه الأوضاع شجعت معاوية وأهل الشام أيضاً على إضعاف سلطة عليعليه السلام على مناطق نفوذه، بالغارات على الآمنين في أطراف الدولة العلوية.

صفحة 24

مصنفات في وقعة النهروان

كما هو الحال في سائر الحروب التي خاضها علي عليه السلام وأصحابه وشيعته، صنف المصنفون الكثير من الكتب في النهروان، أو ذكروها في موسوعاتهم التاريخية أو غيرها. فمن ذلك:

1 ـ كتاب النهروان: جابر بن يزيد الجعفي.

2ـ كتاب النهروان: المنذر بن محمد بن المنذر القابوسي.

3 ـ كتاب النهروان: نصر بن مزاحم المنقري.

4 ـ كتاب النهروان: هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

5 ـ كتاب النهروان: الحسن بن جعفر بن قحوان.

صفحة 25

6 ـ كتاب أهل النهروان: أبو مخنف.

7 ـ أخبار النهروان: أبو زيد، عمر بن شبة.

8ـ كتاب النهروان (أو حروراء، أو النهر): إبراهيم بن محمد الثقفي.

9 ـ كتاب النهروان: أبان بن تغلب.

10 ـ كتاب النهروان: محمد بن زكريا بن دينار الغلابي.

11 ـ كتاب النهروان: عبد العزيز بن يحيى الجلودي.

وغير ذلك.

هذا غير الكتب التي ألفت تحت عناوين عامة، مثل: حروب أمير المؤمنين، لعمارة بن زيد بن زيد الخيواني الهمداني، والموضح في حروب أمير المؤمنين عليه السلام، للحسن بن موسى النوبختي. وحروب أمير المؤمنين. وغير التواريخ المشهورة التي اشتهرت فيها هذه الواقعة.

***

صفحة 26

غارات الخوارج وحركاتهم

بعد القضاء على خوارج النهروان، رجع جيش علي عليه السلام إلى الكوفة لإعادة التنظيم والاستعداد من جديد، لكن من تبقى من الخوارج تفرقوا في جماعات هنا وهناك، واستأنفوا مقاتلة علي عليه السلام ما وجدوا لذلك قوةً، وما استطاعوا إليه سبيلاً.

وهذه أبرز الحركات والغارات التي شنوها على دولة علي عليه السلام ومناطق سيطرته:

الأولى ـ حركة أشرس بن عوف الشيباني(38 هـ)

وهو من وجوه بني شيبان، وشجعانهم في

صفحة 27

صدر الإسلام(1).

قال البلاذري وغيره: «أول من خرج على عليّ بعد مقتل أهل النهروان، أشرس بن عوف الشيباني، خرج بالدَّسْكرة(2) في مئتين، ثم صار إلى الأنبار، فوجّه إليه عليٌّ الأبرش(3) بن حسان في ثلاثمئة(4)، فواقعه، فقُتل أشرس في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين»(5).

وكان الأشرس قد خرج قبل ذلك مع


(1) الأعلام1: 331.

(2) غربي بغداد.

(3) في المصادر الأخرى: الأشرس أو أشرس بن حسان، ولعله غيره، لأن هذا الأخير قُتل في غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار. وفي بعض المصادر أن الذي قُتل في الغارة على الأنبار حسان بن حسان البكري.

(4) سوف تلمس أيها القارئ الكريم بنفسك، السرعة والشدة في استجابة أصحابه له في المهمات الحرجة والصعبة، ولن تجد سريةً واحدةً أو بعثاً أو غارة، إلا وجرّد أصحابُه العراقيون سيوفهم طيّعةً في كفّه قبل أكفهم، وقدموا أرواحهم رخيصةً في سبيله. بل كانوا في الكثير منها هم المبادرين بالاقتراح قبل أن يستنفرهم. ومن هنا تدرك، بلا أدنى شك، أن كل ما قيل من تقاعسهم أو خذلانهم أو تلكُّئِهم، ما هو إلا حديث خُرافة، تكذّبه الوقائع التاريخية المتكاثرة القطعية التي استمرت حتى اللحظة الأخيرة من حياته المباركة، صلوات الله وسلامه عليه.

(5) أنساب الأشراف2: 481. انظر كذلك: الكامل في التاريخ3: 372. الأعلام1: 331. نهاية الأرب20: 180.

صفحة 28

مِسعَر بن فدكي نحو النهروان، في ثلاثمئة من الخوارج «فمر ببَهُرَسِير(1)، وعليها عَديّ بن الحرث بن يزيد بن رويم الشيباني(2)، فخرج إليهم ليمنعهم، فقتله أشرس بن عوف الشيباني»(3).

وقال الأشعري: «وخرج على علي في حياته من الخوارج، بعد عبد الله بن وهب الراسبي، أشرس بن عوف، فسرّح إليه علي جيشاً، فقُتل بالأنبار هو وأصحابه، في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين»(4).


(1) قال ياقوت الحموي: «من نواحي سواد بغداد قرب المدائن، ويقال: بهر سير الرومقان، وقال حمزة: بهرسير إحدى المدائن السبع التي سميت بها المدائن». معجم البلدان1: 551.

(2) لم أجد لهذا الاسم بالتحديد، ترجمة واضحة في المصادر. ويظهر أن فيه وهماً وتقديماً وتأخيراً. فالوراد في كامل المبرد، ونقله التستري في قاموس الرجال، هو الحارث بن رويم، وابنه يزيد بن الحارث، كانا في زمن أمير المؤمنين. وقد عاش يزيد بن الحارث إلى سنة 68هـ وقتل فيها على يد الأزارقة في الري، وليس في هذه الحادثة. فلعل المذكور أبوه الحارث بن رويم، والله أعلم.

(3) أنساب الأشراف2: 361، 481.

(4) مقالات الإسلاميين: 130. بتحقيق: هلموت ريتر.

صفحة 29

الثانية: حركة الخريت بن راشد وبني ناجية(38هـ)

وهي من أشدّ الحركات وأكثرها عنفاً ودموية، وقد استمرت طويلاً حتى قضى عليها جندُ علي عليه السلام وأصحابه.

كان الخِرِّيتُ بن راشد والياً على كورة من كور فارس أيام عثمان، ثم خرج مع طلحة والزبير يوم الجمل(1)، ثم حضر وأصحابه صفين مع علي عليه السلام، ثم خرج عليه بعد التحكيم(2). فجاءه ذات يوم ومعه ثلاثون من أصحابه، فقال له: والله لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وإني غداً لمفارقٌ لك. فحاول علي عليه السلام جاهداً نصحه وإرشاده، وطلبَ


(1) انظر: أسد الغابة2: 110. الإصابة2: 235. إكمال الكمال2: 432.

(2) انظر ما ذكرناه مختصراً بتصرف، من قصة الخريت بن راشد، في كتاب الغارات للثقفي1: 332. وما بعدها. وأنساب الأشراف2: 411. عن أبي مخنف وغيره. تاريخ الطبري4: 86. عن أبي مخنف أيضاً.

صفحة 30

مناظرته بالقرآن والسنة، فوعده أن يأتيه في اليوم التالي، لكنه أخلف وعده، وخرج من الكوفة من فوره مع ثلة من أصحابه.

فاستأذن زياد بن خصفة أمير المؤمنين عليه السلام أن يذهب في طلبهم. فقد روى الثقفي في الغارات، أن زياد بن خصفة قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: «يا أمير المؤمنين، إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا، لم يعظم فقدهم علينا فنأسى عليهم، فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم منا، ولكنا نخاف أن يُفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك. فإذن لي باتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله(1).


(1) وفي هذا ردّ على من زعم أنَّ علياً عليه السلام كان ينتدبهم فلا يجيبون، والحال أنهم في العديد من المواطن كانوا هم المبادرين بالاقتراح عليه أن يبعثهم في المعارك والغارات. أما أن ينتدبهم فلا يجيبون، فهي حديث خرافة وأوهام، وسوف نجد أن ذلك لم يحدث ولا مرة واحدة.

صفحة 31

فقال له علي عليه السلام: اخرج في آثارهم راشداً. فلما ذهب ليخرج، قال له: وهل تدري أين توجه القوم؟ فقال: لا والله، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له علي عليه السلام: اخرج ـ رحمك الله ـ حتى تنزل دير أبي موسى، ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري(1)…»(2).

مقاتلة الخريت في المدائن

ثم كتب علي عليه السلام إلى عماله كتاباً، أمرهم فيه بمتابعة الخريت ومراقبته، لئلا يُفسد عليه الناس. ثم بعث زياد بن خَصَفَة التيمي البكري(3) في جمع من شيعته وأنصاره من


(1) لاحظ قوة السيطرة والتحكم في إدارة المعركة عند علي عليه السلام، بخلاف ما صورته بعض الأقلام، من أنه أشبه بـ (الواعظ المرشد) لا أكثر، وأنه ترك هذه القرارات بيد الناس، أي أنه يكتفي بانتداب الناس للمعركة، فلا يستجيبون له، فينزعج ويتململ، ثم يُظهر غضبه عليهم، وضيق صدره، ويكتفي بذلك.

(2) الغارات1: 225.

(3) من تيم الله بن ثعلبة، وهم من بكر بن وائل، من ربيعة بن نزار. من خيرة أصحاب علي عليه السلام وشيعته، بعثه أثناء معركة صفين مع وفد إلى معاوية لنصحه بإيقاف القتال رجاء الصلح. فأسمع معاوية قولاً سديداً وشديداً، بعد أن حاول معاوية إغراءه ليترك علياً، فقال معاوية لابن العاص: «ليس يُكلِّمُ رجلٌ منا رجلاً منهم بكلمة فيجيب بخير، ما لهم، عضبهم الله، ما قلوبُهم إلا قلبُ رجلٍ واحد». (وقعة صفين: 200. الطبري4: 3). قال فيه علي عليه السلام: «نعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله». (الغارات1: 235. تاريخ الطبري4: 93). ومواقفه في نصرة علي والوفاء له، أكثر من أن تحصى.

صفحة 32

فرسان بكر بن وائل(1)، وسار حتى استقرّ بالمدائن ينتظر أوامر علي عليه السلام، كما أمره قبل ذلك.

ثم بلغ علياً عليه السلام أن عصابة الخريت قتلت رجلاً مسلماً لأنه من شيعة علي ليس إلا(2)،


(1) خطب زياد بن خصفة في قومه قبل التحرك من الكوفة لتتبع خبر الخريت الناجي فقال: «أما بعد يا معشر بكر بن وائل، فإنّ أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهمٍّ له، وأمرني بالانكماش فيه بالعشيرة، حتى آتي أمره. وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حيٍّ من أحياء العرب في نفسه، فانتدِبوا معي في هذه الساعة وعجّلوا. قال: فوَ الله ما كان إلا ساعة، حتى اجتمع إليه منهم مائة رجل ونيِّفٌ وعشرون أو ثلاثون، فقال: اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء». (الغارات1: 225).

(2) كان الرجل من دهاقين أسفل الفرات، وقد أسلم وصلّى. فسألوه: أمسلمٌ أنت أم كافر؟ قال: بل مسلم. قالوا: ما قولك في علي بن أبي طالب؟ قال: قولي فيه خير، أقول: إنه أمير المؤمنين، ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد البشر. فقالوا له: كفرتَ يا عدو الله، ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم. وأخذوا رجلاً آخر يهودياً، فخلَّوا سبيله، لأنه من أهل الذمة. فذهب هذا الذمي فأخبر عامل علي عليه السلام قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري. (انظر: الغارات1: 226. تاريخ الطبري4: 89).

صفحة 33

فكتب عليه السلام إلى زياد بن خصفة كتاباً، بعثه مع عبد الله بن وال، أمره فيه أن يتوجه إلى إحدى القرى التي استقروا فيها، وأن يردَّهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام فإن أبوا فليقاتلهم.

ومما يذكر هنا أن حامل الكتاب، استأذن أمير المؤمنين عليه السلام أن يذهب مع زياد بن خصفة لقتالهم(1)، ولا يكتفي بحمل الكتاب فقط، فقال له أمير المؤمنين: «يا ابن أخي افعل، فوالله إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين»(2). وكان عبد الله بن وال يومها شاباً حدثاً.

فتبعهم زياد فور وصول الكتاب إليه، حتى أدركهم بالمدائن، وحاول التفاوض معهم ليردهم إلى الكوفة، وكان زياد حصيفاً مُجرِّباً، لكنّ الخرّيت أصرّ على رأيه بعدم الاعتراف


(1) هذا شاهدٌ آخر على تسابق أصحاب علي عليه السلام للقتال بين يديه.

(2) الغارات: 229. الكامل في التاريخ3: 365.

صفحة 34

بخلافة علي، وأنه يريدها (شورى).

فكان مما قال: «لم أرض بصاحبكم إماماً، ولم أرض بسيرتكم سيرةً، فرأيتُ أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على رجلٍ، هو لجميع الأمة رضى، كنت مع الناس»(1).

فطالبه زياد بتسليم قتلة الرجل المسلم، فأبى. فاشتبك معهم زياد في قتال شديد، جُرح فيه زياد بن خصفة، وعبد الله بن وال، حتى حال الليل بين العسكرين، فتنحّى كل منهما جانباً. فلما أصبح الصباح وجدوا أن الخريت وعصابته قد انهزموا نحو البصرة والأهواز، وقد التحق بالخريت مجاميع ممن كانوا على هواه ورأيه.


(1) الغارات1: 232.

صفحة 35

مقاتلة الخريت في الأهواز ورامهرمز

وكتب زياد بن خصفة إلى أمير المؤمنين عليه السلام بما جرى في المدائن، وهربِ الخريت إلى الأهواز. فجهّز علي عليه السلام جيشاً من أهل الكوفة قوامه ألفا فارس، بقيادة معقل بن قيس الرياحي. وكتب معه كتاباً إلى عامله على البصرة عبد الله بن عباس، أمره فيه بتجهيز ألفي مقاتل بقيادة رجل صليب شجاع معروف بالصلاح، ليلتحق بمعقل بن قيس، فإذا التقت الكتيبتان، فالقائد فيهما معقل. كما أمره بإبلاغ زياد بن خصفة أن يعود إلى الكوفة، وقال فيه: فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله.

وكتب عليه السلام لزياد بن خصفة كتاباً ذكر فيه فضله، وحسن صنيعه، وأثنى عليه ودعا له. فمما جاء فيه: «فأما أنت وأصحابك فلله سعيُكم، وعليه جزاؤكم، وأيسر ثواب الله

صفحة 36

للمؤمن خيرُ له من الدنيا التي يقبل الجاهلون بأنفسهم عليها. ﴿مَا عِنْدَكُم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِيْنَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾».(1)

كما أخبره بخاتمة الخريت وعصابته، وأنهم سوف يكونون بين قتيل وأسير. وختم الكتاب بقوله لزياد: «فأقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء، والسلام».

ونزل الخريت الناجي ناحية من نواحي الأهواز، واجتمع إليه الكثير من اللصوص ومانعي الخراج وطائفة من الأعراب والأكراد ترى رأيه، وبعض النصارى، والعلوج، وغيرهم.


(1) الغارات1: 235. والآية من سورة النحل: 96. وفي لفظ الطبري4: 93: «فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم وعلى الله تعالى جزاؤكم فأبشر بثواب الله خير من الدنيا التي يقتل الجهال أنفسهم عليها فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون».

صفحة 37

أما معقل بن قيس، فتوجه من الكوفة نحو البصرة، ثم التحق به ألفان من البصرة بقيادة خالد بن مَعْدَان الطائي(1)، واجتمعت الكتيبتان بقيادة معقل كما أمر علي عليه السلام، فكانوا أربعة آلاف، وتوجهوا نحو الأهواز لملاحقة الخريت وأصحابه، فهربوا نحو جبال رامهرمز، فاتبعهم أصحاب علي إلى هناك.

والتقى الجيشان، فالتحما، وقاتل أصحاب علي عليه السلام كعادتهم بشدة وشراسة، فما هي إلا ساعة حتى انهزم جيش الخريت، بعد أن وقع المئات منهم قتلى، وآخرون جرحى، فيما أُسر الباقون. وانهزم الخرِّيت بن راشد نحو ساحل البحر من بلاد فارس، يعيد التنظيم ويجمع الجموع لإعادة الكرّة، فاجتمع حوله ناس كثير.


(1) من أهل الدين والصلاح، والبأس والنجدة، بحسب ما وصفه عبد الله بن عباس، وبحسب ما ثبت عنه في هذه الحادثة من حسن القيادة والطاعة. فكان رجلاً صليباً شجاعاً صالحاً كما أراده علي عليه السلام.

صفحة 38

مقاتلة الخريت في ساحل الخليج

وكتب معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة يخبره بالفتح وهزيمة الخريت، فاستشار عليٌّ أصحابه، فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد، وهو أن يتبع آثار الخريت وأصحابه حتى يقتلهم أو ينفيهم من الأرض. فكتب إليه عليٌّ عليه السلام: «أما بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه. جزاك الله والمسلمين خيراً، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم. وسَلْ عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنه لن يزال للمسلمين عدواً، وللقاسطين ولياً ما بقي. والسلام عليك»(1). فتحرك معقل وجيشه نحو ساحل البحر لملاحقة الخريت.

قال المؤرخون: «فسار إليهم معقل بن


(1) الغارات1: 355. تاريخ الطبري4: 95.

صفحة 39

قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارس، حتى انتهى إلى أسياف البحر»(1).

وذكر الطبري وغيره، أن الخريت حاول بشتى الحيل أن يؤلّب الناس على عليّ عليه السلام تارة بحجة التحكيم، وأخرى بحجة الثأر لعثمان، وثالثة بمنع الخراج والصدقات، ورابعة بتخويف النصارى من حكم علي عليه السلام فيهم. فأرضى كل صنف من الناس بضرب من القول الموافق لهواهم وآرائهم وميولهم(2).

وهكذا أتبعهم معقل بن قيس، حتى أدركهم هناك في ساحل الخليج.

وبعث عليّ عليه السلام كتاباً آخر لمعقل بن قيس ليقرأه على الخوارج من أصحاب الخريت قبل قتالهم، وهو:


(1) الغارات1: 240. تاريخ الطبري4: 96. شرح نهج البلاغة3: 140.

(2) الغارات1: 240. تاريخ الطبري4: 96. شرح نهج البلاغة3: 140. أنساب الأشراف2: 414.

صفحة 40

«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين والمارقين والنصارى والمرتدين، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت، وافياً بعهد الله، ولم يكن من الخائنين. أما بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن أعمل فيكم بالحق، وبما أمر الله تعالى في كتابه، فمن رجع منكم إلى رحله، وكفّ يده، واعتزل هذا المارق الفاسق الهالك المحارب الذي حارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فساداً، فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا، والخروج من طاعتنا، استعنّا بالله عليه، وجعلناه بيننا وبينه، وكفى بالله ولياً. والسلام»(1).


(1) الغارات1: 242. تاريخ الطبري4: 97. شرح نهج البلاغة3: 141.

صفحة 41

فلما التقى الجمعان، أخرج معقل راية أمانٍ فنصبها، وقال: من أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخريت وأصحابه الذين خرجوا معه أولاً. وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين عليه السلام.

فتفرق الناس عن الخريت، ولم يبق معه سوى أنصاره الأوائل من الخوارج وبعض أبناء قومه. فالتقوا في قتال شديد، قُتل فيه الخريت(1)، وجمعٌ من أنصاره، وتفرق الباقون يميناً وشمالاً.

هذه باختصار، ملحمة من ملاحم أصحاب علي عليه السلام من أهل الكوفة والبصرة، تجلّت فيها أسمى آيات الوفاء والشجاعة والصبر والطاعة، وأعلى درجات التنسيق والفنون الحربية والدهاء العسكري.


(1) قتله النُّعمان بنُ صُهبان الراسبي البصري، كما ذكر الثقفي والطبري والبلاذري وغيرهم. والنعمان بن صهبان البصري، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. وفي رجال العلامة: «من رجال أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل: «من دخل داره فهو آمن». قُتل أيام نهضة المختار في الكوفة، وكان قدم من البصرة للمطالبة بدم الحسين عليه السلام.

صفحة 42

مصنفات في حركة الخريت

صنف المؤرخون الكثير من المصنفات في حركة الخريت وبني ناجية، منها:

أخبار الخريت بن راشد لأبي مخنف. ذكره النجاشي وابن النديم وغيرهما بين مصنفات أبي مخنف(1)، وقد روى عنه الطبري بواسطة هشام بن محمد، وغيره، الكثير من الأخبار.

ومنها: كتاب بني ناجية، عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري.

ومنها: كتاب بني ناجية لأبي الحسن المدائني. كما ذكرته التواريخ المشهورة كالطبري وأمثاله.


(1) انظر: رجال النجاشي: 320. فهرست ابن النديم: 105. الوافي بالوفيات24: 306. معجم الأدباء17: 42.

صفحة 43

الثالثة ـ حركة هلال بن علقمة وأخيه(38هـ)

في أنساب الأشراف: «قالوا: ثم خرج هلال بن علقمة(1) من تيم الرباب، ومعه أخوه مجالد، وقال بعضهم: إنّ الرئاسة كانت لمجالد، ومعه هلال. فأتى ماسَبَذَان(2) يدعو إلى ماربه رأيه(3) ويقاتل من قاتله. فوجّه إليه علي معقل بن قيس الرياحي، فقتله وقتل أصحابه، وهم أكثر من مئتين. وكان مقتلهم في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين»(4).

وقد ورد في بعض المصادر ذكر لهلال بن عُلَّفة الذي شارك في معركة القادسية،


(1) في طبعة دار الفكر: هلال بن علفة. وفي طبعة مؤسسة الأعلمي: هلال بن علقمة. (انظر: أنساب الأشراف3: 241 طبعة دار الفكر. و2: 482، طبعة مؤسسة الأعلمي).

(2) تقع في الطرف الجنوبي لمندلي باتجاه محافظة واسط، وهي أقرب للحدود الإيرانية الحالية شرقي واسط.

(3) كذا في المطبوع، ولعلها: إلى مأربه ورأيه.

(4) أنساب الأشراف2: 483. الكامل في التاريخ3: 372. نهاية الأرب20: 180.

صفحة 44

وذكروا أنه قتل رستم في القادسية(1). وقيل: إنه قُتل في القادسية شهيداً(2). ولكن يبدو أنه هو نفسه، وقد بقي إلى أيام النهروان، على ما جاء في بعض المصادر(3).

وسواء كانا اسمين مُصحَّفين لشخصية واحدة، أم لشخصيتين مختلفتين، فالنتيجة واحدة، هي خروج مجموعة من الخوارج على عليعليه السلام في واحدة من حركاتهم الكثيرة المتلاحقة التي استمرت حتى استشهاده.


(1) أنساب الأشراف11: 275. فتوح البلدان2: 317. تاريخ اليعقوبي2: 145. تاريخ الطبري3: 68.

(2) انظر: أسد الغابة5: 69. الوافي بالوفيات27: 217.

(3) المصادر التي ذكرته بهذا الاسم، أو التي صرحت أنه اشترك في القادسية: (أنساب الأشراف11: 275. ومثله الأشعري في مقالات الإسلاميين: 30). أما الزركلي، فصرح أنه هو نفسه الذي قتل رستم في القادسية، ثم خرج على علي عليه السلام. قال: «كان شجاعاً من أبطال زمنه. وهو الّذي قتل رستم يوم القادسية. وخرج على عليّ بعد وقعة النهروان، وأتى ماسبذان، ومعه أكثر من مئتين. فوجه إليه عليّ معقل بن قيس الرياحي، فقتله معقل هو ومن معه». (الأعلام8: 91).

صفحة 45

الرابعة ـ حركة الأشهب بن بشر البجلي(38هـ)

قال ابن الأثير: «ثم خرج الأشهب بن بشر ـ وقيل الأشعث ـ وهو من بُجيلة ـ في مئة وثمانين رجلاً، فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه، فصلى عليهم، ودفن من قدر عليه. فوجّه إليهم علي جارية بن قُدامة السعدي، وقيل حُجر بن عدي، فأقبل إليهم الأشهب، فاقتتلا بجرجرايا(1) من أرض جوخى، فقُتل الأشهب وأصحابه، في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين»(2).

الخامسة ـ حركة سعيد بن قفل التيمي(38هـ)

وهو من بني تيم الله بن ثعلبة. خرج على


(1) من أعمال النهروان الأسفل، بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي.

(2) أنساب الأشراف2: 483. الكامل في التاريخ3: 372.

صفحة 46

علي في بَنْدَنِيْجَيْن(1) في مئتي رجل، وتوجه وأنصاره نحو المدائن.

قال البلاذري: «قالوا: ثم خرج سعيد بن قفل التيمي(2) في رجب بالبندنيجَيْن، وكان معه مئتا رجل، فأقبل حتى أتى قنطرة الدرزيجان، وهي على فرسخين من المدائن. فكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي(3)، عمّ المختار بن أبي عبيد بن مسعود ـ وكان عامله على المدائن ـ في أمره، فخرج إلى ابن قفل وأصحابه، فواقعهم، فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين. وبعضهم يقول: هو سعد بن


(1) وتسمى حالياً مندلي، أحد أقضية محافظة ديالى في العراق.

(2) من تيم الله بن ثعلبة. انظر: الكامل في التاريخ3: 373.

(3) له صحبة، وهو جدّ إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، صاحب كتاب الغارات. كان عامل علي عليه السلام على المدائن. وكان في صفين على سبع قيس عيلان وعبد القيس من أهل الكوفة. كتب له أمير المؤمنين عليه السلام ذات مرة: «أما بعد، فقد وفرت على المسلمين فيئَهم، وأطعت ربك، ونصحت إمامك، فعل المتنزه العفيف، فقد حمدت أمرك، ورضيت هديك، وأبنت رشدك، غفر الله لك. والسلام». (أنساب الأشراف2: 158).وكتب إليه عليه السلام ذات مرة: «أما بعد، فإنك قد أديت خراجك، وأطعت ربك، وأرضيت إمامك، فعل البر التقي النجيب، فغفر الله ذنبك وتقبل سعيك وحسن مآبك. (تاريخ اليعقوبي2: 111).

صفحة 47

قفل» (1).

وقال ابن الأثير: «ثم خرج سعيد بن قفل التيمي، من تيم الله بن ثعلبة، في رجب بالبندنيجين، ومعه مائتا رجل، فأتى درزنجان، وهي من المدائن على فرسخين. فخرج إليهم سعد بن مسعود، فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين»(2).

السادسة ـ حركة أبي مريم السعدي التميمي(38هـ)

قال البلاذري: «فأتى أبو مريم بعد وقعة النهروان شهرزور في مئتين، جُلُّهم مَوالٍ، فأقام بشهرزور أشهراً يحض أصحابه ويذكّرهم أمر النهروان، واستجاب له أيضاً قوم من غير أصحابه. فقدم المدائن في


(1) أنساب الأشراف2: 484. انظر كذلك: الكامل في التاريخ3: 373. البداية والنهاية10: 646. بتحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(2) الكامل في التاريخ3: 373.

صفحة 48

أربعمائة، ثم أتى الكوفة، فأقام على خمسة فراسخ منها(1). فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته، وأن يدخل المصر، فيكون فيه مع من لا يقاتله، ولا يقاتل معه، فقال: ما بيني وبينك إلا الحرب»(2).

وقال البلاذري: «وقال أبو الحسن المدائني: كان أبو مريم في أربعمئة من الموالي والعجم، ليس فيهم من العرب إلا خمسه من بني سعد، وأبو مريم سادسهم»(3).

وقال ابن الأثير: «ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى شهرزور، وأكثر من معه من الموالي، وقيل: لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم. واجتمع معه مئتا


(1) الفرسخ ثلاثة أميال، والميل البرّي 1.6 كيلومتر. أي على بعد 28 كيلومتراً من الكوفة تقريباً. فلم يصل إليها بغارة كما تصور بعضهم، إنما عسكر هناك، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يمنع من ذلك، إلا إذا بدأوه بقتال، أو دعوه للقتال. بل دعاه علي عليه السلام للدخول إلى الكوفة وترك الخروج عليه.

(2) أنساب الأشراف2: 485.

(3) المصدر السابق.

صفحة 49

رجل، وقيل: أربعمئة. وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، وقال: ليس بيننا غير الحرب. فبعث إليه علي شريح بن هانئ(1) في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين، فانحاز في قرية، فتراجع إليه بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه، وقدّم بين يديه جارية بن قدامة السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة علي،


(1) الحارثي، يكنى أبا المقدام، من خيار أصحاب علي عليه السلام وخواص شيعته، حضر مشاهده كلها، وكان على اثني عشر ألفاً في صفين. قال المحدث النوري: «ويظهر من كتابه، ووصيّته عليه السلام إليه المذكورَيْنِ في النهج، وكتاب نصر، وغيرهما، كونه من خواصه عليه السلام فراجع». خاتمة المستدرك8: 66. وهو غير شريح بن الحارث الكندي المعروف بشريح القاضي.قال ابن الأثير: «وكان من أعيان أصحاب علي، وشهد معه حروبه، وشهد الحكمين بدومة الجندل». أسد الغابة2: 396. انظر: تهذيب الكمال12: 452. قال عنه الذهبي: وهو من أمراء جيش علي. تذكرة الحفاظ1: 59. وقال كذلك: «أبو المقدام الحارثي المذحجي الكوفي، الفقيه، الرجل الصالح، صاحب علي رضي الله عنه». سير أعلام النبلاء4: 107.

صفحة 50

وحذّرهم القتل، فلم يجيبوا. ولحقهم علي أيضاً، فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه، فقتلهم أصحاب علي(1)، ولم يسلم منهم غير خمسين رجلاً، استأمنوا فأمنهم.

وكان في الخوارج أربعون رجلاً جرحى، فأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم، حتى برأوا.

وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين، وكانوا من أشجع من قاتل من


(1) عرض الشيخ محمد جواد مغنية هذه الغارة بسردية غريبة، أهمل فيها ما كان من شريح بن هانئ، وجارية بن قدامة، ونسب قتل أبي مريم ومن معه لعلي وحده! ليستدل بذلك على (جُبن) أصحاب علي عليه السلام وانهزامهم في المعارك!. (انظر: في ظلال نهج البلاغة1: 176). ولا أدري إن كان قد اطّلع على هذه الأخبار أم لا؟ ولماذا اختار هذه الغارة دون غيرها من الغارات التي لا يُنكر فيها بلاءُ أصحاب علي عليه السلام؟. بل الأكثر من ذلك، أنه ذكر بعض الغارات، كما حصل من بسر بن أرطاة، فتحاشى أن يذكر فيها أي دور لأصحاب علي عليه السلام من أمثال جارية بن قدامة السعدي، ووهب بن مسعود الخثعمي، اللذين سارا بأربعة آلاف ففرّ منهما بُسر، بعد أن فتكوا بمن أدركوه من جيشه كما سيأتي.

صفحة 51

الخوارج، ولجرأتهم(1) قاربوا الكوفة»(2).

ولا شك أن حركات الخوارج لا تنحصر بما ذكرنا، لكننا حاولنا تتبع أبرز حركاتهم.

***


(1) لا لجرأتهم وإن كانوا من الشجعان، بل لتسامح علي عليه السلام اللامحدود مع مخالفيه في الرأي والعقيدة، وبالخصوص الخوارج. فقد سمح لهم بالعيش معه في الكوفة نفسها، ولم يمنعهم من صلاة ولا عطاء، ولم يبدأهم بقتال، ولم يلاحقهم كغيره على الظنة والشبهة. وفي هذه المعركة نفسها، حمل جرحاهم إلى الكوفة، كما ذكر ابن الأثير، وأمر بمداواتهم، ثم قال لهم: الحقوا بأي البلاد شئتم. (انظر: أنساب الأشراف2: 486). فمن يتسامح معهم إلى هذا الحد، لا يُتوقع منه أن يلاحق تحركاتهم في البقاع والبلدان، ما لم يشهروا السلاح أو يعلنوا التمرد. لذلك تحرك أبو مريم بحريّة مطلقة، حتى عسكر على بعد خمسة فراسخ من الكوفة، ولم يكن وصل هذا الموقع بالقوة والخيل والسلاح. فمن لا يفقه سيرة علي عليه السلام، وشخصيته الإلهية، من الرواة أو المؤرخين أو الكتّاب، لا شك أنه يخبط خبط عشواء، ويكون حاطب ليل.

(2) أنساب الأشراف2: 486. الكامل في التاريخ3: 373. نهاية الأرب20: 181.

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين