الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / لهاميم العرب – الجزء الرابع ـ غارات معاوية واصحاب علي عليه السلام

لهاميم العرب – الجزء الرابع ـ غارات معاوية واصحاب علي عليه السلام

الشيخ-حسين-المياحي
الكراس رقم : 82
عدد الصفحات:161
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

دراسة استقرائية تحليلية جديدة، لأبرز المعارك التي خاضها العراقيون بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) – حرب صفين

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي (ع) وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين (ع).
وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

فهرس المحتويات
ترقيم الصفحات موافق للكراس المنشور
  1. مقدمة
  2. غارات معاوية وأصحاب علي عليه السلام
  3. الأولى ـ غارة الضحاك بن قيس على غرب العراق (38 هـ)
  4. الثامنة: غارة الحارث بن نمر التنوخي على الجزيرة (39هـ)
  5. التاسعة ـ معركة دومة الجندل (39 هـ)
  6. العاشرة ـ معارك الرقة وقرقيسيا بقيادة الأشتر (38)
  7. الحادية عشرة ـ معركة الجزيرة بقيادة كميل بن زياد
  8. الثانية عشرة ـ غارة أصحاب علي على بعلبك والرقة
  9. الثالثة عشرة ـ غارات بسر بن أرطاة على الحجاز واليمن (40هـ)
  10. الرابعة عشرة: غارة زياد بن خصفة على الشام
  11. استعداد علي عليه السلام وأصحابه للعودة إلى صفين
  12. ما قاله الشيخ القرشي في أصحاب علي عليه السلام
  13. خلاصة موجزة
  14. مصادر ومراجع الأجزاء الأربعة
صفحة 1
cover image

صفحة 2

عنوان الإصدار  : لهاميم العرب

الجزء الرابع: غارات معاوية واصحاب علي عليه السلام

تأليف : الدكتور الشيخ حسين المياحي

سنة الإصدار : 2026/1447 ـ رقم (82)

نوع الإصدار  : إلكتروني ـ PDF

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع  : fajrashura.com

صفحة 3

عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام مخاطباً جيشه:

«وأنتم لهاميمُ العَرب، ويآفيخُ الشَّرف، والأنفُ المُقدَّم، والسَّنامُ الأعظم».

وعنه عليه السلام متوعداً معاوية: «وأنا مُرقلٌ نحوَك، في جَحْفلٍ من المُهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديدٌ زِحامُهم، ساطعٌ قَتامهم، مُتسربِلين سَرابيلَ الموت، أحبُّ اللقاءِ إليهم لقاءُ ربِّهم، قد صَحِبَتْهم ذُريَّةٌ بدرية، وسيوفٌ هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ﴾»

صفحة 4

صفحة 5

صفحة 6

هذه الدِّراسة

محاولة جديدة لإزاحة الغبار، وإماطة اللثام، عن الوجه المشرق لأصحاب علي عليه السلام وشيعته، الذين التفّوا حوله في العراق، فنصروه بالأموال والأنفس، وبذلوا كلَّ غالٍ ونفيس في ذلك. وإحياء ما اندثر من أخبارهم، وتصحيح ما حُرّف من سيرتهم العطرة مع أمير المؤمنين  عليه السلام .

وقد اعتمدنا فيها منهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، بالرجوع للأخبار المشتهرة في مختلف المصادر، التاريخية وغيرها.

صفحة 7

مقدمة

خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، خلال فترة قصيرة من خلافته، مجموعة من الحروب الدموية العنيفة، أبرزها الجمل وصفين والنهروان، والكثير من المعارك في جبهات متعددة، امتدت على جغرافيا مترامية الأطراف، من الموصل ونصيبين والرقة شمالاً، حتى الأهواز ورامهرمز وساحل الخليج جنوباً. ومن سلسلة جبال (زاگروس) في بلاد فارس شرقاً، حتى الأنبار وهيت وعانة غرباً، بل امتدت على طول الحدود الافتراضية الفاصلة بين العراق والشام آنذاك، واتسعت لتشمل مكة والمدينة واليمن.

وقد قامت هذه الحروب والمعارك والغارات

صفحة 8

على جماجم ودماء أصحاب علي عليه السلام من أهل العراق، من الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة بالخصوص، رأس الحربة فيها على مدى أكثر من أربع سنوات من القتال. فلم يُغمد فيها سيفٌ حتى اللحظة الأخيرة من العمر المبارك لأمير المؤمنين عليه السلام، يوم احتشد عشرات الآلاف في النُّخيلة استعداداً للعودة إلى القتال في صفين، قبل أيام قلائل من اغتياله عليه السلام على يد ابن ملجم.

كان ذلك في وقت تكالبت فيه الأمة كلها على علي عليه السلام، وتألَّبت قريش بقضها وقضيضها لمقاتلته، واستنفرت قبائل العرب الموتورة من سيف علي عليه السلام لمؤازرة معاوية وبني أمية، وتفجرت الضغائن الكامنة في الصدور، ولم يعد بين يديه سوى ثلة مجاهدة من أهل العراق، تسربلت سرابيل الموت، وأحبت لقاء الله. عمادها لهاميم العرب،

صفحة 9

ويآفيخ الشرف، والأنف المقدم، والسنام الأعظم، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، تصحبهم ذرية بدرية، وسيوفٌ هاشمية. فكانوا نعم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجُنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، كما وصفهم صلوات الله عليه.

وسوف نحاول في هذا البحث، أن نلقي نظرة على دورهم في تلك المعارك والحروب، التي صُنف فيها الكثير من المصنّفات، وإن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير جداً. كما نتناول ـ ضِمناً ـ العديد من النقاط ذات العلاقة بعقيدتهم في الولاية، أو تاريخهم الجهادي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو بعض مواقفهم الأخرى في غير المعارك العلوية، أو ثناء علي عليه السلام عليهم، ووصفهم بخصال الفضل، وسجايا الشجاعة والشرف، ودعائه لهم، ووعيد

صفحة 10

الأعداء بهم، وأمثال ذلك. مع التعريف ـ ما أمكن ـ بأبرز أعلام صحابته عليه السلام وقيادات جيشه الذين وردت أسماؤهم في الأخبار.

وقد كنا قد استعرضنا في السابق، جانباً يسيراً من تلك المعارك، في كتيّبٍ صغير تحت عنوان: «الكوفة كنز الإيمان»، لكن موضوعه لم يكن يسمح بالإسهاب والاستطراد كثيراً في استقرائها وسردها، إنما أردنا فيه أن نقدّم صورة مختصرة تبيّن (فضل الكوفة) على لسان أهل البيت عليهم السلام وما أفاده الواقع التاريخي في بعض المعارك. أما هذا البحث فيتناول بشكل رئيس (أصحاب علي) المجاهدين بين يديه، واستعراض تاريخهم في المعارك الكثيرة التي دارت رحاها مع أهل الشام والخوارج، وما يتعلق بها مما ذكرنا من نقاط، للتحقق مما نُسب إليهم من التقصير بحق إمامهم، وتقاعسهم عن نصرته، وخذلانه في المعارك والغارات، كما زعمت بعض الأخبار والنصوص.

صفحة 11

وقد قسمنا هذه الدراسة إلى أجزاء:

معركة الجمل

معركة صفين

معركة النهروان

الغارات

ونسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لنا، يقرّبنا من رضاه في الآخرة، ويسهم في كشف الكثير من الحقائق، وتصحيح الكثير من التصورات.

ولا يفوتني أن أشيد بمركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة الذي أخذ على عاتقه إخراج هذا العمل ونشره بأجزائه الأربعة، والحمد لله رب العالمين.

حسين المياحي

كربلاء المشرفة / رمضان المبارك/ 1447هـ

***

صفحة 12

غارات معاوية وأصحاب علي عليه السلام

لم يكن معاوية يحلم بما آل إليه أمر علي عليه السلام مع الخوارج، الذين لم يتركوا ثأر أصحابهم في النهروان خلف ظهورهم، فسعوا بما أوتوا من قوة إلى تأليب الناس عليه وعلى أنصاره، فتفرقوا في الكثير من البلدان، لا سيما جهة المشرق الجبلية الوعرة، واستعانوا بمن استطاعوا الاستعانة به على كسر شوكة أهل الكوفة وإضعافهم، أو السيطرة على الكوفة.

لذا تزامنت مع هجمات الخوارج، أو أعقبتها، غارات أخرى لمعاوية على الثغور والولايات في الأطراف الواقعة تحت سيطرة علي عليه السلام، واعتمد بشكل كبير أساليب الكرّ السريع والفر والهجمات المباغتة على المدنيين،

صفحة 13

أو الحاميات الآمنة القليلة الجند، ثم الهروب نحو الشام. ولم تكن نفسه لتحدثه بالمطلق بالتوجه نحو الكوفة، لأنه يدرك تماماً أنها قلعة حصينة، يفتح على نفسه منها أبواب الجحيم إن حاول التحرك نحوها أو الاقتراب منها كما سيأتي(1).


(1) للأسف، أن هذه الحقيقة أهملها الكثير من المؤرخين والباحثين على حدّ سواء: فلو كانت الكوفة كما صوَّرتها الأقلام المسمومة في التقاعس وعدم الاستجابة لعلي عليه السلام والتفرق عنه، وخوفها من أهل الشام بالخصوص! بل الميل لمعاوية سراً ومكاتبة أشرافها له ـ كما زعموا ـ لكانت أولى وأسهل من غيرها، ولانقضّ عليها معاوية بسرعة ويُسر، بدلاً من التحرك نحو الحجاز أو غيرها. بل لأمكنه السيطرة دون حرب ولا قتال. هذا الأمر لوحده دليل قاطع على أن أصحاب علي عليه السلام وجنده وشيعته لم يكونوا في أعلى درجات الشجاعة والطاعة لحماية الكوفة فحسب، إنما كانوا المَدد والمنبع ونقطة الانطلاق لحماية الدولة العلوية برمّتها، سواء من غارات معاوية أم تحركات الخوارج. فما من معركة أو غارة، صغيرة كانت أم كبيرة، بعيدة أم قريبة، إلا وكانت خيل أهل العراق، ورجالهم، من الكوفة والبصرة، طلائع النجدة والإنقاذ، ولا تجد فيها غير أهل العراق ـ والكوفة بالخصوص ـ مَدداً ولا مُنجداً. فقد جالت خيلهم في بقاع الأهواز ورامهرمز وساحل الخليج والحجاز وأطراف العراق وتخوم الشام، وقاتل رجالهم في مختلف البقاع طيلة حياة علي عليه السلام حتى آخر لحظة من حياته. أما الكوفة فكما وصف حالها أمير المؤمنين عليه السلام في غارة الضحاك بن قيس بقوله: «وإنّ الضّحاك أقلّ وأذلّ من أن يقرب الحيرة».

صفحة 14

وهكذا انشغل علي عليه السلام الرابض بين أنصاره في الكوفة، ببعث البعوث هنا وهناك لإخماد تلك الحركات وصدّ الغارات، ومنها غارات أهل الشام(1)، وكانت جميع تلك البعوث من أهل العراق، بقيادة خيرة أصحاب علي عليه السلام وأشدهم بأساً.

وفيما يلي نستعرض أبز الحركات والغارات التي شنها أهل الشام، أو الغارات المضادة.

***


(1) صنف إبراهيم بن محمد الثقفي كتاب الغارات، لتوثيق غارات معاوية على مناطق سيطرة علي عليه السلام، وأطلق عليه: الاستنفار والغارات، أي استنفار أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه لمواجهة تلك الغارات، والقضاء على التحركات. وقد عبثت الأيدي بهذا الكتاب كما عبثت بغيره، وتعرض للتشويش والتحريف، ولكنه بقي مصدراً مهماً للكثير من الحقائق التاريخية، وقد نقل عنه بعض المؤرخين والمصنفين، أبرزهم ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وغيره. وسوف يأتي الكلام عنه تفصيلاً فيما بعد.

صفحة 15

الأولى ـ غارة الضحاك بن قيس على غرب العراق (38 هـ)

وهي أولى الغارات التي شنها جيش معاوية بعد التحكيم، وقبل قتال الخوارج في النهروان، كما ذكر الثقفي(1). وعند التدقيق في الأماكن التي ذكرها المؤرخون، نجد أنها لم تكن غارة بمعنى الغارة الواحدة، وليست في العراق حصراً كما سيأتي، إنما استهدفت طريق الحجاج الرسمي الآمن، الرابط بين الكوفة ومكة المكرمة، ومنه منطقتان متقاربتان في الطرف الغربي للعراق، هما: واقصة، التي


(1) الغارات2: 288. قال الثقفي: «أول غارة كانت بالعراق، غارة الضحاك بن قيس على أهل العراق، وكانت بعدما حكم الحكمان، وقبل قتل أهل النهر». أما الطبري فجعلها في حوادث سنة 39 هـ.

صفحة 16

تبعد عن النجف الأشرف اليوم حوالي 166 كيلو متراً غرباً. وشَراف، وهي قبل واقصة من جهة الكوفة، وتبعد عنها ثلاثة كيلو مترات، أي على بُعد 163 كيلومتراً غرب النجف أيضاً(1)، أما باقي النقاط، كالثعلبية وغيرها، فهي في داخل الحدود الإدارية للمملكة العربية السعودية اليوم.

وبحسب أوامر معاوية للضحاك: أنّ الغارات المذكورة يجب أن تستهدف (أسفل واقصة) أي من واقصة باتجاه أراضي المملكة اليوم، وأن تفتك بالمدنيين الآمنين قتلاً ونهباً، خصوصاً من شيعة علي. وأن تتجنب الاصطدام مع جيش علي عليه السلام إلا ما كان من نقاط الحراسة (المسالح) التي تصادفها في الطريق.

وسوف نلخص الحادثة فيما يلي طبقاً لرواية


(1) انظر: الدرب السلطاني: 80.

صفحة 17

الثقفي، لأهميتها وقدمها:

فقد روى الثقفي مجموعة من النصوص عن رواة مختلفين، ودمجها في قصة واحد، تحت عنوان: غارة الضحاك بن قيس، ولقيه حجر بن عدي وهزيمته. وخلاصتها:

أن علياً عليه السلام تجهز بعد حُكم الحكمين، وقبل قتال الخوارج في النهروان، للعودة إلى صفين، وحشد جيشه، وتحرك من الكوفة قاصداً الشام. فلما بلغت الأخبار معاوية، هالَهُ ذلك(1)، فخرج من دمشق مُعسكِراً. ثم بعث نسخةً من كتاب واحد قُرئت في جميع كُوَر الشام، يستنهضهم، ويحذّرُهم مسير علي عليه السلام وأهل العراق مرة أخرى.

وكان مما كتبه لهم: أن علياً أقبل إليهم ظالماً، وقد نكث ما بينهما، بحسب زعمه. فلما


(1) قال الثقفي: «وذلك أن معاوية لما بلغه أن علياً عليه السلام بعد تحكيم الحكمين تحمّل إليه مقبلاً (تهيأ للمسير) فهاله أمره». وفي رواية ابن أبي الحديد عن الثقفي: فهاله ذلك. (شرح نهج البلاغة2: 113).

صفحة 18

اجتمعوا أبلغهم بخروج عليّ من النُّخيلة نحو الشام، ثم استشارهم، فأشار عليه حبيب بن مسلمة بالعودة إلى الموضع الذي كانوا فيه سابقاً، وهو صفين. أما ابن العاص، فرأى أن يتوغل جيش الشام في الجزيرة (شمال غرب الكوفة). فرفض معاوية ذلك وقال ما مضمونه: إني لأعرف أن الرأي الذي تقول، ولكن الناس لا يُطيقون ذلك، وأنّ غاية ما يستطيعه الشاميون الوصول إلى صفين.

وبينما هم يجيلون الرأي، إذ بلغهم أن علياً عليه السلام اشتبك مع الخارجين عليه في النهروان، فسُرَّ معاوية بذلك، وبقي معسكِراً في مكانه، ينتظر الأخبار التالية، لينظر إن كان علي عليه السلام ينوي مواصلة المسير نحو الشام أم لا.

ثم روى في السياق ذاته عن شخصية أخرى من أصحاب معاوية، هو عبد الله بن مسعدة

صفحة 19

الفزاري(1)، أن معاوية وجيشه كانوا يتخوّفون من تفرّغ علي عليه السلام إليهم بعد هزيمة الخوارج، ولكن سرعان ما بلغهم الخبر أنه عاد بجيشه إلى الكوفة. فدعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وجهّزه بثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف فارس، وأمره بالإغارة على كل من وجده من الأعراب في طاعة علي، وأن لا يقرب الكوفة، ولا يستقرّ بأي مكان، وأن لا يلاقي جند علي تحت أي ظرف، إذا سمع بتحركهم نحوه.

فتحرك الضحاك نحو طريق الحجّاج، فمر بالثعلبية شمال شبه الجزيرة العربية. وراح ينهب أموال الحجاج وأمتعتهم، ويفتك بالأعراب قتلاً وتشريداً وهو في طريقه نحو العراق، ثم تحرك فوجد عمرو بن عميس بن مسعود الذُّهْلي، ابن أخي الصحابي عبد الله بن مسعود، فقتله في طريق الحاجّ عند


(1) في الأصل المطبوع: عبد الرحمن بن مسعدة.

صفحة 20

القُطقُطانة، وقتل معه ناساً من أصحابه.

ثم حدّث الثقفي عن راو ثالث: أنّ علياً عليه السلام لما بلغته الأخبار، دعا حُجر بن عدي الكندي، فعقد له رايةً على أربعة آلاف فارس(1)، فلم


(1) ذكر الثقفي قبل ذلك ـ فيما روي عنه ـ عن الراوي نفسه، أن علياً عليه السلام لما بلغه الخبر، أمر أهل الكوفة بالنهوض، فردّوا عليه ردّاً ضعيفاً، فقال فيهم كلاماً قاسياً، ووصفهم بالثياب المتهرئة، كلما خيطت من جانب تهتكت على صاحبها من جانب آخر، وتمنى أن يكون له رجلٌ واحد من جيش معاوية مقابل كل مئة منهم!. ثم طلب منهم أن يخرجوا معه ثم يفرُّوا عنه! إلى غير ذلك من السفاسف، التي سوف يأتي بيانها في الفصل الثالث، عند التعرض لكتاب الغارات، ومؤلفه، وروايته، ورواته الشاميين وغيرهم، وما حصل فيه من تحريف وتزوير. وكذلك أمثاله من الكتب. ويكفي أن يردّ هذه السفاسف والدعاوى كلها ما رواه هو أيضاً، وغيره من المؤرخين، من تجهيز حُجر بن عدي بأربعة آلاف فارس، انتدبهم علي عليه السلام بنفسه، فطاردوا الضحاك وجيشه إلى عمق الشام، وأغاروا هناك ليومين، وهؤلاء كلهم من أهل الكوفة. كما يردُّه كتابُ علي عليه السلام الآتي لأخيه عقيل، ووصفه الدقيق لجيشه الكثيف، وهزيمة الضحاك، وعدم صموده في وجههم.هذه الظاهرة في النقل المتناقض للحادثة الواحدة، تكررت كثيراً، وليست هذه المرة الوحيدة، حتى كأنك تقرأ عن (كوفَتين) مختلفتين تماماً: إحداهما متقاعسة متخاذلة خائفة جبانة، لا يستجيب منها أحد لعلي عند دعوتهم للقتال، وأخرى متأهبة للحرب، متوثبة، يتسابق فيها الفرسان الأبطال لتلبية نداء علي عليه السلام فيبعثهم يميناً وشمالاً، فيثير ذكرُهم الرعب في جيش الشام، لتفرّ منهم (رجال) معاوية في أعماق الصحارى والوديان، فلم يُهزموا في معركة قطّ، ولم يبخلوا بسيوفهم وأرواحهم. والحق أنهما بالفعل كذلك، فهنالك (كوفة) صوّرتها الأقلام الأموية والعباسية والزبيرية، وأخرى فرضت واقعها على التاريخ بالولاء والوفاء الذي لا يعرف الحدود، ويستحيل ـ عقلاً ـ التفريط بالصورة الواقعية الحسية، وتصديق الصورة النظرية المصطنعة المخالفة لها، والمنقولة عن خصوم الكوفة والناقمين عليها وعلى شيعتها وأئمتها.

صفحة 21

يزل يُسرع في ملاحقة الضحاك من السماوة باتجاه الشام، حتى أدركه في تدمر(1)، فاقتتلوا حتى حلول الظلام، فقُتل من أصحاب الضحاك جماعة، ثم حجز بينهم الليل. فلما أصبح الصباح لم يجدوا للضحاك وجيشه أثراً ولا عيناً، فقد فرّوا جميعاً تحت جنح الظلام.

ثم ذكر الثقفي كتاب عقيل بن أبي طالب لأخيه أمير المؤمنين عليه السلام، وجوابه إياه، وهو من أهم الوثائق التاريخية التي تكشف حقيقة ما حصل، وسوف يأتي ذكره.

هذا ملخص ما ذكره الثقفي في الغارات(2).

أما الطبري فروى خبر الحادثة عن مؤرخ الدولة الأموية عوانة بن الحكم، وعدّها من


(1) في عمق الأراضي السورية، في حمص اليوم، على بعد أكثر من 500 كيلو متر من الكوفة.

(2) انظر: الغارات2: 288.

صفحة 22

حوادث سنة 39 هـ. قال: «وفيها أيضاً(1) وجّه معاوية الضحاك بن قيس، وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مرّ به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجَّهَ معه ثلاثة آلاف رجل، فسار، فأخذ أموال الناس، وقتل من لقي من الأعراب. ومرّ بالثعلبية(2)، فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القُطقُطانة(3)، فأتى عَمرو بن عُميس بن مسعود، وكان في خيلٍ


(1) أي في سنة تسع وثلاثين، وهو اختلاف متعارف في التواريخ، وقد يكون بسبب تقارب أواخر أيام الشهر الأخير من السنة، مع أوائل الأول من السنة اللاحقة. فمن ذكر أن غارة الضحاك في سنة 38هـ، قد يعني أنها في نهايتها، ومن ذكر أنها سنة 39هـ يعني أنها في بدايتها، وقد يكون الفارق بضعة أيام. كما أن الخطأ في النقل وارد أيضاً.

(2) داخل أراضي المملكة العربية السعودية. وهي ثلث الطريق من الكوفة باتجاه مكة. (انظر: المسالك والممالك: 127). فإذا علمت أن هذا الطريق يبلغ حوالي 1500 كيلومتر، هذا يعني أنها على بعد 500 كيلو متر من الكوفة.

(3) بحسب كتاب أمير المؤمنين عليه السلام لأخيه عقيل: إنه أغار على ما بين القُطقطانة إلى الثعلبية، فلم يصل القطقطانة. وهي موضع قرب الكوفة من جهة البادية، على الطريق من الكوفة باتجاه الشام، كان فيها سجن للنعمان بن المنذر.

صفحة 23

لعلي، وأمامه أهلُه، وهو يريد الحَجَّ، فأغار على من كان معه، وحبسه عن المسير. فلما بلغ ذلك علياً، سرَّحَ حُجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحاك بتدمر، فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقُتل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه»(1).

ويلاحظ على رواية عوانة بن الحكم، اختلافات طفيفة، لكنها جوهرية ومهمة جداً، منها:

1 ـ ذكر عوانة أن الغارة كانت على (مسالح علي)، أي على نقاط عسكرية فيها جُند، فيما ذكر الثقفي وغيره أن الغارة كانت على الأعراب والحُجَّاج، لا على المسالح. قال الثقفي:


(1) تاريخ الطبري4: 104. انظر في هزيمة الضحاك: الكامل في التاريخ3: 377. نهاية الأرب20: 255. المنتظم لابن الجوزي5: 190. إضافة للثقفي والبلاذري، وغير هؤلاء.

صفحة 24

«فأقبل الضّحاك يأخذ الأموال، ويقتل من لقي من الأعراب، حتى مرّ بالثعلبية، فأغار خيلُه على الحاجِّ، فأخذ أمتعتهم»(1).

فهي غارة على طريقة (قُطّاع الطرق) لكنها هاجمت طريقاً من أقدس الطرق وأكثرها أماناً، أما (المسالح) فذكرت بعض التواريخ أنها مسلحة واحدة في الثعلبية، ولم يذكروا أن حصل فيها قتال. علماً أن المَسلحة لا تتجاوز بضعة مقاتلين للحراسة أو مراقبة الطرق، وأمثال ذلك، وليست للقتال على مستوى جيوش ببضعة آلاف.

2 ـ ذكر عوانة أن عمرو بن عميس بن مسعود (كان في خيل لعلي، وكان يريد الحج) وهو أمرٌ غريب! فالخبر لم يبلغ علياً بعد، ولم يبعث بخيله إلى هناك، ولم يذكر أحد من


(1) الغارات2: 292. أنساب الأشراف2: 438. الإرشاد1: 271. شرح نهج البلاغة2: 117.

صفحة 25

المؤرخين ذلك على الإطلاق، إلا بعد بلوغ الخبر علياً، وبعْثِه حُجر بن عدي، وليس عمرو بن عميس. أضف إلى ذلك أنّ كونه قائداً لجيش علي، لا يتفق مع كونه ذاهباً للحجّ مع أهله، فأي قائدٍ هذا الذي يذهب بجيشه وخيله حاجاً مع أهله، وهو مكلف بمهمات عسكرية أخرى؟

أما الثقفي وغيره، فلم يذكروا أنه كان في خيل أو جيش، إنما ذكروا أن الضّحاك وجده في طريق الحاج فقتله. قال الثقفي: «فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذُّهْلي، وهو ابن أخ عبد الله بن مسعود، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة، وقتل معه ناس كثير»(1). وهي عبارة ظاهرة في أنه لم يكن في جيش ولا مهمة قتالية. كما أنه كان من شيعة علي عليه السلام، ومن الشخصيات


(1) الغارات2: 293.

صفحة 26

البارزة، وقد وصفه علي عليه السلام بالعبد الصالح(1). والضحاك مأمور بقتل شيعة علي على الهوية، وهو منهج اتبعه معاوية في جميع الغارات على الناس الأبرياء.

3 ـ لم يذكر عوانة بن الحكم أن الضّحاك قَتل عمرو بن عميس، إنما ذكر أنه منعه من المسير فقط. وهو خلاف ما ذكرته سائر التواريخ من قتله إياه، بل كان يفخر بقتله فيما بعد عندما تسلط على الكوفة من قبل معاوية.

4 ـ ذكرنا سابقاً أن عمرو بن عميس، من حيث كونه قائداً عسكرياً في جيش، لا ينسجم مع مسيره نحو مكة للحجّ. ومن جهة أخرى أننا لم نعهد من أصحاب علي عليه السلام النكوص عن القتال، أو أنهم يُذبحون بلا مقاومة، بل رأينا ـ وسوف نرى ـ العجب العجاب من مقاومتهم الأسطورية، فكانت الفئة القليلة


(1) الغارات2: 292. أنساب الأشراف2: 438. الإرشاد1: 271. شرح نهج البلاغة2: 117.

صفحة 27

منهم تهزم جيشاً شامياً جراراً، فتذره أيادي سبأ. لكن عوانة بن الحكم لم يتطرق لذكر أي مستوى من القتال بين الضحاك وعمرو بن عميس، أو بين الضحاك وجندٍ لعلي، كما لم يذكر غيره ذلك.

5 ـ لم يذكر الثقفي أن علياً عليه السلام أعطى جيشه الذي بعثه لملاحقة الضحاك (الهارب)، أيّ مبالغ مالية، أما عوانة فذكر أنه أعطى كل واحد منهم خمسين درهماً. ولم أجد وجهاً لهذه الخمسين المزعومة، كما لم أجد أنها من السياقات المتعارفة في مثل هذه البعوث والغارات السريعة الخاطفة. إلا إذا أراد المؤرخ الأموي تصوير أصحاب علي عليه السلام وجيشه بالمرتزقة، الذين لا يتحركون إلا بالمال.

خلاصة ذلك: أنّ عوانة بن الحكم، وإن لم يُنكر جرائم الضحاك التي يندى لها الجبين،

صفحة 28

وتقشعر لها الأبدان، خصوصاً استهدافه شعيرة من أقدس شعائر المسلمين، وهي الحجّ، لكنه أراد (تخفيف الجريمة) بطريقة ماكرة، فصوّر جانباً منها أنه إغارة على (مسالح وخيل وعساكر)، وليس على مدنيين من الحجاج وغيرهم، وأن الضحاك لم يقتل عمرو بن عميس، إنما عرقل مسيره فقط.

والعجيب أن ابن حجر ذكر أن عمرو بن عميس بن مسعود، قتله بُسر بن أرطاة، وأنه كان من عمال علي، ونسب ذلك إلى «المفيد بن النعمان الرافضي، في كتابه مناقب علي»(1). حال أننا لا نعرف كتاباً مستقلاً للمفيد بهذا الاسم بين مصنفاته، كما أن المفيد ذكر مقتل ابن عميس على يد الضحاك في كتاب الإرشاد، بقوله: «فلقي عمرو بن عميس بن مسعود،


(1) الإصابة4: 551.

صفحة 29

فقتله الضحاك، وقتل ناساً من أصحابه»(1).

* * *

وقال اليعقوبي واصفاً ردة الفعل العلوية على غارات الضحاك الغادرة: «فقام إليه حُجْرُ بن عَدِيّ الكندي، فقال: يا أمير المؤمنين، لا قرّب الله مني إلى الجنة من لا يُحبّ قربك، عليك بعادة الله عندك، فإنّ الحق منصور، والشهادة أفضل الرياحين. اندُب معي النَّاسَ المناصحين، وكن لي فئة بكفايتك، والله فئة الإنسان وأهله. إن الشيطان لا يفارق قلوب أكثر الناس حتى تفارق أرواحهم أبدانهم. فتهلَّلَ، وأثنى على حجر جميلاً، وقال: لا حرمك الله الشهادة، فإني أعلم أنك من رجالها.

وجلس عليٌّ في المسجد، فندب الناس، وانتدب أربعة آلاف، فسار بهم في طلب


(1) الإرشاد1: 271.

صفحة 30

القوم، وأغذّ المسير، حتى لقيهم بتدمر من عمل حمص، فقاتلهم فهزمهم، حتى انتهوا إلى الضحاك، وحجز بينهم الليل، فأدلج الضحاك على وجهه منصرفاً. وشنّ حُجر بن عدي ومن معه الغارة في تلك البلاد يومين»(1).

كما ذكر البلاذري من قبله، هزيمة الضحاك بن قيس على يد حجر وأصحابه بالقول: «فسرّح لطلبه حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف، أعطاهم خمسين درهماً خمسين درهماً!. فسار حُجر حتى لحق الضحاك نحو تدمر، فقاتله، فأصاب من أصحابه تسعة عشر رجلاً ـ ويقال: سبعة عشر رجلاً ـ وقُتل من أصحاب عليّ رجلان، يقال: إنهما عبد


(1) تاريخ اليعقوبي2: 196. هذه بعض غارات أصحاب علي عليه السلام في تخوم الشام، وكانت تستهدف الجيش والعسكر، وليس الناس الآمنين، ولا تقتل الأعراب على الهوية كما هو حال جيوش الشام في غاراتها. فكيف يقال بعد ذلك: إن أصحاب علي عليه السلام يُغار عليهم ولا يغيرون؟ فمن هؤلاء الذين يغيرون في أعماق أراضي الشام، فيهزمون الجيوش، ويطاردون قادتها الفارّين من سيوفهم العلوية؟

صفحة 31

الله وعبد الرحمن ابنا حوزة ـ وهما من الأزد ـ وحجز الليل بينهم، فهرب الضحاك في الليل. وأقام حُجر يوماً أو يومين، فلم يلق أحداً، فانصرف»(1).

هؤلاء هم (رجال) معاوية وأهل الشام الذين كانوا يفتكون بالأعراب، وينهبون أموالهم، ويغيرون على الحجّاج الآمنين، فلا يرحمون امرأة ولا طفلاً ولا ضعيفاً، ولا يرقبون في أحد إلاً ولا ذمة. حتى إذا تنسّموا رائحة جيش العراق، وأهل الكوفة وأصحاب علي عليه السلام، نكصوا على أعقابهم، وارتدُّوا على أدبارهم، وفرّوا هاربين إلى الشام. لكن بعض الأقلام حاولت قلب الصورة رأساً على عقب، فجعلت علياً عليه السلام يتمنى أن يكون لديه واحد من أولئك الغدرة الجبناء، في مقابل مئة من أصحابه من أمثال


(1) أنساب الأشراف2: 438.

صفحة 32

حجر بن عدي، قائد هذه المعركة المشرّفة، وأشباهه.

كتاب علي عليه السلام في شأن غارة الضحاك

ذكر عليّ عليه السلام هذه الحادثة في كتاب له جواباً لكتاب أخيه عقيل، وهو وثيقة مهمة نقلت حقيقة ما جرى، وكشفت زيف ما سطرته بعض الأقلام فيما بعد:

فقد روى البلاذري هذين الكتابين باختصار عن أبي مخنف، بسنده عن سليمان بن أبي راشد. ورواهما الثقفي بتمامهما عن زيد بن وهب، وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج. وأبو الفرج الإصفهاني في الأغاني، كما ذكر الشريف الرضي جانباً من جواب علي عليه السلام في نهج البلاغة:

أما رواية البلاذري لكتاب عقيل، فجاء فيها: «وحدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن

صفحة 33

أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، أنّ عقيلاً كتب إلى أخيه علي عليه السلام:

أما بعد، كان الله جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه على كل حال. إني خرجت يا ابن أمّ معتمراً، ولقيتُ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، فقلت لهم ـ وعرفتُ المنكر ـ أين تريدون يا بني الطلقاء؟ أبمعاوية تلحقون، عداوةً لنا غير مستنكرة منكم، تحاولون تغيير أمر الله وإطفاء نور الحق؟! فأسمعوني وأسمَعْتُهم.

ثم إني قدمت مكة، وأهلُها يتحدثون بأنّ الضّحاك بن قيس أغار على الحيرة وما يليها(1)، فأفٍّ لدهر جرّأ علينا الضحاك، وما الضحاك إلا فَقْعٌ بقَرْقَر(2). فاكتب إليَّ يا ابن أمّ


(1) لاحظ الإشاعات كيف تفعل فعلها بين الناس. وقد كتبت الكثير من أخبار التاريخ بهذه الطريقة.

(2) الفَقْع معروف، وهو الكمأة. والقَرقَر: الأرض الخالية. والفقع نوعان: أحدهما رديء، وهو الظاهر على سطح الأرض، يُشبّه به الرجلُ الوضيع الذليل. فيقال في المثل: فلان أذلّ من فقع قرقر. والآخر جيد، وهو ما كان تحت سطح الأرض، ويُستخرج بالحَفر.

صفحة 34

برأيك وأمرك، فإنْ كنتَ الموتَ تريد تحمّلتُ إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متّ»(1).

فأجابه علي عليه السلام بكتاب ذكرته بعض المصادر مختصراً، وبعضها بتمامه:

فقد روى البلاذري عن علي عليه السلام قوله: «إنّ ابن أبي سرح وغيره من قريش، قد اجتمعوا على حرب أخيك اليوم، كاجتماعهم على حرب ابن عمّك قبل اليوم، وإنّ الضّحاك أقلّ وأذل من أن يقرب الحيرة، ولكنه أغار


(1) أنساب الأشراف2: 74. وقد تعرض هذا الكتاب للتشويه، شأنه شأن الكثير من الكتب والخطب والأخبار التاريخية، فأضيفت له جملة قصيرة في رواية الثقفي بعد قوله: فقعٌ بقرقر، هي: «وقد توهمتُ أن شيعتَك وأنصارَك خذلوك». كما صدّر الرواية بالقول: كتب عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، إلى علي أمير المؤمنين، حين بلغه (خذلان أهل الكوفة وعصيانهم إياه). لكنك من خلال المقارنة برواية البلاذري، وقراءة جواب أمير المؤمنين عليه السلام، لا تجد لذلك عيناً ولا أثراً لا في كتاب عقيل، ولا في جواب أمير المؤمنين عليه السلام، بل تجد في جوابه العكس تماماً كما سيأتي.

صفحة 35

على ما بين القُطقُطانة والثعلبية»(1).

أما الثقفي فروى كتاب عقيل عن زيد بن وهب، وهو عين ما ذكره البلاذري من حيث المضمون، مع بعض الاختلافات اللفظية، أبرزها قوله: «فلما قدمت مكة سمعت أهلها يتحدثون، أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة، فاحتمل من أموالهم ما شاء(2)، ثم انكفأ راجعاً سالماً»(3).

ثم روى كتاب علي عليه السلام بما فيه من إجابات شافية لهواجس أخيه عقيل، وتصحيح للصورة المشوهة المكذوبة التي بلغته آنذاك


(1) أنساب الأشراف2: 75.

(2) أقول: أعان الله الأجيال اللاحقة على حجم الأكاذيب التي بلغتهم فصدقوها. فإذا كانت غارة الضحاك، وهي حادثة مشهورة في وقتها، اشترك فيها من جيش علي عليه السلام أربعة آلاف بقيادة حجر بن عدي، وجرت في بقاع جغرافية مختلفة، بين الكوفة والسماوة والثعلبية والقطقطانة وتدمر في عمق الشام، وسقط فيها قتلى وجرحى، قد انتشر خبرها في مكة وغيرها بهذه الصورة المشوهة، فما بالك بتقادمها فيما بعد، وروايتها بشكل مدروس ومنظم من رواة ومؤرخين مرتبطين بالسلطة المنتصرة المسيطرة على وسائل الدعاية والتضليل؟

(3) الغارات2: 295.

صفحة 36

عن الحادثة، فقال نقلاً عن زيد بن وهب أيضاً، قال:

«فأجابه علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى عقيل بن أبي طالب، سلام عليك، فإني أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد، كَلأَنا الله وإياك كَلاءَةَ من يخشاه بالغيب، إنه حميدٌ مجيد. فقد وصل إليَّ كتابُك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي، تذكرُ فيه أنَّك لقيتَ عبدَ الله بنَ سعد بن أبي سَرْح مقبلاً من قُدَيدٍ، في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطُّلقَاء متوجهين إلى المغرب، وأنَّ ابنَ أبي سَرْح طالما كادَ اللهَ ورسولَه وكتابَه، وصدَّ عن سبيله، وبغاها عِوَجاً. فدع عنك ابنَ أبي سَرْح، ودع عنك قُريشاً، وخَلِّهم وتَرْكَاضَهم في الضَّلال، وتَجْوالَهم في الشِّقاق.

صفحة 37

ألا وإنَّ العربَ قد أجمعتْ على حَربِ أخيك اليوم، اجتماعَها على حرب النبيصلى الله عليه وآله قبل اليوم(1)، فأصبحوا قد جهلوا حقَّهُ، وجحدوا فضلَه، وبادروه العداوة، ونصبوا له الحرب(2)، وجهدوا كل الجهد، وجَرُّوا عليه جيش الأحزاب. اللهم فاجزِ قريشاً عنّي الجوازي، فقد قطعتْ رحمي، وتظاهرت عليَّ، ودفعتني عن حقي، وسلبتني سلطان


(1) هذه هي مشكلة الرسالة الإسلامية منذ أول يوم، وهي اجتماع قريش، وغالب العرب على حرب النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده علي عليه السلام، وهو ما يؤكده الواقع التاريخي القطعي، بل واقع سائر الأنبياء السابقين مع أممهم وأقوامهم. لكن الدعاية المضللة أجهدت نفسها كثيراً في تحويل وجهة الصراع عن قريش باتجاه العراق والكوفة، فحمّلت شيعة العراق أوزار الأولين والآخرين، لأن العراق قلعة التشيع التي لم ترضخ يوماً إلا لعلي وآل النبي. فكل ما يُنسب لعلي من شكوى من قومه، فهو من قريش، ومن الأمة التي غدرت به، بإخبار النبي صلى الله عليه وآله نفسه بقوله: «إن الأمة ستغدر بك بعدي». (المستدرك على الصحيحين3: 153. وصححه الذهبي). وقوله: «ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي، أحقاد بدر، وتراتُ أحُد». وفي بعض الآثار: «فأودع قلوبهم أحقاداً بدرية وخيبرية وحنينية». وهذه كلها قبل تأسيس الكوفة كحاضرة من الحواضر.

(2) في الكافي1: 217. عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «{أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِيْنَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرَاً}، الآية قال: عنى بها قريشاً قاطبةً، الذين عادَوا رسول الله صلى الله عليه وآله ونصبوا له الحرب، وجحدوا وصية وصيه».

صفحة 38

ابن أمي، وسلَّمتْ ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام، إلا أن يدَّعيَ مُدَّعٍ ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه(1)، والحمد لله على كل حال.

وأما ما ذكرتَ من غارة الضَّحاك على أهل الحيرة، فهو أقلُّ وأذلُّ من أن يَلُمَّ بها، أو يدنو منها، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل(2) فأخذ على السَّماوة، حتى مرّ بواقِصَةَ وشَرَاف والقُطْقُطَانةِ، فما والى ذلك الصقع. فوجَّهتُ إليه جُنداً كثيفاً من المسلمين(3)، فلما بلغه ذلك فَرَّ هارباً(4)، فلحقوه ببعض


(1) لأنه معدوم لا وجود له.

(2) الجريدة من الخيل: القطعة منها، عليها فرسانها، بلا رَجّالة ولا ثقل. يعني بذلك أنه جيش مُغير بشكل خاطف على وجه السرعة، وليس له نية المواجهة.

(3) في نهج البلاغة: فسرَّحتُ إليه جيشاً كثيفاً من المسلمين. وانظر بتأمل لقوله عليه السلام: «فأرسلتُ، أو سرحتُ إليه جيشاً كثيفاً» في نسبة القرار إليه، لتدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبه بعضهم بحقه عليه السلام حيث سلب منه قرار الحرب، وجعله رهينة لأصحابه. ثم تمعّن في قوله: «كثيفاً»، أي أنه كان يحدد العدد اللازم للمعركة بنفسه، فلا ينتظر الميول والأهواء، ولا قرارات الأتباع، إن شاؤوا استجابوا وإن شاؤوا تواكلوا، كما صورتهم بعض الأقلام في التاريخ.

(4) في نهج البلاغة: «شمّر هارباً، ونكص نادماً». أي بمجرد سماعه بقدوم الجيش العلوي الكوفي فرّ هارباً على وجهه في الصحراء. وهذه الظاهرة تكررت في الكثير من الحوادث القتالية، وليست في هذه فقط. لكن الأقلام الأموية فيما بعد، قلبت الصورة رأساً على عقب، فنسبت لعلي عليه السلام أنه عيّر أصحابه الكوفيين بالخوف من أهل الشام! وأنهم كلما أطلّ عليهم مَنسِر من مناسر أهل الشام، أغلقوا أبوابهم وانجحروا في بيوتهم، انجحار الضَّبَّة في جحرها، والضبع في وجارها. (المنسر: القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكبير).

صفحة 39

الطريق وقد أمعن(1)، وكان ذلك حين طفَّلَتِ الشمسُ للإياب(2)، فتناوشوا القتال قليلاً، كلا ولا(3)، فلم يَصْبرْ لوَقعِ المشرفية(4)، وولّى هارباً، وقُتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً، ونجا جريضاً(5) بعدما أُخذ منه بالمُخنَّق، ولم يبق منه غير الرَّمق، فلأياً بلأيٍ ما نجا.

وأما ما سألتني أن أكتبَ إليك برأيي فيما أنا فيه، فإنّ رأيي جهاد المُحلّين حتى ألقى الله،


(1) أي تباعد كثيراً في عدوه وهروبه.

(2) أشرفت على الغروب. يقال: طَفلت الشمسُ، وطفَّلت.

(3) في نهج البلاغة: فاقتتلوا شيئاً كلا ولا. وهو كناية عن سرعة المعركة وقصر وقتها.

(4) السيوف، ويعني بها سيوف أصحابه وشيعته الذين بعثهم بقيادة حجر بن عدي كما تقدم.

(5) قال المرحوم الدكتور صبحي الصالح: «أي غصّ بريقه من شدة الجهد والكرب. يقال: جرض بريقه، يجرضُ، مثل كسر يكسرُ».

صفحة 40

لا يزيدُني كثرةُ الناس معي عزةً، ولا تفرُّقُهم عنّي وحشة، لأنّي مُحقّ، واللهُ مع الحق. واللهِ ما أكره الموت على الحق، وما الخير كله بعد الموت إلا لمن كان مُحقَّاً.

وأما ما عرضت به عليّ من مسيرك إليَّ ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك(1)، فأقم راشداً محموداً، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت. ولا تحسبَنَّ ابنَ أمك ـ ولو أسلمه الناس ـ متخشعاً ولا متضرِّعاً ولا مُقراً للضيم واهناً، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطي ء الظهر للراكب المقتعد(2)، إني لكَمَا قال أخو بني سليم:

فإن تسأليني كيفَ أنتَ فإنني

صبورٌ على ريب الزمان صليبُ


(1) لأن ما تحت يديه من الجيش والأصحاب المقاتلين فيه الكفاية.

(2) هذا هو عليّ، الشجاع الصليب، والقائد الخبير، الذي شهد له تاريخه بذلك طيلة حياته، وليس ذلك الضعيف الكثير السأم والتضجر والشكوى، المسلوب الإرادة، الفاقد لقرارات الحرب والسلم، الأسير بيد أتباعه، يملكونه ولا يملكهم، المأمور وليس بآمر، إلى غير ذلك مما زوّرته أقلام خصومه لدوافع وأسباب شتى.

صفحة 41

يعِزُّ عليَّ أن تُرى بي كآبةٌ

فيشمتَ عادٍ أو يُساءَ حبيبُ »(1)

لقد كشف هذا الكتاب الكثير من الحقائق، وفضح الأكاذيب، ومن تأمله بإمعان وجد في كل عبارة منه عبرة أو فكرة، لا تجعلنا نفتقر بعدها في معرفة شخصيته القيادية إلى كتابات وآرائه فلان أو فلان. فهو القائد الفريد، صاحب الرؤية السياسية والعسكرية الثاقبة الثابتة، الذي اتخذ قرار المواجهة والحرب بلا تراجع ولا انتظار لرأي أحد، وهو المسيطر على مقاليد الأمور، يبعث الجيش الكثيف، ويختار القائد الصليب، ويفخر بجيشه، ويثق به. ويُطمئن أخاه أنّ الحيرة وأهلها بخير، وأن الضحاك وأمثاله أقل وأذل من أن يقربوها


(1) انظر كتاب علي عليه السلام جواباً لأخيه عقيل: الغارات2: 296. عن زيد بن وهب. الإمامة والسياسة1: 54. الأغاني16: 446. عن أبي مخنف. نهج البلاغة: 409. صبحي الصالح، تحت عنوان: ومن كتاب له إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء! وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل.

صفحة 42

وفيها رجال الله، وقد حلّت به الهزيمة والعار، وفرّ بجلده من مشرفيات (أهل العراق).

***

صفحة 43

الثانية ـ السيطرة على مصر (38هـ)

عند رجوع علي عليه السلام إلى الكوفة بعد النهروان، كان معاوية وابن العاص يخططان للسيطرة على مصر، التي كانت تحت ولاية محمد بن أبي بكر، وكان فيها الكثير من العثمانية.

وقد كان على مصر قبل ذلك، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فعزله علي عليه السلام، وولّى محمد بن أبي بكر، وهو من خيار شيعته، لكنه لم يستطع السيطرة عليها كسابقه، لقلة خبرته، وكثرة الاختلافات فيها. وكان عمرو بن العاص، بخبثه ودهائه، قد استمال اليمانية إلى جانب معاوية، فقويت جبهته هناك.

ولما بلغ علياً عليه السلام ضعف محمد بن أبي بكر،

صفحة 44

واستقطاب اليمانية من ابن العاص لصالح معاوية، اتخذ قراراً سريعاً بعزله، وتعيين قائد شديد مجرب(1)، فانتدب لهذه المهمة مالك الأشتر، لأن اليمانية لا يعدلون به أحداً. فعظم ذلك على معاوية، فدسَّ إليه السم، وهو في طريقه إلى مصر، فمات غدراً قبل أن يتسلّم ولايتها(2).

وكان علي عليه السلام قد كتب معه كتاباً إلى أهل مصر، جاء فيه: «أما بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عبيد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر، أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد،


(1) انظر: تاريخ الطبري4: 71. قال علي لما بلغه ذلك: «ما لمصر إلا أحد الرجلين: صاحبنا الذي عزلناه عنها، يعني قيساً، أو مالك بن الحارث يعني الأشتر».

(2) انظر: تاريخ اليعقوبي2: 194. تاريخ الطبري4: 71.

صفحة 45

فإن أمركم أن تُقدِموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يُقدم ولا يُحجِم الا بأمري، وقد آثرتُكم به على نفسي، لنصحه لكم، وشدة شكيمته على عدوكم»(1).

وقد فرح معاوية بذلك فرحاً شديداً، وقام خطيباً فقال: «أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان: قُطعت إحداهما يوم صفين ـ يعني عمار بن ياسر ـ وقُطعت الأخرى اليوم، يعني الأشتر»(2).

ثم بعث معاوية جيشاً من الشام للسيطرة على مصر بقيادته، هو وعمرو بن العاص:


(1) تاريخ الطبري4: 72.

(2) تاريخ الطبري4: 72. عن أبي مخنف. هذا معاوية يسميه اليد اليمنى لعلي، لكن بعض الأخبار نسبت لعلي عليه السلام عند سماعه بمقتل الأشتر قوله: لليدين وللفم، وكان قد ثقل عليه لأشياء نقلت عنه!.(انظر: عيون الأخبار1: 299. مروج الذهب2: 410). قال الذهبي: «وقد كان علي يتبرّم به، لأنه كان صعب المراس». (سير أعلام النبلاء4: 34). كما نقلوا عنه أنه استرجع ثم قال: « مالك، وما مالك! وهل موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديد لكان قيداً، أو من حجر لكان صلداً. على مثله فلتبك البواكي». قال ابن الأثير: وهذا أصح، لأنه لو كان كارهاً له لم يوله مصر. (الكامل في التاريخ3: 53).

صفحة 46

قال الطبري في حوادث سنة 38 هـ: «فسارا بأهل الشام، حتى افتتحا مصر، وقَتلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيز معاوية حتى ظهر»(1).

وقال اليعقوبي: «ووجه معاوية بن أبي سفيان، عمرو بن العاص على مصر على شرط له، فقدمها سنة 38، ومعه جيش عظيم من أهل الشأم، فكان على دمشق يزيد بن أسد البجلي، وعلى أهل فلسطين شِمِّير الخثعمي، وعلى أهل الأردن أبو الأعور السلمي، ومعاوية بن حديج الكندي على الخارجة، فلقيهم محمد بن أبي بكر بموضع يقال له المسنّاة، فحاربهم محاربة شديدة، وكان عمرو يقول: ما رأيت مثل يوم المسناة.

وقد كان محمد استذمّ إلى اليمانية، فمايل عمرو بنُ العاص اليمانيةَ، فخلفوا محمد بن أبي


(1) تاريخ الطبري4: 70.

صفحة 47

بكر وحده، فجالد ساعة، ثم مضى، فدخل منزل قوم خرابة، واتبعه ابن حديج الكندي، فأخذه وقتله، وأدخله جيفة حمار، وحرقه بالنار في زقاق يعرف بزقاق الحوف»(1).

وهكذا اقتُطعت مصر من علي عليه السلام، وأصبحت لعمرو بن العاص. وقد استشهد فيها محمد بن أبي بكر، وهو من خيار أصحاب علي عليه السلام مع ثُلّة من الشيعة في مصر.

وكان عليّ عليه السلام لما بلغه تحرك معاوية نحو مصر، بعث جيشاً من أهل الكوفة بقيادة مالك بن كعب الأرحبي(2)، وهو من خيرة


(1) تاريخ اليعقوبي2: 193.

(2) من خيار شيعة علي عليه السلام وأنصاره، ومن قادته الكبار المعروفين بالشجاعة وحسن التدبير. كان عامل علي عليه السلام على عين التمر، وقد أغار عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فثبت له مالك مع قلة ممن كان معه من الجند في وقتها، فهزمزهم، كما سيأتي. قال التستري: أقول: ومرّ «في قرظة» ما يدل على إخلاصه ونصحه له عليه السلام. (قاموس الرجال8: 658). وذكر التستري في ترجمة قرظة بن كعب، نقلاً عن ابن أبي الحديد، ما جرى لمالك الأرحبي مع النعمان بن بشير، الذي هرب قبلُ من أمير المؤمنين عليه السلام نحو معاوية، فأمسكه مالك بن كعب الأرحبي في الطريق، لكنه استنجد بقرظة بن كعب لإنقاذه، فقال مالك لقرظة: يا قرظة، اتق الله، ولا تتكلم في هذا، فإنّ هذا لو كان من عُبّاد الأنصار ونُسّاكهم، ما هرب من أمير المؤمنين إلى أمير المنافقين. (قاموس الرجال8: 520. شرح نهج البلاغة2: 302. الغارات2: 310 ). وسوف يأتي ذكره لاحقاً أيضاً، في غارة معاوية على عين التمر، التي أبلى فيها بلاءً حسناً.

صفحة 48

الشجعان المجربين، والأصحاب المخلصين. وقد قال لعلي عليه السلام لما سمع بتحرك معاوية وابن العاص: «يا أمير المؤمنين، اندب النَّاس معي(1)، فإنه لا عطر بعد عروس. لمثل هذا اليوم أدّخر نفسي، وإنّ الأجر لا يأتي إلا بالكره»(2).

ثم عسكر مالك بن كعب بظاهر الكوفة في ألفين أو أكثر، وسار بهم خمس ليالٍ. فبلغت الأخبار علياً من مصر والشام، قبل أن يصل مالك الأرحبي إليها، بأنّ محمد بن أبي بكر قد قُتل، وأن مصر قد أصبحت بيد معاوية. فبعث عبد الرحمن بن شريح الشامي إلى مالك بن كعب فردّه من الطريق.


(1) تكرر هذا المشهد من أصحاب علي عليه السلام، إذ كانوا يسارعون إليه، ويطلبون الخروج للقتال قبل أن ينتدبهم.

(2) الغارات1: 192.

صفحة 49

هذه أيضاً واحدة من الحوادث التي سارع فيها أصحاب علي عليه السلام وشيعته إلى تلبية دعوته، وكانوا طوع بنانه في التحرك أينما أراد. بل انتدبوا إليه قبل أن يندبهم.

***

صفحة 50

الثالثة ـ محاولة السيطرة على البصرة (38هـ)

وهي في سنة 38 هـ أيضاً، بعد السيطرة على مصر، ومقتل محمد بن أبي بكر، إذ بعث معاوية عبد الله بن عامر (أو عمرو) الحضرمي (أو ابن الحضرمي)، ليحتال في السيطرة على البصرة.

قال الثقفي: «عن عمرو بن محصن، أن معاوية بن أبي سفيان، لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر، وظهر عليها، دعا عبد الله بن عامر الحضرمي، فقال له: سر إلى البصرة، فإنّ جُلَّ أهلها يرون رأينا في عثمان ويُعظّمون قتله، وقد قُتلوا في الطلب بدمه، وهم موتورون حنقون لما أصابهم، ودُّوا لو

صفحة 51

يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان(1). واحذر ربيعة، وانزل في مضر، وتودد الأزد، فإنّ الأزد كلهم جميعاً معك إلا قليلاً منهم، فإنهم إن شاء الله غير مخالفيك»(2).

وروى الطبري هذه الحادثة بتفصيل أكثر، فذكر أن ابن عباس، الذي كان والياً على البصرة، خرج من البصرة إلى الكوفة بعد مقتل محمد بن أبي بكر في مصر، وخلف عليها زياد بن أبيه. وبعد خروجه دخلها ابن الحضرمي من قبل معاوية، فنزل في بني تميم. فأرسل زياد إلى شيعة علي عليه السلام من بكر بن وائل يطلب حمايتهم، حتى يأتيه رأي أمير المؤمنين. ثم كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بالحال، فوجّه


(1) ثبت فيما بعد سوء تقدير معاوية لشأن البصرة، وأنه غرر بابن الحضرمي من حيث يشعر أو لا يشعر، فلم ينهض معه إلا قلة قليلة لا تكاد تُذكر، فكانت حساباته كسراب بقيعة.

(2) الغارات2: 256.

صفحة 52

علي أعين بن ضبيعة المجاشعي التميمي(1)، ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، وأمره بقتالهم إن لم يتفرقوا. فإن لم يستطع ذلك فلينتظر جنود الله تقتل الظالمين(2). فدخل أعين بن ضبيعة البصرة، وحاول تفريق قومه، فلم يستطع، ثم قُتل غِيلةً وهو على فراشه.

وكتب زياد إلى علي بما آل إليه أمر أعين بن ضبيعة ومقتله، وأنه يريد قتال ابن الحضرمي، لكنه لا يستطيع، لعدم كفاية القوة التي كانت معه.


(1) كان في الجمل على رجّالة تميم البصرة. (الجمل: 321). وهو عاقر الجمل في تلك الوقعة. (انظر: الأخبار الطوال: 151). وذكر الطبري كلاماً شديداً بينه وبين عائشة لما اطّلع في هودجها. (انظر: الطبري3: 537). وكان في صفين على عمرو وحنظلة البصرة. (انظر: تاريخ خليفة بن خياط: 146).

(2) في تاريخ الطبري4: 85: أن علياً قال لأعين المجاشعي: «وإن ترقّت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان، فانهض إليهم فجاهدهم، فإن رأيت ممن قبلك تثاقلاً، وخفت أن لا تبلغ ما تريد، فدارهم وطاولهم، ثم تسمع وتبصر فكأنّ جنود الله قد أظلتك تقتل الظالمين». وليس جنود الله المعنيين هنا سوى (أهل الكوفة) الذين يلقي بهم علي عليه السلام في لهوات المعارك، فيأنسون بطاعته والموت في سبيله.

صفحة 53

قال الطبري: «فلما قرأ علي كتابه، دعا جارية بن قدامة السعدي، فوجَّهه في خمسين رجلاً من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور(1)، ويقال: بعث جارية في خمسمائة رجل، وكتب إلى زياد كتاباً يصوّب رأيه فيما صنع، وأمره بمعونة جارية بن قدامة، والإشارة عليه. فقدم جارية البصرة، فأتى زياداً، فقال له: احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك، ولا تثقنَّ بأحد من القوم.

فسار جارية إلى قومه، فقرأ عليهم كتاب علي، ووعدهم، فأجابه أكثرهم. فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سُنبيل، ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعون رجلاً، ويقال: أربعون، وتفرق الناس،


(1) من أشراف أهل البصرة من شيعة علي عليه السلام، شهد معه الجمل وصفين. كان له كلام صاعق مع معاوية بعد الصلح. قال ابن الأثير: «كان من شيعة علي رضي الله عنه، توفي بالكوفة أيام ابن زياد». (اللباب في تهذيب الأنساب1: 521). وقصة مرضه في بيت هانئ بن عروة أيام مسلم بن عقيل، مشهورة.

صفحة 54

ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى علي مع ظبيان بن عمارة(1)، وكان ممن قدم مع جارية: وأنّ جارية قدم علينا، فسار إلى ابن الحضرمي فتَلْتَلَهُ، حتى اضطره إلى دار من دور بني تميم، في عدة رجال من أصحابه، بعد الإعذار والإنذار والدعاء إلى الطاعة، فلم يُنيبوا ولم يرجعوا، فأضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها وهدمت عليهم، فبُعداً لمن طغى وعصى»(2).

وقال ابن سعد، في ذكر جارية بن قدامة: «ولجارية بن قدامة أخبار ومشاهد، كان علي بن أبي طالب عليه السلام بعثه إلى البصرة، وبها عبد الله بن عامر بن الحضرمي، خليفة عبد الله


(1) من أصحاب علي عليه السلام أيضاً، كان شاباً جريئاً، وشاعراً مجيداً، حضر صفين، وقَتل فيها عبد الله بن المنذر التنوخي. قال نصر بن مزاحم في بعض أيام صفين: «وبكّر عليهم الأشتر، فقُتل منهم بن المنذر التنوخي، قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلا فتىً حديث السن، وإن كان الشامي لفارس أهل الشام». (صفين: 155).

(2) تاريخ الطبري4: 85.

صفحة 55

بن عامر بن كريز، فحاصره في دار سنيبل(1)، رجلٍ من بني تميم، وكان معاوية بعثه إلى البصرة يبايع له»(2).

وفي طبقات خليفة بن خياط، في حوادث سنة 38 هـ: «وفيها وجّه معاوية بن أبي سفيان عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة ليأخذها، وبها زياد خليفة لابن عباس، فنزل ابن الحضرمي في بني تميم، وتحول زياد إلى الأزد، فنزل على صبرة بن شيمان الحداني. فكتب زياد إلى علي يعلمه ذلك، فوجه علي أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقُتل على فراشه غِيلةً. فبعث علي جارية بن قدامة السعدي، فحاصر ابن الحضرمي في دار سنبيل ثم حرق عليه»(3).


(1) في بعض المصادر: سنيبل، وبعضها سنبيل. قال النويري20: 202: «وكان قصر سنبيل لفارس، وصار لسنبيل السعديّ، وحوله خندق».

(2) الطبقات الكبرى7: 56.

(3) طبقات خليفة بن خياط: 148. انظر كذلك: تاريخ دمشق29: 246.

صفحة 56

هذه أيضاً واحدة من الحوادث التي حسمها جنود الله من أصحاب علي عليه السلام، بقيادة واحدٍ من شيعته العراقيين البصريين، وهو جارية بن قدامة السعدي التميمي.

***

صفحة 57

الرابعة ـ غارة النعمان بن بشير على عين التمر (39هـ)

قال الطبري في حوادث سنة 39 هـ: «فمما كان فيها من الأحداث المذكورة، تفريق معاوية جيوشه في أطراف علي. فوجّه النعمان بن بشير ـ فيما ذكر علي بن محمد عن عوانة ـ في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب(1)، مَسْلَحةٌ لعلي في ألف رجل، فأذن لهم فأتَوا الكوفة. وأتاه النعمان ولم يبق معه إلا مائة»(2).

وقال الطبري نقلاً عن عوانة: «وواقعَ مالكٌ النعمان، والنعمان في ألفي رجل، ومالك


(1) الأرحبي، تقدم ذكره في قيادة الجيش المتوجه نحو مصر.

(2) تاريخ الطبري4: 102. انظر: الكامل في التاريخ3: 375.

صفحة 58

في مائة رجل، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جُدُر القرية في ظهورهم، واقتتلوا. وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمدَّه، وهو قريب منه، فقاتلهم مالك بن كعب في العصابة التي معه كأشدّ القتال، ووجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسروا جفون سيوفهم. فلما رآهم أهل الشأم، وذلك عند المساء، ظنوا أن لهم مدداً، وانهزموا، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر ومضوا على وجوههم»(1).

وقد تقدم في بعض الهوامش السابقة خبر فرار النعمان بن بشير من علي عليه السلام وإلقاء القبض عليه من قبل مالك بن كعب وهو في طريقه إلى الشام، فأراد أن ينتقم لنفسه في تنفيذ هذه الغارة لمعاوية، لكنه نكص على عقبيه أيضاً، وردَّه الله بكيده لم ينل شيئاً، بعد


(1) تاريخ الطبري4: 102.

صفحة 59

أن ذاق بأس جنود الله في عين التمر، على ما كانوا عليه من قلة العدد.

***

صفحة 60

الخامسة ـ غارة الغامدي على هيت والأنبار (39 هـ)

وهي من أهم الحوادث التي تكشف زيف المزاعم العباسية بنسبة التقاعس والخذلان لأصحاب علي عليه السلام وشيعته، بل هي حادثة فاضحة تعكس الفرق بين (الواقع التاريخي القطعي) الذي اشتهر في أمهات كتب التاريخ، والمزاعم الأخرى التي نُسبت لأصحاب علي وشيعته من أهل العراق، والكوفة بالتحديد، من التواكل والتقاعس والخذلان.

ففي سنة 39 هـ أغار معاوية بجيش كثيف لاقتطاع مناطق مهمة من الطرف الغربي للعراق، لكنه وجد جند الله من أصحاب علي عليه السلام بانتظاره، فقاتلوا قتالاً شديداً، على

صفحة 61

قلة عددهم، وقُتل عاملُ علي على الأنبار، ولكنْ فشل جيش معاوية في السيطرة على تلك المناطق، واكتفى بما حصل عليه من النهب والسلب، ثم رجع هارباً خاسئاً إلى الشام. فلما سمع علي عليه السلام بذلك، أرسل على الفور جيشاً كثيفاً لملاحقتهم إلى عمق الشام، فلم يدركهم.

وقد سبق هذه الحادثة، أنّ كميل بن زياد الذي كان على الأنبار، بلغته أخبار عن تحركات عسكرية شامية بقرقيسياء، تستعد للغارة على هيت، فقرر معاجلتهم بضربة استباقية، دون الرجوع إلى علي عليه السلام. ولعلّه رأى في إبلاغ علي عليه السلام تفويتاً للفرصة، وتعقيداً للأمور، لأن إبلاغه يستغرق وقتاً طويلاً، بسبب المسافة بين الأنبار والكوفة. لذا تحرك فوراً نحو قرقيسيا، وترك في الأنبار قوة متواضعة لا تتجاوز مئتي رجل.

صفحة 62

قال ابن الأثير: «ووجه معاوية في هذه السنة أيضاً، سفيان بن عوف(1)، في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتي هيت، فلم يجد بها أحداً. ثم أتى الأنبار، وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا ولم يبق منهم إلا مائتا رجل. وكان سبب تفرقهم، أنه كان عليهم كميل بن زياد، فبلغه أن قوماً بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت، فسار إليهم بغير أمر علي، فأتى أصحاب سفيان، وكميل غائب عنها، فأغضب ذلك علياً على كميل»(2).

هذا يؤكد أن الغارات والتحركات العسكرية، لم تكن فوضوية أو اختيارية بيد القادة، أو باجتهادات شخصية، كما توهّم بعض الكتّاب، ولا أنّ قرار الحرب والسلم بيد الأتباع، فهذا غير متعارف في جميع جيوش


(1) سفيان بن عوف بن المُغفَّل الغامدي. أحد قيادات معاوية.

(2) في الكامل في التاريخ3: 376.

صفحة 63

العالم، إنما هناك (قيادة عليا) يرأسها عليّ عليه السلام، تُصدر أوامر وتعليمات دقيقة، وتتخذ القرارات وفق مقتضيات المواجهة. لذلك غضب علي عليه السلام على كميل، بسبب اجتهاده في ترك الموقع الذي كُلّف بالدفاع عنه وحمايته.

كما يؤكد هذا الخبر، عدم صحة ما يقال في أصحاب علي عليه السلام أنهم (يُغار عليهم ولا يُغيرون)، نعم، لا يُغيرون على الناس العُزَّل، ولا ينهبون أموال الحجيج، ولا يقتلون على الهوية، كما في غارات معاوية، أما غاراتهم على الخوارج وجيش الشام، فهي أشهر من أن تُذكر، وأشدّ من أن توصف، وقد شهدت لها الهزائم الفاضحة للضحاك بن قيس، وبُسر بن أرطاة، والخريت بن راشد، وأمثالهم. غاية ما في الأمر أنهم لا يتحركون إلا بأوامر وتوجيهات من (القيادة العليا)، شأنهم في ذلك شأن الجيوش في جميع أنحاء العالم.

صفحة 64

وقال الطبري نقلاً عن عوانة: «ووجَّه معاوية في هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، وأن يغير عليها، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن، فيُوقع بأهلها. فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحداً، ثم أتى الأنبار وبها مسلحة لعلي تكون خمسمئة رجل، وقد تفرقوا، فلم يبق منهم إلا مئة رجل، فقاتلهم. فصبر لهم أصحاب علي مع قلّتهم، ثم حملت عليهم الخيل والرجالة، فقتلوا صاحب المسلحة، وهو أشرس بن حسان البكري في ثلاثين رجلاً، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها، ورجعوا إلى معاوية»(1).

أي أن غارة معاوية فشلت في السيطرة على الأنبار، مع أنّ أصحاب علي عليه السلام لم يتجاوزوا مئةً أو مئتي مقاتل وربما أكثر قليلا، لكنهم


(1) تاريخ الطبري4: 103. الكامل في التاريخ3: 376.

صفحة 65

صبروا على القتال، فهزموا القوة المهاجمة التي تفوقهم ثلاثين أو ستين مرة، على الاختلاف المذكور في عدد أصحاب علي، وهذا موقف (أسطوري) لا يصدقه إلا من عرف الفرق بين المقاتل العَقَدي من جند الله، الذي يرجو لقاء الله، والآخر الذي تدفعه العصبية والطمع والمصالح الخاصة.

وفي رواية البلاذري، أنّ معاوية بعث سفيان بن عوف الغامدي للسيطرة على هيت والأنبار «حتى ينتهى إلى المدائن، وحذّره أن يقرب الكوفة»(1).

ثم يُكمل الطبري خبر الحادثة فيقول: «وسرّح (أي علي) سعيد بن قيس في أثر القوم، فخرج في طلبهم حتى جاز هيت، فلم يلحقهم، فرجع»(2).


(1) أنساب الأشراف2: 441.

(2) تاريخ الطبري4: 103.

صفحة 66

وقال البلاذري: «ثم إنّ علياً عليه السلام أتبعه سعيد بن قيس الهمداني، ويقال: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ويقال هانئ بن خطّاب(1)، فبلغ صفّين ثم انصرف. ويقال: إن سعيداً ـ أو قيساً ـ وجّه هانئ بن خطاب فأتبعه حتى بلغ أداني أرض قنسرين»(2).

المهم أنّ علياً عليه السلام أرسل قوة كافية بقيادة أحد الأصحاب من ذوي الشجاعة والتجربة في الحرب.

وقال الثقفي في ذكر علي عليه السلام لما سمع بخبر الغامدي: «ودعا سعيد بن قيس الهمداني، فبعثه من النُّخيلة بثمانية آلاف، وذلك أنه أُخبر أن القوم جاؤوا في جمع كثيف، فقال له: إني


(1) هانئ بن خطاب الأرحبي الهمداني: من عيون أصحاب علي عليه السلام وشيعته، من قبيلة همدان المعروفة بولائها الشديد، ووفائها لأمير المؤمنين عليه السلام، حضر معه صفين والنهروان، وينسب إليه، أو إلى زياد بن خصفة، قتل عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي في النهروان.

(2) أنساب الأشراف2: 445.

صفحة 67

قد بعثتُك في ثمانية آلاف، فاتبع هذا الجيش حتى تُخرجه من أرض العراق. فخرج على شاطئ الفرات في طلبه، حتى إذا بلغ عانات، سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني. فاتبع آثارهم، حتى إذا بلغ أداني أرض قنسرين، وقد فاتوه، ثم انصرف»(1).

وقال في المورد ذاته، وهو غارة سفيان بن عوف الغامدي: «أن علياً عليه السلام ندب الناس عندما أغاروا على نواحي السواد، فانتدب لذلك شرطة الخميس، فبعث إليهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ثم وجههم فساروا حتى وردوا تخوم الشام. وكتب علي عليه السلام إلى معاوية: أنّك زَعمت أن الذي دعاك إلى ما فعلت الطلب بدم عثمان، فما أبعدَ قولَك من فعلك، ويحك، وما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان؟ وبأي شيء تستحل أخذ فيء


(1) الغارات: 2: 482:

صفحة 68

المسلمين؟! فانزع ولا تفعل، واحذر عاقبة البغي والجور»(1).

هذا هو البأس الشديد في أصحاب علي عليه السلام كما تنقله التواريخ المعتمدة، فهناك الفئة القليلة في الأنبار تواجه ستة آلاف من الشاميين بشراسة، وهنالك ثمانية آلاف يبعثهم علي في أثر الجيش المنهزم، وهنالك معاوية يحذّر جيشه من الاقتراب للكوفة، فهي القلعة الحصينة التي لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منها. مع هذا كله نجد أن بعض الأقلام لم تتورع عن الكذب والافتراء، فرمتهم بالتخاذل والعصيان في هذه الحادثة، حتى وصفتهم بـ (أشباه الرجال)، وهو وصف لا ينطبق واقعياً إلا على أصحاب معاوية وأهل الشام، بحسب الوقائع المذكورة.

إنّ هذه الأخبار التاريخية المتعاضدة، تؤكد


(1) الغارات2: 336.

صفحة 69

أن علياً عليه السلام كان في هذه الحادثة، كما في غيرها، يأمر الجيش فيتحرك فوراً، وكان بنفسه يختار الأعداد، وينتخب القادة. فلا قيمة بعدُ لخبر هنا أو هناك بخلاف ذلك.

***

صفحة 70

السادسة ـ غارة عبد الله الفزاري على تيماء (39هـ)

قال الطبري في حوادث سنة 39 هـ: «وجه معاوية أيضاً عبد الله بن مسعدة الفزاري، في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يُصدِّق(1) من مرّ به من أهل البوادي، وأن يقتُل من امتنع من عطائه صدقة ماله. ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز يفعل ذلك. واجتمع إليه بشر كثير من قومه. فلما بلغ ذلك علياً، وجّه المُسيَّب بن نَجَبة الفزاري، فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالاً شديداً، وحمل المسيَّبُ على ابن مسعدة، فضربه ثلاث ضربات، كل ذلك


(1) يأخذ صدقات أموالهم، أي الزكاة وأمثالها.

صفحة 71

لا يلتمس قتله، ويقول له: النَّجاء النَّجاء، فدخل ابن مسعدة وعامة من معه الحصن، وهرب الباقون نحو الشأم»(1).

وقال اليعقوبي: «فلما أتى علياً الخبر، وجّه المسيَّب بن نجبة الفزاري، فقال له: يا مُسيَّب، إنك ممن أثق بصلاحه وبأسه ونصيحته، فتوجه إلى هؤلاء القوم، وأثر فيهم، وإن كانوا قومك. فقال له المسيب: يا أمير المؤمنين، إن من سعادتي أن كنتُ من ثقاتك. فخرج في ألفي رجل من همدان وطي وغيرهم، وأغذّ السير، وقدّم مقدمته، فلقوا عبد الله بن مسعدة، فقاتلوه، فلحقهم المسيب، فقاتلهم حتى أمكنه أخذ ابن مسعدة، فجعل يتحاماه. وانهزم ابن مسعدة، فتحصن بتيماء، وأحاط المسيب بالحصن، فحصر ابن مسعدة


(1) تاريخ الطبري4: 103. الكامل في التاريخ3: 377. المنتظم5: 158.

صفحة 72

وأصحابه ثلاثاً، فناداه: يا مسيب، إنما نحن قومك، فليمسك الرحم. فخلّى لابن مسعدة وأصحابه الطريق، ونجا من الحصن. فلما جنّهم الليل خرجوا من تحت ليلتهم، حتى لحقوا بالشأم، وصبح المسيب الحصن، فلم يجد أحداً»(1).

***


(1) تاريخ اليعقوبي2: 196.

صفحة 73

السابعة ـ غارة يزيد بن شجرة على مكة (39 هـ)

في أواخر هذه السنة، اتخذ معاوية أولى الخطوات التمهيدية لغزو الحرمين الشريفين، اللذين كانا بمنأى عن الصراع العسكري، لما لهما من قدسية وجلالة. وكانا طيلة هذه الفترة تحت نفوذ علي عليه السلام.

بدأ معاوية تلك الخطوة بحذر شديد، وكان الغرض منها ـ على ما يبدو ـ جسّ النبض، وقياس ردود الأفعال، واختيار أفضل الطرق للاستيلاء عليهما، سواء بالدهاء والحيلة، أم القتال. وهو ما أعقبه بعد ذلك بغزوة دموية للحرمين الشريفين واليمن، بقيادة بسر بن أرطاة، كما سوف يأتي.

صفحة 74

اختار معاوية شخصية من (الصحابة) ممن لم يعرف عنهم العنف والقسوة، لكنه عثماني الولاء بالطبع، حضر مع معاوية صفين، وكان يبدو عليه (النُّسك والتعبد). فأمره أن يسير نحو مكة المكرمة، وعليها قُثَم بن العباس عاملاً لعلي عليه السلام، فيصلي بالناس بدلاً عن قثم. وجهزه بثلاثة آلاف مقاتل(1)، جعل عليهم الحارث بن نمير التنوخي.

فلما سمع به قثم بن العباس، استعدّ لقتاله، وخطب في أهل مكة، فلم يستجيبوا له، إلا شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، وهو من مسلمة الفتح، فأجابه ببعض الكلام.

قال الثقفي: «لما سمع قثم بن عباس بن عبد المطلب بدنوّهم منه، قبل أن يفصلوا من الجُحفة، وكان عاملاً لعلي عليه السلام على مكة، فقام


(1) قال الزركلي في ذكر يزيد بن شجرة: «سيّره معاوية إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس». (الأعلام8: 184).

صفحة 75

في أهل مكة، وذلك في سنة تسع وثلاثين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد وُجِّهَ إليكم جُندٌ من الشام عظيم قد أظلَّكم، فإن كنتم على طاعتكم وبيعتكم فانهضوا إليهم معي حتى أناجزهم، وإن كنتم غير فاعلين فبيّنوا لي ما في أنفسكم، ولا تغرّوني، فإنّ الغرور حتفٌ يَضِل معه الرأي، ويُصرع معه الرائي، ويُسرع به الريب. فسكت القوم ملياً لا يتكلمون، فقال: قد بينتم لي ما في أنفسكم. فذهب لينزل، فقام شيبة بن عثمان فقال له: رحمك الله أيها الأمير، لا يقبُح فينا رأيُك، ولا يسوء بنا ظنُّك، ونحن على طاعتنا وبيعتنا، وأنت أميرنا وابن عم خليفتنا، فإن تدعُنا نُجبْكَ، وإن تأمرنا نطعك فيما أطقنا ونقدر عليه»(1).

وقال البلاذري: «بعث معاوية يزيد بن


(1) الغارت2: 346.

صفحة 76

شجرة الرهاوي، من مذحج، إلى مكة لإقامة الحج، وكان على الموسم من قبل علي قُثم بن العباس بن عبد المطلب(1)، وكان يزيد بن شجرة متألِّهاً متوقّياً، فلما أمره معاوية بالمسير، قال له: إن كان لا يُرضيك إلا الغَشْم(2)، وإخافة البريء، فابعث غيري. فقال له معاوية: سر راشداً، فقد رضيتُ رأيك. وكان عُثمانياً ممن شهد صفين مع معاوية.

فمضى ابن شجرة وكتم أمره، فأتى وادي القرى، ثم الجُحْفة، ثم قدم مكة في غرةٍ من ذي حجة، فأراد قثم بن العباس التنحي عن مكة، إذ لم يكن في مَنَعة، وكان أبو سعيد الخدري حاجّاً، وكان له وُدّاً، فأشار عليه أن لا يفعل. وبلغه أن معقل بن قيس الرياحي


(1) الصحيح ما ذكره الثقفي، أنه كان عاملاً لعلي عليه السلام على مكة، وليس مبعوثاً لموسم الحج. وسوف يذكر البلاذري في هذه الرواية نفسها أنه كان والياً على مكة.

(2) الغَشم: الظُّلم.

صفحة 77

موافيه في جمع بعث بهم علي حين بلغه فصول ابن شجرة من الشام.

قالوا: وأمر ابن شجرة مناديه فنادى في الناس بالأمان، وقال: إني لم آت لقتال، وإنما أصلي بالناس، فإن شئتم فعلت ذلك، وإلا فاختاروا من يقيم لكم الحج. والله ما مع قثم مَنعة، ولو أشاء أن آخذه لأخذتُه، ولكني لا أفعل، ولا أصلي معه.

وأتى أبا سعيد فقال له: إن رأيت والي مكة(1) كره ما جئنا له، ونحن للصلاة معه كارهون، فإن شاء اعتزل الصلاة وأعتزلُها، وتركْنا أهل مكة يختارون من أحبّوا. فاصطلحوا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، فقال أبو سعيد: ما رأيت في أهل الشام مثل هذا، ذهب إلينا قبل أن نطلب إليه.


(1) هذا هو الصحيح، فقد كان قثم بن العباس والي مكة، وليس على الموسم فقط.

صفحة 78

وقَدم معقل يريد يزيد بن شجرة، فلقي أخريات أصحابه بوادي القرى، فأسَرَ منهم، ولم يقتل، ثم صار إلى دومة الجندل، وانصرف إلى الكوفة»(1).

وذكر الثقفي أن قثم بن العباس أراد أن يهرب من مكة، لعدم وجود من ينصره في تلك المحنة، وقد أخبره أبو سعيد الخُدري أن أهل الكوفة جهزوا جيشاً بقيادة معقل بن قيس الرياحي، وهو في طريقه إلى مكة، لكنه استبطأ ذلك لبعد المسافة، ثم نصحه أبو سعيد بالبقاء، فتراجع عن الخروج من مكة.

قال الثقفي: «عن عباس بن سهل بن سعد، قال: قدم أبو سعيد الخدري فسأل عن قُثم، وكان له وُدّاً وصفياً، فقيل: قد قدَّم دوابّه، وحمل مَتاعَهُ يُريد أن يتنحى عن مكة، فجاء فسلم عليه، ثم قال له: ما أردتَ؟ قال


(1) أنساب الأشراف2: 461.

صفحة 79

له: قد حدث هذا الأمر الذي بلغك، وليس معي جُندٌ أمتنع بهم، فرأيتُ أن أعتزل عن مكة، فإن يأتني جند أقاتلُ بهم، وإلا كنتُ قد تنحَّيتُ بدمي. قال له: إني لم أخرج من المدينة حتى قدم علينا حاجُّ أهل العراق وتُجارُهم، يُخبرون أن الناس بالكوفة قد ندبُوا إليك مع معقل بن قيس الرياحي »(1).

وصف علي عليه السلامجيش الكوفة المبعوث إلى مكة

تقدم أن أبا سعيد الخدري أبلغ قثم بن العباس، أن أهل الكوفة جهزوا جيشاً لإدراك يزيد بن شجرة، وإنقاذ مكة المكرمة. وبالطبع كان ذلك بتدبير وإشراف أمير المؤمنين عليه السلام كعادته في إدارة المعارك والسرايا والغزوات.

ويستوقفنا هنا كتابٌ من علي عليه السلام إلى واليه


(1) الغارات2: 347.

صفحة 80

على مكة، اشتمل على تبليغات وتوجيهات لمعالجة الموقف. وما يستوقفنا فيه أكثر، وصفه لجيشه بالبسالة والنَّجدة، ولقائدهم بالحسيب الصليب، الورع التقي. مع وصفٍ سابق لأهل الشام عموماً، وجيش يزيد بن شجرة بالخصوص.

وهذا نص الكتاب كما جاء في كتاب الغارات:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى قثم بن العباس، سلام عليك: أما بعد فإنّ عيني بالمغرب(1) كتب إليّ يخبرني أنه قد وُجّه إلى الموسم ناس من العرب، من العُمْي القُلوب، الصُّمِّ الأسماع، الكُمْهِ الأبصار، الذين يَلبِسون الحق بالباطل، ويطيعون المخلوقين في معصية


(1) العين: الجاسوس أو المُخبر. والمغرب: ما كان غرب العراق، كالشام ومصر، ويعني بها هنا الشام. وكانت لعلي عليه السلام الكثير من العيون في الشام وأماكن أخرى.

صفحة 81

الخالق، ويجلبون الدنيا بالدين، ويتمنَّون على الله جوار الأبرار(1)، وإنه لا يفوز بالخير إلا عاملُه ولا يجزى بالسيّئ إلا فاعله.

وقد وجَّهتُ إليكم جمعاً من المسلمين، ذوي بَسالةٍ ونَجدة، مع الحَسيب الصليب، الورع التقي، مَعْقِل بن قيس الرياحي، وقد أمرته(2) باتباعهم، وقصّ آثارهم، حتى ينفيهم من أرض الحجاز. فقم على ما في يديك مما إليك، مقام الصليب الحازم، المانعِ سُلطانَه، الناصحِ للأمة، ولا يبلغْني عنك وهنٌ ولا خَوَر، وما تعتذر منه، ووطّن نفسَك على الصبر في البأساء والضراء، ولا تكونن فَشِلاً ولا طائشاً


(1) هذه أوصاف أتباع معاوية وجند الشام، وسوف يأتي وصف جيشه وجنده بالبسالة والنجدة، وهنالك الكثير من الشواهد المماثلة لذلك. فمن يصدّق بعد ذلك أن علياً عليه السلام يتمنى أن يستبدل جنود معاوية بجنوده، ويصارفهم صرف الدينار بالدرهم، أو الواحد بالمئة؟

(2) لاحظ التعابير الدالة على تولي أمير المؤمنين عليه السلام أمر الحرب والقيادة بنفسه: وجهتُ، أمرته…إلخ. لا كما قال طه حسين، وتابعه الشيخ مغنية، وغيرهما، من أنّ علياً عليه السلام كان يترك أمر الحرب لأصحابه، ويكتفي بالنصح والإرشاد.

صفحة 82

ولا رِعْديداً. والسلام »(1).

هذا ديدن علي عليه السلام مع جيشه وقادته، وهو من أساليب جميع القادة العظماء في تكريم قادتهم وجندهم، والإشادة بفضلهم، وشحذ هممهم. وهو الوضع الطبيعي الذي يفرضه الواقع بعيداً عن التشويه والتحريف.

ويلاحظ في هذا الكتاب أيضاً، أن علياً عليه السلام يصف أتباعه وجيشه من أهل العراق بالمسلمين، وهذه الصفة تكررت منه في بعض خُطبه وكتبه، وهي تعريض واضح بغيرهم من المنافقين وأتباع المنافقين.

* * *

ثم إن جيش الشام كرّ راجعاً من حيث أتى، بعد أن سمع بجيش الكوفة قادماً نحو مكة، لكن معقل بن قيس أدرك بعض ذلك الجيش، فأسر منه جماعة.


(1) الغارات2: 348. انظر الكتاب أيضاً في نهج البلاغة: 406.

صفحة 83

قال الثقفي: «وأقبلت خيلُ علي عليه السلام فأُخبروا بعَودِ أهلِ الشام، فتبعوهم، وعليهم معقل بن قيس، فأدركوهم وقد رحلوا عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم، وأخذوهم أسارى، وأخذوا ما معهم، ورجعوا إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عليه السلام عند معاوية»(1).

***


(1) الغارات2: 351.

صفحة 84

الثامنة: غارة الحارث بن نمر التنوخي على الجزيرة (39هـ)

بعد فرار يزيد بن شجرة من جيش علي بقيادة معقل بن قيس، ورجوعه إلى معاوية، وقد أُسر من جيشه جماعة، بعث معاوية الحارث بن نمر (أو نمير) التنوخي إلى أرض الجزيرة في العراق، لاختطاف من يجد في طريقه من موالي علي وشيعته، فاختطف سبعة أشخاص من بني تغلب. ثم كتب إلى عليّ ليفاديه بمن أسر معقل بن قيس من أصحاب يزيد بن شجرة، فاستجاب علي عليه السلام لذلك، وأطلق سراح الأسرى من الطرفين.

قال ابن عساكر في ذكر الحارث بن نمير التنوخي: «من فرسان أهل الشام، ووجهه

صفحة 85

معاوية على خيل، وأمره أن يُفضي إلى الجزيرة، ويأتيه بمن وجده فيها على طاعة علي عليه السلام»(1).

وقال البلاذري: «لما قدم يزيد بن شجرة على معاوية، وجّه الحارث بن نمر التنوخي على خيل مقدّحة، فأمره أن يأتي الجزيرة، فيسأل عمّن كان في طاعة علي فيأتيه به، فأخذ من أهل «دارا» سبعة نفر من بني تغلب، ثم أقبل بهم. وشبيب بن عامر الأزدي(2) عامل علي على نصيبين، وهو جد الكرماني صاحب خراسان. وقد كانت جماعة من بني تغلب انحازت عن علي إلى معاوية؛ فكلّموه في السبعة النفر، فلم يجبهم إلى إطلاقهم، فاعتزلوه أيضاً.


(1) تاريخ دمشق11: 487.

(2) من كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر، عامله على نصيبين، بعد سماعه بأخبار مصر، وما حصل فيها من قلاقل: «… فأقدم عليّ لننظر في أمر مصر، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. فاستخلف مالك رضي الله عنه على عمله شبيب بن عامر الأزدي، وأقبل حتى ورد على أمير المؤمنين عليه السلام». (أمالي المفيد: 80). وسوف تأتي بعض أخباره لاحقاً، في الغارات التالية.

صفحة 86

فكتب معاوية إلى علي: إن في أيديكم أسارى من أهل طاعتنا، كان معقل بن قيس أخذهم بناحية وادي القرى، ممن كان مع يزيد بن شجرة، وفي أيدينا رجال من شيعتك أصبناهم، فان أحببت خلّينا من في أيدينا وخليتم من في أيديكم. فأخرج عليٌّ النفر الذين قدم بهم معقل بن قيس من أصحاب ابن شجرة الرهاوي، وكانوا محتبسين، فبعث بهم إلى معاوية مع سعد مولاه؛ وأطلق معاوية السبعة الذين أخذوا بدارا»(1).

وهذه الغارة لم يحدث فيها قتال ومواجهات، لكننا أدرجناها ضمن الغارات الشامية لتكون الصورة أوضح في تلك الغارات، التي زعم بعضهم أن أصحاب علي عليه السلام وشيعته لم ينهضوا فيها.

***


(1) أنساب الأشراف2: 469.

صفحة 87

التاسعة ـ معركة دومة الجندل (39 هـ)

قال البلاذري: «وبعث معاوية مسلم بن عُقْبة المري إلى أهل دُومة الجندل(1)، وكانوا قد توقفوا عن البيعة لعلي ومعاوية جميعاً، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته. وبلغ ذلك علياً، فبعث إلى مالك بن كعب الهمداني(2)، أن خلّف على عملك من تثق به وأقبل إليّ. ففعل، واستخلف عبد الرحمن بن عبد الله الكندي. فبعثه علي إلى دومة الجندل في ألف فارس، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه، فاقتتلوا يوماً، ثم انصرف مسلم منهزماً. وأقام مالك أياماً


(1) حِصنٌ بين المدينة المنورة والشام، بالقرب من تبوك، وهي أقرب للشام والعراق. وقد التقى فيها الحكمان بعد صفين.

(2) تقدم ذكره في بعثه إلى مصر على رأس أربعة آلاف مقاتل، وفي صدّ الغارة على عين التمر مع قلة من معه من المقاتلين.

صفحة 88

يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي، فلم يفعلوا، وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام. فانصرف مالك إلى الكوفة»(1).

وفي كتاب الغارات، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه: «أنّ أهل دُومة الجندل من كلب، لم يكونوا في طاعة علي عليه السلام ولا معاوية، وقالوا: نكون على حالنا حتى يجتمع الناس على إمام. قال: فذكرهم معاوية مرة، فبعث إليهم مسلم بن عُقْبة، فسألهم الصدقة وحاصرهم. فبلغ ذلك علياً عليه السلام وامرأَ القيس بنَ عَديّ أصهارَه، فبعث إلى مالك بن كعب، فقال: استعمل على عين التمر رجلاً، وأقبل إليَّ. فولاها عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب الأرحبي(2)، وأقبل إلى عليّ عليه السلام، فسرّحه


(1) أنساب الأشراف2: 467. انظر كذلك: الكامل في التاريخ3: 381. نهاية الأرب20: 258.

(2) من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته من التابعين الأخيار، والأرحبي منسوب إلى أرحب من همدان. بقي بعد أمير المؤمنين عليه السلام واستشهد مع الحسين عليه السلام في كربلاء. وورد التسليم عليه في الزيارة: « السلام على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدر الأرحبي». (إقبال الأعمال2: 577).

صفحة 89

في ألف فارس، فما شعر مسلم بن عُقبة إلا ومالك بن كعب إلى جنبه نازلاً، فتواقفا قليلاً. ثم إن الناس اقتتلوا، واطّردوا يومهم ذلك إلى الليل، لم يستفزَّ بعضُهم من بعض شيئاً. حتى إذا كان من الغد، صلى مسلم بأصحابه ثم انصرف. وأقام مالك بن كعب في دومة الجندل، يدعوهم إلى الصلح عشراً، فلم يفعلوا، فرجع إلى علي عليه السلام»(1).

وقال ابن عساكر في ذكر مالك بن كعب الهمداني، ثم الأرحبي: «وجّهه علي بن أبي طالب إلى دُومة الجندل لقتال مسلم بن عُقْبة، حين بعثه معاوية إلى أهلها، حين بلغه توقفهم عن البيعة لعلي، فوصل إليها وهزم مسلم بن عقبة، ودعا أهل دومة إلى البيعة، فامتنعوا، وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام،


(1) الغارات2: 318.

صفحة 90

فانصرف راجعاً إلى الكوفة»(1).

هذه هزيمة أخرى، تضاف لهزائم (رجال معاوية) ونصرٌ آخر يُدرج في قائمة الولاء والوفاء التي لا تقف أرقامها عند حدّ.

***


(1) تاريخ مدينة دمشق56: 463.

صفحة 91

العاشرة ـ معارك الرقة وقرقيسيا بقيادة الأشتر (38)

كان علي عليه السلام منذ أن وصل الكوفة، وقبل اندلاع حرب صفين، أي في أواخر سنة 36 هـ، ولّى مالك بن الحارث الأشتر النخعي الموصل، وسنجار، ونصيبين، ودارا، وآمِد، وهيت، وعانات، والجزيرة كلها، أي على مناطق غرب وشمال غرب العراق كلها(1).

قال الثقفي: «وكانت الرَّقَّة وقِرْقِيسياء والرَّها وحرَّان من حيِّز معاوية، وعليهم الضحاك بن قيس. وكانت هيت وعانات ونَصيبين ودارا وآمِد وسِنْجار من حيِّز علي عليه السلام، وعليها الأشتر قبل أن يهلك، وكانا


(1) انظر: وقعة صفين: 12.

صفحة 92

يقتتلان في كل شهر»(1).

ولا يعني بالتوقيت المذكور الدقة الزمنية، إنما يعني تكرار القتال بين فترات لا تتجاوز الشهر الواحد.

وقال الثقفي: «وبعث الأشتر رحمه الله إليها (مصر) وقد كان له قبل أن يشخصه إلى مصر غارات بالجزيرة»(2).

ويظهر من رواية نصر بن مزاحم(3)، أن الاقتتال حصل منذ الأيام الأولى لتولي الأشتر، أي قبل معركة صفين، وقد ذكرَ ما سوف نذكره عن البلاذري وغيره أيضاً، وهو خلاف ما ذكره الثقفي وغيره، من أن الاقتتال بين الأشتر والضحاك حدث بعد صفين، وما ذكره الثقفي هو الأقرب والأنسب


(1) الغارات2: 360. شرح نهج البلاغة4: 84.

(2) الغارات1: 213. وهذا شاهد آخر في يردّ دعوى من زعم أن أصحاب علي عليه السلام كانوا (يُغار عليهم ولا يغيرون).

(3) انظر: وقعة صفين: 12.

صفحة 93

لواقع الأحداث. إذ لم يكن علي عليه السلام قد اتخذ قرار المواجهة العسكرية قبل صفين، بل كان يرسل الوفود لمعاوية، تجنباً لذلك، وحقناً للدماء، وبالمقابل كان معاوية أكثر تجنباً لذلك، لإدراكه الخطر الشديد في بدء القتال مع علي عليه السلام.

وبناءً على ما ذكره الثقفي، فإنّ غارات الأشتر الشهرية، ومعاركه في نصيبين، تجاوزت العشرين. لأن معركة صفين توقفت في صفر من سنة 37هـ، ومحمد بن أبي بكر قُتل في مصر في ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة 38هـ، وكان الأشتر قد وُلّي على مصر قبيل مقتل محمد، أي أنه ترك نصيبين متوجهاً إلى مصر في ذي القعدة أو ذي الحجة. وعليه تكون المدة التي أمضاها في نصيبين، منذ توقف معركة صفين، حتى أحداث مصر، حوالي سنة وعشرة أشهر، أي اثنان وعشرون

صفحة 94

شهراً تقريباً. فتكون غاراته ومعاركه لا تقل عن العشرين، بل تتجاوز ذلك بقليل.

قال البلاذري: «بعث معاوية الضحاك بن قيس الفهري على ما كان من سلطانه(1) من الجزيرة والرقة وحَرَّان والرَّها وقِرقِيسيا، فبلغ ذلك الأشتر، فسار من نصيبين يريد الضحاك، واستمدّ الضحاك أهل الرقة، وكان جلّ من بها عثمانية هربوا من علي، فأمَدُّوه، وعليهم سماك بن مخرمة الأسديّ، فعسكروا جميعاً بين الرَّقة وحرّان(2). وأقبل إليهم الأشتر، فاقتتلوا قتالاً شديداً(3)، وفشت فيهم الجراح، وأسرع الأشتر فيهم، فلما حجز الليل بينهم، سار الضحاك من ليلته فنزل حران. وأصبح الأشتر، فأتبعهم حتى حاصرهم بحرَّان.


(1) أي سلطان علي عليه السلام ومناطق سيطرته.

(2) في الغارات1: 214: «فعسكروا جميعاً في مرج مُرِّينا بين حران والرقة».

(3) في رواية الثقفي: «وبنو أسد يومئذٍ يقاتلون بنيةٍ وبصيرة».

صفحة 95

وأتى الصريخ معاوية، فدعا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، فأمره بالمسير لإنجاد الضحاك. فلما بلغ الأشتر ذلك، كتَّب كتائبه ليعاجل الضحاك، ثم نادى: ألا إنَّ الحي عزيز، ألا إنَّ الذِّمار منيع، ألا تنزلون أيتها الثعالب الرَّوَّاغة؟ ثم مضى فمرّ بالرقة فتحصنوا منه، وأتى قرقيسيا فتحصنوا منه، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصرافه فأقام»(1).

وفي رواية الثقفي: «ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة؟ الجُحرَ الجُحرَ يا معاشر الضباب»(2).

وفي رواية نصر: «ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة، احتجرتم احتجار الضباب»(3).

هذه (الثعالب الروّاغة)، و(معاشر الضِّباب)، التي كان يحاصرها مالك وجيشه من أهل العراق، صوّرتها أقلام التزوير


(1) أنساب الأشراف2: 471. انظر: وقعة صفين: 12.

(2) الغارات1: 215.

(3) وقعة صفين: 13.

صفحة 96

والتحريف (رجالاً)، أما مالك الأشتر، ومالك بن كعب الأرحبي، وجارية بن قدامة، ومعقل بن قيس، وسعيد بن قيس، وقيس بن سعد بن عبادة، وحجر بن عدي، وكميل بن زياد، وشبيب بن عامر، وخالد بن معدان، وأمثالهم وأتباعهم، فهم (أشباه رجال) طبقاً لما سطرته أقلام التزوير والتحريف.

***

صفحة 97

الحادية عشرة ـ معركة الجزيرة بقيادة كميل بن زياد

ذكر البلاذري، أن شبيب بن عامر الأزدي، وهو من شيعة علي عليه السلام ـ وكان قد خلف مالك الأشتر في نصيبين ـ بعث كتاباً إلى كميل بن زياد النخعي، وهو على هيت، يُخبره «أن معاوية قد وجّه عبد الرحمن بن قَباث نحو الجزيرة، وأنه لا يدري أيريد ناحيته أم ناحية الفرات وهيت. فقال كميل: إن كان ابن قباث يريدنا لنَتَلقَّينَّه، وإن كان يريد إخواننا بنصيبين لنعترضنَّه، فإن ظفرتُ أذهبتُ موجدةَ أمير المؤمنين(1)، فأعتبتُ عنه، وإن


(1) تقدم ذلك في الغارة على هيت والأنبار، وأنه كان قد اجتهد في تحريك الجيش نحو قرقيسياء، ولم يبق فيهما إلى عدد قليل، لكنهم مع ذلك صمدوا وقاتلوا بشراسة، فلم تحقق الغارة أهدافها. وهو ما أغضب أمير المؤمنين عليه السلام بحسب الرواية.

صفحة 98

استشهدت فذلك الفوز العظيم، وإني لممن رجوت الأجر الجزيل.

فأشير عليه، باستئمار عليّ، فأبى ذلك، ونهض يريد ابن قباث في أربعمئة فارس، وخلف رجّالته وهم ستمائة في هيت، وجعل يحبس من لحقه ليطوي الأخبار عن عدوه، وأتاه الخبر بانحيازه من الرقة نحو رأس العين، ومصيره إلى كفرتوثا… ثم أغذّ السير نحو كفرتوثا، فتلقاه ابن قباث، ومعن بن يزيد السلمي بها في أربعمائة وألفين(1)، فواقعهما كميل، ففضّ عسكرهما وغلب عليه، وقتل من أصحابهما بشراً. فأمر أن لا يُتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، وقُتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب بالفتح إلى عليّ، فجزاه الخير، وأجابه جواباً حسناً»(2).


(1) لاحظ الفارق الكبير في العدد لصالح جيش الشام، بنسبة ستة إلى واحد.

(2) أنساب الأشراف2: 474.

صفحة 99

وقال ابن الأثير: «وفيها سيّر معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة، وفيها شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، وكان شبيب بنصيبين، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه الخبر، فسار كميل إليه نجدةً له في ستمئة فارس، فأدركوا عبد الرحمن، ومعه معن بن يزيد السلمي، فقاتلهما كميل، وهزمهما، فغلب على عسكرهما، وأكثر القتل في أهل الشام، وأمر أن لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، وقُتل من أصحاب كميل رجلان. وكتب إلى علي بالفتح، فجزاه خيراً، وأجابه جواباً حسناً، ورضي عنه، وكان ساخطاً عليه لما تقدم ذكره»(1).

***


(1) الكامل في التاريخ3: 379.

صفحة 100

الثانية عشرة ـ غارة أصحاب علي على بعلبك والرقة

قال البلاذري: «وأقبل شبيب بن عامر(1) من نصيبين في ستمئة فارس ورجالة، ويقال: في أكثر من هذا العدد، فوجد كُميلاً قد أوقع بالقوم واجتاحهم، فهنّأه بالظفر، وقال: والله لأتبعنّ القوم، فإن لقيتُهم لم يزدهم لقائي إلا هلاكاً وفلاً، وإن لم ألقهم لم أثن أعنة الخيل حتى أطأ أرض الشام(2). وطوى خبره عن


(1) شبيب بن عامر الأزدي: من خيار أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام كان مع مالك الأشتر في نصيبين، وقد استخلفه مالك عليها بطلب من أمير المؤمنين أن يستخلف عليها أهل الثقة والنصيحة من أصحابه، وذلك عند دعوته مالك الأشتر لإرساله إلى مصر.

(2) هذه الحادثة وأمثالها، تكشف بكل وضوح أن الغارات بين الطرفين كانت متبادلة، غاية ما في الأمر، أن علياً عليه السلام كان يحاول جهد الإمكان، عدم استنزاف جيشه في معارك جانبية، وعدم المساس بالناس العزّل. وكان يخطط ويستعدّ للعودة إلى معركة فاصلة في صفين، فيما كان معاوية يتحرك بهستيريا واضحة، تعكس توجّسه الدائم، وخوفه من القادم. وهذا الواقع يُكذّب ما قيل عن أصحاب علي عليه السلام أنهم كانوا (يُغار عليهم ولا يغيرون)، فقد كانوا يغيرون أيضاً، لكن قرار القتال والحرب والغارات كان بيد علي عليه السلام حصراً، وقد تقدم أنه عليه السلام امتعض من اجتهاد كميل بن زياد بالغارة على جيش الشام دون إذن منه، وتنسيق معه.

صفحة 101

أصحابه، فلم يعلمهم أين يريد.

فسار حتى صار إلى جسر منبج، فقطع الفرات، ووجّه خيله فأغارت ببعلبك وأرضها. وبلغ معاوية خبر شبيب، فوجه حبيب بن مسلمة للقائه، فرجع شبيب فأغار على نواحي الرقّة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها، ولا خيلاً ولا سلاحاً إلا أخذه. وكتب بذلك إلى علي حين انصرف إلى نواحي نصيبين، فكتب إليه عليّ ينهاه عن أخذ مواشي الناس وأموالهم(1)، إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به، وقال: رحم الله شبيباً، لقد أبعد الغارة، وعجل الانتصار»(2).


(1) كم أنت عظيم يا علي! أين هذا الفعل ممن يأمر بمهاجمة الحجاج الآمنين، وسائر الناس الأبرياء، وقتلهم، ونهب أمتعتهم؟!

(2) أنساب الأشراف2: 475.

صفحة 102

وقال ابن الأثير: «وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين، فرأى كميلاً قد أوقع بالقوم، فهنأه بالظفر، وأتبع الشاميين فلم يلحقهما، فعبر الفرات، وبثَّ خيله فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك، فوجه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه. ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقة، فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها، ولا خيلاً ولا سلاحاً إلا أخذه، وعاد إلى نصيبين، وكتب إلى علي. فكتب إليه علي ينهاه عن أخذ أموال الناس، إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به، وقال: رحم الله شبيباً، لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار»(1).

***


(1) الكامل في التاريخ3: 379.

صفحة 103

الثالثة عشرة ـ غارات بسر بن أرطاة على الحجاز واليمن (40هـ)

وهي أبشع وأفظع الهجمات التي ارتُكبت فيها جرائم وحشية غير مسبوقة، قُتل خلالها ثلاثون ألفاً(1) من أهل الحجاز واليمن وغيرهم، جُلُّهم من شيعة علي عليه السلام.

وكانت هذه الغزوة الكبيرة قد وقعت في أوائل سنة 40 للهجرة، أي قبل استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بأشهر قلائل. وقد سبقتها بفترة قصيرة، محاولة تمهيدية قام بها يزيد بن شجرة، كما تقدم.


(1) قال الثقفي: «وكان الذي قتل بُسر في وجهه ذاهباً وراجعاً ثلاثين ألفاً، وحرق قوماً بالنار». الغارات2: 441.

صفحة 104

غدر معاوية

ذكر الطبري وابن مسكويه، وغيرهما، خبراً مفاده اتفاق علي عليه السلام ومعاوية على (المهادنة) بينهما، وإيقاف الغارات أو الغزوات، وجرت بينهما مكاتبات في ذلك.

قال الطبري: «وفي هذه السنة فيما ذُكر، جرت بين علي وبين معاوية المهادنة، بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب، على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشأم، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو. قال زياد بن عبد الله عن أبي إسحاق: لما لم يُعط أحدُ الفريقين صاحبه الطاعة، كتب معاوية إلى علي: أما إذا شئت فلك العراق ولي الشأم، وتكفّ السيف عن هذه الأمة، ولا تهريق دماء المسلمين، ففعل ذلك، وتراضيا على ذلك، فأقام معاوية بالشام بجنوده يجبيها

صفحة 105

وما حولها، وعلي بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده»(1).

وبقطع النظر عن صحة ذلك، لكن مجريات الأمور توحي بحصول (متاركة) على الأقل، لفائدة الطرفين، فعلي عليه السلام من الأساس لم تكن الغاراتُ مدرجةً في برنامج عمله، لأنه يتعامل بمنطق رجل الدولة وراعي الأمة كلها، وكان يستعد للمعركة الفاصلة أفضل استعداد، ومن مصلحة جيشه توقف الغارات التي تستنزف القوة وتشتت الجهود. أما معاوية فيبدو أنه بلغ مرحلة اليأس من عمليات التخريب والغارات، التي لم يجن منها سوى الهزائم وتآكل معنويات جيشه. أو أنه طلب (المهادنة) للتخطيط لغدرةٍ جديدة. أو من أجل الإيحاء لأتباعه بتوقف القتال بينه


(1) تاريخ الطبري4: 108. انظر كذلك: تجارب الأمم1: 565. المنتظم5: 163. الكامل في التاريخ3: 385. نهاية الأرب20: 203.

صفحة 106

وبين علي، وأن الأمور تسير باتجاه التهدئة والتصالح، لأنهم سئموا القتال والحرب.

ومهما يكن من أمر، فإن ما أطلق عليه المؤرخون (المهادنة) تعني (المتاركة حتى حين) أما الاتفاق على تقاسم البلاد فأمر مُستبعد جداً لا يمكننا تصور وقوعه من علي، لأن سيرته في التعامل مع الباطل تكذب ذلك، كما يكذبه الواقع العملي من استعداده للعودة إلى صفين، وهو ما حصل في آخر أيامه حيث حشد عشرات الآلاف كما سيأتي.

وكما هو معلوم، أن معاوية لا عهد له ولا عقد، وقد جُبل وأنصاره على الغدر، وقد كان يحاول انتهاز الفرص متى سنحت، للإضرار بعلي عليه السلام وشيعته في أي عمل تخريبي.

فكان من ذلك بعثُهُ بُسر بن أرطاة(1) نحو


(1) ويقال كذلك: ابن أبي أرطاة، وهو قُرشي، من ألدّ أعداء علي عليه السلام ومبغضيه. كان معروفاً بوحشيته وجُبنه أيضاً، وقد وقع منه في صفين ما وقع من عمرو بن العاص من كشف عورته خوفاً من سيف علي عليه السلام وسيوف أصحابه، حتى أصبح محلاً للسخرية، وقيلت فيه أبيات معروفة، لا نُطيل الكلام في ذكرها، وذكر سائر أخباره وقبائحه. وقد دعا عليه علي عليه السلام أن يسلب الله عقله، فأصيب بالجنون قبل موته، وأصبح يقوم بأعمال مثيرة للسخرية أيضاً، ومات في أسوأ حال وأذله.

صفحة 107

الحجاز واليمن، ليفتك بشيعة علي عليه السلام فتكاً ذريعاً. وقد استسلمت له المدينة ومكة واليمن دون قتال، ولم يرفع أحدٌ في وجهه سيفاً إلا ما ندر، فقتل من قتل، وارتكب من الجرائم ما لم يعهده المسلمون من قبل، حتى سبى نساء المسلمين، وباعهن في الأسواق.

ولم يكن لهذه الجرائم من دواء سوى (مصنع الرجال) في العراق، إذ بلغت الأخبار أمير المؤمنين عليه السلام، فانتدب له على عَجل اثنين من أشجع أصحابه وأشدهم بأساً، هما: جارية بن قدامة السعدي من البصرة، ووهب بن مسعود الخثعمي(1) من الكوفة، في أربعة


(1) من خيرة أصحاب علي عليه السلام من خثعم الكوفة، له ذكرٌ عطر في صفين، وللأسف لم يحظَ بترجمة وافية في كتب التاريخ أو الرجال. قال نصر بن مزاحم في بعض أخبار صفين: «فغضب رأس خثعم من أهل الشام، فقال: اللهم قيّض له وهب بن مسعود، رجلاً من خثعم من أهل الكوفة، وقد كانوا يعرفونه في الجاهلية، لم يبارزه رجلٌ قط إلا قتله. فخرج إليه وهب بن مسعود، فحمل على الشامي فقتله». (وقعة صفين: 257. انظر كذلك: شرح نهج البلاغة5: 205). وقال ابن عساكر: «فغضب عبد الله بن حنش، وقال: اللهم قيض له وهب بن مسعود، رجلاً من خثعم الكوفة، كانوا يعرفونه بالبأس في الجاهلية. فدعا الرجل إلى البراز، فخرج إليه وهب بن مسعود فحمل على الشامي فقتله». (تاريخ دمشق27: 416). وذكره صاحب الغارات في هذه الحادثة، وأن أمير المؤمنين عليه السلام دعا له بقوله: بارك الله فيك. (الغارات2: 430).

صفحة 108

آلاف من رجال الكوفة والبصرة. وما إن سمع بتحركهم (أشباهُ الرجال) من جيش الشام، حتى فرّوا هاربين نحو بلادهم هناك.

فقد روى الطبري في تاريخه في حوادث سنة أربعين(1)، عن عوانة قال: «أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين، بُسر بن أبي أرطاة، وهو رجل من بني عامر بن لؤي، في جيش، فساروا من الشأم حتى قدموا


(1) ممن ذكر أن هذه الحادثة سنة 40 هـ غير الطبري: المسعودي في مروج الذهب3: 22. الثقفي في الغارات2: 409. ابن حجر في الإصابة1: 421. قال: «وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين». خليفة بن خياط في تاريخه: 150. ابن عبد البر في الاستيعاب3: 1009، نقلاً عن خليفة بن خياط. ابن الأثير في الكامل في التاريخ3: 383. ابن تغري بردى، في النجوم الزاهرة1: 119. النويري في نهاية الأرب20: 203. و20: 258. وذكر بعضهم أنها في سنة 39 هـ، فيقتضي أنها في أواخرها.

صفحة 109

المدينة، وعامل عليّ على المدينة يومئذٍ أبو أيوب الأنصاري، ففرّ منهم أبو أيوب فأتى الكوفة(1). ودخل بُسْرُ المدينة.

قال: فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد. فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجار، ويا زريق(2)، شيخي شيخي، عهدي به بالأمس، فأين هو؟ يعني عثمان. ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركتُ بها مُحتَلِماً إلا قتلتُه. ثم بايع أهل المدينة»(3).

وفتك بالمدينة وغيرها فتكاً ذريعاً، قتلاً، وهدماً للدور، وترويعاً:

قال الطبري: «وهدم بسر دوراً بالمدينة،


(1) هذا المشهد وأمثاله، يكشف بوضوح أن الكوفة دائماً هي المفزَع، ومنها المَدد والرجال. فهذه الحادثة أكّدت أن الجيش الأموي الوحشي ليس له دواء إلا أهل العراق، وقد عاث بُسر فساداً بالمدينة ومكة واليمن، ولم يجد في طريقه مقاومة إلا من بعض أهل اليمن. لكنه بمجرد سماعه بتحرك الرجال من الكوفة، فرّ هارباً بجيشه لا يلوي على شيء.

(2) وهذه بطون من الأنصار. انظر: نهاية الأرب20: 259.

(3) تاريخ الطبري4: 106.

صفحة 110

ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتله، فقال له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فخلى عنه»(1).

وقال: «ثم مضى بسر إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعلي، فلما بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة، حتى أتى علياً، واستخلف عبدَ الله بن عبد المَدَان الحارثي(2) على اليمن، فأتاه بسر فقتله، وقتل ابنه. ولقي بُسر ثَقَل عبيد الله بن عباس، وفيه ابنان له صغيران، فذبحهما. وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبيد الله بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما


(1) تاريخ الطبري4: 107.

(2) وهو من الصحابة، من سادات العرب باليمن، كان صهراً لعبيد الله بن العباس، فأخذه بسر وقتله، ودعا ابنه مالكاً وكان أدنى لأبيه في الشرف، وكان يدعى لمالك باليمن، فضرب عنقه. (انظر: الغارات2: 423. الإصابة4: 138. الأعلام4: 100).

صفحة 111

فاقتلني. قال: أفعلُ، فبدأ بالكناني فقتله، ثم قتلهما… وقد قيل: إن الكناني قاتلَ عن الطفلين حتى قُتل. وكان اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر عبد الرحمن، والآخر قُثَم. وقتل بُسر في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي باليمن»(1).

وقال ابن مسكويه: «ثم كثرت غارات معاوية على أطراف عليّ، ووجّه بسر بن أرطاة إلى الحجاز. فدخل المدينة ومكة، وهرب عُمّال عليّ، وقتل شيعة عليّ، ومضى نحو اليمن…»(2).

وقال المسعودي: «وقد كان بسر بن أرطاة العامري ـ عامر بن لؤي بن غالب ـ قتَلَ بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرهم، وكذلك بالجُرْف، قتل بها خلقاً


(1) تاريخ الطبري4: 107.

(2) تجارب الأمم1: 565.

صفحة 112

كثيراً من رجال هَمْدَان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً من الأبناء، ولم يبلغه عن أحد أنه يُمالئ علياً أو يهواه إلا قتله.

ونما إليه خبر حارثة بن قدامة السعدي(1)، فهرب، وظفر حارثة بابن أخي بُسر، مع أربعين من أهل بيته، فقتلهم»(2).

وقال: «وبلغ الخبرُ علياً، فأنفذ حارثة بن قدامة السعدي في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين»(3).

وقال ابن حجر عن بعضهم في شأن بُسْر، عن ابن يونس: «وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول


(1) الصحيح: جارية بن قدامة، والمذكور تصحيف.

(2) مروج الذهب3: 22. وخبر قتله أقرباء بُسر من الموضوعات التي لا ينبغي الشك في وضعها، ولم يذكرها غير المسعودي، إذ لم يُعهد من جيش علي عليه السلام أنه يقتل غير المقاتلة أو على الهوية قطّ. وكان عليه السلام يؤكد باستمرار لكل من يبعثه من قادته أن يلتزم الموازين الشرعية، فلا يقطع شجرة، ولا يُجهز على جريح، ولا يهيج النساء بأذى، ولا يغير على الآمنين، وسيرته في ذلك معروفة.

(3) مروج الذهب3: 21. وهو جارية بن قدامة كما تقدم.

صفحة 113

سنة أربعين، وأمره أن ينظر من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل ذلك»(1). وأضاف في تهذيب التهذيب: «ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالاً قبيحة»(2).

وقال الذهبي: «بعث معاوية بُسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز واليمن يقتل من كان في طاعة علي، فأقام بالمدينة شهراً، لا يقال له: هذا ممن أعان على قتل عثمان، إلا قتلة»(3).

وقال في ذكر بعض جرائمه: «ثم أرسل معاوية بسر بن أرطأة إلى اليمن، فسبى نساءً مسلمات، فأُقمن في السوق»(4).

وفي أمالي المفيد والطوسي، عن معاوية بن ثعلبة قال: «لما استوثق الأمر لمعاوية بن أبي سفيان، أنفذ بسر بن أرطاة إلى الحجاز في طلب


(1) الإصابة1: 422.

(2) تهذيب التهذيب2: 239.

(3) تاريخ الإسلام5: 369.

(4) تاريخ الإسلام5: 369. انظر كذلك: الوافي بالوفيات10: 82.

صفحة 114

شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام»(1).

وقال ابن أبي الحديد في شأنه: «بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف، وأمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي عليه السلام، فقتل خلقاً كثيراً» (2).

وقال الذهبي: «وقال ابن إسحاق: قَتل قُثَم وعبد الرحمن، ابني عبيد الله بن العباس، صغيرين باليمن، فتولَّهت أمهما عليهما. وقيل: قتل جماعة من أصحاب علي، وهدم بيوتهم بالمدينة. وخطب، فصاح:… لولا عهد معاوية، ما تركتُ بها مُحتلِماً إلا قتلتُه»(3). أي بالغاً مبلغ الرجال.

وقال: «وقتل عمرو بن أراكة الثقفي(4)،


(1) أمالي المفيد: 306. أمالي الطوسي: 77.

(2) شرح نهج البلاغة1: 340.

(3) سير أعلام النبلاء3: 410.

(4) عمرو بن أراكة الثقفي، من سادات قومه في اليمن، وهو من النوادر الذين رفعوا السيف بوجه بسر، وحاول منعه من دخول صنعاء. انظر: أنساب الأشراف2: 456.

صفحة 115

وقتل من هَمْدان أكثر من مائتين، وقتل من الأبناء طائفة»(1).

وقال اليعقوبي: «ثم جمع بسر أهل نجران فقال: يا إخوان النصارى! أما والذي لا إله غيره، لئن بلغني عنكم أمر أكرهه، لأكثرن قتلاكم. ثم سار نحو جَيْشَان(2)، وهم شيعة لعلي، فقاتلهم، فهزمهم، وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، ثم رجع إلى صنعاء»(3).

مطاردة جيش العراق لبسر بن أرطاة

قال الطبري في روايته عن مؤرخ الأمويين عوانة بن الحكم: «وبلغ علياً خبرُ بسر، فوجَّه جاريةَ بن قُدامة في ألفين، ووهب بن مسعود(4) في ألفين، فسار جارية حتى أتى


(1) تاريخ الإسلام5: 369.

(2) من أرض اليمن، وكان الغالب على أهلها التشيع لعلي عليه السلام.

(3) تاريخ اليعقوبي2: 199.

(4) وهب بن مسعود الخثعمي، تقدم الكلام عنه.

صفحة 116

نجران، فحرّق بها، وأخذ ناساً من شيعة عثمان فقتلهم. وهرب بُسْر وأصحابه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة. فقال لهم جارية: بايعونا، فقالوا: قد هلك أمير المؤمنين(1)، فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحابُ علي، فتثاقلوا ثم بايعوا.

ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم، فهرب منه، فقال جارية: والله لو أخذتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عنقه. ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي، فبايعوه، وأقام يومه ثم خرج منصرفاً إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلّى بهم»(2).

وعلى عادة الرواة الأمويين، لا يمكننا الوثوق بما نسبه عوانة بن الحكم لجارية بن قدامة السعدي من الإحراق، أو القتل على


(1) علي بن أبي طالب عليه السلام. وهذا يؤكد أن الحادثة كانت سنة أربعين.

(2) تاريخ الطبري4: 107.

صفحة 117

الهوية والانتماء المجرد، بل نقطع بكونه من الأكاذيب. فالعثمانية والخوارج يعيشون بأمان وسلام في داخل الكوفة نفسها، ويتمتعون بسائر الحقوق كغيرهم، وليسوا بعيدين عن متناول جارية بن قدامة أو غيره. كما أن علياً عليه السلام يُشدّد على قادته دوماً باتّباع أوامره في احترام قواعد الحرب، وتجنيب المدنيين الأبرياء أضرارها وتبعاتها، بل كان يتشدد حتى في التعرض للنباتات والأشجار والأملاك الخاصة والعامة.

والذي يعنينا من روايته ما طابق منها سائر الأخبار، من فرار بُسر فور سماعه بتحرك الجيش العراقي العلوي، بقيادة جارية بن قدامة البصري وصاحبه وهب بن مسعود الكوفي.

وقال اليعقوبي: «فخرج جارية في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، وأمرهما علي

صفحة 118

أن يطلبا بُسراً حيث كان حتى يلحقاه، فإذا اجتمعا فرأس الناس جارية. فخرج جارية من البصرة، ووهب من الكوفة، حتى التقيا بأرض الحجاز»(1).

وقال: «وسار جارية بن قدامة السعدي حتى أتى نجران، وطلب بسراً، فهرب منه في الأرض، ولم يقم له، وقَتل من أصحابه خلقاً، وأتبعهم بقتل وأسر حتى بلغ مكة»(2).

وذكر الثقفي جانباً مما فعله جارية بن قدامة في مسيره لملاحقة بسر بقوله:

«عن عبد الرحمن بن عبيد، أنّ جارية بن قدامة، أغَذّ السير في طلب بُسْر بن أرطاة، ما يلتفت إلى مدينة مرَّ بها، ولا حصن، ولا يعرج على شي ء، إلا أن يُرملَ بعضُ أصحابه من الزاد(3)، فيأمر أصحابه بمواساته، أو يَسقط


(1) تاريخ اليعقوبي2: 198.

(2) تاريخ اليعقوبي2: 199.

(3) أي: ينفدُ زادُه.

صفحة 119

بعيرُ رجل، أو تَحفى دابته، فيأمر أصحابه فيعقبونه.

قال: فمضى حتى انتهى إلى بلاد اليمن، فهربت شيعة عثمان فلحقوا بالجبال، وأتبعتهم عند ذلك شيعة عليعليه السلام وتداعت عليهم من كل جانب، وأصابوا منهم. وخرج جارية في أثر القوم وترك المدائن أن يدخلها، ومضى نحو بُسر.

فمضى بُسر من حضرموت حين بلغه أن الجيش قد أقبل، وأخذ طريقاً على الجَوْف، وترك الطريق الذي أقبل منه. وبلغ ذلك جارية فأتبَعه حتى أخرجه من اليمن كلّها، وواقعه في أرض الحجاز، فلما فعل ذلك به، أقام بجُرَش(1) نحواً من شهر، حتى استراح وأراح أصحابه»(2).


(1) من توابع اليمن من جهة مكة.

(2) الغارات2: 434.

صفحة 120

والمقصود هنا بشيعة عثمان، المقاتلة منهم، وليس مجرد الأتباع، وفرارهم منه قرينة على مشاركتهم بسر بن أرطاة في جرائمه.

وقال كذلك: «وبلغ بُسراً مسير جارية، وأنه أخذ طريق الحجاز، فخرج بسر من اليمن فانحدر إلى اليمامة»(1).

وقال ابن مسكوية: «وبلغ ذلك عليّاً، فوجّه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين… فسار جارية حتى أتى نجران، وقتل خلقاً من شيعة عثمان، وهرب بسر منه، وتبعه حتى دخل مكة والمدينة. وأرجف الناس بموت عليّ، فأخذ الناسَ ببيعة الحسن بن عليّ، فأبوا، ثم خافوه، فبايعوه، فأقام مدةً، ثم انصرف إلى الكوفة»(2).

وقال الذهبي في ذكر جارية بن قدامة:


(1) الغارات2: 432.

(2) تجارب الأمم1: 565.

صفحة 121

«جارية بن قدامة، التميمي السعدي، أبو أيوب، ويقال أبو يزيد. له صحبة، وكان بطلاً شجاعاً شريفاً مطاعاً، من كبار أمراء علي، شهد معه صفين، ثم وفد بعده على معاوية مع ابن عمه الأحنف. وكان سفَّاكاً فاتكاً(1)، ويُدعى مُحرِّقاً، لأن معاوية وجّه ابن الحضرمي إلى البصرة بنعي عثمان، وليستنفرهم، فوجَّه علي جارية هذا، فتحصن منه ابن الحضرمي كما ذكرنا، فأحرق عليه الدار، فاحترق فيها


(1) لا يمكن تصديق هذه الدعاوى، إذ لم يكن ذلك يوماً من ديدن علي عليه السلام ولا أصحابه في معاركهم. فلم يبعث عليه السلام قائداً إلا بوصية مؤكدة، أن لا يفعل ما يخالف شرع الله وسيرة علي، ولا شك أن جارية لو خالف وصية علي لبلغه ذلك، ولما سكت عنه. وقد ذكر اليعقوبي وغيره أن علياً كتب عهداً لجارية حين بعثه لملاحقته بسر، جاء فيه: «ولا تقاتل إلا من قاتلك، ولا تجهز على جريح، ولا تسخّرن دابة… واسفك الدم في الحق، واحقنه في الحق». (تاريخ اليعقوبي2: 200). وذكر الثقفي في الغارات أن جارية في مسيره نحو الحجاز واليمن «لم يغصب أحداً، ولم يقتل أحداً، إلا قوماً ارتدّوا باليمن، فقتلهم وحرقهم». (الغارات2: 428). ولا أميل لما ذكره الثقفي أيضاً من قصة الإحراق. والصحيح أن التهديد بالإحراق ـ وليس الإحراق ـ حدث في البصرة، في قصة عبد الله بن عامر الحضرمي، الذي بعثه معاوية للسيطرة على البصرة، فأجهضت محاولته بقيادة جارية بن قدامة أيضاً.

صفحة 122

خلق. ويُروى أن علياً بلغه ما صنع بُسر بن أرطأة من السفك بالحجاز، فبعث جارية هذا، فجعل لا يجد أحداً خلع علياً إلا قتله وحرقه بالنار، حتى انتهى إلى اليمن، فسُمِّي مُحَرِّقاً»(1).

هذا مجمل ما ذكرته التواريخ الخاصة والعامة عن غارة بسر بن أرطاة على الحجاز واليمن، وما فعله من جرائم في تلك البقاع، وأنّ أحداً لم يستطع كبح جماحه، وردّ كيده، بل لم يفكر أحدٌ بإشهار السيف في وجهه إلا بعض شيعة اليمن، ومنهم عمرو بن أراكة الثقفي. وأنَّ الإنقاذ والنَّجدة كانت من (رجال العراق)، من الكوفة والبصرة، وأنّ الجيش الذي بعثه علي عليه السلام طارد بسر بن أرطاة وجيشه الكثيف حتى أخرجهم من اليمن والحجاز هاربين بجلودهم.


(1) تاريخ الإسلام4: 27.

صفحة 123

إلا أننا مع ذلك نجد بعض الأخبار التي سطرتها أقلامٌ معروفة بأمويّتها ونصبها، أو حقدها على العراق والكوفة بالخصوص، حاولت إنكار ذلك كله وطمسه، فرسمت صورة مقلوبة تماماً، بل حمّلت الكوفيين أنفسهم مسؤولية الجرائم التي ارتكبها بُسر وجيشه الوحشي.

***

صفحة 124

الرابعة عشرة: غارة زياد بن خصفة على الشام

من أهم الغارات العراقية العلوية على أهل الشام، تمهيداً للعودة إلى صفين مرة أخرى، ما فعله زياد بن خَصَفة، بإشراف وتوجيه من أمير المؤمنين عليه السلام، قُبيل استشهاده. فقد استعد العراقيون، من البصرة والكوفة، للعودة إلى صفين، وخطب فيهم علي عليه السلام الخطبة الأخيرة التي رواها نوف البكالي(1)، فقال في آخرها: «الجهادَ الجهادَ عبادَ الله، ألا وإني معسكرٌ في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج.


(1) نوف بن فضالة البكالي، نسبة إلى بكال (بفتح الباء وكسرها) بطنٌ من حِمْيَر. بقي حياً إلى ما بعد سنة 90 هـ.. قال المحدث النوري: «وصفه شراح النهج بأنه صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، ويظهر من أخبار كثيرة أنه من خواصه وعُبّاد أصحابه». (خاتمة المستدرك9: 172).

صفحة 125

قال نوف بعد تمام الخطبة: وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين. فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان»(1).

قال البلاذري في وصف التحشيد العراقي استعداداً لصفين في آخر حياة أمير المؤمنين عليه السلام: «وبايع حُجرَ بن عديّ أربعةُ آلاف من الشيعة على الموت، وبايع زيادَ بن خصفة البكري نحوٌ من ألفي رجل، وبايع


(1) نهج البلاغة: 264. صبحي الصالح. وقد ذكر الشيخ مغنية هذه الحادثة باقتضاب فقال: «روي أن هذه الخطبة آخر خطب الإمام، وأنه كان قد صمم على العودة إلى صفين لحرب معاوية مهما كلفه الأمر، فحثّ أصحابه على الجهاد، وأخبرهم بعزمه، وقال لهم: فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج. فاستجاب له من استجاب! ولكن شاء الله سبحانه أن يريحه من هموم الناس وشقاقهم ونفاقهم، فاختاره إليه قبل أن يستأنف الحرب». (في ظلال نهج البلاغة3: 37). مع أن الشريف الرضي ذكر في آخر الخطبة احتشاد عشرات الآلاف، وأن الرايات عُقدت للكثير من أهل بيته وأصحابه.

صفحة 126

معقل بن قيس نحو من ألفي رجل، وبايع عبد الله بن وهب السمني (كذا) نحو من ألف رجل.

وأتى زياد بن خصفة علياً فقال له: أرى الناس مجتمعين على المسير معك، فأحمدُ الله يا أمير المؤمنين. فحمد الله ثم قال: ألا تَدلُّوني على رجل حسيب صليب، يحشر الناس علينا من السواد ونواحيه؟ فقال سعيد بن قيس: أنا والله أدلُّك عليه، هو معقل بن قيس الحنظلي، فهو الحسيب الصليب الذي قد جرّبتَه وبلوتَه، وعرفناه وعرفتَه! فدعاه علي، وأمره بتعجيل الخروج لحشر الناس، فإنّ الناس قد انقادوا للخروج.

ثم قال زياد بن خصفة: يا أمير المؤمنين، قد اجتمع لي من قد اجتمع، فأذنْ لي أن أخرج بأهل القوة منهم، ثم ألزم بشاطئ الفرات، حتى أغير على جانب من الشام وأرضها، ثم أعجل الانصراف قبل وقت الشخوص

صفحة 127

واجتماع من بعثَ أميرُ المؤمنين في حشره، فإنَّ ذلك مما يُرهبهم ويَهدُّهم. قال: فامض على بركة الله، فلا تظلمنّ أحداً، ولا تقاتلن إلا من قاتلك، ولا تعرضنّ للأعراب.

فأخذ زياد على شاطئ الفرات فأغار على نواحي الشام ثم انصرف.

ووجّه معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في طلبه ففاته. وقدم زياد هيت، فأقام بها ينتظر قدوم علي. وخرج معقل لما وُجّه له(1)، فلما صار بالدَّسكَرَة(2) بلغه أنّ الأكراد قد أغارت على شهرزور(3)، فخرج


(1) أي حشد المقاتلين العراقيين من السواد ونواحيه، على طول جغرافيا العراق.

(2) اسم لأربعة مدن: واحدة غربي بغداد، والأخرى شرقيها في محافظة ديالى الحالية قريبة من شهربان، وتسمى دسكرة الملك، كان هرمز بن سابور بن أردشير يكثر المقام فيها فسميت بذلك. والثالثة والرابعة في خوزستان ونواحي الأهواز. (انظر: معجم البلدان2: 455). وقد استعمل عليها علي عليه السلام حصين بن مقاتل بن حجر بن لمازة بن حكم بن جابر. (انظر: الكلبي، جمهرة النسب: 588). وقيل: إن الأولى بين بغداد وواسط. ويبدو أنها المقصودة بالخبر.

(3) هذه أيضاً واحدة من الغارات التي أجهضها أصحاب علي، تضاف لسجلهم المشرّف في معارك علي عليه السلام.

صفحة 128

في آثارهم، فلحقهم، حتى دخلوا الجبل(1)، فانصرف عنهم. ثم لما فرغ من حشر الناس وأقبل راجعاً، فصار إلى المدائن، بلغه نعيُ علي، فسار حتى دخل الكوفة، ورجع زياد من هيت»(2).

والغارة على شهرزور تضاف للغارات الأخرى التي حدثت في أيام علي عليه السلام، وقد تقدم أن زياد بن خصفة طارد المغيرين حتى بلغ الجبل، أي الحدود الجبلية من بلاد فارس، شرق العراق حالياً.

وذكر ابن الجوزي (597 هـ) وابن كثير (774 هـ ) أن آخر خطبة لعلي عليه السلام كانت بعد سماعه بغارة بسر على الحرمين واليمن، وهي غير الخطبة السابقة التي رواها نوف البكالي ونقلها الشريف الرضي في نهج البلاغة. وزعما أنه دعا أهل الكوفة فلم يستجيبوا له،


(1) في الأصل: دخل الجبل، والسياق يقتضي ما أثبتناه.

(2) أنساب الأشراف2: 478.

صفحة 129

فدعا عليهم، وصرّح أنه كرههم وكرهوه، وسئمهم وسئموه، وأنه استشهد في الأسبوع ذاته قبل بلوغ الجمعة التالية(1).

وهو ـ كما ترى ـ مخالف لما سبق من أخبار المؤرخين المتقدمين، كالثقفي واليعقوبي والطبري والمسعودي والبلاذري وابن مسكويه والذهبي وغيرهم، من بَعْثِ جارية بن قدامة على رأس جيش كوفي هرب منه بُسر بعد سماعه بقدومه نحوه. ولِمَا ورد في نهج البلاغة من رواية نوف البكالي لآخر خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام، والاستعداد الكبير للتحرك الثالث نحو صفين، واستجابة عشرات الآلاف، وعقد الألوية للقادة.

***


(1) قال كل منهما، نقلاً عن بعض رواتهم: «فما صلى الجمعة الأخرى حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه». (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم5: 163. البداية والنهاية7: 360).

صفحة 130

استعداد علي عليه السلام وأصحابه للعودة إلى صفين

تقدم أن أمير المؤمنين عليه السلام بعث زياد بن خصفة للإغارة على الشام تمهيداً لصفين (الأخيرة) لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وقد فعل. وأنه بعث معقل بن قيس لحشد المقاتلين من السواد ونواحيه. وأن أصحابه الآخرين من أمثال حجر وأشباهه كانوا على أتم الاستعداد للنهوض معه، وحولهم الآلاف ممن بايعهم على الموت.

وهكذا واصل علي عليه السلام التحشيد للمعركة المرتقبة بحكمة وحنكة. فبعث الكتب يميناً وشمالاً يستنفر أصحابه وقادته للحضور في ذلك المهرجان الحربي الهائل.

صفحة 131

ومن الجدير بالذكر هنا، أن المؤرخين خلطوا خلطاً عجيباً بين كُتبه في التحشيد لصفين عموماً، دون التفريق بين التحشيد الأول أو الثاني أو الثالث. فقد حصل الاستعداد لصفين ثلاث مرات، هي:

الأولى: بعد مسيره عليه السلام من البصرة باتجاه الكوفة، ثم الشام، وهي المعركة الوحيدة التي وقعت بالفعل.

الثانية: بعد إعلان نتيجة التحكيم، حيث حشد علي عليه السلام الجموع وتوجه نحو صفين، لكن ظهور الخوارج في طريقه، ووقوع معركة النهروان، حال دون مواصلة المسير، فرجع إلى الكوفة، ليستعد من جديد.

الثالثة: في أواخر أيامه عليه السلام، وهي التي سبقتها غارة زياد بن خصفة على الشام، ثم الدّسكرة وبلاد الجبل.

لكن القدر المتيقن أن أمير المؤمنين عليه السلام

صفحة 132

بعث الكثير من الكتب إلى قادته وعماله، الذين كانوا خارج الكوفة، وأمرهم بالحضور استعداداً للمسير.

ومن تلك الكتب:

1 ـ كتابه إلى قيس بن سعد بن عبادة، وهو عامله على آذربيجان(1):

قال البلاذري: «وحدثني أبو مسعود الكوفي، عن عوانة: أن علياً كتب إلى قيس


(1) قال البلاذري أيضاً: «وقد كان قيس عامل علي على آذربيجان، فكتب إليه في القدوم للغزو معه، فقدم فشهد مقتله». (أنساب الأشراف3: 28). وذكر اليعقوبي في حادثة أخرى أن قيس بن سعد كان والياً لعلي على آذربيجان. (تاريخ اليعقوبي2: 202). وقال الطبري: «جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها، وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب، وكانوا أربعين ألفاً بايعوا علياًعليه السلام على الموت. ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل عليعليه السلام واستخلف أهل العراق الحسن بن عليعليه السلام على الخلافة». (تاريخ الطبري4: 121). وهذا يؤكد أن الكتاب المذكور كان في الاستعداد للعودة إلى صفين مرة أخرى، في أواخر أيام علي عليه السلام. وكان علي عليه السلام قد وعد قيس بن سعد أن يوليه على آذربيجان بعد نهاية أمر التحكيم كما ذك الثقفي في الغارات1: 164. قال: «وكان علي عليه السلام حين رجع عن صفين، قد ردّ الأشتر إلى عمله بالجزيرة، وقال لقيس بن سعد: أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى آذربيجان، فكان قيس مقيماً على شرطته». (انظر كذلك: شرح نهج البلاغة6: 74).

صفحة 133

بن سعد، وهو عامله على أذربيجان: أما بعد، فاستعملْ على عملك عبيد الله بن شبيل الأحمسي(1)، وأقبل، فإنه قد اجتمع ملأ المسلمين، وحسنت طاعتهم، وانقادت لي جماعتهم، ولا يكن لك عرجةٌ ولا لبث، فإنّا جادُّون مُعدُّون، ونحن شاخصون إلى المُحلِّين، ولم أؤخر المسير إلا انتظاراً لقدومك علينا إن شاء الله، والسلام»(2).

ثم ذكر البلاذري تكملة للرواية المذكورة أن علياً عليه السلام افتخر بجيشه الكوفي المجتمع للعودة إلى صفين. قال البلاذري: «وقال أبو


(1) من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ذكره النمازي في مستدركات علم الرجال5: 33. كما ذكر ابن الأثير ترجمته باقتضاب في أسد الغابة3: 182. وابن حجر في الإصابة: 109. ولم يذكرا أنه من أصحاب علي عليه السلام. لكن خبر اليعقوبي يؤكد أنه من أصحابه، وكذلك البلاذري، الذي ذكر كتاباً آخر من علي عليه السلام إلى قيس بن سعد وهو بأذربيجان، جاء فيه: «وقد سألني عبد الله بن شبيل الأحمسي الكتاب إليك في أمره، فأوصيك به خيراً، فإني رأيته وادعاً متواضعاً حسن السّمت والهدي، فألن حجابك واعمد للحق». (أنساب الأشراف2: 161). وقد كان قبل ذلك من قيادات الجيش الذي غزا أذربيجان أيام عثمان.

(2) أنساب الأشراف2: 480.

صفحة 134

مسعود: قال عوانة: قال عمرو بن العاص حين بلغه ما عليه عليّ من الشخوص إلى الشام، وأن أهل الكوفة والعراق عموماً قد انقادوا له:

لا تَحْسبَنِّي يا عليُّ غافلا

لأوردن الكوفة القبائلا

ستين ألفاً فارساً وراجلا

فقال عليّ:

لأُبلغن العاصيَ بن العاصي

سِتين ألفاً عاقدي النواصي

مستحقبين حَلَقَ الدِّلاص»(1)

وفي تاريخ اليعقوبي أنه كتب إلى قيس: «أما بعد، فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك، وأقبل إليّ، فإنّ المسلمين قد أجمع


(1) المصدر السابق. وقد رويت هذه الأبيات قبل الخروج الأول لصفين، لكن قيس بن سعد كان حينها مع علي عليه السلام وقد ولاه على مصر في صفر سنة 36 هـ ثم دعاه من مصر، ليكون على شرطة الخميس، وليحضر وقعة صفين.

صفحة 135

ملأُهم، وانقادت جماعتهم، فعجِّل الإقبال، فأنا سأحضرن إلى المحلِّين عند غرة الهلال إن شاء الله، وما تأخّري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالإحسان في أمرنا كله»(1).

2 ـ كتابه لابن عباس: «أما بعد، فإنَّا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فأشخص بالناس حين يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام»(2).


(1) تاريخ اليعقوبي2: 203. وقد ذكر اليعقوبي هذا الكتاب بعد غارة بُسر بن أرطاة على اليمن، ومسير جارية بن قدامة لهزيمته، أي في سنة 40 للهجرة، وهذا يعني أنه في الاستعداد الأخير لمعركة صفين في أواخر حياة أمير المؤمنين عليه السلام.

(2) تاريخ الطبري4: 57. وقد ذكره الطبري في الاستعداد الثاني لصفين بعد التحكيم، وهو الثالث في الواقع، ولعل المؤرخين أهملوا الاستعداد الثاني الذي انقطع بسبب يوم النهروان، أو خلطوا بين الثاني والثالث توهّماً، أو تعمد بعضهم ذلك. وممن ذكر أن هذا الكتاب في الاستعداد الثاني ـ وهو الثالث في الحقيقة ـ الشيخ محمد باقر المحمودي في كتابه نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة5: 150. وهذا ما تؤكده السياقات المتكررة في المصادر التاريخية التي ذكرته. وقد تقدم هذا الكتاب أيضاً في الاستعداد الأول لمعركة صفين أيضاً، وهو بعيد، لأن ابن عباس كان آنذاك مع علي في الكوفة، وليس في البصرة.

صفحة 136

3ـ كتب إلى سعد بن مسعود، فأمره بالانضمام ومن معه من مقاتلة أهل الكوفة إلى زياد بن خصفة، الذي كلّفه بالإغارة على الشام في عملية استباقية تمهيدية.

قال الطبري: «قال أبو مخنف: إن علياً أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى سعد بن مسعود، عم المختار، رحمهما الله: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك زياد بن خصفة، فأشخص معه مَن قِبَلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجّل ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله»(1).

4 ـ بعث عليه السلام كتاباً إلى معاوية، يظهر من مضمونه أنه وعيد بالعودة إلى صفين (الثالثة).

قال ابن أبي الحديد: «ووقفتُ له عليه السلام على


(1) تاريخ الطبري4: 59. وقد ذكره في أحداث ما بعد التحكيم، وقبل النهروان، أي في الاستعداد الثاني لصفين أيضاً في أواخر سنة 37 هـ، لكن زياد بن خصفة لم يكن قد أغار على الشام في تلك السنة، لأنه كان مع أمير المؤمنين عليه السلام في الاستعداد الثاني واشترك في معركة النهروان سنة 38 هـ، وهو الذي قتل عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي.

صفحة 137

كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى» ومنه: «… ولئن أنسأ الله في أجلي، لأُغزينَّك سرايا المسلمين، ولأنهَدَّنَّ إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار، ثم لا أَقبلُ لك معذرة ولا شفاعة، ولا أجيبك إلى طلب وسؤال، ولتَرجِعَنّ إلى تحيُّرِك وتردُّدِك وتلدُّدِك، فقد شاهدتَ وأبصرتَ، ورأيت سُحُبَ الموت كيف هطَلت عليك بصَيِّبها، حتى اعتصمتَ بكتابٍ، أنت وأبوك أولُ من كفر وكذّب بنزوله، ولقد كنت تفرستُها وآذنتُك أنك فاعلها. وقد مضى ما مضى، وانقضى من كيدك فيها ما انقضى. وأنا سائرٌ نحوَك على أثر هذا الكتاب، فاختر لنفسك، وانظر لها وتداركْها، فإنك إن فرطت واستمرَرْتَ على غيك وغلوائك، حتى ينهدَّ إليك عبادُ الله، أُرتِجت عليك الأمور، ومُنعتَ أمراً هو اليوم

صفحة 138

منك مقبول»(1).

وهذا الوعيد الشديد من أمير المؤمنين عليه السلام مع تذكيره معاوية بما حصل له في صفين، وحيلته في رفع المصاحف، يقتضي بلا أدنى شك أن لديه جيشاً كبيراً وصفه بالقول: «في جحفل من المهاجرين والأنصار» وأنه الاستعداد الأخير للعودة إلى صفين، الذي أوقفته ضربة اللعين ابن ملجم لأمير المؤمنين عليه السلام.

وقد تقدم وعيده إياه غير مرة بجيشه العلوي من أهل العراق، بالقول: «فأنا مرقلٌ نحوك في جحفلٍ من المهاجرين والأنصار، شديدٌ زحامهم، ساطعٌ قتامهم…» (2).

* * *


(1) شرح نهج البلاغة15: 84. وعنه بحار الأنوار33: 125.

(2) نهج البلاغة 389.

صفحة 139

ما قاله الشيخ القرشي
في أصحاب عليعليه السلام

بعد هذه الجولة في ملاحم أصحاب علي وشيعته، من المناسب أن نذكر هنا كلمة حق قالها المرحوم الشيخ باقر شريف القرشي، وهي:

«إنّ الكوفة كانت مهداً للشيعة، وموطناً من مواطن العلويين، وقد أعلنت إخلاصها لأهل البيت في كثير من المواقف، فقد اندفعت جموع الثائرين تحت قيادة مالك الأشتر النخعي، أحد أعلام الشيعة، إلى يثرب، فحاصروا عثمان وأجهزوا عليه، وقاموا بترشيح الإمام للخلافة(1). وقد غُرست بذرة التشيع في


(1) لم يكن ترشيحاً ولا تنصيباً من أهل الكوفة، إنما كانت بيعة جماعية من المهاجرين والأنصار والتابعين من جميع الأمصار، إلا من شذّ، لكن ثقل الشيعة بالخصوص كان في الكوفة والبصرة، وبالخصوص الكوفة.

صفحة 140

الكوفة منذ خلافة عمر، فقد كان من ولاتها عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، فأخذا يُشيعان في أوساطها مآثر الإمام وفضائله، وما أثر عن النبي صلى الله عليه وآله في حقه، حتى تغذوا على حبه والولاء له. وقد خاض الكوفيون حرب الجمل وصفين مع الإمام(1)، وكانوا يقولون له:

«سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبُك وأنصارُك. نعادي من عاداك، ونشايع من أناب إليك وأطاعك»(2). وكان


(1) كما خاضوا غمار المعارك مع الخوارج، سواء في النهروان، أم غاراتهم المتلاحقة التي استمرت دون انقطاع بعد النهروان، وكان بعضها أشد وأصعب من يوم النهروان بكثير، كما في حركة الخريت بن راشد وغيره. وخاضوا معارك الغارات الغادرة التي كان يشنها معاوية على الناس العزّل في البوادي والقرى وطرق الحج، ينهب أموالهم، ويقتل من وجده من شيعة علي. ومثلها الغارات المقابلة التي شنها أصحاب علي على الشام، وكان آخرها غارة زياد بن خصفة، قبل أيام قلائل من شهادة أمير المؤمنين عليه السلام.

(2) تاريخ الطبري4: 60. انظر كذلك: الكامل في التاريخ3: 341. الإمامة والسياسة1: 125. نهاية الأرب20: 173.

صفحة 141

الإمام أمير المؤمنين يثني عليهم ثناءً عاطراً، فيرى أنهم أنصاره وأعوانه المخلصون له. يقول لهم: «يا أهل الكوفة، أنتم اخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، ومجيبي إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل».

ويقول عليه السلام: «الكوفة كنز الإيمان، وجمجمة الإسلام، وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء».

وقد خاض العراق أعنف المعارك وأشدها ضراوة من أجل أهل البيت، فانتقم من قتلتهم، وأخذ بثأرهم على يد الثائر العظيم المختار بن أبي عبيدة الثقفي(1). لقد كان


(1) وقبلها حركة سليمان بن صرد الخزاعي وأصحابه، الذين أطلقوا شرارة الثأر أولاً في الكوفة، وهي التي أسماها مؤرخو السلطة «ثورة التوّابين» ونسجوا حولها الأساطير والحكايات للإمعان في تخوين الشيعة، وتثبيت أكذوبة الخذلان والغدر والخيانة بحق أولئك الأعاظم. فهذه الثورة أُطلق عليها أولاً «ثورة التُّرابيِّين» كما في مروج الذهب للمسعودي. (انظر: مروج الذهب3: 94، 95 ). والترابيون، أو الترابية، لقب استعمله الأمويون بالخصوص للانتقاص من شيعة علي عليه السلام. فقد جاء في الرواية عن الصادق عليه السلام: «وسُمِّيتُم التُّرابية، وشيعة علي». (الكافي8: 80). وقد ورد في كتاب زياد إلى معاوية: «إنّ طواغيت من هذه الترابية السبئية، رأسهم حجر بن عدي، خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين…». (تاريخ الطبري4: 202). ولعلّ تخصيص سليمان بن صرد وأتباعه بهذا الوصف (التوابين)، لأنهم كانوا اثني عشرية، يقولون بإمامة الإمام السجاد عليه السلام في زمانه، وإلا يُفترض عدم التفريق بينهم وبين أتباع المختار، من جهة ما نسبوه إليهم من (الندم على خذلان الحسين) والتوبة من ذلك، لكن التاريخ خصّص وصف (التوابين) بسليمان وأصحابه دون أصحاب المختار، وكلهم من شيعة الكوفة. والثورات العراقية، والكوفية بالخصوص، في وجه الأمويين والعباسيين، لم تنقطع يوماً ولم تتوقف، لذلك حقّ للولاة والحكام الطغاة أن يصفوا هذا البلد بأهل الشقاق، إذ لم يقرّوا يوماً على ضيم أو ظلم، رغم ما حلّ بهم من فظائع القتل والتعذيب والتهجير وهدم الدور والإفقار والكبت والحرمان.

صفحة 142

اختيار الإمام للهجرة إلى الكوفة ناشئاً عما عُرف به أهل هذه المدينة من الولاء العميق لأهل البيت»(1).

***


(1) حياة الإمام الحسين3: 12.

صفحة 143

خلاصة موجزة

هذه نبذة تاريخية مختصرة جامعة، لما كان عليه أهلُ العراقَين، الكوفة والبصرة، في معارك علي عليه السلام طيلة أيام خلافته. ويمكن إيجاز ما ورد فيها في النقاط التالية:

1ـ أن الصفة العامة لهم كانت الولاء العميق لعلي عليه السلام والاعتقاد بإمامته الإلهية، وتشيعهم له. فقد كانوا يعتقدون أنه الوصي المنصّب من الله تعالى، وأنه الإمام المفترض الطاعة بالنص والتعيين الإلهي. وكان هؤلاء عمدة جيشه، وأمراءه وقادته وخواص أصحابه.

2 ـ كان إلى جانب هؤلاء من يعتقد أنه الخليفة الشرعي المنصوب بالشورى، لا بالنصّ والتعيين، لكنهم كانوا كسابقيهم تماماً

صفحة 144

من حيث الاعتقاد بوجوب طاعته، وحرمة معصيته، بل كان الكثير منهم يعتقد بأفضليته على سابقيه. لذا أطاعوا أمره، وجاهدوا بين يديه، وقاتلوا واستشهدوا، وأبلوا أحسن البلاء. وليس مستبعداً أن الكثير منهم تحول في زمانه إلى القول بالنص والتعيين بعد أن اتضحت له الكثير من الحقائق نتيجة لطول المعاشرة لعلي عليه السلام، والتأثر بعلمه ونوره وتربيته.

وهذا الأمر وإن لم يُصرح به في الحوادث التاريخية التي تقدمت، لكن يمكن استنتاجه، إما من التاريخ السابق لبعض هؤلاء، أو اللاحق. لكن لا يمكن المجازفة بالقول بأي نسبة مئوية لهم في جيش علي وأتباعه.

فلا معنى للتفصيل في صفات أصحاب علي عليه السلام من جهة الاعتقاد طالما ثبت وفاؤهم له وطاعته. فالغالبية الساحقة، سواء من

صفحة 145

المعتقدين بإمامته الإلهية، أم المعتقدين بخلافته وفق مبدأ الشورى، كانوا في أعلى مستويات الوفاء والاستعداد للتضحية، وكانوا على الدوام على أهبة الاستعداد للقتال، بل كثيراً ما كانوا يبادرون لذلك قبل أن ينتدبهم، كما رأينا.

3ـ بعد أن ثبت أن السواد الأعظم، والغالبية الساحقة من جيشه، كانوا من المخلصين الأوفياء، وغالب أهل الكوفة كذلك، فلا عبرة بعدُ بمن كان في جيشه من أصحاب المصالح، أو النوايا السيئة، أو غيرهم. ولا بالتيارات العقدية والدينية الأخرى في الكوفة، كالعثمانية والخوارج والنصارى وأمثالهم، فهؤلاء لا يمثلون (الهوية العامة) للكوفة، إنما هي أقليات وأفراد. فمن الخطأ القاتل، والتجنّي على التاريخ والحقيقة، اختزال اسم الكوفة بهؤلاء، وتوجيه الأنظار

صفحة 146

نحوهم على أنهم العنوان الأول، بل الحصري للكوفة. فالكوفة علوية الاعتقاد والولاء والميل والهوى، وما شذ لا يقاس عليه.

4ـ تبين مما سبق ـ بما لا يقبل الشك والتردد ـ أن أولئك الأصحاب، لم يعرفوا معنىً للدِّعة والراحة والهدوء طيلة الخلافة المباركة لأمير المؤمنين عليه السلام. فقد كانوا في كدّ وكدح وجهاد مستمر، ولم يذوقوا يوماً طعم الهدوء الاستقرار. فهم ما بين صائل في غارة، أو مدافع في أخرى، أو مقاتل في معركة، أو متأهّب لأخرى.

5 ـ من خلال الاستعراض والاستقراء السابق، لم نجد، ولو مرةً واحدة أنهم تقاعسوا أو تكاسلوا، أو ترددوا في الاستجابة له وتنفيذ أوامره.

6 ـ لم نشهد لهم هزيمة واحدة في معركة أو غارة على الإطلاق. حتى ما حصل مع

صفحة 147

أبي مريم السعدي من تراجع بعض أصحابه وثبات الباقين. فالحرب كرٌّ وفرّ، والعبرة بالخواتيم، فقد انتصر أصحابه في النهاية، وقضوا على حركة أبي مريم، وقتلوه.

7ـ لمسنا بوضوح، بشهادة الموالف والمخالف، الشجاعة الأسطورية لأصحاب علي عليه السلام، إذ وجدنا القلة القليلة منهم، التي تبلغ العشرات أحياناً، تقف في وجه المئات، بل الآلاف من أهل الشام، فتهزمهم شرّ هزيمة، كما حصل في الغارة على هيت والأنبار، وغيرها من الغارات.

8 ـ ثبت من خلال الواقع التاريخي السابق، أن أهل الشام، من أصحاب معاوية وابن العاص،كانوا يتحاشَون المواجهة مع شيعة علي عليه السلام وصحبه، ويفرّون منهم فرار الحُمُر من الآساد الضراغمة، متى ما سمعوا بذكرهم، وأينما تنسّموا ريحهم.

صفحة 148

وكان الأشتر قد وصفهم بالثعالب الرّواغة، ومعاشر الضِّباب. وذكر عليٌّ أنّ الضحاك بن قيس، لما سمع بجند الله الكوفيين قادمين نحوه، فرّ هارباً، ونكص نادماً، ونجا جريضاً، بعد أن أخذ منه بالمخنق، ولم يبق منه غير الرمق. كما فرّ بسر بن أرطاة من جارية بن قدامة وجيشه من أهل العراق. وكانت خيل أصحاب علي تلاحق الشاميين إلى تخوم الشام.

9ـ أفضل من وصف أصحاب علي عليه السلام بالشجاعة والإقدام، وأنهم رجال الله الذين أحبوا لقاءه، هو علي عليه السلام نفسه، وما بعد شهادته شهادة. فقد شهد لهم مراراً وتكراراً، بالبسالة، والنجدة، والصلاح، والحماس للقتال، وأنهم متسربلون سرابيل الموت، طمعاً في لقاء الله تعالى، وغير ذلك.

وقد أثنى عليهم فرادى وجماعاتٍ وقبائل،

صفحة 149

ومدح القيادات والجند معاً، ودعا لهم، وافتخر بهم، وشهد لهم بالخير، وتوعّدَ العدو بهم في مواطن عديدة.

10ـ لم نشهد في حياته عليه السلام أن أحداً من أهل الشام أو غيرهم، اقترب من الكوفة، لأنها كانت القلعة الحصينة المحمية بالآساد الضراغمة من أصحاب علي عليه السلام وشيعته. وكان أعداء علي عليه السلام أقل وأذل من أن يفكروا بالاقتراب منها.

11ـ ما من معركة ولا غارة، في شرق دولة علي عليه السلام أو غربها، إلا كان المدد فيها والنجدة من رجال العراق، لا سيما الكوفة، عاصمة علي عليه السلام وقلعته الحصينة. فكان العراق طيلة فترة خلافته، مصنع الرجال، ومنبع السرايا، ومصدر الجيوش المتوجهة إلى مختلف الجهات.

12 ـ كان علي عليه السلام رجل الحرب والقيادة

صفحة 150

والسياسة والتربية، وكان النموذج الأكمل في ذلك.

فقد كان يدير المعارك بنفسه: فهو الذي يحدد التوقيت، ويختار القادة، وعدد المقاتلين، ويصدر الأوامر الصارمة، والتوجيهات الدقيقة، بل يُشرف بنفسه على خطط المعارك وتفاصيلها الجزئية. وما من قائد بعثه في جيش، إلا أوصاه أو كتب له، وكان شديد المتابعة له أولاً بأول.

أما الحرب النفسية، فهو قائدها الأمثل، ورمزها الأكمل، بما يمتلك من تجارب متراكمة، ولسان ذرب فصيح، وعقل راجح، وعلم نافذ. فكان حريصاً على الهزيمة النفسية لعدوه قبل العسكرية.

وهنالك العديد من العناوين في هذا الجانب، مما يحتاج إلى دراسة مستقلة، لكننا نذكر منها على سبيل المثال: الوعيد الصادق،

صفحة 151

والإعداد للحرب مع إيهام الخصم بالتحرك في أي لحظة. وحث أنصاره على إنشاد الأشعار، وغير ذلك. مع بذل غاية الجهد في إبلاغ الحجة، والتأثير في نفوس مخالفيه بالتذكير والوعظ وإثارة العقول، والتشجيع على الانشقاق.

أما سيرته مع أنصاره وجنده، فنجد فيها الدعم المعنوي وشحذ الهمم. فكان يثني عليهم، ويدعو لهم، ويبشرهم بالجنة، ويصفهم بأجمل الأوصاف، ويثير في نفوسهم الحماس، ويعدهم بحسن العواقب، ويفعل كل ما من شأنه أن يدعمهم معنوياً، لإدراكه أهمية هذا العامل في تحقيق النصر.

أما الوعظ والإرشاد والنصح، فهو سيد المنابر، وإمام المواعظ، لا يجاريه في ذلك أحد، سوى المعصوم مثله. لكن المواعظ والنصائح في محلها، وقرارات وأوامر وضوابط

صفحة 152

ونظريات الحرب في محلها.

هذا هو علي عليه السلام كما نقل عنه التاريخ، وهذه صفاته التي نعتقد بها، وهذا جيشه وأتباعه وأنصاره وحزبه، وما عدا ذلك، مما نُسب إليه ولجنده وأهل ولايته، ما هو إلا حديث خرافة.

***

صفحة 153

مصادر ومراجع
الأجزاء الأربعة

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3. ابن أبي الحديد: عبد الحميد بن هبة الله. شرح نهج البلاغة. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية، مصر، الطبعة الثانية: 1387هـ ـ 1967م.
  4. ابن أعثم: أبو محمد، أحمد الكوفي. الفتوح. تحقيق: علي شيري. دار الأضواء، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى: 1411هـ ـ 1991م.
  5. ابن الأثير: عز الدين، أبو الحسن، علي بن أبي الكريم الشيباني الجزري. أسد الغابة في معرفة الصحابة. المطبعة الوهبية، القاهرة: 1285هـ .
  6. ابن الأثير: عز الدين، أبو الحسن، علي بن أبي الكريم الشيباني الجزري. الكامل في التاريخ. دار صادر، بيروت، لبنان: 1385هـ ـ 1965م.
  7. ابن الجوزي: أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبدالقادر عطا. مراجعة: نعيم زرزور. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى: 1412هـ ـ 1992م.
  8. ابن الدواداري: أبو بكر بن عبد الله بن أيبك. كنز الدرر وجامع الغرر. تحقيق: محمد السعيد جمال الدين. عيسى البابي الحلبي، مصر: 1402هـ ـ 1981.
  9. ابن الكلبي: جمهرة النسب. تحقيق: عبد الستار أحمد فراج. مطبعة حكومة الكويت، وزارة الإعلام: 1404هـ ـ 1983م.
صفحة 154
  1. ابن النديم: أبو الفرج، محمد بن أبي يعقوب الوراق. الفهرست. تحقيق: رضا تجددُّ المازندراني. طهران: 1391هـ ـ 1971م.
  2. ابن تغري بردى: جمال الدين، أبو المحاسن، يوسف الأتابكي. النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر.
  3. ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي. الثقات. تحقيق: الدكتور محمد عبد المعيد خان. دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى: 1393هـ ـ 1973م.
  4. ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد. الإصابة في تمييز الصحابة. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود. علي محمد معوض. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى: 1415هـ .
  5. ابن حيون: النعمان بن محمد. شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهارعليهم السلام. مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى: 1409هـ.
  6. ابن خياط: أبو عمرو، خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني البصري. تاريخ خليفة بن خياط. تحقيق: الدكتور سهيل زكار. دار الفكر، بيروت، لبنان: 1414هـ ـ 1993م.
  7. ابن خياط: أبو عمرو، خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني البصري. كتاب الطبقات. تحقيق: الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، لبنان: 1414هـ ـ 1993م.
  8. ابن سعد: محمد. الطبقات الكبرى. دار صادر ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى: 1968م. وكذلك الطبعة الأخرى بتحقيق الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى: 1421هـ ـ 2011م.
  9. ابن شهر آشوب: محمد بن علي المازندراني. مناقب آل أبي طالب. المطبعة العلمية، قم، الطبعة الأولى: 1421.
صفحة 155
  1. ابن طاوس: السيد رضي الدين، علي بن موسى بن جعفر. إقبال الأعمال. دار الكتب الإسلامية، طهران. الطبعة الثانية: 1409هـ.
  2. ابن عبد البر: أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى: 1412هـ ـ 1992م.
  3. ابن عساكر: أبو القاسم، علي بن الحسن الشافعي. تاريخ مدينة دمشق. تحقيق: علي شيري. دار الفكر، بيروت: 1415هـ ـ 1995م.
  4. ابن قتيبة الدينوري: أبو محمد، عبد الله بن مسلم. الشعر والشعراء. دار الحديث، القاهرة: 1423هـ .
  5. ابن قتيبة الدينوري: أبو محمد، عبد الله بن مسلم. الإمامة والسياسة. تحقيق: د. طه محمد الزيني. مؤسسة الحلبي، مصر: 1378هـ ـ 1967م.
  6. ابن كثير الدمشقي: أبو الفداء، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. دار هجر للطباعة والنشر. الطبعة الأولى: 1417هـ ـ 1420هـ .
  7. ابن ماكولا: أبو نصر، علي بن هبة الله. الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب. تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي. دائرة المعارف العثمانية، الهند، الطبعة الأولى: 1381هـ ـ 1961م.
  8. ابن مسكويه: أبو علي أحمد بن محمد الرازي. تجارب الأمم. تحقيق: الدكتور أبو القاسم إمامي. دار سروش للطباعة والنشر. طهران، الطبعة الثانية: 1422هـ ـ 2001م.
  9. ابن منظور: أبو الفضل، محمد بن مكرم بن علي. لسان العرب. دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة: 1414 هـ .
  10. الإسكافي: أبو جعفر، محمد بن عبد الله المعتزلي. المعيار والموازنة. تحقيق: محمد باقر المحمودي. الطبعة الأولى: 1402 هـ ـ 1981م.
صفحة 156
  1. الأشعري: أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق: هلموت ريتر. دار فرانز شتايز، ألمانيا، الطبعة الثالثة: 1400هـ ـ 1980م.
  2. الإصفهاني: أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد المرواني الأموي. الأغاني. دار إحياء التراث العربي.
  3. الآمدي: أبو القاسم، الحسن بن بشر. المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء. تحقيق: د. ف. كرنكو. دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى: 1411هـ ـ 1991م.
  4. الأمين: السيد محسن. أعيان الشيعة. تحقيق: حسن الأمين. دار التعارف، بيروت، لبنان.
  5. الأميني: الشيخ عبد الحسين. الوضاعون وأحاديثهم من كتاب الغدير. إعداد: رامي يوزبكي. مركز الغدير للدراسات الإسلامية. الطبعة الأولى: 1420 هـ ـ 1999م.
  6. الأندلسي: أبو عمر، شهاب الدين عمر بن عبد ربه. العقد الفريد. دار الكتب العلمية، بيروت 1404 هـ .
  7. البخاري: محمد بن إسماعيل. التاريخ الكبير. دائرة المعارف العثماني، حيدر آباد ـ الدكن.
  8. البراقي: السيد حسين بن أحمد النجفي. تاريخ الكوفة. تحقيق: ماجد بن أحمد العطية. نشر: المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف. المطبعة: شريعت، قم المقدسة، الطبعة الأولى: 1424هـ .
  9. البرقي: أحمد بن محمد. رجال البرقي (الطبقات). جامعة طهران، الطبعة الأولى: 1383هـ.
  10. البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر. أنساب الأشراف. تحقيق: الدكتور سهيل زكار، ورياض زركلي. دار الفكر، بيروت: 1417هـ ـ 1996م.
  11. البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر. فتوح البلدان. تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة: 1957م.
صفحة 157
  1. البيهقي: أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني (صاحب السنن). معرفة السنن والآثار. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. دار الوفاء، القاهرة، الطبعة الأولى: 1412هـ ـ 1991م.
  2. التستري: محمد تقي. قاموس الرجال. تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة. الطبعة الأولى: 1419هـ
  3. الثقفي: إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال. الغارات (الحسيني). تحقيق: عبد الزهراء الحسيني. دار الكتاب الإسلامي، قم، الطبعة الأولى: 1410هـ .
  4. الجاحظ: أبو عثمان، عمرو بن بحر. البيان والتبيين. تحقيق: فوزي عطوي الناشر: المكتبة التجارية الكبرى، مصر. الطبعة الأولى: 1345هـ ـ 1926م.
  5. الحموي: شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي. معجم البلدان. دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان: 1399هـ ـ 1979م.
  6. الحموي: شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي. معجم الأدباء. دار الفكر، بيروت، لبنان: 1400هـ ـ 19980م.
  7. الخوئي: أبو القاسم الموسوي. معجم رجال الحديث. مؤسسة الإمام الخوئي. الطبعة الخامسة.
  8. الدينوري: أبو حنيفة، أحمد بن داود. الأخبار الطوال. تحقيق: عبد المنعم عامر. دار إحياء الكتاب العربي، مصر، الطبعة الأولى: 1960م.
  9. الذهبي: شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام التدمري. دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية: 1413هـ ـ 1990م.
صفحة 158
  1. الذهبي: شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان. سير أعلام النبلاء. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة: 1413هـ ـ 1993م.
  2. الرضي: الشريف محمد بن الحسين الموسوي. نهج البلاغة. تحقيق: الدكتور صبحي الصالح. دار الكتاب المصري، القاهرةـ دار
  3. الزركلي: خير الدين، الأعلام. دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة: 1980م.
  4. الصدوق: محمد بن علي بن بابويه القمي. الأمالي. كتابجي، طهران، الطبعة السادسة: 1418هـ .
  5. الصفدي: صلاح الدين، خليل بن أيبك. الوافي بالوفيات. تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى. دار إحياء الكتاب العربي، بيروت، لبنان: 1420هـ ـ 2000م.
  6. الطبرسي: الميرزا حسين النوري: مستدرك الوسائل (الخاتمة). مؤسسة آل البيتعليهم السلام لإحياء التراث، مطبعة ستارة، قم، الطبعة الأولى: 1417هـ.
  7. الطبري: محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت، لبنان: الطبعة الرابعة: 1403 هـ ـ 1983م.
  8. الطوسي: أ بو جعفر محمد بن الحسن. الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد. مطبعة الخيام، قم: 1400هـ .
  9. الطوسي: أبو جعفر، محمد بن الحسن. الأمالي. دار الثقافة، قم، الطبعة الأولى: 1414هـ .
  10. الطوسي: أبو جعفر، محمد بن الحسن. رجال الطوسي. تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني. مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرسين بقم المقدسة. الطبعة الأولى: 1415هـ
  11. العاملي: الشيخ جمال الدين، يوسف بن حاتم بن فوز بن مهند الشامي المشغري. الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
صفحة 159
  1. العسكري: أبو هلال، الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد. كتاب الأوائل. دار البشير، طنطا، مصر، الطبعة الأولى: 1408هـ .
  2. القاضي: أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري. الآثار. تحقيق: أبو الوفا. نشر: لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر آباد الدكن، الهند. مصوَّر من دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  3. القرشي: باقر شريف. حياة الإمام الحسينعليه السلام دراسة وتحليل. نشر: مدرسة الإيرواني، قم، الطبعة الرابعة: 1413هـ ـ 1992م.
  4. الكراجكي: أبو الفتح، محمد بن علي. التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة. دار الغدير، قم، الطبعة الأولى: 1421هـ .
  5. الكراجكي: أبو الفتح، محمد بن علي. كنز الفوائد. نشر: مكتبة المصطفوي، مطبعة غدير، قم، الطبعة الثانية: 1412هـ.
  6. الكشي: محمد بن عمر. رجال الكشي. منشورات جامعة مشهد. الطبعة الأولى: 1409 هـ .
  7. الكليني: محمد بن يعقوب بن إسحاق. الكافي. دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة: 1407هـ.
  8. المبرد: أبو العباس، محمد بن يزيد، الكامل في اللغة والأدب. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثالثة: 1417هـ ـ 1997م.
  9. المرعشي النجفي: شهاب الدين. شرح إحقاق الحق. مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. قم.
  10. المزي: جمال الدين، أبو الحجاج، يوسف. تهذيب الكمال في أسماء الرجال. تحقيق: بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة: 1406هـ ـ 1985م.
  11. المسعودي: أبو الحسن، علي بن الحسين. مروج الذهب ومعادن الجوهر. دار الهجرة، قم، الطبعة الثانية: 1404هـ ـ 1984م.
صفحة 160
  1. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان العكبري. أقسام المولى في اللسان. تحقيق: الشيخ مهدي نجف. دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية: 1414هـ ـ 1993م.
  2. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان العكبري. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد. مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الطبعة الأولى: 1413هـ .
  3. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان العكبري. الجمل (أو النصرة في حرب البصرة). مكتبة الداوري، قم، الطبعة الثالثة. عن المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.
  4. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان. الأمالي. تحقيق: علي أكبر غفاري، والحسين استاد ولي. نشر: مؤتمر الشيخ المفيد. الطبعة الأولى: 1413هـ .
  5. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان. الفصول المختارة. مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الطبعة الأولى: 1413هـ .
  6. المفيد: محمد بن محمد بن النعمان. الكافئة في إبطال توبة الخاطئة. مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الطبعة الأولى: 1413هـ .
  7. المنقري: نصر بن مزاحم. وقعة صفين. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، الطبعة الثانية: 1404.
  8. النجاشي: أبو العباس، أحمد بن علي بن أحمد الأسدي الكوفي. فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي). تحقيق: السيد موسى الشبيري الزنجاني. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة. الطبعة الخامسة: 1416هـ .
  9. النويري: شهاب الدين، أحمد بن عبد الوهاب. نهاية الأرب في فنون الأدب. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة.
صفحة 161
  1. النيسابوري: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحاكم. المستدرك على الصحيحين، مع تضمينات الذهبي في التلخيص والميزان، والعراقي في أماليه، والمناوي في فيض القدير، وغيرهم. دراسة وتحقيق: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، مصطفى عبد القادر عطا. الطبعة الأولى: 1411هـ ـ 1990 م.
  2. اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر. تاريخ اليعقوبي. دار صادر، بيروت.
  3. صفوت: أحمد زكي. جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. الطبعة الثانية: 1381هـ ـ 1962م.
  4. طه حسين: علي وبنوه. دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة عشرة.
  5. محمد المعلم: الدرب السلطاني. بغداد: 2011م.
  6. مغنية: محمد جواد. في ظلال نهج البلاغة. دار العلم للملايين. الطبعة الثالثة: 1979م.
  7. البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر. أنساب الأشراف. تحقيق: الدكتور محمد حميد الله. دار المعارف، مصر: 1959م.
  8. الخرسان: محمد مهدي حسن الموسوي. موسوعة عبد الله بن عباس. مركز البحاث العقائدية. ستارة، قم، الطبعة الأولى: 1428هـ.

***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين