نصائح وتوجيهات

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 1
عدد الصفحات:102
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يضم هذا الكتيب أهم الوصايا والإرشادات الصادرة عن سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، والتي تغطي مفاصل حيوية في حياة الفرد والمجتمع.

أبرز المحاور:

  • بناء الجيل (الشباب والتعليم): يخصص الكتاب أقساماً لنصائح الشباب المؤمن لتعزيز هويتهم، وتوجيهات للأساتذة والمعلمين وأولياء الأمور لترسيخ دورهم في العملية التربوية وبناء جيل واعٍ يحمل الثقافة الإسلامية الاصيلة برواية أهل البيت صلوات الله عليهم.
  • المسؤولية الوطنية والجهادية: يتضمن نصائح وتوجيهات للمقاتلين المدافعين في ساحات الجهاد، مؤكداً على الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية أثناء أداء الواجب الوطني.
  • الخطاب الرسالي والشعائر: يضم التوصيات العامة للخطباء والمبلغين (لعام 1438 هـ)، بالإضافة إلى إرشادات خاصة حول الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين، لضمان إقامتها بروحانية وعمق فكري يعكس أهداف النهضة الحسينية.
  • التوجيهات المهنية (الأطباء): يحتوي على نصائح لنخبة من الأطباء تعزز من أخلاقيات المهنة وروح الخدمة الإنسانية.
  • إدارة الأزمات (جائحة كورونا): يفرد الكتاب قسماً خاصاً للإرشادات خلال الجائحة، متضمناً “فتوى التكافل الاجتماعي” ودعوات المكتب لرعاية الإجراءات الوقائية، مما يعكس دور المرجعية في حفظ النفس والمجتمع.

يُقدم هذا العمل صياغة منظمة لرؤية المرجعية الدينية في التعامل مع التحديات المعاصرة، مبرزاً الأبعاد الإنسانية والشرعية في توجيهاتها.

صفحة 1
cover image
صفحة 2

الكتاب  : نصائح وتوجيهات المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف)

إعداد  : السيد حسين البدري

الطبعة  : الثانية ـ 2021م

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

المطبعة  :

صفحة 3

كتاب فجر عاشوراء (1)

نصائح وتوجيهات

المرجع الديني الاعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف)

للمقاتلين ـ للشباب ـ للمعلمين ـ للاطباء ـ للمؤمنين حول الشعائر الحسينية وحول زيارة الاربعين

اعداد: السيد حسين البدري

صفحة 4

أمّا بعد فإنّني أوصي الشباب الأعزاء الذين يعنيني من أمرهم ما يعنيني من أمر نفسي وأهلي بوصايا هي تمام السعادة في هذه الحياة وما بعدها، وهي خلاصة رسائل الله سبحانه إلى خلقه وعظة الحكماء والصالحين من عباده، وما أفضت إليه تجاربي وانتهى إليه علمي

صفحة 5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمد وآله الطاهرين .

بعد ان كثرت الحاجة إلى مراجعة نصائح وتوجيهات المرجعية الدينية العليا المتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) للشباب وللمقاتلين وللاطباء وللمعلمين وللمؤمنين حول الشعائر الحسينية وفي مناسبة زيارة الاربعين ارتأت لجنة الاصدارات في مركز فجر عاشوراء ضرورة جمع تلك النصائح والتوجيهات المباركة في حلّة واحدة ليسهل مراجعتها والافادة منها وتكون هذه السطور الساطعة ملهمة لشبابنا نساء ورجالا في سبيل بناء الغد المشرق بنور الايمان والبصيرة والهدى.

النجف الاشرف

السيد حسين البدري

9 صفر الخير 1438 هجرية

صفحة 6
صفحة 7

نصائح وتوجيهات للشباب المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم

تحيّة طيبة للمرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف)

نحن جمعٌ من الشباب الجامعي ومن الذين ينشطون في المجال الاجتماعي، نرجو التفضّل علينا ببعض النصائح التي تنفعنا في هذه الأيّام والتي توضح دور الشباب وماذا يتطلّب منهم لكي يمارسوا دورهم، وغيرها من النصائح التي تنفعهم برأيكم الكريم.

جمعٌ من الشباب الجامعي والناشطين الاجتماعيين

صفحة 8

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أمّا بعد فإنّني أوصي الشباب الأعزاء ـــ الذين يعنيني من أمرهم ما يعنيني من أمر نفسي وأهلي ـــ بثمان وصايا هي تمام السعادة في هذه الحياة وما بعدها، وهي خلاصة رسائل الله سبحانه إلى خلقه وعظة الحكماء والصالحين من عباده، وما أفضت إليه تجاربي وانتهى إليه علمي:

الأولى : لزوم الاعتقاد الحق بالله سبحانه والدار الآخرة، فلا يفرطن أحدكم بهذا الاعتقاد بحال ٍ بعد أن دلّت عليه الأدلّة الواضحة وقضى به المنهج القويم، فكل كائن في هذا العالم ـــ إذا سبر الإنسان أغواره ـــ صنع بديع يدلّ على صانع قدير وخالق عظيم، وقد توالت رسائله سبحانه من خلال أنبيائه للتذكير بذلك، وقد أبان فيها عزّ وجل أنّ حقيقة هذه الحياة ـــ كما رسمها هو ـــ مضمار يبلو فيه عباده أيّهم أحسن عملاً، فمن حجب عنه وجود الله سبحانه والدار الآخرة فقد غاب عنه من الحياة معناها وآفاقها

صفحة 9

وعاقبتها وأظلمت عليه المسيرة فيها، فليحافظ كلّ واحد ٍ منكم على اعتقاده بذلك، وليجعله أعزّ الأشياء لديه كما هو أهمّها، بل يسعى إلى أن يزداد به يقيناً واعتباراً حتّى يكون حاضراً عنده، ينظر إليه بالبصيرة النافذة والرؤية الثاقبة، وعند الصباح يحمد القوم السرى.

وإذا وجد المرء من نفسه في برهة من عنفوان شبابه ضعفاً في دينٍ مثل تثاقلٍ عن فريضة ٍ أو رغبة ٍ في ملذّة ٍ فلا يقطعن ارتباطه بالله سبحانه وتعالى تماماً، فيصعّب على نفسه سبيل الرجعة، وليعلم أنّ الإنسان إذا تنكّر لأمر الله سبحانه في حالة الشعور بالقوّة والعافية اغتراراً بها فإنّه يؤوب إليه تعالى في مواطن العجز والضعف اضطراراً، فليتأمل حين عنفوانه ــ الذي لا يتجاوز مدّة محدودة ــ في ما هو مقبل عليه من مراحل الضعف والوهن والمرض والشيخوخة.

وإيّاه أن ينزلق إلى التشكيك في المبادئ الثابتة لتوجيه مشروعية ممارساته وسلوكه اقتفاءً لشبهات لم يصبر على متابعة البحث فيها، أو استرسالاً في الاعتماد على أفكارٍ غير ناضجة أو اغتراراً بملذّات هذه الحياة وزبرجها، أو امتعاضاً من إستغلال بعضٍ لاسم الدين

صفحة 10

للمقاصد الشخصيّة، فإنّ الحق لا يقاس بالرجال بل يقاس الرجال بالحق.

الثانية : الاتّصاف بحسن الخلق، فإنّه جامع للفضائل الكثيرة من الحكمة والتروّي والرفق والتواضع والتدبير والحلم والصبر وغيرها، وهو بذلك من أهمّ أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وأقرب الناس إلى الله سبحانه وأثقلهم ميزاناً في يوم ٍ تخفّ فيه الموازين هو أحسنهم أخلاقاً، فليُحسّن أحدكم أخلاقه مع أبويه وأهله وأولاده وأصدقائه وعامّة الناس، فإن وجد من نفسه قصوراً فلا يهملنّ نفسه بل يحاسبها ويسوقها بالحكمة إلى غايته، فإن وجد تمنّعاً منها فلا ييأس بل يتكلّف الخلق الحسن، فإنّه ما تكلّف امرؤٌ طباع قوم إلاّ كان منهم، وهو في مسعاه هذا أكثر ثواباً عند الله سبحانه ممّن يجد ذلك بطبعه.

الثالثة : السعي في إتقان مهنة و كسب تخصّص، وإجهاد النفس فيه، والكدح لأجله، فإنّ فيه بركات كثيرة يشغل به قسماً من وقته، وينفق به على نفسه وعائلته، وينفع به مجتمعه، ويستعين به على فعل الخيرات، ويكتسب به التجارب التي تصقل عقله وتزيد خبرته،

صفحة 11

ويطيب به ماله، فإنّ المال كلّما كان التعب في تحصيله أكثر كان أكثر طيباً وبركة، كما أنّ الله سبحانه وتعالى يحبّ الإنسان الكادح الذي يجهد نفسه بالكسب والعمل، ويبغض العاطل والمهمل ممّن يكون كلاّ ً على غيره، أو يقضي أوقاته باللهو واللعب، فلا ينقضينَّ شباب أحدكم من دون إتقان مهنة أو تخصّص ٍ فإنّ الله سبحانه جعل في الشباب طاقات ٍ نفسيّة ٍ و جسديّة ٍ ليكوّن المرء من خلالها رأس مال ٍ لحياته، فلا يضيعنّ بالتلهّي والإهمال.

وليهتم كلّ واحدٍ بمهنته وتخصّصه حتى يتقنها، فلا يقولنّ بغير علم ولا يعملنّ على غير خبرة، بل يعتذر فيما لا يستطيعه أو يعلمه أو فليرجع إلى غيره ممن هو أخبر منه، فإنّه أزكى له وأجلب للوثوق به، وليعمل عمله ووظيفته بنَفَسٍ واهتمام، وتذوّقٍ وإقبال، فلا يكون همّه مجرّد جمع المال ولو من غير حلّه، فإنّه لا بركة في المال الحرام، ومن جمع مالاً من غير حلّه لم يأمن من أن يفتح الله عليه من البلاء ما يضطرّ إلى إنفاقه فيه مع مزيد عناءٍ وابتلاء، فلا غنى به للمرء في الدنيا، وهو وبال عليه في الآخرة.

وليجعل نفسه ميزاناً بينه وبين غيره فيكون عمله لغيره على

صفحة 12

نحو ما يعمله لنفسه، ويحبّ أن يعمله له الآخرون، وليحسن كما يحب أن يُحسن الله سبحانه إليه، وليراع أخلاقيات المهنة ولياقاتها، فلا يتشبث بالطرق الوضيعة التي يستحي من أن يعلنها، وليعلم أن العامل والمتخصّص مؤتمن على عمله من قِبَل من يعمل له ويرجع إليه، فليكن ناصحاً له، وليحذرن خيانته من حيث لا يعلم، فإنّ الله تعالى رقيب عليه وناظر إلى عمله، ومستوفٍ منه إن عاجلاً أو آجلاً، وأنّ الخيانة والغدر لهما أقبح الأعمال عند الله سبحانه وأخطرها من حيث العواقب والآثار.

وليهتمّ الأطباء بين أهل المهن بمزيد اهتمام بهذه النصائح لأنهم يتعاملون مع نفوس الناس وأبدانهم، فليحذرن كل الحذر من تخطّى ما تقدّم فإنّه يؤول إلى سوء العاقبة وإنّ غداً لناظره قريب.

وقد قال سبحانه عزّ من قائل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : (إنّ الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وليهتم طلاّب العلم الجامعي والأساتذة فيه بالإحاطة بما يتعلّق

صفحة 13

بمجال تخصّصهم مما انبثق في سائر المراكز العلمية وخاصّة علم الطب حتّى يكون علمهم ومعالجتهم لما يباشرونه في المستوى المعاصر في مجاله، بل عليهم أن يهتمّوا بتطوير العلوم من خلال المقالات العلمية النافعة والاكتشافات الرائدة، ولينافسوا المراكز العلمية الأخرى بالإمكانات المتاحة، وليأنفوا من أن يكونوا مجرّد تلامذة لغيرهم في تعلّمها ومستهلكين للآلات والأدوات التي يصنعونها، بل يساهموا مساهمة فعّالة في صناعة العلم وتوليده وانتاجه، كما كان آباؤهم روّاداً فيها وقادةً لها في أزمنة سابقة، وليست أمة أولى من أمة بذلك، وعليكم برعاية القابليّات المتميّزة بين الناشئين والشباب ممّن يمتاز بالنبوغ ويبدو عليه التفوّق والذكاء حتّى إذا كان من الطبقات الضعيفة وأعينوهم مثل إعانتكم لأبنائكم حتّى يبلغوا المبالغ العالية في العلم النافع، فيكتب لكم مثل نتاج عملهم وينتفع به مجتمعكم وخلفكم.

الرابعة : التزام مكارم الأفعال والأخلاق وتجنّب مذامها، فما من سعادةٍ وخيرٍ إلاّ ومبناها فضيلة، وما من شقاء ٍ وشرّ ٍ ــ عدا ما يختبر الله به عباده ــ إلاّ ومنشؤهُ رذيلة، وقد صدق الله سبحانه إذ

صفحة 14

قال ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.

فمن الخصال الفاضلة: المحاسبة للنفس، والعفاف في المظهر والنظر والسلوك، والصدق في القول، والصلة للأرحام، والأداء للأمانة والوفاء بالعهود والالتزامات، والحزم في الحق، والترفع عن التصرّفات الوضيعة والسلوكيّات السخيفة.

ومن مذامّ الخصال: العصبيّات الممقوتة، والانفعالات السريعة،والملاهي الهابطة، ومراءاة الناس، والإسراف عند الغنى، والاعتداء عند الفقر، والتبرّم عند البلاء، والإساءة إلى الآخرين ولا سيّما الضعفاء، وهدر الأموال، وكفران النعم، والعزّة بالإثم، والإعانة على الظلم والعدوان، وحب المرء أن يُحمد على ما لم يفعله.

وأؤكد على الفتيات في أمر العفاف، فإنّ المرأة لظرافتها أكثر تأذّياً وتضرّراً بالسلبيات الناتجة عن عدم الحذر تجاه ذلك، فلا ينخدعن بالعواطف الزائفة ولا يلجن في التعلقات العابرة مما تنقضي ملذّتها، وتبقى مضاعفاتها ومنغّصاتها. فلا ينبغي للفتيات التفكير إلاّ في حياة مستقرّة تملك مقوّمات الصلاح والسعادة، وما أوقر المرأة المحافظة على ثقلها ومتانتها المحتشمة في مظهرها وتصرفاتها،

صفحة 15

المشغولة بأمور حياتها وعملها ودراستها.

الخامسة : الاهتمام بتكوين الأسرة بالزواج و الإنجاب من دون تأخير، فإنّ ذلك أنسٌ للإنسان ومتعة، وباعثٌ على الجدّ في العمل، وموجبٌ للوقار والشعور بالمسؤولية، واستثمارٌ للطاقات ليوم الحاجة ووقايةٌ للمرء عن كثيرٍ من المعاني المحظورة والوضيعة حتى ورد أنّ من تزوّج فقد أحرز نصف دينه، وهو قبل ذلك كلّه سنة لازمة من أوكد سنن الحياة وفطرة فطرت النفس عليها، لم يفطم امرؤ نفسه عنها إلاّ وقع في المحاذير وابتلى بالخمول والتكاسل، ولا يخافنّ أحدٌ فيه فقراً فإنّ الله سبحانه جعل في الزواج من أسباب الرزق ما لا يحتسبه المرء في بادىء نظره، وليهتم أحدكم بخلق من يتزوجها ودينها ومنبتها، ولا يبالغن في الاهتمام بالجمال والمظهر والوظيفة فإنّه اغترار سرعان ما ينكشف عنه الغطاء عند ما تفصح له الحياة عن جدّها واختباراتها، وقد ورد في الحديث التحذير من الزواج بالمرأة لمحض جمالها، وليعلم أنّ من تزوّج امرأة لدينها وخلقها بورك له فيها.

ولتحذر الفتيات وأولياؤهن من ترجيح الوظائف على تكوين

صفحة 16

الأسرة والاهتمام بها، فإنّ الزواج سنّة أكيدة في الحياة، والوظيفة أشبه بالنوافل والمتمّمات، وليس من الحكمة ترك تلك لهذه، ومن غفل عن هذا المعنى في ريعان شبابه ندم عليها عن قريب حين لا تنفعه الندامة، وفي تجارب الحياة شواهد على ذلك.

ولا يحلّ لأوليائهنّ عضلهن عن الزواج أو وضع العراقيل أمامه بالأعراف التي لم يلزم الله بها مثل المغالاة في المهور والانتظار لبني الأعمام أو السادات، فإنّ في ذلك مفاسد عظيمة لا يطلعون عليها، وليعلم أنّ الله سبحانه لم يجعل الولاية للآباء على البنات إلاّ للنصح لهن والحرص على صلاحهن و من حبس امرأة لغير صلاحها فقد باء بإثمٍ دائم ٍ ما دامت تعاني من آثار صنيعه وفتح على نفسه بذلك باباً من أبواب النيران.

السادسة : السعي في أعمال البرّ ونفع الناس ومراعاة الصالح العامّ ولا سيّما ما يتعلّق بشؤون الأيتام والأرامل والمحرومين، فإنّ فيها تنمية للإيمان وتهذيباً للنفس وزكاة لما أوتيه المرء من نعم وخيرات، وفيها سنّ للفضيلة وتعاون على البرّ والتقوى وأداء صامت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومساعدة لأولياء الأمور على حفظ

صفحة 17

النظام العامّ ورعاية المصالح العامة، وموجبٌ لتغيير حال المجتمع إلى الأفضل، فهو بركة في هذه الدنيا ورصيد للآخرة، وإنّ الله سبحانه يحبّ المجتمع المتكافل المتآزر الذي يهتّم المرء فيه بهموم إخوانه وبني نوعه ويحبّ لهم من الخير مثل ما يحبّ لنفسه.

وقد قال عزّ من قائل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، وقال:

[ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ]، وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه)، وقال أيضاً: (من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها).

السابعة : أن يُحسن كلّ امرئ وليَ شيئاً من شؤون الآخرين أمر ما تولاّه، سواء في الأسرة أو في المجتمع، فليُحسن الآباء رعاية أولادهم والأزواج رعاية أهاليهم وليتجنّبوا العنف والقسوة حتّى فيما اقتضى الموقف الحزم رعايةً للحكمة وحفاظاً على الأسرة والمجتمع ، فإنّ أساليب الحزم لا تنحصر بالإيذاء الجسدي أو الألفاظ النابية بل هناك أدوات ومناهج تربوية أخرى يجدها من بحث عنها

صفحة 18

وشاور أهل الخبرة والحكمة بشأنها، بل الأساليب القاسية كثيراً ما تؤدّي إلى عكس المطلوب بتجذّر الحالة التي يراد علاجها وانكسار الشخص الذي يُراد إصلاحه، ولا خير في حزم ٍ يقتضي ظُلماً، ولا في علاج لخطأٍ بخطيئة.

ومن ولّي أمراً من أمور المجتمع فليهتم به وليكن ناصحاً لهم فيه ولا يخونهم فيما يغيب عنهم من واجباته، فإنّ الله سبحانه متولٍّ لأمورهم وأمره جميعاً و سوف يسأله يوم القيامة سؤالاً حثيثاً، فلا ينفقن أموال الناس في غير حلّها، ولا يقرّرن قراراً في غير جهة النصح لهم، ولا يستغلّن موقعه لتكوين فئة وحزب يتستّر بعضهم على بعضٍ ويتبادلون المنافع المحظورة والأموال المشبوهة، ويزيحون الآخرين عن مواضع يستحقونها أو يمنعون عنهم خدمات يستوجبونها، وليكن عمله لجميع الناس على وجه واحد فلا يجعله سبيلاً للمجازاة على حقوق خاصّة عليه لقرابة أو إحسان أو غير ذلك، فإنّ وفاء الحقوق الخاصّة بالحق العام جور وفساد، فإن ساغ لك ترجيح أحد فعليك بترجيح الضعيف الذي لا حيلة له ولا جهة وراءهُ ولا معين له على أخذ حقّه إلاّ الله سبحانه. ولا يستظهرنّ

صفحة 19

أحد في توجيه عمله بدين أو مذهب، فإنّ الدين والمذاهب الحقّة قائمة على المبادئ الحقّة من رعاية العدل والإحسان والأمانة وغيرها، وقد قال الله سبحانه: [لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ]، وقال الإمام (عليه السلام): (إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في غير موطن : لنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ). فمن بنى على غير ذلك فقد زيّن لنفسه الأماني الزائفة والآمال الكاذبة، وأحقّ الناس بأئمة العدل كالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والإمام علي (عليه السلام)، والحسين الشهيد (عليه السلام) أعملهم بأقوالهم وأتبعهم لسيرتهم، وليلتزم المتولي لأمور الناس بمطالعة رسالة الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر عندما بعثه إلى مصر، فإنّها وصف جامع لمبادئ العدل وأداء الأمانة وهو نافعٌ للولاة ومن دونهم كلٌُّ بحسب ما يناسب حاله، وكلّما كان ما تولاّه المرء أوسع كان ذلك له ألزم وآكد.

الثامنة : أن يتحلّى المرء بروح التعلّم وهمّ الازدياد من الحكمة والمعرفة في جميع مراحل حياته ومختلف أحواله، فيتأمل أفعاله

صفحة 20

وسجاياه وآثارها وينظر في الحوادث التي تدور حوله ونتائجها، حتى يزداد في كلّ يوم معرفة وتجربة وفضلاً، فإنّ هذه الحياة مدرسة متعدّدة أبعادها، عميقة أغوارها، لا يستغني المرء فيها عن التزوّد من العلم والمعرفة والخبرة، ففي كلّ فعل وحدث دلالة وعبرة، وفي كلّ واقعة رسالة ومغزى، تفصح لمن تأمّلها عما ينتمي إليه من الظواهر والسنن، وتُمثّل ما يناسبها من العظات والعبر، فلا يستغني المرء فيها عن التزود من العلم والمعرفة والخبرة حتّى يلقى الله سبحانه، وكلّما كان المرء أكثر تبصّراً أغناه ذلك في معرفة الحقائق عن مزيد من التجارب والأخطاء. وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾، وقال لنبيّه (صلّى الله عليه وآله): (وقل ربّ زدني علماً).

وينبغي للمرء أن يأنس بكتبٍ ثلاثة يتزوّد منها بالتأمّل والتفكير:

أوّلها وأولاها : القرآن الكريم فهو آخر رسالة من الله سبحانه إلى خلقه وقد أرسلها إليهم ليثير دفائن العقول ويفجّر من خلالها ينابيع الحكمة، ويليّن بها قساوة القلوب، وقد بيّن فيها الحوادث ضرباً للأمثال، فعلى المرء أن لا يترك تلاوة هذا الكتاب على نفسه، يُشعرها أنّه يستمع إلى خطاب الله سبحانه له، فإنّه تعالى أنزل كتابه

صفحة 21

رسالة منه إلى جميع العالمين.

وثانيها : نهج البلاغة فإنّه على العموم تبيين لمضامين القرآن وإشاراته بأسلوب بليغ يُحفّز في المرء روح التأمل والتفكير والاتّعاظ والحكمة. فلا ينبغي للمرء أن يترك مطالعته كلّما وجد فراغاً أو فرصة، وليشعر نفسه بأنّه ممّن يخطب فيهم الإمام (عليه السلام) كما يتمنّاه، وليهتمّ برسالته (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) فإنّها جائت لمثل هذه الغاية.

وثالثها : الصحيفة السجّادية فإنّها تتضمّن أدعية بليغة تستمدّ مضامينها من القرآن الكريم وفيها تعليم لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من توجّهات وهواجس ورؤى وطموح، وبيان لكيفيّة محاسبته لنفسه ونقده لها ومكاشفتها بخباياها وأسرارها، ولا سيّما دعاء مكارم الأخلاق منها.

فهذه ثمان وصايا هي أصول الاستقامة في الحياة وأركانها ، وهي تذكرة ليس إلاّ، إذ يجد المرء عليها نور الحق وضياء الحقيقة وصفاء الفطرة وشواهد العقل وتجارب الحياة قد نبّهت عليها الرسائل الإلهية ومواعظ المتبصّرين، فينبغي لكلّ امرئ أن يأخذ بها أو يسعى إليها

صفحة 22

ولا سيّما الشباب الذين هم في عنفوان طاقتهم وقدراتهم الجسدية والنفسية والتي هي رأس مال الإنسان في الحياة، فإن فاتهم بعضها أو المرتبة العالية منها فليعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير، وإدراك البعض خير من فوات الكل، وقد قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

أسأل الله أن يوفقكم لما يفضي بكم إلى السعادة والسداد في الآخرة والأولى فإنّه وليّ التوفيق.

28/ ربيع الأول / 1437 هـ

المصدر: موقع المكتب الرسمي.

http://www.sistani.org/arabic/archive/25237

صفحة 23

نصائح وتوجيهات للاساتذة والمعلمين واولياء امور الطلاب

تناول ممثّلُ المرجعيّة الدينيّة العُليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الخطبة الثانيّة من صلاة الجمعة (21ذي الحجّة 1437هـ) الموافق لـ(23أيلول 2016م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف بإمامته جملةً من التوصيات للأساتذة والمدرّسين وأولياء أمور الطلبة، وكذلك للجهات المعنيّة بالتربيّة والتعليم في الحكومة بمناسبة قرب حلول العام الدراسيّ الجديد، التي من شأنها الارتقاء بالمستوى التعليميّ للطلبة حيث قال:

أيّها الإخوة والأخوات أودّ أن أبيّن بعض الأمور، ولكن قبل ذلك أودّ أن أذكّركم ما للتعليم والتربية من أهمّية في حياة الفرد والمجتمع، إذا أراد الإنسان -فرداً ومجتمعاً- الخير كلّه والسعادة والتقدّم والتطوّر والعزّة والكرامة والشرف عليه بالعلم والتربية، أمّا

صفحة 24

إذا تخلّى عن ذلك فليس له إلّا الشقاء والشرّ والذلّ والهوان والذلّ والتخلّف وبقيّة المصائب الناشئة من الجهل، فالعلم أصل الخير كلّه والجهل أصل الشرّ كلّه لذلك مع اقتراب بداية العام الدراسيّ الجديد أودّ أن أذكر الأمور التالية فنقول:

بمناسبة اقتراب بداية العام الدراسيّ الجديد نودّ أن نذكر لأعزّائنا الأساتذة والمعلّمين -وهذا الكلام موجّه للجميع من أساتذة الجامعات والمدرّسين والمدرّسات والمعلّمين والمعلّمات وأولياء أمور الطلبة والجهات المعنيّة بالتربية والتعليم في الحكومة- نذكر لأعزّائنا الأساتذة والمعلّمين وأولياء الطلّاب بعض الأمور.

أوّلاً:

ليعلم الإخوة الأساتذة في الجامعات والمدرّسون والمعلّمون أنّ مهنة التعليم والتربية تمثّل في بعض جوانبهما امتداداً لمهنة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) في تعليم الناس وتربيتهم، فاجعلوا -أيّها الأساتذة أيّها المعلّمون أيّها المدرّسون…- فاجعلوا مقصدكم والباعث لديكم هي النيّة الخالصة لله تعالى ليكون لكم بذلك الأجر في عملكم، ولتُجعَلَ ساعاتُ تعليمكم في ميزان حسناتكم.

صفحة 25

ثانياً:

المأمول من الإخوة الأساتذة والمعلّمين أن يلتفتوا الى أنّ هؤلاء الطلبة أمانةٌ في أعناقهم، هؤلاء الطلبة فلذّات أكبادنا، أيّها الأساتذة في الجامعات أيّها المدرّسون أيّها المعلّمون هؤلاء الطلبة أمانة في أعناقكم، فالآباء والأمّهات بل المجتمع بأكمله قد سلّموا اليكم عقول وقلوب هؤلاء تصوغونها بما تشاءُهُ أفكاركم وتعاليمكم، فأعيدوا هذه الأمانة صالحةً بالمبادئ والخلق الرفيع -كما سُلّمت- مصونةً من الجهل والانحراف وتذكّروا أن مهمّتكم لا تقتصر على التعليم المهنيّ في مجال اختصاصاتكم، بل مهمّتكم هي التعليم والتربية على الأخلاق الفاضلة والمواطنة الصالحة معاً، فلا ثمرةَ للتعليم بدون الأخلاق وتربية النفس على هذه القيم، والأستاذ الأكثر تأثيراً في طلبته هو الذي يبدأ بنفسه فيربّيها ويؤدّبها على محاسن الأخلاق ومحامد الصفات ويترجمها الى سلوك فعليّ أمام طلبته، ومن ذلك حسن التعامل مع الطلبة والتواضع لهم وعدم التعالي عليهم وسعة الصدر والتحمّل لهفواتهم وسلوكهم الخاطئ أحياناً، وذلك بإرشادهم بالحُسنى والموعظة الحسنة الى السلوك الصحيح

صفحة 26

وتنبيههم على ضرورة الاهتمام بأخلاقهم وسلوكيّاتهم كاهتمامهم بالحصول على الدرجات المتقدّمة في دروسهم، وهذا الكلام أيضاً نوجّهه اليكم يا أولياء الأمور للطلبة كما تهتمّون وتحرصون على أن ينال أولادكم الدرجات العالية في الدروس العلميّة والاختصاصية احرصوا واجهدوا أنفسكم في أن ينالوا المراتب العالية في الأخلاق وتربية النفس، فإنّ كلا الأمرَيْن مهمّان في حياتنا، وعلى المعلّم أن يحترم جميع الطلبة ولا يهين من لا يمتلك الذكاء العالي لتلقّي العلم، بل يعلّمه كيفيّة تطوير قابليّاته ليتقدّم في مسيرته العلميّة، وعليه أن يوضّح للطلبة -هذه نقطةٌ مهمّة أيضاً أرجو الالتفات اليها من أولياء الأمور ومن الطلبة ومن المعلّمين- وعليه أن يوضّح للطلبة أنّ النجاح في الدراسة….

أيّها الإخوة والأخوات ما هو معيار نجاحنا في الحياة هل أن ننال الدرجات العالية في دروس الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللّغة وغير ذلك من الدروس الاختصاصية؟ أم إنّه أمرٌ آخر؟ النجاح في الحياة له مفهومٌ أوسع وأكبر وعلينا أن نوضّح هذا المفهوم للطلبة في المدارس وأن نوضّحه للجميع وهو أمرٌ مهمّ حتى

صفحة 27

ننجح ونسعد في حياتنا الدنيا والآخرة، …وعليه أن يوضّح للطلبة أنّ النجاح في الدراسة مهمٌّ ولكنّه جزءٌ من النجاح الأكبر المطلوب في الحياة ألا وهو بناء العلاقة الصحيحة مع الله تعالى ومع بقيّة أفراد المجتمع، وامتلاك الشعور بالمسؤولية في أيّ موقع كان بعد التخرّج والقدرة على النجاح فيه، وبناء الأسرة الصالحة وخدمة المجتمع بصورةٍ صحيحة…، وهنا أودّ أن أُلفت النظر نحن نخاطب المعلّمين والأساتذة ونخاطبكم أيّها الإخوة والأخوات، فنحن نعيش تلك الحالة وهي أنّه كثيراً ما يأتي الطالب ويطلب منّا أن ندعو له بالنجاح في امتحانات الدراسة، والآباء والأمّهات حريصون على أن ينجح أولادهم في امتحانات الدراسة التخصّصية ولكن علينا أن نُفهم الطالب أنّ النجاح الأكبر المطلوب في الحياة -إضافةً الى النجاح في الدراسة التخصّصية- هو أن نبني العلاقة الصحيحة مع الله تعالى وأن نتعلّم كيف نبني أسرة صالحة، لا يكفي أن يكون الطبيب متفوّقاً في طبّه ولا يكفي أن يكون المهندس متفوّقاً في هندسته أو الفيزيائيّ في فيزيائيّته وغير ذلك، بل نحتاج الى طبيبٍ ينجح في بناء أسرةٍ صالحة ينجح في خدمة مجتمعه ومرضاه، والمهندس والمسؤول والسياسي أن

صفحة 28

ينجح في خدمة مجتمعه وأن يُدير الشؤون المكلَّف بها بنجاحٍ كبير، هذا هو النجاح الأكبر أمّا النجاح في الدراسة لوحدها دون تحقيق هذا النجاح الثاني فإنّه فشلٌ كبير، لذلك علينا أن نلتفت الى هذه المفاهيم ونغرسها في نفوس أبنائنا وجيلنا.

ثالثاً:

تذكّر -أيّها الأستاذ أيّها المعلّم- أنّ لديك أبناء يُدرّسهم أساتذةٌ ومعلّمون مثلك، (المعلّم والأستاذ والمدرّس أيضاً لديه أبناء يدرسون في المدراس والجامعات) فأحسن التعليم والتربية لتلاميذك وابذل كلّ ما بوسعك للارتقاء بمستوياتهم العلميّة، يُقيّض الله تعالى لأبنائك معلّمين يُحسنون اليهم، فالجزاء من جنس العمل، وتذكّر أنّ بين يديك -أيّها المعلّم أيّها المدرّس أيّها الأستاذ- تذكّر أنّ بين يديك جيل المستقبل الذي هو أمل مجتمعك، فأشعرْهم بذلك وبثّ في روحهم العزيمة والهمّة والاندفاع للتعلّم وحبّب اليهم وطنهم، -أيّها الأساتذة أيّها المعلّمون حبّبوا للطلبة وطنهم وبلدهم- وأيقظْ فيهم النخوة والحميّة ليكونوا بناةً صالحين لهذا الوطن.

نلتفت أيّها الإخوة -كما قلنا- لا نحتاج فقط الى التفوّق في

صفحة 29

الدراسة، المواطن الصالح الذي إذا تسلّم مسؤوليةً في البلد همّه أن يخدم بلده هذا هو البناء العلميّ الصحيح..، ليكونوا بناةً صالحين لهذا الوطن وقادةً أمناء لهذا الشعب لا قادةً فاسدين، -هذا هو الغرض من التعليم والتربية ليكونوا بناةً صالحين لهذا الوطن وقادةً أمناء لهذا الشعب-، وتذكّر أنّ أوقات الدوام هي حقٌّ للطلبة والتلاميذ وعليك استفراغها لتعليمهم وتربيتهم وليس لك أن تنتقص من حقّهم شيئاً، إنّ تأخّرك عن الدوام ولو قليلاً أو خروجك من المدرسة قبل نهايته خلافاً للتعليمات أو غيابك عن بعض الحصص التعليميّة من دون عذرٍ يعتبر تخلّفاً عن عقد توظيفك، والوفاء بالعقود واجبٌ شرعاً وأخلاقاً.

رابعاً:

المأمول من وزارة التربية أن توفّر مستلزمات الدراسة والتعليم لجميع المؤهّلين لذلك، وتعمل على تطوير قدرات المعلّمين والمدرّسين والاستفادة من البحوث المقدّمة من الباحثين المتخصّصين لتحديث أساليب التدريس، ودراسة أسباب هبوط المستوى العلمي وانخفاض نسب النجاح بصورة حادّة في بعض المدراس، وعلى الأجهزة

صفحة 30

التربويّة المعنيّة خلق جهازٍ تعليميّ وتربويّ قادر حقّاً على أداء هذه الرسالة العظيمة، وذلك بتوفير الرغبة الصادقة والحقيقيّة للمعلّمين لمهمّة التعليم والإيمان برسالة العلم والقدرة على حملها والإخلاص في أداء الواجب، فإنّ الاندفاع والرغبة لدى المعلّم والأستاذ تنعكس بكلّ تأكيد على التلاميذ الذين يتولّى تربيتهم وتعليمهم، وبذلك ينشط التلاميذ ويجعلهم يقبلون على الدرس بجدٍّ واشتياق.

خامساً:

نوجّه كلامنا لأولياء الأمور من الآباء والأمّهات فنقول: إنّ توفير فرصة التعليم لأبنائكم من ضروريّات الحياة وليس من كماليّاتها، ولا يصحّ أن يجعل ضعف الإمكانات ومحدوديّة الدخل المادّي مبرّراً لعدم توفير هذه الفرصة لهم فتوكّلوا على الله تعالى..، أيّها الآباء أيّتها الأمّهات خصوصاً الذين يُعانون من قلّة الدخل الماليّ ولا تتوفّر لهم الأموال لمعيشتهم وضرورات حياتهم، نقول: فتوكّلوا على الله تعالى واطلبوا منه العون والتسهيل ليُعينكم على تحمّل أعباء ذلك وفتح السبل معكم لتعلّم أبنائكم، فإنّ الله تعالى عند حسن ظنّ عبده به وهو رازقكم ومُعينكم في ذلك، وإذا كانت

صفحة 31

الضرورة تستلزم عمل أبنائكم لفقد ربّ الأسرة أو عجزه عن العمل ونحو ذلك فامنحوهم فرصة تقسيم أوقاتهم وجعل بعضها للعمل وبعضها للدراسة، كما كان عليه حال الكثير من العوائل في العقود السابقة.

إخواني لعلّ الكثير منا يتذكّر نصف يوم في الدراسة ونصف يوم في العمل، والآن الكثير من العوائل لفقد ربّ الأسرة أو ربّ الأسرة عاجز عن العمل يحتاجون لعمل أبنائهم، نعم.. يمكن حلّ ذلك اجعلوا نصف النهار للدراسة ونصفه للعمل، لا تحرموا أولادكم من فرصة التعلّم فهؤلاء الأبناء كما نرى في الكثير من الاستبيانات يعيشون الألم والحسرة أن تفوتهم فرصة التعلّم، هذا الطفل يُشاهد الطفل الآخر الذي هو من جيرانه أو الطفل الآخر الذي معه يحمل حقيبة المدرسة ويذهب الى المدرسة، هل تعلم أيّها الأب كم من الألم يُعاني هذا الطفل أن يُشاهد هذا الطفل الذي مثله في العمر يذهب الى المدرسة ويتعلّم وهو قد حُرم منها، لذلك هذه فرصة الآن يُمكن حلُّها بما ذكرناه.

وعليكم بالتواصل -أيّها الآباء والأمّهات- مع إدارات مدارس

صفحة 32

أولادكم فإنّه ضروريّ لنجاحهم وتقدّمهم وليس من الصحيح إهمال ذلك بعذر الانشغال بهموم الكسب والحياة، بل إنّ من أهمّ واجباتكم متابعة سلوك أولادكم وتوجيههم بالأسلوب الصحيح في علاقاتهم مع الآخرين، ماذا يقرأون؟ ماذا يشاهدون؟ مَنْ يصحبون؟ أيّها الآباء والأمّهات هؤلاء الأولاد مسؤوليّتهم في أعناقكم، تابعوا أولادكم كما تقضون الكثير من الوقت والجهد في التكسّب بأمور الدنيا، راقبوا أولادكم ماذا يقرأون؟ ماذا يشاهدون؟ من يصحبون؟ فهذه نقطة مهمّة، إسألْ عن ولدك من يُصاحب من يُزامل من يُراقب من يخرج معه في اللّيل؟ وعن بنتك من تُصاحب ومن تُرافق ومع من تخرج؟ فإنّ الكثير من الأخلاق والسيرة لهؤلاء الشباب والبنات إنّما تُكتسب من خلال العشرة والمصاحبة، لذلك كما عليكم توفير مستلزمات المعيشة لأولادكم عليكم توفير مستلزمات التربية الصالحة والنجاح في الحياة الدنيا والآخرة، فإنّهم كما هم أمانةٌ في أعناق معلّميهم هم أمانةٌ في أعناقكم وأنتم مسؤولون عنهم.

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للعمل النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ذلك سبيلاً للهداية والفلاح في الدنيا والآخرة إنّه سميعٌ مجيب،

صفحة 33

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

المصدر: موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=287&ser=2&lang=ar

صفحة 34

نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين .

أمّا بعد : فليعلم المقاتلون الأعزّة الذين وفّقهم الله عزّ وجلّ للحضور في ساحات الجهاد وجبهات القتال مع المعتدين:

1 ـ أنّ الله سبحانه وتعالى ـ كما ندب الى الجهاد ودعا إليه وجعله دعامةً من دعائم الدين وفضّل المجاهدين على القاعدين ــ فإنّه عزّ اسمه جعل له حدوداً وآداباً أوجبتها الحكمة واقتضتها الفطرة، يلزم تفقهها ومراعاتها، فمن رعاها حق رعايتها أوجب له ما قدّره من فضله وسنّه من بركاته، ومن أخلّ بها أحبط من أجره ولم يبلغ به أمله .

2 ـ فللجهاد آدابٌ عامّة لابدّ من مراعاتها حتى مع غير المسلمين، وقد كان النبيّ (ص) يوصي بها أصحابه قبل أن يبعثهم إلى القتال ، فقد صـحّ عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال : (كان رسول الله – صلّى الله عليه وآله ــ إذا أراد أن يبعث بسريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : لا تغلوا، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها).

3 ـ كما أنّ للقتال مع البغاة والمحاربين من المسلمين واضرابهم أخلاقاً وآداباً أُثرت عن الإمام علي (ع) في مثل هذه المواقف ، مما جرت عليه سـيرته وأوصى به أصحابه في خطـبه وأقواله، وقد أجمعت الأمّة على الأخذ بها وجعلتها حجّة فيما بينها وبين ربّها ، فعليكم بالتأسي به والأخذ بمنهجه، وقد قال (ع) في بعض كلامه مؤكّداً لما ورد عن النبي (ص) ـ في حديث الثقـلين والغدير وغيرهما ــ : (انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم ، فلن

صفحة 35

يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لَبدُوا فالبدُوا(1)، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا).

4 ـ فالله الله في النفوس، فلا يُستحلّن التعرّض لها بغير ما أحلّه الله تعالى في حال من الاحوال، فما أعظم الخطيئة في قتل النفوس البريئة وما أعظم الحسنة بوقايتها وإحيائها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه، وإنّ لقتل النفس البريئة آثاراً خطيرة في هذه الحياة وما بعدها ، وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين (ع) شدّة احتياطه في حروبه في هــذا الأمر ، وقد قـال في عهـده لمالك الأشـتر ــ وقد عُلِمت مكانتـُه عنده ومنزلـتُه لديه ــ ( إيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها فإنّه ليس شيء ادعى لنقمة واعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها والله سبحانه مبتدأ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة ، فلا تقويّن سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك مما يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لانّ فيه قود


(1) لبد : أقام ، أي إن أقاموا فأقيموا .

صفحة 36

البدن ).

فإن وجدتم حالة مشتبهة تخشون فيها المكيدة بكم ، فقدّموا التحذير بالقول أو بالرمي الذي لا يصيب الهدف أو لا يؤدّي إلى الهلاك، معذرةً إلى ربّكم واحتياطاً على النفوس البريئة.

5 ـ الله الله في حرمات عامّة الناس ممن لم يقاتلوكم، لاسيّما المستضعفين من الشيوخ والولدان والنساء، حتّى إذا كانوا من ذوي المقاتلين لكم ، فإنّه لا تحلّ حرمات من قاتلوا غير ما كان معهم من أموالهم.

وقد كان من سيرة أمير المؤمنين (ع) أنّه كان ينهى عن التعرّض لبيوت أهل حربه ونسائهم وذراريهم رغم إصرار بعض من كان معه ــ خاصّة من الخوارج ــ على استباحتها وكان يقول : ( حارَبنا الرجال فحاربناهم ، فأمّا النساء والذراري فلا سبيل لنا عليهم لأنهن مسلمات وفي دار هجرة ، فليس لكم عليهن سبيل، فأمّا ما أجلبوا عليكم واستعانوا به على حربكم وضمّه عسكرهم وحواه فهو لكم ، وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض الله تعالى لذراريهم ، وليس لكم عليهنّ ولا على الذراري من سبيل).

صفحة 37

6 ـ الله الله في اتهام الناس في دينهم نكاية بهم واستباحة ً لحرماتهم ، كما وقع فيه الخوارج في العصر الأول وتبعه في هذا العصر قوم من غير أهل الفقه في الدين، تأثراً بمزاجياتهم وأهوائهم وبرّروه ببعض النصوص التي تشابهت عليهم، فعظم ابتلاء المسلمين بهم.

واعلموا إنّ من شهد الشهادتين كان مسلماً يُعصم دمُه ومالُه وإن وقع في بعض الضلالة وارتكب بعض البدعة، فما كلّ ضلالة بالتي توجب الكفر، ولا كلّ بدعة تؤدي إلى نفي صفة الاسلام عن صاحبها، وربما استوجب المرء القتل بفساد أو قصاص وكان مسلماً .

وقد قال الله سبحانه مخاطباً المجاهدين : (يا أيّها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا). واستفاضت الآثار عن أمير المؤمنين (ع) نهيه عن تكفير عامّة أهل حربه ـ كما كان يميل إليه طلائع الخوارج في معسكره ــ بل كان يقول انهم قوم وقعوا في الشبهة، وإن لم يبرّر ذلك صنيعهم ولم يصح عُذراً لهم في قبيح فعالهم ، ففي الأثر المعتبر عن الامام الصادق عن ابيه (عليهما السلام): (أنّ

صفحة 38

علياً (ع) لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: هم اخواننا بغوا علينا )، (وكان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم نقاتلهم على التكفير لنا).

7 ـ وإياكم والتعرّض لغير المسلمين أيّاً كان دينه ومذهبه فإنّهم في كنف المسلمين وأمانهم، فمن تعرّض لحرماتهم كان خائناً غادراً، وإنّ الخيانة والغدر لهي أقبح الأفعال في قضاء الفطرة ودين الله سبحانه، وقد قال عزّ وجلّ في كتابه عن غير المسلمين ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا اليهم إنّ الله يحب المقسطين ). بل لا ينبغي ان يسمح المسلمُ بانتهاك حرُمات غير المسلمين ممّن هم في رعاية المسلمين، بل عليه أن تكون له من الغيرة عليهم مثل ما يكون له على أهله، وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه لما بعث معاوية (سفيان بن عوف من بني غامد) لشن الغارات على أطراف العراق ـ تهويلاً على أهله ـ فأصاب أهل الأنبار من المسلمين وغيرهم، اغتمّ أمير المؤمنين (ع) من ذلك غمّاً شديداً ، وقال في خطبةٍ له: ( وهذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار وقد

صفحة 39

قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها ، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقـُلَبها(1) وقلائدها ورعاثها(2)، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام ، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم ، ولا أريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً).

8 ـ الله الله في أموال الناس، فإنه لا يحل مال امرئ مسلم لغيره إلاّ بطيب نفسه ، فمن استولى على مال غيـره غصـباً فإنّما حاز قطـعة من قطـع النيران، وقد قال الله سبحانه : (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً). وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنه قال: (من اقتطع مال مؤمن غصباً بغير حقه لم يزل الله معرضاً عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البرّ والخير لا يثبتها في حسناته حتى يتوب ويردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه).


(1) اي سوارها .

(2) اي قرطها

صفحة 40

وجاء في سيرة أمير المؤمنين (ع) أنه نهى أن يُستحلّ من أموال من حاربه إلاّ ما وجد معهم وفي عسكرهم ، ومن أقام الحجّة على أن ما وجد معهم فهو من ماله أعطى المال إيّاه، ففي الحديث عن مروان بن الحكم قال : ( لمّا هَزَمنا عليٌ بالبصرة ردّ على الناس أموالهم من أقام بيّنة أعطاه ومن لم يقم بيّنةٍ أحلفه ).

9 ـ الله الله في الحرمات كلّها، فإيّاكم والتعرّض لها أو انتهاك شيء منها بلسان أو يد ، واحذروا أخذ امرئ بذنب غيره، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ، ولا تأخذوا بالظنّة وتشبهوه على أنفسكم بالحزم ، فإنّ الحزم احتياط المرء في أمره، والظنة اعتداء على الغير بغير حجّة، ولا يحملنّكم بغض من تكرهونه على تجاوز حرماته كما قال الله سبحانه: ( ولا يجرمنّكم شنآن قوم ٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .

وقد جاء عـن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال في خطبة له في وقعة صفّين في جملة وصاياه : ( ولا تمثّلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذىً وان

صفحة 41

شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم )، وقد ورد أنه (ع) في حرب الجمل ــ وقد انتهت ــ وصل إلى دار عظيمة فاستفتح ففُتحت له، فإذا هو بنساءٍ يبكين بفناء الدار، فلمّا نظرن إليه صحن صيحة واحدة وقلن هذا قاتل الأحبّة، فلم يقل شيئاً، وقال بعد ذلك لبعض من كان معه مشيراً إلى حجرات كان فيها بعض رؤوس من حاربه وحرّض عليه كمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير: ( لو قتلت الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة ).

كما ورد أنه (ع) قال في كلام له وقد سمع قوماً من أصحابه كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق يسبّون أهل الشام أيّام حربهم بصفين: ( اني أكره لكم ان تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم ( اللهم احقن دماءنا ودمائهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتّى يعرف الحقّ من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به) فقالوا له يا أمير المؤمنين: نقبل عِظتك ونتأدّب بأدبك ).

10 ـ ولا تمنعوا قوماً من حقوقهم وإن أبغضوكم ما لم يقاتلوكم،

صفحة 42

وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين (ع) أنه جعل لأهل الخلاف عليه ما لسـائر المسـلمين ما لم يحـاربوه، ولم يبدأهم بالحرب حتّى يكونوا هم المبتدئين بالاعتداء ، فمن ذلك أنّه كان يخطب ذات مرّة بالكوفة فقام بعض الخوارج وأكثروا عليه بقولهم ( لا حكم إلاّ لله ) فقال : (كلمة حقّ يراد بها باطل ، لكم عندنا ثلاث خصال : لا نمنعكم مساجد الله ان تصلّوا فيها ، ولا نمنعكم الفيء ما كانت ايديكم مع أيدينا ، ولا نبدأكم بحربٍ حتى تبدؤونا به ).

11 ـ واعلموا أنّ أكثر من يقاتلكم إنّما وقع في الشبهة بتضليل آخرين ، فلا تعينوا هؤلاء المضلّين بما يوجب قوّة الشبهة في أذهان الناس حتّى ينقلبوا أنصاراً لهم، بل ادرؤوها بحسن تصرّفكم ونصحكم واخذكم بالعدل والصفح في موضعه، وتجنب الظلم والإساءة والعدوان، فإنّ من درأ شبهة عن ذهن امرئ فكأنّه أحياه ، ومن أوقع امرئ في شبهة من غير عذر فكأنه قتله.

ولقد كان من سيرة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) عنايتهم برفع الشبهة عمّن يقاتلهم، حتّى إذا لم تُرج الاستجابة منهم، معذرة منهم إلى الله، وتربيةً للأمة ورعايةً لعواقب الأمور، ودفعاً للضغائن

صفحة 43

لاسيّما من الأجيال اللاحقة، وقد جاء في بعض الحديث عن الصادق (ع) أنّ الامام عليّاً (ع) في يوم البصرة لما صلا الخيول قال لأصحابه : ( لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم ، فقام اليهم، فقال : يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جورة في الحكم؟ قالوا : لا ، قال : فحيفاً في قسم ؟ قالوا : لا . قال : فرغبة في دنيا أصبتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي ؟ قالوا : لا ، قال فاقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟ قالوا : لا ). وعلى مثل ذلك جرى الإمام الحسين (ع) في وقعة كربلاء، فكان معنيّاً بتوضيح الأمور ورفع الشبهات حتّى يحيا من حيّ عن بينّة ويهلك من هلك عن بيّنة، بل لا تجوز محاربة قوم في الإسلام أيّاً كانوا من دون إتمام الحجّة عليهم ورفع شبهة التعسّف والحيف بما أمكن من أذهانهم كما أكّدت على ذلك نصوص الكتاب والسنة .

12 ـ ولا يظنّن أحدٌ أن في الجور علاجاً لما لا يتعالج بالعدل، فإنّ ذلك ينشأُ عن ملاحظة بعض الوقائع بنظرة عاجلة إليها من غير انتباه إلى عواقب الأمور ونتائجها في المدى المتوسط والبعيد، ولا إطّلاع على سنن الحياة وتاريخ الأمم ، حيث ينبّه ذلك على عظيم

صفحة 44

ما يخلفه الظلم من شحنٍ للنفوس ومشاعر العداء مما يهدّ المجتمع هدّاً، وقد ورد في الأثر: (أنّ من ضاق به العدل فإنّ الظلم به أضيق)، وفي أحداث التاريخ المعاصر عبرةٌ للمتأمل فيها ، حيث نهج بعض الحكّام ظلم الناس تثبيتاً لدعائم ملكهم، واضطهدوا مئات الآلاف من الناس ، فأتاهم الله سبحانه من حيث لم يحتسبوا حتّى كأنّهم أزالوا ملكهم بأيديهم .

13 ـ ولئن كان في بعض التثبّت وضبط النفس وإتمام الحجّة ــ رعاية للموازين والقيم النبيلة ــ بعض الخسارة العاجلة أحياناً فإنّه أكثر بركة وأحمد عاقبة وأرجى نتاجاً، وفي سيرة الأئمة من آل البيت ( عليهم السلام ) أمثلة كثيرة من هذا المعنى، حتّى أنهم كانوا لا يبدؤون أهل حربهم بالقتال حتى يبدؤوا هم بالقتال وإن أصابوا بعض أصحابهم ، ففي الحديث أنه لما كان يوم الجمل وبرز الناس بعضهم لبعض نادى منادى أمير المؤمنين (ع) : (لا يبدأ أحدٌ منكم بقتالٍ حتّى آمركم) ، قال بعض أصحابه: فرموا فينا، فقلنا يا أمير المؤمنين: قد رُمينا ، فقال: (كفّوا) ، ثم رمونا فقتلوا منّا ، قلنا يا أمير المؤمنين : قد قتلونا، فقال : (احملوا على بركة الله)، وكذلك فعل

صفحة 45

الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء.

14 ـ وكونوا لمن قِبَلكم من الناس حماة ناصحين حتى يأمنوا جانبكم ويعينوكم على عدوّكم ، بل أعينوا ضعفاءهم ما استطعتم، فإنّهم إخوانكم وأهاليكم، واشفقوا عليهم فيما تشفقون في مثله على ذويكم، واعلموا أنّكم بعين الله سبحانه، يحصي أفعالكم ويعلم نياتكم ويختبر احوالكم.

15 ـ ولا يفوتنكم الاهتمام بصلواتكم المفروضة، فما وفد امرئٌ على الله سبحانه بعمل يكون خيراً من الصلاة، وإنّ الصلاة لهي الأدب الذي يتأدّب الانسان مع خالقه والتحية التي يؤديها تجاهه، وهي دعامة الدين ومناط قبول الأعمال، وقد خففها الله سبحانه بحسب مقتضيات الخوف والقتال، حتى قد يكتفى في حال الانشغال في طول الوقت بالقتال بالتكـبيرة عن كل ركـعة ولو لم يكن المرء مسـتقبلاً للقبلة كما قال عزّ من قائل : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ، فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون ).

على أنه سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم

صفحة 46

وأسلحتهم ولا يجتمعوا للصلاة جميعاً بل يتناوبوا فيها حيطةً لهم. وقد ورد في سيرة أمير المؤمنين وصيته بالصلاة لأصحابه، وفي الخبر المعتبر عن أبي جعفر الباقر (ع) قال في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة: (يصلّي كل إنسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه وإن كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال ، فإنّ أمير المؤمنين (ع) صلى ليلة صفّين ـ وهي ليلة الهرير ـ لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء ـ عند وقت كل صلاة ـ إلاّ التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء، فكانت تلك صلاتهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة).

16 ـ واستعينوا على أنفسكم بكثرة ذكر الله سبحانه وتلاوة كتابه واذكروا لقاءكم به ومنقلبكم اليه، كما كان عليه أمير المؤمنين (ع) ، وقد ورد انه بلغ من محافظته على وِرده أنه يُبسط له نطعٌ بين الصفين ليلة الهرير فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته.

17 ـ واحرصوا أعانكم الله على أن تعملوا بخُلُق النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم) مع الآخرين في الحرب والسلم جميعاً، حتّى

صفحة 47

تكونوا للإسلام زيناً ولقيمه مَثَلاً ،فإنّ هذا الدين بُنِيَ على ضياء الفطرة وشهادة العقل ورجاحة الأخلاق ، ويكفي منبّهاً على ذلك أنه رفع راية التعقل والأخلاق الفاضلة، فهو يرتكز في أصوله على الدعوة إلى التأمل والتفكير في أبعاد هذه الحياة وآفاقها ثم الاعتبار بها والعمل بموجبها كما يرتكز في نظامه التشريعي على إثارة دفائن العقول وقواعد الفطرة ، قال الله تعالى: ( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها) وقال أمير المؤمنين (ع): ( فبعث ـ الله ـ فيهم رسله وواتر انبياءه اليهم ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّرهم منسيّ نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول)، ولو تفقّه أهل الإسلام وعملوا بتعاليمه لظهرت لهم البركات وعمّ ضياؤها في الآفاق، وإياكم والتشبّث ببعض ما تشابه من الاحداث والنصوص فإنّها لو ردّت إلى الذين يستنبطونه من أهل العلم ــ كما أمر الله سبحانه ــ لعلموا سبيلها ومغزاها.

18 ـ وإيّاكم والتسرّع في مواقع الحذر فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، فإنّ أكثر ما يراهن عليه عدوّكم هو استرسالكم في مواقع

صفحة 48

الحذر بغير تروٍّ واندفاعكم من غير تحوّط ومهنيّة، واهتموا بتنظيم صفوفكم والتنسيق بين خطواتكم ، ولا تتعجّلوا في خطوة ٍ قبل إنضاجها وإحكامها وتوفير ادواتها و مقتضياتها وضمان الثبات عليها والتمسك بنتائجها، قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا) ، وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) ، وكونوا أشدّاء فوق ما تجدونه من أعدائكم فإنكم أولى بالحق منهم ، وإن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون، اللهم إلا رجاءً مدخولاً وأماني كاذبة واوهاماً زائفة كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً ،حجبتهم الشبهات بظلمـائها وعميت بصائرهم بأوهامها .

19 ـ هذا وينبغي لمن قِبَلكم من الناس ممّن يتترس بهم عدوّكم أن يكونوا ناصحين لحماتهم يقدّرون تضحياتهم ويبعدون الأذى عنهم ولا يثيرون الظنة بأنفسهم ، فإنّ الله سبحانه لم يجعل لأحد ٍ على آخر حقّاً إلاّ وجعل لذاك عليه حقّاً مثله ، فلكلّ ٍ مثل ما عليه بالمعروف.

صفحة 49

واعلموا أنكم لا تجدون أنصح من بعضكم لبعض إذا تصافيتم واجتمعتم فيما بينكم بالمعروف حتى وان اقتضى الصفح والتجاوز عن بعض الأخطاء بل الخطايا وإن كانت جليلة ، فمن ظّن غريباً أنصح له من أهله وعشيرته وأهل بلده ووالاه من دونهم فقد توهّم ، ومن جرّب من الأمور ما جُرّبت من قبل أوجبت له الندامة. وليعلم أن البادئ بالصفح له من الاجر مع أجر صفحه أجر كل ما يتبعه من صفح وخير وسداد، ولن يضيع ذلك عند الله سبحانه، بل يوفيه إيّاه عند الحاجة إليه في ظلمات البرزخ وعرصات القيامة. ومن أعان حامياً من حماة المسلمين أو خلفه في أهله وأعانه على أمر عائلته كان له من الأجر مثل أجر من جاهد.

20 ـ وعلى الجميع أن يدعوا العصبيات الذميمة ويتمسّكوا بمكارم الأخلاق، فإنّ الله جعل الناس أقواماً وشعوباً ليتعارفوا ويتبادلوا المنافع ويكون بعضهم عوناً للبعض الآخر , فلا تغلبنّكم الأفكار الضيقة والانانيات الشخصيّة، وقد علمتم ما حلّ بكم وبعامّة المسلمين في سائر بلادهم حتّى أصبحت طاقاتهم وقواهم وأموالهم وثرواتهم تُهدر في ضرب بعضهم لبعض، بدلاً من استثمارها في مجال

صفحة 50

تطوير العلوم واستنماء النعم وصلاح أحوال الناس. فاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة، أمّا وقد وقعت الفتنة فحاولوا إطفاءها وتجنّبوا إذكاءها واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، واعلموا أنّ الله إن يعلم في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم، إنّ الله على كلّ شيء ٍ قدير .

صدر في الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر عام 1436 هـ,

المصدر: موقع المكتب الرسمي.

http://www.sistani.org/arabic/archive/25034

صفحة 51

توصيات عامّة للخطباء والمبلّغين في شهر المحرّم الحرام لعام 1438 هـ

بسم اله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

((ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب))

يطل علينا شهر محرم الحرام ونستذكر من خلاله اعظم حركة قادها المصلحون في مجال تطوير المجتمعات وبعث ارادة الامم واصلاح الاوضاع، الا وهي الحركة الحسينية المباركة، واستذكار هذه الحركة المباركة يلقي على عواتقنا نحن اتباع الامام الحسين بن علي (عليه السلام) مسؤولية كبرى وهي مسؤولية الحفاظ على استمرار هذه الحركة وترسيخ اثارها وابعادها في النفوس والقلوب، ولا يخلو انسان حسيني من نوع من مسؤولية سواء كان

صفحة 52

عالما دينيا او مثقفا او متخصصا في مجال من مجالات العلوم المادية والانسانية المختلفة، فكل منا يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذه الثورة الحسينية المباركة من خلال اصلاح نفسه واهله واسرته ومن خلال قيامه بتوعية المجتمع الذي حوله بأهمية هذه الحركة وعظمة هذا المشروع الحسيني العظيم، ولكن الخطباء يتحملون المسؤولية الكبرى بلحاظ انهم يجسدون الوجه الاعلامي لحركة عاشوراء ولمشروع سيد الشهداء (عليه السلام) ، ولذلك نحتاج ان نتوقف قليلا لنتساءل: هل ان المنبر الحسيني يقوم بتجسيد وتفعيل هذه المسؤولية بما ينسجم مع مقتضيات الزمان ومستجدات العصر بحيث يحقق الاثار الحسينية الشريفة في النفوس والقلوب؟

وانطلاقا من هذه النقطة نستذكر بعض الارشادات والنصائح لكل من يعلو منبر سيد الشهداء (عليه السلام) :

1- تنوع الاطروحات، فان المجتمع يحتاج الى موضوعات روحية وتربوية وتاريخية وهذا يقتضي ان يكون الخطيب متوفرا على مجموعة من الموضوعات المتنوعة في الحقول المتعددة تغطي بعض حاجة المسترشدين من المستمعين وغيرهم.

صفحة 53

2- ان يكون الخطيب مواكبا لثقافة زمانه، وهذا يعني استقراء الشبهات العقائدية المثارة بكل سنة بحسبها واستقراء السلوكيات المتغيرة في كل مجتمع وفي كل فترة تمر على المؤمنين، فان مواكبة ما يستجد من فكر او سلوك او ثقافة تجعل الالتفاف حول منبر الحسين (عليه السلام) حيا جديدا ذا تاثير وفاعلية كبيرة.

3- تحري الدقة في ذكر الآيات القرآنية او نقل الروايات الشريفة من الكتب المعتبرة او حكاية القصص التاريخية الثابتة حيث ان عدم التدقيق في مصادر الروايات او القصص المطروحة يفقد الثقة بمكانة المنبر الحسيني في اذهان المستمعين.

4- ان يترفع المنبر عن الاستعانة بالاحلام وبالقصص الخيالية التي تسيء الى سمعة المنبر الحسيني وتظهره انه وسيلة اعلامية هزيلة لا تنسجم ولا تتناسب مع المستوى الذهني والثقافي للمستمعين.

5- جودة الاعداد، بأن يعنى الخطيب عناية تامة بما يطرحه من موضوعات من حيث ترتيب الموضوع وتبويبه وعرضه ببيان سلس واضح واختيار العبارات والاساليب الجذابة لنفوس المستمعين والمتابعين، فان بذل الجهد الكبير من الخطيب في اعداد الموضوعات

صفحة 54

وترتيبها وعرضها بالبيان الجذاب سيسهم في تفاعل المستمعين مع المنبر الحسيني.

6- ان تراث اهل البيت (عليهم السلام) كله عظيم جميل ولكن مهارة الخطيب وابداعه يبرز باختيار النصوص والاحاديث التي تشكل جاذبية لجميع الشعوب على اختلاف اديانهم ومشاربهم الفكرية والاجتماعية انتهاجا لما ورد عنهم (عليهم السلام) (إنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)، ومحاسن كلامهم هو تراثهم الذي يتحدث عن القيم الانسانية التي تنجذب اليها كل الشعوب بمختلف توجهاتها الثقافية والدينية.

7- طرح المشاكل الاجتماعية الشائعة مشفوعة بالحلول الناجعة، فليس من المستحسن ان يقتصر الخطيب على عرض المشكلة كمشكلة التفكك الاسري او مشكلة الفجوة بين الجيل الشبابي والجيل الاكبر او مشكلة الطلاق او غيرها، فان ذلك مما يثير الجدل دون مساهمة من المنبر في دور تغييري فاعل، لذلك من المأمول من رواد المنبر الحسيني استشارة ذوي الاختصاص من اهل الخبرة الاجتماعية وحملة الثقافة في علم النفس وعلم الاجتماع في

صفحة 55

تحديد الحلول الناجعة للمشاكل الاجتماعية المختلفة ليكون عرض المشكلة مشفوعة بالحل عرضا تغييريا تطويريا ينقل المنبر من حالة الجمود الى حالة التفاعل والريادة والقيادة في اصلاح المجتمعات وتهذيبها.

8- ان يتسامى المنبر الحسيني عن الخوض في الخلافات الشيعية سواء في مجال الفكر او مجال الشعائر فان الخوض في هذه الخلافات يوجب انحياز المنبر لفئة دون اخرى او اثارة فوضى اجتماعية او تأجيج الانقسام بين المؤمنين، بينما المنبر راية لوحدة الكلمة ورمز للنور الحسيني الذي يجمع قلوب محبي سيد الشهداء (عليه السلام) هي مسار واحد وتعاون فاعل.

9- الاهتمام بالمسائل الفقهية الابتلائية في مجال العبادات والمعاملات من خلال عرضها باسلوب شيق واضح يشعر المستمع بمعايشة المنبر الحسيني لواقعه وقضاياه المختلفة.

10- التركيز على أهمية المرجعية والحوزة العلمية والقاعدة العلمائية التي هي سر قوة المذهب الامامي ورمز عظمته وشموخ كيانه وبنيانه.

صفحة 56

نسال الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق لخدمة طريق سيد الشهداء (عليه السلام) وان يجعلنا جميعا وجهاء بالحسين (عليه السلام) في الدنيا والاخرة.

والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد واله الطيبين الطاهرين.

مؤسسة الإمام علي(عليه السلام) ـ لندن

المصدر: موقع المكتب الرسمي.

http://www.sistani.org/arabic/archive/25463

صفحة 57

نصائح وتوجيهات لنخبة من الاطباء

تناول ممثّلُ المرجعية الدينيّة العُليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزّه) في الخطبة الثانية من صلاة الجمعة (11شهر رمضان 1437هـ) الموافق لـ(17حزيران 2016م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف بإمامته جانباً من الأمور التي أوصى بها سماحة المرجع الدينيّ الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسينيّ السيستانيّ(دام ظلّه الوارف) نخبةٍ من أطباء النجف الأشرف الذين تشرّفوا بزيارة سماحته قبل عدّة أيّام، حيث قال:

أيها الأخوة والأخوات أقرأ على مسامعكم الكريمة بعض التوصيات الصادرة من سماحة المرجع الدينيّ الأعلى(دام ظلّه) , في هذا الأسبوع التقى سماحة المرجع الأعلى (دام ظلّه) بنخبةٍ من أطبّاء النجف الأشرف وأوصاهم بأمور نذكر ونشرح بعضها

صفحة 58

لأهمّيتها، منها:

الوصية بتوفير الخدمة الجيّدة لجميع المراجعين بنفس المستوى دون تفريق بين الغنيّ والفقير والقويّ والضعيف.

وهذه الوصية وإن كانت موجّهة الى فئة الأطبّاء لأنّ جمعاً منهم كانوا حضور اللّقاء ولكنّها وصيّةٌ لكلّ الذين يتعاملون مع المواطنين ويقدّمون لهم الخدمة في أيّ مجالٍ كان، ولاسيّما من فئة الموظّفين الحكوميّين، ومنها أنّ من يمارس التعليم عليه أن يعلم أنّ لسلوكه ومنطقه أبلغ الأثر في طلّابه، ولا يتصوّر أنّه مجرّد أستاذ في مادّة الطبّ، فعليه أن يراعي الجوانب الدينيّة والأخلاقية في أقواله وتصرّفاته، ومن ذلك التواضع لمن يعلّمهم من الطلّاب وعدم التعالي عليهم، وهذه الوصية لا تختصّ أيضاً بالأطبّاء الذين يمارسون التعليم في الجامعات بل هي عامّة لجميع المعلّمين والتدريسيّين.

ومنها الوصية بالمحافظة على وحدة العراق ولا يكون ذلك إلّا بالمحافظة على وحدة العراقيّين، ولتحقيق ذلك لابُدّ أن يُهتمّ بأمرين في هذه الظروف الحرجة:

الأوّل: رعاية النازحين والمهجّرين من دون تمييز بينهم من أيّ

صفحة 59

دينٍ أو مذهب أو مكوّن كانوا.

الثاني: وهو موجّهٌ بالدّرجة الأساس الى المقاتلين في ساحات القتال، أن يكون قتالهم لتخليص إخوانهم وأخواتهم من عصابات داعش التي هي فئةٌ دخيلة على العراقيّين فكراً وممارسة، فإنّ الأفكار الظلامية التي تتبنّاها والممارسات الوحشية التي ترتكبها غريبة على العراقيّين تماماً وغير مسبوقة لديهم على مرّ التاريخ، فالمقاتلون بمختلف أصنافهم ومسمّياتهم مهمّتهم هي تخليص العراق من هذا البلاء العظيم، وعليهم لأداء هذه المهمّة على الوجه الصحيح أن يتحلّوا بأعلى درجات الانضباط في تصرّفاتهم ويراعوا المعايير الإنسانية والإسلامية في تعاملهم مع الجميع في مناطق القتال، ولاسيّما المدنيّين من كبار السنّ والنساء والأطفال بل ومن يُسلّم نفسه ويترك القتال.

وبعد قراءة هذا النصّ نشرح لكم بعض الوصايا ومنها الوصيّة الأولى للأطبّاء، فنقول: أوصى سماحته الأطبّاء بالخدمة الجيّدة ويُمكن تفصيل ذلك بالأمور التالية:

أوّلاً: العناية بالمريض وذلك بالاهتمام بدقّة التشخيص الطبّي

صفحة 60

وبذل ما بوسع الطبيب من أعمال ذهنه وتفكيره المهنيّ الطبّي محاولاً الوصول الى التشخيص الأقرب الى الواقع مع تخصيص الوقت الكافي لذلك واستشارة الآخرين من أهل الخبرة والحذاقة الطبّية.

ثانياً: التعاطف مع المريض بإشعاره بالرحمة لحاله وأنّه يهمّه شفاؤه ومعافاته، ويعامله كأنّه أحد أفراد عائلته إذا مرض مع استعمال العبارات والكلمات الطيّبة التي تبعث في نفسه الأمل بالشفاء..

ثالثاً: أن لا يكون همّه تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من الأرباح الماليّة بالتجارة بصحّة المريض، سواءً كان من خلال رفع كلفة المعاينة الطبّية أو التحاليل أو الفحص الشعاعي أو أجور العمليات الجراحية، بل يجعل غايته العمل على شفاء أكبر قدرٍ ممكنٍ من المرضى وإنقاذ حياتهم ليُكتب له بذلك عملٌ صالح عند الله تعالى الذي هو خيرٌ ثواباً وخيرٌ أملاً..

ثمّ أوصى سماحته بعدم التفريق بين المراجعين (أي بين الغنيّ والفقير وبين القويّ والضعيف) وتوضيح ذلك:

أن تكون عناية الطبيب المهنية والأخلاقية مع المرضى من دون تفرقة بينهم بسبب فقر بعضهم أو علوّ المنزلة الاجتماعية لبعضهم

صفحة 61

الآخر، بل يشعر الجميع أنّهم متساوون في ذلك، لأنّ كلّ فردٍ منهم هو إنسان يعاني بسبب مرضه نفس المعاناة لا يختلفون في ذلك بسبب مالٍ أو جاهٍ أو منصب وحياتهم مطلوبٌ إنقاذها وآلامهم مرجوٌّ تخفيفها للجميع دون فرق.

فلا يعتني الطبيب بالغنيّ أكثر لأنّه يرجو منه النفع المالي ولا صاحب الوجاهة والقوّة والسلطة لأنّه يأمل منه أن ينفعه في أمور الدنيا أكثر من غيره..

ثمّ إنّ هذه الوصيّة من سماحته غير مقتصرة على الأطبّاء وإن كانت موجّهة لهم لأنّهم الذين حضروا اللّقاء ولكنّها عامّة لجميع المكلّفين بالخدمة العامّة خصوصاً الموظّفين الحكوميّين، فالمأمول منهم قضاء حوائج المواطنين وإنجاز معاملاتهم بأسرع ما يُمكن وعدم تأخيرهم، خصوصاً عوائل الشهداء واليتامى والأرامل والمستضعفين، ولا يفرّقوا بين مواطنٍ فقير وآخر غنيّ أو صاحب جاه وسلطة والآخر إنسان ضعيف لا يملك لنفسه ناصراً إلّا الله تعالى، وتتأكّد الوصية للموظّفين المكلّفين بالخدمات الأساسية كخدمات الماء والكهرباء والصحّة والتعليم وغيرها..

صفحة 62

ومنها الوصية الثانية وشرحها، فالمأمول من الإخوة الأساتذة في مجال الطبّ أو غيره من العلوم أن يعلموا أنّ مهمّتهم لا تقتصر على التعليم المهنيّ في مجال اختصاصهم بل مهمّة الأساتذة هي التعليم والتربية على مبادئ الأخلاق والمواطنة الصالحة معاً، فلا ثمرة للتعليم بدون الأخلاق وتربية النفس على هذه القيم، والأستاذ الأكثر تأثيراً في طلبته هو الذي يبدأ بنفسه فيربّيها ويؤدّبها على محاسن الأخلاق ومحامد الصفات ويترجمها الى سلوكٍ فِعْليّ أمام طلبته، ومن ذلك حسن التعامل مع الطلبة بالتواضع لهم وعدم الاستكبار عليهم بإشعارهم أنّه أفضل وأرفع منهم علماً وشأنا، وسعة الصدر والتحمّل لهفواتهم وسلوكهم الخاطئ وذلك بإرشادهم بالحسنى والحكمة والموعظة الحسنة الى السلوك الصحيح وتنبيههم الى ضرورة الاهتمام بأخلاقهم وسلوكيّاتهم كاهتمامهم بالحصول على الدرجات المتقدّمة في دروسهم، وعليه أن يحترم جميع الطلبة ولا يسخّر أو يستهزئ بمن لا يمتلك الذكاء أو المهارة في العلم بل يحاول أن يعلّمه على كيفيّة تطوير قابليّاته العلمية وفهمه للدرس، وأن يوضّح للطلبة أنّ النجاح في الدراسة الجامعية والمدرسيّة مهمّ

صفحة 63

لكنّه جزءٌ من النجاح الأكبر المطلوب في الحياة ألا وهو بناء العلاقة الصحيحة مع الله تعالى ومع بقيّة أفراد المجتمع، ومن ذلك شعوره بالمسؤولية بعد تخرّجه وقدرته على النجاح فيها وبناء الأسرة الصالحة وحسن العشرة مع أفراد مجتمعه.

فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): (علّموا الناس الخير بغير ألسنتكم وكونوا دعاةً لهم بفعلكم، والزموا الصدق والورع). وعنه(عليه السلام): (كلّما زاد علم الرجل زادت عنايته بنفسه وبذل في رياضتها وصلاحها جهده).

ومنها الوصيّة بالمحافظة على وحدة العراق ورعاية النازحين والمهجّرين من دون تمييز بينهم وذلك من خلال عناية الجهات المختصّة والمواطنين والجمعيات الإنسانية ومؤسّسات المجتمع المدني، ببذل كلّ ما يمكن من جهود لتوفير المأوى المناسب للنازحين وتقديم ما يحتاجونه من طعامٍ وشرابٍ ودواء مع معاملتهم بالحسنى والتعاطف معهم والرحمة بهم، وأن تكون هذه العناية بصورة متساوية لجميع العراقيّين النازحين والمهجّرين بغضّ النظر عن انتمائهم الدينيّ أو المذهبيّ أو القوميّ، وذلك لأنّهم بأجمعهم مواطنون عراقيّون لا

صفحة 64

يستلزم اختلافهم في الانتماء المذكور اختلاف مرتبتهم في حقوق المواطنة والانتماء للعراق، وهذا النحو من الرعاية والمعاملة سيُشعر الآخرين من جميع المكوّنات العراقية بوحدة الانتماء لبلدهم ممّا سيترك أثراً إيجابيّاً في نفوسهم فيشعرون بقوّة الآصرة والعلاقة مع بقيّة مواطني بلدهم، وهذا سيفوّت الفرصة على عصابات داعش التي تعمل على زرع التفرقة والبغضاء بين مكوّنات الشعب العراقي من خلال إثارة النزعة الطائفية.

والتوصية الأخيرة وهي موجّهة بالدرجة الأساس الى المقاتلين في ساحات القتال، فنقول في شرحها: من الضروريّ لمقاتلينا الأبطال الذين يسطّرون ملاحم البطولة والتضحية في صفحات تاريخ العراق الحديث أن يلتفتوا الى أنّ الغاية من قتالهم هو إنقاذ المواطنين من المناطق التي سيطرت عليها عصابات داعش، وأن ينظروا لهم كإخوة وأخوات، وأنّهم جاءوا لتخليصهم من هذه الفئة الدخيلة على العراقيّين في فكرها الضلاليّ الذي تتبنّاه بتكفير الآخرين وتحليل قتلهم، الذي ترجمته الى ممارساتٍ وحشيّة بعيدة عن الإسلام والإنسانية حيث لم يشهد تاريخ العراق مثل هذه الوحشية، فلينتبهوا

صفحة 65

وليحذروا من أن يكون هدفهم الانتقام أو الاعتداء أو غير ذلك، ولأجل تحقيق هذه المهمّة وفق الضوابط الشرعيّة والأخلاقية والإنسانية لابُدّ من أمرين:

1- التحلّي بأعلى درجات الانضباط النفسيّ في تصرّفاتهم وأعمالهم القتالية، فلا يحملنّهم حزنٌ وأسَفٌ على فقد عزيزٍ استُشهد في القتال، أو تألّم على جريح أو حالة غضب أو انفعال على ارتكاب ما يُخالف هذه الضوابط من تمثيلٍ بقتيل أو إجهازٍ على جريح أو تفجير دار مشتبه في أمره أو سطو على مال لذوي المقاتلين أو استيلاء على أموال لمواطنين أبرياء.

2- مراعاة المعايير الإنسانية والإسلامية في تعاملهم مع الجميع، فلابُدّ من الفرز بين المعتدي المقاتل والمواطن الذي لا دخل له في ذلك، فإنّما هدف القتال الحفاظ على الهوية الوطنية والإنسانية والحضارية للشعب العراقي الذي أرادت هذه العصابات مسخها وطمسها، وتتأكّد الوصيّة مع كبار السنّ والنساء والأطفال، ثم نلتفت الى هذه الصورة التي نراها في الكثير من الفضائيّات فما أعظم وأجمل أن نرى بعض أفراد قوّاتنا المسلّحة ومجاهدينا يحملون رجلاً

صفحة 66

كبيراً على ظهورهم ليوصلوه وعائلته الى مأمنهم، أو يُطعمون صغيراً أو يهدّئون ويطمئنون امرأةً خائفة أو يداوون مريضاً أو يهيّئون مأوى لهم، وقد ورد في التوصيات العشرين للمرجعيّة الدينيّة العُليا التي تمّ التأكيد عليها:

أوّلاً: (الله.. الله.. في حرمات عامّة الناس ممّن لم يقاتلوكم لاسيّما المستضعفين من الشيوخ والولدان والنساء حتى إذا كانوا من ذوي المقاتلين، فإنّه لا تحلّ حرمات من قاتلوا غيرَ ما كان معهم من أموالهم، وقد كان من سيرة أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه كان ينهى عن التعرّض لبيوت أهل حربه ونسائهم وذراريهم رغم إصرار بعض من كانه معه ـ خاصّةً من الخوارج ـ على استباحتها).

ثانياً: (الله.. الله.. في أموال الناس فإنّه لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ لغيره إلّا بطيب نفسه، فمن استولى على مال غيره غصباً فإنّما حاز قطعةً من قطع النيران).

ثالثاً: (الله.. الله.. في الحرمات كلّها فإيّاكم والتعرّض لها أو انتهاك شيءٍ منها بلسانٍ أو يدٍ، واحذروا أخذ امرئ بذنب غيره..).

اللهمّ انصر قوّاتنا المسلّحة والمتطوّعين والغيارى من أبناء العشائر

صفحة 67

نصر عزيزٍ مقتدر، وردّ كيد أعدائنا في نحورهم، وغيّر سوء حالنا بحسن حالك إنّك سميع مجيب..

المصدر: موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=272&ser=2&lang=ar

صفحة 68

نصائح وتوجيهاتللمؤمنين حول الشعائر الحسينية

(1)

الخطبة الثانية من صلاة الجمعة (7صفر 1437هـ) الموافق لـ(20تشرين الثاني 2015م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف وكانت بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي والتي جاء فيها:

“أيّها الإخوة والأخوات أودّ أن أعرض على مسامعكم الكريمة الأمرين التاليين:

الأمر الأوّل: مع اقتراب موعد زيارة الأربعين التي يزحف فيها الملايين من عشّاق الإمام الحسين(عليه السلام) مشياً على الأقدام نحو مرقده الشريف قاصدين بذلك التعبير عن شدّة ولائهم وقوّة ارتباطهم بالإمام الحسين(عليه السلام)، وتجديد العهد له بمواصلة

صفحة 69

الدرب على مبادئه الشريفة وقيمه السامية نودّ أن نذكّر المؤمنين ببعض ما ينبغي لهم رعايته في هذه المناسبة:

أوّلاً: إنّ من أهمّ مقاصد هذه الزيارة الحسينية هو الحفاظ على مبادئ الإسلام وأحكامه وتعاليمه المقدّسة التي ضحّى الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه من أجل حمايتها من الضياع والانحراف، ويقتضي ذلك من المؤمنين مزيد التفقّه في الدين والحرص على تطبيق تعالميه بطاعة الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار(عليهم السلام) وأداء الواجبات واجتناب المحرّمات، ويتصدّى في هذه الزيارة كما في التي قبلها مجموعةٌ من فضلاء الحوزة العلمية وطلّابها لبيان الأحكام الشرعية والتعاليم الأخلاقية وإقامة الصلاة جماعةً على طول مسار الطريق الواصل الى كربلاء المقدّسة، فينبغي للزائرين الكرام أن يغتنموا هذه الأيّام ويجعلوا سفرهم الإلهيّ هذا فرصةً لمزيد التفقّه في الأحكام الشرعية والتحلّي بالأخلاق الفاضلة، والحرص على إقامة الصّلاة في أوّل وقتها، وينبغي أن لا يمنع بعضهم الاهتمام بأداء الخدمة لزوّار الإمام الحسين(عليه السلام) وإقامة مراسيم العزاء عن أداء الصلاة في أوّل

صفحة 70

وقتها، فإنّ الإمام الحسين(عليه السلام) من شدّة عنايته وحرصه على أداء الصلاة لم يمنعه يومَ عاشوراء انشغالُه بالحرب والقتال وهو على أشدّه من أن يؤدّي وأصحابه تلك الفريضة الإلهية في أوّل وقتها، فالله الله في الصلاة فإنّها عمودُ دينكم ومعراجُ المؤمن الى ربّه وأحبّ الأعمال الى الله تعالى وقرّة عين نبيّكم(صلى الله عليه وآله).

ثانياً: ومن المقاصد المهمّة لهذا السفر الإلهي هو تثبيت المبدأ الأساس الذي انطلق منه الإمام الحسين(عليه السلام) في مسيرته من المدينة المنوّرة الى كربلاء المقدّسة وأراد من شيعته ومحبّيه الالتزام به في أحلك الظروف وأقساها، ألا وهو التضحية بالنفس والمال والولد لحماية قيم الإسلام ومبادئه والحفاظ عليها من دون تغيير وتحريف، والإيثار والشجاعة والصبر والصمود والعزيمة الراسخة والإرادة الصلبة في هذا السبيل، ولاشكّ في أنّ المعركة المصيرية في هذه الأيام ضدّ عصابات داعش تتجلّى فيها تلك القيم بأسمى صورها ومعانيها ولاسيّما من أحبّتنا الأبطال المقاتلين بمختلف عناوينهم، الذين يرابطون في الجبهات وقد تركوا الدنيا وما فيها وفارقوا الأهل والولد والأحبّة ليجسّدوا قيم الفداء والتضحية والإيثار بأنفسهم من

صفحة 71

أجل الحفاظ على هذا البلد ومقدّساته وأعراض مواطنيه، ولعلّ من أجلّ مظاهر الولاء والارتباط بالإمام الحسين(عليه السلام) في هذه الأيّام وسبق التوجّه اليه بالزيارة هو إدامة زخم المعركة ضدّ داعش، وذلك بتعزيز روح الصمود وإرادة القتال ودعم المقاتلين بالمعونات والرجال الأشدّاء أولي البأس والعزم لتطهير أرض العراق كلّها من دنس هذه العصابات، فإنّ الشعب الذي استطاع أن يتحدّى الإرهاب وسيّاراته المفخّخة وأحزمته الناسفة طوال هذه السنوات وحقّق الانتصار في الكثير من المعارك لقادرٌ أن يديم زخم الانتصارات في معركته الحالية ضدّ عصابات داعش لبلوغ النصر النهائيّ إن شاء الله تعالى.

ثالثاً: المأمول من الزائرين وأصحاب المواكب الحسينية -جزاهم الله تعالى خيراً- أن تكون أعمالهم وخدماتهم مرآةً عاكسةً لأخلاق أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك من خلال حرصهم على الحفاظ على الممتلكات العامّة والخاصّة سواءً كانت لدوائر الدولة أو لعموم المواطنين، وعدم مزاحمة مسارات الآليات والسيارات الناقلة للزائرين والحفاظ على نظافة مواقعهم وعدم الإسراف في الطعام،

صفحة 72

فإنّ هذا العمل المحمود -وهو إطعام الزائرين- قد ينقلب الى فعلٍ مذموم إذا اقترن بالإسراف والتبذير، ونؤكّد أيضاً على حسن المعاشرة بين الزائرين وعدم التزاحم والتنافس فيما لا ينبغي، بل لابُدّ من التعاون بين الجميع لإنجاح هذه الزيارة وخصوصاً التعاون مع القوّات الأمنية لتمكينهم من أداء مهامّهم على أفضل وجه وعدم السماح بوقوع خرقٍ أمنيّ -لا سمح الله تعالى-، ونوصي أخواتنا الزائرات بالاهتمام برعاية أعلى درجات الحشمة والعفاف وتجنّب الاختلاط المذموم ونؤكّد على شبابنا بالاهتمام بإظهار أنفسهم بالمظهر المناسب لقداسة المناسبة والابتعاد عن أيّ تصرّفٍ يخدش ذلك في الملبس أو السلوك.

المصدر موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=239&ser=2&lang=ar

صفحة 73

(2)

نص الخطبة الثانية في يوم الجمعة (5-المحرّم الحرام-1438 هـ) التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الصحن الحسيني الشريف

نعيش في هذه الايام ذكرى نهضة الامام الحسين (عليه السلام) وخروجه للاصلاح في امة جده رسول الله صلى الله عليه وآله والفاجعة التي حلت بالاسلام والمسلمين باستشهاده واستشهاد جمع من اهل بيته واصحابه الميامين، ولتلك النهضة الكبرى والفاجعة العظمى جوانب كثيرة يتداولها اهل العلم والمعرفة بالبحث والتحقيق، ولكن نريد ان نشير هنا ـ ونحن نعيش هذه الايام العاشورائية الحزينة ـ الى جانب من تلك الجوانب وهو ما يمثله الحزن والأسى على مصاب سيد شباب اهل الجنة عليه السلام من اهمية في مدرسة اهل البيت (عليهم السلام)، فقد دلت الاثار والنصوص المتضافرة عن أئمة الهدى عليهم السلام على ان البكاء على الحسين عليه السلام واظهار الحزن على مصابه عبادة بنفسها يتقرب بها المؤمن الى الله والى رسوله (صلّى الله عليه وآله) وتستوجب جزيل الثواب وعظيم

صفحة 74

الأجر، فقد ورد عن الامام الباقر عن ابيه الامام زين العابدين (عليهما السلام) انه كان يقول (أيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خديه في ما مسّنا من أذى من عدونا في الدنيا بوّأه الله منزل صدق ). وورد عن الامام الصادق (عليه السلام) انه كان يدعو في سجوده فيقول (اللهم ارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَقَلَّبَتْ عَلَى حُفْرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ ارْحَمْ تِلْكَ الْأَعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا وَ ارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزِعَتْ وَ احْتَرَقَتْ لَنَا وَ ارْحَمِ تلك الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا).

ان الحزن على مصاب سيد الشهداء عليه السلام مظهر صادق من مظاهر الحب والولاء لنبي هذه الأمة وآله الاطهار الذين اصطفاهم الله تعالى وأمر بمودتهم وحبهم وجعل ذلك اجر هذه الرسالة، قال الله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى ) وقد استفاضت الروايات الشريفة عن النبي ( صلّى الله عليه وآله) في ان المراد من القربى الذين اوجبت الآية الكريمة مودتهم هم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين (عليهم السلام).

ان هذا الحب يجب ان يلامس شغاف قلوب المؤمنين ويجري

صفحة 75

مع دمائهم في عروقهم، هذا الحب الذي هو شعبة من شعب حب الله عز وجل بحب أوليائه ومن جرت نعمته على هذه الأمة على أيديهم فوقفوا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل إيصال هذه الرسالة الى عامة الناس، حتى امتزجت هذه الدعوة المباركة بدمائهم وجهادهم، بهم بدأها الله وبهم يختم وبهم تبقى مستمرة عالية، لا تقوم لها قائمة من دونهم، انهم حملة هذه الرسالة بدءا واستمرارا وختاما، هكذا شاء الله، ولم يشأ اعتباطا بل لما لهم من مؤهلات ميزتهم عن سائر من سواهم.

ان من واجبنا كمؤمنين – بحكم ما أودعه الله في ضمائرنا وما فطرنا عليه من محبة من أحسن إلينا، فضلا عما ندبنا اليه تعالى وأمرنا به – ان نحبهم اكثر من حبنا لآبائنا وأمهاتنا وذرياتنا وجميع اهلينا، أليسوا هم من جرت اعظم نعم الله علينا وهو الهداية للإيمان على أيديهم، ان هذا الحب هو من الحب لله الذي ورد في النص الشريف انه هو الدين .

بالإضافة الى ان الحزن على الحسين (عليه السلام) والبكاء على مصابه براءة منا الى الله عما فعله الاشرار بآل محمد (صلّى الله

صفحة 76

عليه وآله) وإعلان للنصرة لهم ولقائمهم (عليه السلام) عسى ان يكتبنا الله من الشاكرين الذين أشار اليهم في قوله تعالى (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)..

ان مجالس سيد الشهداء عليه السلام ومظاهر العزاء له وفق ما توارثه المؤمنون خلفاً عن سلف هي من اعظم ذخائرنا التي لا يمكن ان نفرط بها بل لا بد ان نحافظ عليها بكل ما اوتينا من امكانات، وقد وجدنا كيف ألهمت شبابنا بل وشيوخنا فخرجوا بمئات الآلاف بكل شجاعة وبسالة دفاعا عن العرض والارض والمقدسات فسطروا اروع الملاحم التي سيخلدها لهم التاريخ ، وكفى بمثل هذا فائدة وثمرة لهذه المجالس. وهي بما تجمعه من حشد كبير من المؤمنين مناسبة فضلى لتثقيف الناس في امور دينهم وتبصيرهم بشؤون زمانهم وطرح الحلول المناسبة لمشاكلهم الفكرية. ومن الضروري الاعتماد فيما يلقى فيها على المصادر الموثوقة ولا سيما فيما يتعلق بنقل الحوادث التي جرت على ال محمد (صلّى الله عليه وآله) واجتناب ما

صفحة 77

سواها حتى لا يتخذ ذلك مطعناً فيها ونقضاً لإحدى اهم الفوائد التي يمكن ان تترتب عليها وهي تثبيت العقائد الحقة في نفوس المؤمنين .

اللهم عجل لوليك الحجة بن الحسن الظهور واجعلنا من اهل طاعته وحقق لنا امالنا بنصرته واتمم به لنا السعادة بالحضور بين يديه والشهادة في صفه انك سميع الدعاء قريب مجيب .

المصدر: موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=289&ser=2&lang=ar

صفحة 78

نصائح وتوجيهات للمؤمنين حول زيارة الاربعين

(1)

السؤال: ..توجيهات بخصوص زيارة أربعين الإمام الحسين ( عليه السلام ) ..

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني ( دام ظلّه الوارف )

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عظّم الله لكم الأجر ..

ونحن نتوجّه الى كربلاء المقدّسة بمناسبة أربعينية الإمام سيد الشهداء ( عليه السلام ) ،نحتاج إلى توجيهات أبوية بهذه المناسبة العظيمة لتكون الفائدة أكبر والجزاء أعظم وللتنبيه عمّا نغفل عنه أو لا نعلم أجره . نأمل أن يكون التوجيه لكافة شرائح المجتمع .

صفحة 79

أدام الله نعمة وجودكم المبارك إنّه سميع قريب ونسألكم الدعاء .

جمعٌ من المؤمنين

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين .

وبعد فإنه ينبغي أن يلتفت المؤمنون الذين وفقهم الله لهذه الزيارة الشريفة انّ الله سبحانه وتعالى جعل من عباده أنبياء واوصياء ليكونوا أسوة وقدوة للناس وحجّة عليهم فيهتدوا بتعاليمهم ويقتدوا بأفعالهم. وقد رغّب الله تعالى إلى زيارة مشاهدهم تخليداً لذكرهم واعلاء لشانهم وليكون ذلك تذكرة للناس بالله تعالى وتعاليمه وأحكامه ، حيث إنهم كانوا المثل الأعلى في طاعته سبحانه والجهاد في سبيله والتضحية لأجل دينه القويم.

وعليه فإنّ من مقتضيات هذه الزيارة : ـــ مضافاً إلى إستذكار تضحيات الإمام الحسين ( ع ) في سبيل الله تعالى ـــ هو الإهتمام بمراعاة تعاليم الدين الحنيف من الصلاة والحجاب والإصلاح والعفو والحلم والادب وحرمات الطريق وسائر المعاني الفاضلة لتكون هذه

صفحة 80

الزيارة بفضل الله تعالى خطوة في سبيل تربية النفس على هذه المعاني تستمر آثارها حتى الزيارات اللاحقة وما بعدها فيكون الحضور فيها بمثابة الحضور في مجالس التعليم والتربية على الإمام (ع).

إننا وإن لم ندرك محضر الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) لنتعلم منهم ونتربى على أيديهم الإّ أنّ الله تعالى حفظ لنا تعاليمهم ومواقفهم ورغّبنا إلى زيارة مشاهدهم ليكونوا أمثالاً شاخصة لنا واختبر بذلك مدى صدقنا فيما نرجوه من الحضور معهم والإستجابة لتعاليمهم ومواعظهم ، كما اختبر الذين عاشوا معهم وحضروا عندهم ،فلنحذر عن أن يكون رجاؤنا أمنية غير صادقة في حقيقتها ، ولنعلم أننا إذا كنّا كما أرادوه ( صلوات الله عليهم ) يرجى أن نحشر مع الذين شهدوا معهم، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال في حرب الجمل : أنه ( قد حضرنا قوم لم يزالوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ) . فمن صدق في رجائه منا لم يصعب عليه العمل بتعاليمهم والإقتداء بهم ، فتزكّى بتزكيتهم وتأدب بآدابهم .

فالله الله في الصلاة فإنها ـــ كما جاء في الحديث الشريف ـــ عمود الدين ومعراج المؤمنين إن قُبِلت قُبِلَ ما سواها وإن رُدّت

صفحة 81

رُدَّ ما سواها، وينبغي الإلتزام بها في أول وقتها فإنّ أحبّ عباد الله تعالى إليه أسرعُهم استجابة للنداء إليها ، ولا ينبغي أن يتشاغل المؤمن عنها في اول وقتها بطاعةٍ أخرى فإنها أفضل الطاعات ، وقد ورد عنهم (ع) : ( لا تنال شفاعتنا مستخفّاً بالصلاة ). وقد جاء عن الإمام الحسين (ع) شدّة عنايته بالصلاة في يوم عاشوراء حتى إنّه قال لمن ذكرها في أول وقتها : (ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين الذاكرين) فصلّى في ساحة القتال مع شدّة الرمي .

الله الله في الإخلاص فإنّ قيمة عمل الإنسان وبركته بمقدار إخلاصه لله تعالى ، فإنّ الله لا يتقبّل الإّ ما خلص له وسلم عن طلب غيره. وقد ورد عن النبي (ص) في هجرة المسلمين إلى المدينة أنّ من هاجر إلى الله ورسوله فهجرته إليه ومن هاجر إلى دنيا يصيبها كانت هجرته إليها ، وان الله ليضاعف في ثواب العمل بحسب درجة الإخلاص فيه حتّى يبلغ سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء . فعلى الزوار الإكثار من ذكر الله في مسيرتهم وتحرّي الإخلاص في كل خطوة وعمل ، وليعلموا ان الله تعالى لم يمنَّ على عباده بنعمة مثل الإخلاص له في الإعتقاد والقول والعمل ، وان العمل من غير

صفحة 82

إخلاص لينقضي بانقضاء هذه الحياة وأمّا العمل الخالص لله تعالى فيكون مخلّداً مباركاً في هذه الحياة وما بعدها .

الله الله في الستر والحجاب فإنّه من أهمّ ما اعتنى به أهل البيت (عليهم السلام) حتّى في أشدّ الظروف قساوة في يوم كربلاء فكانوا المثل الأعلى في ذلك ، ولم يتأذّوا (ع) بشيء من فعال أعدائهم بمثل ما تأذّوا به من هتك حُرَمهم بين الناس، فعلى الزوار جميعاً ولا سيّما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم والتجنب عن أي شيء يخدش ذلك من قبيل الألبسة الضيّقة والإختلاطات المذمومة والزينة المنهىّ عنها ، بل ينبغي مراعاة أقصى المراتب الميسورة في كل ذلك تنزيهاً لهذه الشعيرة المقدّسة عن الشوائب غير اللائقة.

نسأل الله تعالى أن يزيد من رفعة مقام النبي المصطفى (ص) وأهل بيته الأطهار( عليهم السلام ) في الدنيا والآخرة بما ضحّوا في سبيله وجاهدوا بغية هداية خلقه ويضاعف صلاته عليهم كما صلّى على المصطفين من قبلهم لا سيما ابراهيم وآل ابراهيم كما نسأله تعالى أن يبارك لزوار أبي عبد الله الحسين (ع) زيارتهم ويتقبلها بأفضل ما

صفحة 83

يتقبل به عمل عباده الصالحين حتّى يكونوا في سيرهم وسيرتهم في زيارتهم هذه وما بقي من حياتهم مثلاً لغيرهم وأن يجزيهم عن أهل بيت نبيّهم ( عليهم السلام ) خيراً لولائهم لهم واقتدائهم بسيرتهم وتبيلغ رسالتهم عسى أن يُدعَوا بهم ( عليهم السلام ) في يوم القيامة حيث يدعى كل أناس بإمامهم وأن يحشر الشهداء منهم في هذا السبيل مع الحسين (ع) وأصحابه بما بذلوه من نفوسهم وتحمّلوه من الظلم والاضطهاد لأجل ولائهم إنّه سميع مجيب .

المصدر: موقع المكتب الرسمي.

http://www.sistani.org/arabic/archive/25463

صفحة 84

(2)

الخطبة الثانية من صلاة الجمعة (14صفر 1437هـ) الموافق لـ(27تشرين الثاني 2015م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي، وممّا جاء فيها:

الامر الثاني: في هذه الأيّام العظيمة حيث يشارك الملايين من محبّي الإمام الحسين(عليه السلام) من مختلف أنحاء العالم في الزيارة الأربعينية لمرقده الطاهر نودّ أن نوضّح الأمور التالية:

أ. على الإخوة المقاتلين الذين يقفون عند السواتر الأمامية ويخوضون حرباً ضروساً مع الإرهابيّين، والذين يرابطون في الأراضي المحرَّرة ويحمون ثغور البلد أن لا يتركوا مواقعهم للتوجّه للزيارة فإنّهم ببقائهم فيها سيحضون بثوابٍ أكبر هو ثوابُ الدفاع عن الأرض والعرض والمقدّسات، بالإضافة الى أنّ عشرات الآلاف من الزائرين والزائرات سيشركونهم في مثوبة زياراتهم فتجتمع لهم مثوبةُ القتال في سبيل الله ومثوبةُ زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) ويا له من حظٍّ عظيم.

ب. على الإخوة الزائرين والأخوات الزائرات أن يولوا هذه

صفحة 85

المناسبة الدينية أهميّة خاصّة ويحاولوا استثمارها بأفضل وجهٍ في تكميل نفوسهم وزيادة إيمانهم، فإنّ المشروع الإصلاحي الذي خطّه الإمام الحسين(عليه السلام) وأحيى به دين جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) وتمّ التأكيد عليه في روايات الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) وقد شاء الله تعالى له الاستمرار والديمومة إنّما يهدف بالدرجة الأساس الى إصلاح الإنسان، فلابُدّ لمن يسير في طريق الحسين(عليه السلام) أن يهتمّ بحصوله على زيادة من المعارف الدينيّة الحقّة والتحلّي بمزيدٍ من الفضائل الأخلاقية، وحظور الإخوة من فضلاء وطلّاب الحوزة العلمية في أماكن معلَّمة ومشخَّصة في الطرق الى كربلاء المقدّسة فرصةٌ مناسبة للاستفادة منهم في هذا المجال.

ج. إنّ من الأمور المهمّة التي ينبغي أن تلتفت اليها أنظارُ السائرين في طريق الإمام الحسين(عليه السلام) هو ضرورة الاجتناب عمّا يثير الفرقة والاختلاف في صفوف المؤمنين، وعدم استغلال هذه المناسبة الحزينة للترويج للجهات التي ينتمون اليها دينيةً كانت أو سياسية أو غيرهما، والأهمّ من ذلك الابتعاد عن بعض الممارسات

صفحة 86

المستحدثة التي لا تنسجم مع قدسيّة هذه المناسبة الحسينية والاقتصار فيها على الشعائر التي توارثها المؤمنون خلفاً عن سلف في إقامة عزاء سيد شباب أهل الجنة والحزن والجزع عليه وإحياء أمره وأمر الأئمّة من ولده(عليهم الصلاة والسلام).

د. لمّا كان من دأب الإرهابيّين السعي في إزهاق أكبر عددٍ ممكن من الأرواح البريئة باستهداف التجمّعات البشرية الواسعة فالمطلوب من العاملين في الأجهزة الأمنية المكلّفة بحماية الزوّار أن يبذلوا قصارى جهدهم في الحفاظ على الزائرين الكرام وتوفير الأجواء الآمنة لهم لأداء مراسيم الزيارة مع تحقيق انسيابية وصولهم الى مقاصدهم ذهاباً وإياباً.

المصدر: موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=240&ser=2&lang=ar

صفحة 87

(3)

النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة من الصحن الحسيني الشريف بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي اليوم ٣/صفر المظفر/١٤٣٨هـ الموافق ٤/تشرين الثاني/٢٠١٦م:

أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات السائرون في درب المحبة والولاء للإمام الحسين عليه السلام.

ونحن نقترب من أيام مسيرة الأربعين الخالدة، ينبغي لنا جميعاً أن نستذكر عدة أمور ونعمل على تحقيقها:

أولا ً:

إن القران الكريم وسيرة وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار عليهم السلام وما تقتضيه الفطرة الإنسانية وسيرة العقلاء كل ذلك يوجب علينا ان يكون مسيرنا هادفاً واعياً بعيداً عن السطحية، ولقد أرشدنا المأثور من زيارة المعصومين عليهم السلام الى الكثير من الأهداف الالهية المتوخاة من مثل هذه المسيرات ومنها:

التنبيه الى أهمية مبدأ التولي لله تعالى ورسوله والأئمة الأطهار

صفحة 88

عليهم السلام وأوليائه الصالحين؛ والتبريء من أعدائهم، وان هذا المبدأ حي لا ينقطع ما بقي لله تعالى عباد يسيرون على نهجهم ويعملون بسيرتهم ويدعون للاقتفاء بآثارهم والعمل لإعلاء كلمتهم، وكان لهم أعداء يجهدون لإطفاء نورهم ومحو آثارهم والتنكيل بمحبيهم ومحاربة نهجهم، وقد ورد في زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ( (وأتقرب الى الله ثم اليكم بموالاتكم وموالاة وليكم وبالبراءة من اعدائكم والناصبين لكم الحرب وبالبراءة من أشياعهم وأتباعهم، إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي لمن والاكم وعدو لمن عاداكم)).

وقد أوضح الأئمة عليهم السلام معنى الموالاة، فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام انه قال لجابر الجعفي: ” من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو ولا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع “.

وقال في حديث آخر: ” فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله واطاعه، وما كانوا يُعرفون ـــ يا جابر ـــ إلا بالتواضع، والتخشع، واداء الامانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعهد

صفحة 89

للجيران من الفقراء، واهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء “.

فالمناط في صدق الموالاة ليس مجرد اظهار الحب بل صدق الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم واله الاطهار عليهم السلام؛ واقتفاء آثارهم فيما ورد عنهم من مناهج الحياة المختلفة من اداء الواجبات وترك المحرمات والتخلق بأخلاقهم وآدابهم.

وقد ورد ايضاً في زيارة الشهداء (( يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً))، ولا يمكن الكشف عن صدق الرجاء والتمني المذكور الا بأن يكون في كل زمان اولياء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللائمة الأطهار عليهم السلام يسيرون على نهجهم ويجاهدون في سبيله ويعملون على اصلاح مجتمعهم واختبارنا بمدى طاعتنا لهم والانقياد لمنهجهم وتبعية مواقفنا واعمالنا لما يرشدون اليه ويأمروننا به ـــ وقد شاء الله تعالى ان يكون اختبارنا بالابتلاء بقوم اختاروا طريق العنف والتوحش والاعتداء سبيلا لدعوتهم ومنهجهم فكانت عصابات داعش اوضح مصداق لذلك ـــ وكان

صفحة 90

الرجال من المقاتلين الابطال في الجبهات النموذج الامثل لمن صدق في دعوى ولائه للإمام الحسين عليه السلام، يشاركهم في مرتبة من ذلك من يساندهم ويدعمهم بالمال والمؤن وسائر ما يحتاجون اليه.

ثانياً:

لقد شاء الله تعالى بتجاوز اهل الولاء والايمان للتحديات والازمات الصعبة التي مروا بها وانفتاحهم على المجتمعات الاخرى مع ابراز قيم الايثار والبذل والعطاء خلال ذلك ان تأخذ المسيرة الاربعينية طابعاً عالمياً جذبت اليها الكثيرين من مختلف شعوب العالم، ومن هنا فان الله تعالى هيأ لكم فرصة ثمينة للتعريف بقضاياكم وتوعية العالم بمبادئكم الانسانية العظيمة، فاغتنموا هذه الفرصة واحسنوا استثمارها فان ذلك مدعاة لتعزيز ثقافتكم الاسلامية الاصيلة على الساحة العالمية واحترام الشعوب لكم واجلالها لمقدساتكم – فالله الله في حفظ القدسية والشرافة ولا تسمحوا للبعض بأن يخدشوها ببعض السلوكيات والتصرفات غير اللائقة بقدسية المناسبة وحببوا هذه المسيرة لقلوب وعواطف هذه الشعوب بإظهار سموها وقداسة شعائرها ومبادئها وابرزوا مكارم الاخلاق فيها، واعملوا على

صفحة 91

ضبطها بما لا يخرجها عن المحددات الشرعية.

ثالثاً:

ونؤكد على الاخوات المؤمنات المشاركات في هذه المسيرة المباركة بأن مواساة نساء اهل البيت عليهم السلام وخصوصاً السيدة زينب عليها السلام في مسيرها نحو كربلاء المقدسة لا تتحقق الا برعاية العفة والحجاب، وصون اللسان والعين عن الحرام، فالله الله في حجابكن وعفتكن وستركن، فالمؤمنة الموالية حقاً هي التي تراعي مقتضيات العفاف في تصرفاتها وسلوكها وملابسها وتتجنب الاختلاط المذموم والزينة المنهي عنها.

رابعاً:

تشهد طرق المسير لهذه الزيارة الالهية تواجد الاخوة من فضلاء وطلبة الحوزة العلمية في النجف الاشرف لتبليغ الاحكام الشرعية وارشاد الزائرين الى ما فيه رشدهم وصلاحهم ولإقامة الصلاة جماعة في أوقاتها، فنوصي الإخوة الزائرين والأخوات الزائرات باستثمار هذه الفرصة في التعرف على احكام دينهم وسيرة أئمتهم عليهم السلام والاسترشاد بما يقدمه هؤلاء الاخوة المبلغون والاخوات

صفحة 92

المبلغات من مواعظ وارشادات حتى يرجعوا بعد التوفيق لزيارة مولانا سيد الشهداء عليه السلام وقد نهلوا من معارف أهل البيت عليهم السلام وتزودوا بالتقوى والسداد ينتفعون بذلك في هذه الحياة وفي يوم المعاد.

خامساً:

نوصي اصحاب المواكب والرواديد وهم يقيمون مجالس العزاء الحسيني ان يجعلوا في شعاراتهم واشعارهم مساحة وافية لتمجيد بطولات وتضحيات احبتنا في ساحات القتال، هؤلاء الذين يجسدون اليوم مبادئ الامام الحسين عليه السلام في واقعة الطف في مقارعة الظالمين والتضحية والفداء في سبيل احقاق الحق وابطال الباطل، وينبغي الاهتمام برفع صور الشهداء الابرار وذكر اسمائهم في الطرق التي يسلكها المشاة الى كربلاء المقدسة لتبقى صورهم واسماؤهم ماثلة في النفوس ويتذكر الجميع ان بتضحيات ودماء هؤلاء الكرام يتسنى للمؤمنين اليوم ان يشاركوا في المسيرة الاربعينية في أمن وسلام.

نسأل الله تعالى ان ينصر مقاتلينا الاعزاء في جبهات القتال

صفحة 93

ويخلص العراقيين من رجس الارهابيين ويعيد الامن والاستقرار الى جميع ربوع بلدنا الحبيب انه ارحم الراحمين.

المصدر: موقع الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=293&ser=2&lang=ar

صفحة 94

استفتاء حول رعاية النظافة والتنظيم في الزيارة الأربعينية

cover image
صفحة 95

نصائح وإرشادات في فترة جائحة الكورونا

استفتاء حول جهود الكوادر الطبية في رعاية مرضى (الكورونا)

بسم الله الرحمن الرحيم

مكتب سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني (حفظه الله تعالى)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا يخفى عليكم ما يتعرض له الناس في هذه الأيام بسبب (وباء فيروس كورونا) والكادر الطبي والتمريضي والمتطوعون في المستشفيات والمراكز الطبيبة التي تتعامل مع المصابين بهذا الفيروس أو من يشك في اصابتهم به يخاطرون بصحتهم وربما بحياتهم فيما يقومون به، لأنهم عرضة لانتقال العدوى إليهم، ما هي كلمة المرجعية الدينية لهم؟

أفيدونا مشكورين

صفحة 96

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ علاج المرضى ورعايتهم والقيام بشؤونهم واجبٌ كفائيٌ على كلّ المؤهّلين لأداء هذه المهام من الأطباء والكادر التمريضي وغيرهم، ولكن يجب على السلطات المعنيّة أن توفّر لهم كل المستلزمات الضرورية لحمايتهم من مخاطر الاصابة بالمرض، ولا عذر لها في التخلف عن ذلك.

ولا شك في ان ما يقوم به هؤلاء الأعزّة ــ بالرغم من كل التحديات ــ عمل عظيم وجهد لا يُقدّر بثمن، ولعلّه يُقارب في الأهميّة مرابطة المقاتلين الأبطال في الثغور دفاعاً عن البلد وأهله.

ومن المؤكد ان الله تبارك وتعالى يقدّر لهم جهودهم في الدنيا ويثيبهم عليها في الآخرة، بل يُرجى من ضحّى بحياته منهم في هذا السبيل أن يثبت له أجر الشهيد ومكانته في يوم الحساب.

وإننا إذ نقدّم لهم جزيل الشكر وبالغ التقدير على عملهم الانساني الجليل ندعو الله العلي القدير أن يحميهم ويحفظهم ويبعّد عنهم كل سوء، إنّه سميع مجيب.

21/ رجب /1441هـ

مكتب السيد السيستاني (دام ظلّه)

النجف الأشرف

https://www.sistani.org/arabic/archive/26388/

صفحة 97

(فتوى التكافل الاجتماعي في جائحة كورونا)

استفتاء حول دعم العوائل المتضررة من الظرف الراهن:

بسم الله الرحمن الرحيم

مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني دام ظلّه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في هذه الأيّام العصيبة التي ابتلي فيها العراقيون كغيرهم وباء (كورونا) وفي ظل تعطّل الكثير من الأعمال وتحديد حركة المواطنين بل ومنع التجول في غالب المناطق أضيف الى العوائل الفقيرة في المجتمع ــ وما أكثرها ــ عوائل كثيرة أخرى كانت تعتمد في استحصال قوتها في كل يوم على ما يكسبه أحد افرادها من خلال عمله اليومي، وقد انسد عليها هذا الباب وأصبح الغالبية العظمى منهم في وضع صعب حيث لا يتيسّر لهم توفير الحد الأدنى مما يلزمهم من الطعام ونحوها من المستلزمات المعيشية. فما هو توجيه المرجعية الدينية في هذا الصدد؟

أفيدونا مشكورين

جمعٌ من المؤمنين

صفحة 98

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ توفير الحاجات الأساسية للعوائل المتضررة من الأوضاع الراهنة هو بالدرجة الأساس من مسؤولية الجهات الحكومية المعنيّة ولكن في ظل عدم الاهتمام الكافي منها بذلك لا مناص من التوجّه إلى سائر الأطراف القادرة على المساهمة في هذا الأمر المهم الذي هو من أفضل الخيرات والقربات.

والعمل بما يفي بالمقصود يتطلّب تعاوناً وثيقاً من عدّة أطراف:

1. أهل الخير من المتمكنين ماليّاً، بأن يساهموا بما يتيسّر لهم في هذا المجال ويمكنهم احتساب ما يدفعونه من الحقوق الشرعية، مع رعاية الضوابط المقرّرة في كيفية صرفها وتوزيعها.

2. التجّار ممّن تتوفر لديهم المواد الغذائية ونحوها، بأن يعرضوها للبيع ولا يرفعوا من أسعارها بل ينبغي أن تكون مدعومة.

3. مجاميع من الشباب الغيارى يتطوعون للتعرّف على العوائل المتعففة وإيصال المواد المخصّصة لها، بعد التنسيق في حركتهم مع الجهات الرسمية في ظل منع التجول الساري في معظم المناطق، ولا بد من أن يتخذوا كافّة الإجراءات الاحترازية لئلاّ تنتقل العدوى إليهم لا سمح الله.

صفحة 99

وينبغي لأصحاب المواكب الحسينية الكرام ــ الذين كان لهم دورٌ مشرّف في ردف المقاتلين الأبطال بكلّ ما يحتاجونه في أيّام الحرب مع داعش ــ أن يستعيدوا نشاطهم باتجاه دعم واسناد العوائل المتضررة في الوقت الراهن مع رعاية ما تقدّم آنفاً.

نسأل الله العليّ القدير أن يأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح ويدفع هذا البلاء عن البلاد، إنّه رؤوفٌ رحيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

25/ رجب /1441هـ

مكتب السيد السيستاني (دام ظلّه)

النجف الأشرف

https://www.sistani.org/arabic/archive/26395/

صفحة 100

دعوة مكتب سماحته (دام ظلّه) إلى رعاية الإجراءات الوقائية بعد تزايد عدد الإصابات بوباء كورونا في العراق

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها العراقيون الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في هذه الأيام الصعبة حيث تزداد أعداد المصابين بوباء (كورونا) في مختلف المناطق بصورة غير مسبوقة ـ ولا سيما في العاصمة العزيزة بغداد ـ نتوجّه اليكم مرة أخرى لنناشدكم وندعوكم الى مزيد من الحيطة والحذر، ونؤكد عليكم بضرورة الاهتمام بتطبيق الإجراءات الوقائية التي توصي بها الجهات المعنية كتجنب التلامس مع الآخرين والاحتفاظ بمسافة معينة منهم واستخدام الكمامات والتقيد بغسل اليدين بالمواد المنظفة او تعقيمهما ونحو ذلك.

صفحة 101

إن الالتزام الصارم بهذه الإجراءات ونحوها يساهم بشكل فاعل ـ كما يقول أهل الاختصاص ـ في الحدّ من انتشار هذا الوباء وتقليل عدد الإصابات به، ومن هنا فإن رعايتها يتسم بأهمية كبيرة وبات أمراً ضرورياً لا يصح التساهل والتسامح بشأنه، ولا سيما مع ما يعاني منه البلد من ضعف الإمكانات المتاحة لتوفير العناية الطبية اللازمة للأعداد المتزايدة من المصابين التي تغص بهم العديد من المستشفيات وغيرها.

إن الحيلولة دون انتشار هذا الوباء بأوسع مما هو عليه في الوقت الحاضر مسؤولية الجميع مواطنين ومسؤولين، فلا بد من أن يكون الجميع على مستوى هذه المسؤولية الكبيرة ويتعاونوا في اجتياز هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر والتبعات.

ولنتذكر جميعاً أن الكوادر الطبية والتمريضية يتحملون عبئاً عظيماً في القيام بمهامهم في علاج المصابين والعناية بهم، ويواجهون هم وأسرهم معاناة شديدة لا يعلم مداها الا القليل، بل إنهم يخاطرون بحياتهم في هذا السبيل، وقد تصاعدت اعداد الإصابات في صفوفهم في المدة الأخيرة، فلا بد من أن يسعى الجميع في التخفيف عنهم

صفحة 102

بمزيد من الحرص على رعاية الإجراءات الوقائية من الإصابة بهذا الفايروس لئلا تتضاعف اعداد المصابين به بما يحمّلهم أعباءً إضافية ويزيد من صعوبة أدائهم لواجباتهم.

وإننا إذ نحييهم بإكبار وإجلال ونشدّ على أيديهم ونشيد بجهودهم المتواصلة وتضحياتهم الجليلة في سبيل خدمة شعبهم وأداء واجبهم الديني والوطني والإنساني ندعو الله العلي القدير أن يحفظهم ويحميهم ويمنحهم ما يوازي حجم عطائهم الكبير من أجر وخير وصحة وبركات، كما ندعوه تبارك وتعالى أن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ويدفع البلاء والوباء عن الجميع، إنه سميع مجيب.

13/ شوال/1441هـ

مكتب السيد السيستاني (دام ظله) ـ النجف الأشرف

https://www.sistani.org/arabic/archive/26450/

تم بحمد الله

One تعليق

أحدث العناوين