الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / الامام الباقر عليه السلام

الامام الباقر عليه السلام

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 041
عدد الصفحات:42
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يقدم هذا الكراس دراسة موجزة لسيرة الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، مسلطاً الضوء على دوره الريادي في التأسيس العلمي والفكري لمدرسة أهل البيت (ع) في مرحلة تاريخية حساسة من عمر الأمة.

أبرز محاور البحث:

  • الهوية والمنزلة: يتناول الكراس ميلاد الإمام ونسبه الطاهر، فهو أول إمام يجتمع فيه نسب الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، مبرزاً دلالة لقبه “الباقر” الذي يعود لتبقره في العلم وشق أسراره كما تنبأ بذلك جده رسول الله (ص).
  • المشروع العلمي والمعرفي: يركز البحث على النهضة العلمية التي قادها الإمام الباقر (ع)، حيث استثمر فترة ضعف الدولة الأموية لبناء مدرسة فقهية وعقائدية متكاملة، خرّجت المئات من العلماء والرواة، مما حفظ للإسلام هويته الأصيلة.
  • ترسيخ المرجعية الدينية: يوضح الكراس كيف ثبت الإمام الباقر (ع) قواعد الاجتهاد والاستنباط، ووضع الأسس المنهجية التي ميزت مدرسة أهل البيت (ع) عن غيرها من التيارات الفكرية والفقهية الناشئة في عصره.
  • الدور التربوي والاجتماعي: يتطرق المؤلف إلى السجايا الأخلاقية للإمام، من الحلم والكرم والعبادة، وكيف كان يمثل القدوة العملية والملجأ الاجتماعي لعامة المسلمين، معززاً قيم التقوى والعلم.
  • المواجهة مع السلطة والشهادة: يستعرض الكراس المواقف السياسية للإمام وتصديه لسياسات التجهيل الأموية، وصولاً إلى استشهاده مسموماً بأمر من هشام بن عبد الملك، مؤكداً على بقاء أثره العلمي كركيزة أساسية للتشيع.
صفحة 1
cover image
صفحة 2

عنوان الإصدار  : الإمام محمد الباقر عليه السلام

إعداد : د. السيد حسين البدري

سنة الإصدار : 2023/1444

نوع الإصدار  : إلكتروني ـ PDF

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع  : fajrashura.com

صفحة 3

عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام :

يا جابر أيكتفي من اتَّخذَ التشيُّع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟ .

فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ،

وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع ، و التخشع ،

و أداءِ الأمانة ،

و كثرةِ ذكرِ الله ، والصومِ والصلاة ،

والبرِّ بالوالدين ،

والتَعُّهِدِ للجيران من الفقراء ، وأهلِ المسكنة والغارمين والأيتام ،

وصِدْقِ الحديث وتلاوةِ القرآن ،

وكَفِّ الألسنِ عن الناس إلا من خير ،

و كانوا امناءَ عشائرهم فى الأشياء .

وعنه عليه السلام أنه قال لخيثمة :

أبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره.

صفحة 4
صفحة 5

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد.. فان الإنسان في مسيره في الحياة الدنيا يحتاج إلى مُلهم يأنس باسمه ويسمو حين يتعرف على خصائصه وصفاته ويتألَّق حين يتبعه ويجعله نصب عينيه، هكذا خلق الإنسان ليتخذ قدوة وأسوة يتخطى بها المفاوز ومفترقات الطرق والملمات.

والإمام الباقر عليه السلام هو من تلك السلسلة الذهبية التي تَطَّلع إليها العلماء والصالحون جيلا بعد جيل ونادوا باسمه لمِا حواه من السمو في الذات وصلاح الصفات وطهارة النشأة والتوسع في المعرفة وصدق وراثة خاتم النبيينصلى الله عليه وآله انه ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ 36 رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ7﴾.(1)

قال الكميت رحمه الله في مدحهعليه السلام:


(1) النور/35ـ37.

صفحة 6

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

لم يبقَ إلاّ شامت أو حاسد

وبقى على ظهر البسيطة واحد

فهو المراد وأنت ذاك الواحد(1)

وقال المغربي:

يا ابن الذي بلسانه وبيانه

هدي الأنام ونزل التنزيل

عن فضله نطق الكتاب وبشّرت

بقدومه التوراة والإنجيل

لولا انقطاع الوحي بعد محمد

قلنا محمد من أبيه بديل

هو مثله في الفضل إلاّ أنّه لم

يأتِه برسالة جبريل(2)

وفيما يلي طرف من سيرة هذا الإمام العظيم التي أوردناها باختصار.

د. السيد حسين البدري

مسؤول وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة

1 رجب الأضب 1444 هجرية

الموافق لـ 24/1/2023

قم المشرفة


(1) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج٣ ص٣٢٩.

(2) نفسه: ج ٣ص ٣١٥.

صفحة 7


الإمام الباقر عليه السلام

ولادته ونشأته

هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهو خامس أئمة المسلمين، أبوه الإمام السجاد عليه السلام، أمّه فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام قال الإمام الصادق عليه السلام: «كانت صديِّقة لم تدرك في آل الحسن امرأة مِثلها»،(1) فهو أول هاشمي ولد من أبوين هاشميين، وأول علوي ولد من علويين.(2)

وقد اشتهر عليه السلام بالباقر، وأشار النبيّ صلى الله عليه وآله إلى هذا اللقب قائلاً: «يبقر العلم بقراً».(3) أي يشق العلم شقاً و يخرج كنوزه من مخبئه الذي كان يُحيط به.

كنيته أبو جعفر، وهي الكنية المشهورة في الكتب الحديثية.(4) وقد لقبه بذلك جده المصطفى صلى الله عليه وآله.

ولد عليه السلام في المدينة المنورة في يوم الجمعة الموافق للأول من رجب سنة 57 هـ، وهناك من ذهب إلى أنّ ولادته كانت في الثالث من صفر من نفس


(1) الكليني، الكافي، ج1 ص469.

(2) المفيد، الإرشاد، ص508.

(3) الكليني، الكافي، ج1، ص469

(4) جميع مصادر ترجمته قاطبة.

صفحة 8

السنة وهناك من ذهب أنها كانت في سنة 56 او 59 وهي أقوال غير مشهورة.(1)

وقد نشأ بالمدينة في كنف والده الإمام العظيم الشأن علي بن الحسين زين العابدينعليه السلام. ونهل من علمه وأخلاقه ما ظهر للعيان وسارت به الركبان.

التسمية واللقب

سَمّاهُ جدُه رسولُ الله صلى الله عليه وآله بمحمد، ولقّبه بـ (الباقر) قبل أن يولد بعشرات السنين، ورواية جابر بن عبد الله الأنصاري وغيرها من الروايات تشير إلى ذلك.(2)

منها ما رواه ابن قتيبة الدينوري عن الصحابي المعروف جابر بن عبد الله الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وآله قال له يوما: «يا جابر؛ إنك ستعمِّر بعدي حتى يُولد لي مولود اسمه كاسمي؛ يبقر العلمَ بقراً، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام. فكان جابر يتردد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر، حتى قال الناسُ: قد جُنَّ جابر. فبيْنا هو ذات يوم بالبلاط إذ بجارية يتورَّكها صبي، فقال لها: يا


(1) المجلسي، بحار الأنوار ج46، ص212.

(2) القمي الرازي، كفاية الأثر، ص144-145.

صفحة 9

جارية من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال: أدنيه مني، فأدنَتهُ منه؛ فقبل بين عينيه؛ وقال: يا حبيبي؛ رسول الله يقرئك السلام».(1)

ومنها ما رواه ابن عساكر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:

«دخلت على جابر بن عبد الله رحمة الله عليه، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السّلام، ثم قال لي: من أنت؟ وذلك بعد ما كفّ بصره؛

فقلت: محمد بن علي بن الحسين.

فقال: يا بُني أدن منّي، فدنوت منه، فقبّل يدي، ثم هوى إلى رجلي يقبّلها، فتنحّيت عنه.

ثم قال لي: إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله يُقرئك السلام.

فقلت: وعلى رسولِ اللهِ السلام ورحمة الله وبركاته، وكيف ذلك يا جابر؟

فقال: كنت معه ذات يوم، فقال لي: يا جابر لعلّك أن تبقى حتى تلقى رجلاً من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين يَهَبُ اللهُ له النُّور والحكمة، فأقرئه منّي السلام».(2)


(1) ابن قتيبة، عيون الأخبار: ج1 ص212 -213، والصفدي، الوافي بالوفيات ص103.

(2) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج54، ص276.

صفحة 10

وقد تكرر إقراء السلام من جابر عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله على الإمام الباقر عليه السلام في عدة مرات وعدة مواضع وفترات زمنية.

زوجاته وأولاده

ذكرت المصادر التاريخية أن من زوجاته أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وهي التي أنجبت الإمام الصادق عليه السلام وعبد الله، وله زوجة أخرى باسم أم حكيم بنت أسيد الثقفي التي أنجبت له ولدين وهما إبراهيم وعبد الله وتوفيا صغيرين، وزوجته الثالثة أم ولد أنجبت له علي وزينب وأم سلمة(1)، وعلى ما مر يكون للإمام الباقر عليه السلام سبعة أبناء خمسة ذكور وبنتان، وهناك أقوال أخرى تراجع في محلها.(2)

حضوره عليه السلام في كربلاء

لقد قضى الإمام طفولته في المدينة في كنف والده وجدّه عليهما السلام لمدة أربع سنين. وقد شهد واقعة عاشوراء في كربلاء حيث يشير الإمام نفسه في إحدى رواياته إلى هذا الأمر بقوله: «قتل جدي


(1) المفيد، الإرشاد، ص524، الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، ص375.

(2) راجع: محمد حسن آل ياسين، سيرة الأئمة الاثني عشر، ج 3 ص19.

صفحة 11

الحسين ولي أربع سنين وإني لأذكر مقتله وما نالنا في ذلك الوقت».(1)

مدة إمامته

قام الإمام الباقر عليه السلام بأمر الإمامة الإلهية في سنة 95 هـ. بعد شهادة أبيه عليه السلام، واستمرت إمامته وقيادته للكيان الشيعي إلى سنة 114ه‍ وهي السنة التي استشهد فيها عليه السلام.

دلائل إمامته

روى جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً قائلاً: «يا رسول الله ومَن الأئمةُ من ولد علي بن أبي طالب عليه السلام قال: الحسن والحسين عليه السلام سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيّد العابدين في زمانه علي بن الحسين عليه السلام، ثم الباقر محمد بن علي عليهما السلام وستدركه يا جابر…».(2)

وقد لفت الإمام زين العابدين عليه السلام عدة مرات أنظار الناس نحو الإمام الباقر عليه السلام؛ ليوضح لهم أنّه هو الإمام من بعده، فقد روى ولده عمر بن علي قال: «كان والدي يردد لقب الباقر، فقلت له: يا أبت! ولم سميته الباقر؟ قال: فتبسّم. وما


(1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص289.

(2) القمي الرازي، كفاية الأثر، ص144-145.

صفحة 12

رأيته تبسم قبل ذلك… ثم قال: يا بني إن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا عجل الله تعالى فرجه… فيملأها قسطاً وعدلاً وإنه الإمام أبو الأئمة».(1)

وأورد الشيخ المفيد في الإرشاد ما يشير إلى إمامته: «وكان الباقر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام من بين إخوته خليفة أبيه علي بن الحسين ووصيه والقائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد، وكان أنبههم ذكراً وأجلهم في العامة والخاصة وأعظمهم قدراً، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر عليه السلام، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين وصار بالفضل به علَماً لأهله تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار».(2)

الخلفاء المعاصرون

لقد عاصر عليه السلام في مدة إمامته خمسة من خلفاء بني أمية:


(1) القمي الرازي، كفاية الأثر، ص237.

(2) المفيد، الإرشاد، ص509.

صفحة 13

1. الوليد بن عبد الملك (86 – 96).

2. سليمان بن عبد الملك (96 – 99).

3. عمر بن عبد العزيز (99 – 101).

4. يزيد بن عبد الملك (101 – 105).

5. هشام بن عبد الملك (105 – 125).

وقد تميّز كل الخلفاء – ما عدا عمر بن عبد العزيز – بظلمهم لجميع المسلمين وخاصة الشيعة منهم.

استشهاده

رحل الإمام الباقر عليه السلام إلى ربه في اليوم السابع من شهر ذي الحجّة سنة 114 هـ(1) وقيل 117 هـ(2)، وهناك أقوال أخرى، وقد دفن عليه السلام في القبة التي بها العباس بن عبد المطلب؛ إلى جانب قبر والده وعم أبيه الإمام الحسن عليه السلام في المدينة المنورة في مقبرة البقيع.(3)

وقد اختلف المؤرخون فيمَن أمر بسُمِّ الإمام الباقر عليه السلام فبعض المصادر ترى أن شهادته كانت


(1) النوبختي، فرق الشيعة ص61.

(2) سبط بن الجوزي، تذكرة الخواص، ص 306.

(3) الكليني، الكافي، ج1، ص469. المفيد، الإرشاد، ص508، وكشف الغمة للإربلي، ج3 ص85.

صفحة 14

على يد هشام بن عبد الملك نفسه(1)، والبعض الآخر يرى أن إبراهيم بن الوليد هو المسؤول عن سمّ الإمام.(2) والبعض الآخر يرى أنّ زيد بن الحسن الذي كان يكنّ للإمام حقداً دفيناً هو الذي قام بهذه المؤامرة.(3) وعلى كل حال، فإنّ شهادة الإمام الباقر عليه السلام كانت في فترة خلافة هشام بن عبد الملك(4)؛ لأنّ خلافته استمرّت من سنة 105 إلى سنة 125 هـ، ولا تتجاوز آخر سنة ذكرها المؤرخون في بيان وفاة الإمام الباقر عليه السلام سنة 118 هـ. ومع اختلاف النصوص بحسب الظاهر في تحديد المسؤول عن شهادته، لا يبعد أن تكون كلها صحيحة، إذ قد تكون هناك أيادٍ متعددة شاركت في اغتيال الإمام الباقر عليه السلام حيث تشير كل رواية إلى واحد منهم.

باقر العلم

ان اهم مما حققته نهضة الإمام الحسين عليه السلام فك الطوق عن حملة حديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام


(1) الكفعمي، المصباح، ص691.

(2) الطبري، دلائل الإمامة، ص216. ابن شهر آشوب، المناقب، ج4، ص228.

(3) النوبختي، فرق الشيعة، ص61.

(4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص289. المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص219.

صفحة 15

الذين أرادت الدولة الأموية القضاء عليهم وعلى الأحاديث التي يحملونها في صدورهم، بفعل تضحيات سيد الشهداء عليه السلام وأهل بيته وأصحابه وظلامتهم تصدّعت هيمنة الدولة الأموية وتسلطها وثار أهل المدينة واقتتل أهل الشام وثار أهل مكة وكل ذلك ببركة دم الحسين عليه السلام، وبذلك انشغلت الدولة الأموية لمدة عشرين سنة حتى أيام هشام بن عبد الملك بن مروان عن متابعة حملة حديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام واغلبهم في الكوفة وتنفس هؤلاء الصعداء ولو لبرهة من الزمن وأخذ الجيل الجديد هذه الأحاديث منهم والتي تدعوا إلى الالتفاف حول أهل البيت عليهم السلام والتقيّد بفقههم وعلمهم وتفسيرهم للقرآن الكريم.

أما الإمام زين العابدين عليه السلام فكانت حركته في أيام إمامته مصحوبة بالتقية وترك الاصطدام بالأمويين سياسيا وعسكريا ولم يعد التكليف الشرعي هو الاستمرار بالخروج بل التكليف هو اصطناع التلاميذ وتربية الفقهاء على وفق مدرسة علي ابن ابي طالب عليه السلام.

وتدرج الإمام زين العابدين عليه السلام للانطلاق في

صفحة 16

المجتمع وتربية التلاميذ في ثلاثة: مراحل فالأولى اعتزل فيها الحياة السياسية؛ ونصب خيمة خارج المدينة يندب أباه الحسين عليه السلام إلى جنب العبادة فكان يصلي باليوم والليلة ألف ركعة، ويقضي حوائج الناس ويتصدق على فقرائهم ويرعى أيتامهم خصوصا بعد وقعة الحرة، وقد دامت هذه المرحلة ست إلى سبع سنين. والثانية أعاد فيها الانفتاح على المجتمع؛ حيث انطلق عليه السلام يروي مآثر ومواقف أبيه علي عليه السلام ويتدرج مع الناس في ذلك، إلى جنب ما صدر منه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى والبر بعباده مما طار صيته بين المسلمين وذاع خبره في الأوطان. والثالثة: حين برز كفقيه في الأوساط الإسلامية، قال سعيد بن المسيّب وهو من معاصريه: «ما رأيت قطّ أفضل من عليّ بن الحسين» وقال الزهري وهو من معاصريه ايضا: «ما رأيتُ قرشياً أفضل منه»، وقال سفيان بن عيينة «ما رأيت هاشميّا أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه»، وعده الشّافعيّ أنّه: «أفقه أهل المدينة».(1)

واستطاع الإمام عليه السلام على الرغم من الظروف


(1) رسائل الجاحظ: 106.

صفحة 17

القاسية ان يربي ثلة مخلصة ويصطفيهم بالعلم والفقاهة مثل أبي حمزة الثمالي وعطية العوفي وأبي خالد الكابلي وغيرهم.

لقد مهَّد الإمام زين العابدين عليه السلام بهذا التدرّج للنهضة العلمية الكبيرة التي سوف يضطلع بها ابنه الإمام الباقر عليه السلام ومن بعده حفيده الإمام الصادق عليه السلام لنشر علم وفقه علي عليه السلام الذي دوّنه عن النبي صلى الله عليه وآله في صحيفة طولها سبعون ذرعا وورثها الأئمة عليهم السلام كابرا عن كابر.

لقد سار الإمام الباقر عليه السلام على نهج أبيه الإمام زين العابدين في سلوك التقية وعدم ممارسة النشاط السياسي وعدم الاصطدام بالدولة الأموية، والهدف مواصلة تربية التلاميذ والدفاع عن الإسلام برد الهجمات والدعوات الفكرية الضالة.

وقد امتازت السنوات 94 إلى 114 هجرية بظهور كثير من المدارس الفقهية وهي أكثر فترة اشتهر فيها نقل الحديث والبحث عن التفسير، ويمكن إرجاع ذلك إلى الانفراج الجزئي الحاصل أثر ضعف الدولة الأموية بسبب النزاع الحاصل بين زعماءها للسيطرة على السلطة، وقد

صفحة 18

برز في تلك الفترة جمع من العلماء بذلوا جهداً واسعاً في رواية الحديث والإفتاء، أمثال الزهري ومكحول وهشام بن عروة وغيرهم، كما برزت في تلك الفترة بعض الفرق مثل الخوارج والمرجئة والغلاة، وبدأت بنشر وإشاعة عقائدها بين الناس.

لقد قام الإمام الباقر عليه السلام في تلك الحقبة الزمنية بحركة علمية واسعة استمرت حتى بلغت ذروتها في إمامة ابنه الإمام الصادق عليه السلام، فقد حصل بعد ظهور الإمام الباقر عليه السلام تقدّم واسع في هذا الصعيد، وظهرت حركة علمية ثقافية جديرة بالإكبار في أوساط الشيعة والتي كسرت حاجز التقية إلى حدّ ما، وأزالت حالة الانحسار الذي مني به الفكر الشيعي في دوائر خاصة، ففي ذلك الوقت بدأ الشيعة بتدوين علومهم الإسلامية كالفقه والتفسير والأخلاق و… وقد بلغت من الوفرة حدّاً لو تم مقارنته بما نقل عن أبناء الحسن والحسين (عليهما السلام) قبله لكان ما نقل «لا يساوي معشار ما نقل عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام».(1)


(1) المفيد، الإرشاد، ص507.

صفحة 19

لقد قام الإمام الباقر عليه السلام بردّ طريقة أصحاب القياس،(1) كما انه واجهة الآراء المنحرفة التي اظهرها سائر الفرق الإسلامية المنحرفة، ووضع حدّاً فاصلاً بين عقائد ومعارف أهل البيت عليهم السلام الصحيحة وبين عقائد سائر الفرق، فقد كان يقول عن الخوارج ما نصّه: «إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم إن الدين أوسع من ذلك».(2)

لقد كان ديدن العلماء الوقوف بتواضع وخضوع قلّ نظيره حين طلبهم العلم والتتلمذ عند الإمام الباقر عليه السلام، فعن عبد الله بن عطاء المكي قال: «ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام، وقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلّمه».(3)

لم تكن شهرة الإمام الباقر عليه السلام العلمية مقتصرة على أهل الحجاز، بل عمّت العراق وخراسان بشكل واسع، حيث يقول الراوي: «رأيت أهل


(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج18، ص39.

(2) الطوسي، التهذيب، ج1، ص241.

(3) المفيد، الإرشاد، ص510. الإربلي، كشف الغمة، ج2، ص117-118.

صفحة 20

خراسان التفّوا حوله حلقات يسألونه عمّا أشكل عليهم».(1)

وكان الإمام الباقر عليه السلام قد تدرّج مع بعض تلاميذه في التربية والتعليم حتى عرّفهم مكامنه وأصوله، عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجد؟ (أي ميراث الجد).

فقال: ما أحد قال فيه إلا برأيه إلا أمير المؤمنينعليه السلام.

قلت: أصلحك الله فما قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام؟

فقال: إذا كان غدا فالقني حتى اقرئكه في كتاب علي عليه السلام.

قلت: أصلحك الله حدثني فان حديثك احب الي من أن تقرئينه في كتاب.

فقال لي الثالثة: اسمع ما أقول لك، إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب.

فاتيته من الغد بعد الظهر، وكانت ساعتي التي كنت أخلو به فيها بين الظهر والعصر، وكنت اكره أن اسأله إلا خاليا خشية ان يفتيني من اجل من يحضرني بالتقية.

فلما دخلت عليه اقبل على ابنه جعفر فقال أَقْرِئ


(1) الكليني، الكافي، ج6، ص266. المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص357.

صفحة 21

زرارة صحيفة الفرائض ثم قام لينام.

فبقيت أنا وجعفر في البيت، فقام واخرج الي صحيفة مثل فخذ البعير.

فقال عليه السلام: لست أُقرئَكَها حتى تجعل أن لا تحدث بما تقرأ فيها أحدا أبدا حتى آذن لك ولم يقل حتى يأذن لك أبي!

فقلت: أصلحك الله ولم تضيق علي ولم يأمرك أبوك بذلك!؟

فقال: ما أنت بناظر فيها إلا على ما قلت لك، فقلت فذلك لك. وكنت رجلا عالما بالفرائض والوصايا بها حاسبا لها البث الزمان اطلب شيئا يلقى علي من الفرائض والوصايا لا اعلمه فلا اقدر عليه.

فلما ألقي إلي طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ يعرف أنه من كتب الأولين فنظرت خلاف ما بأيدي الناس من الصلب والأمر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف وإذا عامته كذلك، فقرأته حتى اتيت على آخره بخبث نفس وقلة تحفظ وأسقام رأي وقلت وانا اقرأه باطل حتى أتيت على آخره ثم أدرجتها ودفعتها إليه.

فلما أصبحت لقيت أبا جعفر عليه السلام فقال لي:

صفحة 22

أقرأت صحيفة الفرائض؟

فقلت: نعم

فقال: كيف رأيت ما قرأت؟

قال قلت: باطل ليس بشيء هو خلاف عليه ما الناس ؟

قال: فان الذي رأيت والله يا زرارة الحق الذي رأيت إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده فأتاني الشيطان فوسوس في صدري. فقال: وما يدريه انه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام فقال لي قبل أن انطق: يا زرارة لا تشكن ود الشيطان والله انك شككت وكيف لا ادري انه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده وقد حدثني أبي عن جدي ان أمير المؤمنين عليه السلام حدثه ذلك»!!.(1)

ونُشير تباعاً وباختصار إلى ميراث الإمام الباقرعليه السلام العلمي في الفروع المختلفة:

التفسير

لقد خصّص الإمام الباقر عليه السلام جانباً كبيراً من وقته لتفسير القرآن، حيث تناول فيه جميع شؤونه، وقد أخذ عنه علماء التفسير على اختلاف


(1) الطوسي، تهذيب الأحكام ج9 ص272.

صفحة 23

آرائهم وميولهم الشيء الكثير، وقد قيل أن للإمام الباقرعليه السلام كتاباً في تفسير القرآن ذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه الفهرست.(1)

وقد حصر الإمام أبو جعفر عليه السلام معرفة الكتاب العزيز بـأهل البيت عليهم السلام، فهُم الذين يعرفون محكمه ومتشابهه والناسخ من المنسوخ، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: «إنّه ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه».(2)

الحديث

لقد أولى الإمام أبو جعفر عليه السلام المزيد من اهتمامه للحديث الوارد عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وعن آبائه الأئمة الطيبين، وقد روى عنه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألفَ حديث، وأبان بن تغلب مجموعة كبيرة، كما روى عنه غيرهما من أعلام أصحابه طائفة كبيرة من الأخبار.

والشيء المهم أنّ الإمام أبا جعفر قد اهتمّ بفهم الحديث والوقوف على معطياته،‌ وقد جعل


(1) ابن النديم، الفهرست، ص59. باقر شريف القرشي، حياة الإمام محمد الباقر، ج1، ص174.

(2) مجموعة من المؤلفين، أعلام الهداية، ص320.

صفحة 24

المقياس في فضل الراوي هو فهمه للحديث ومعرفة مضامينه، فمثلاً يُروى عنه قوله: «اعرف منازل الشيعة على قدر رواياتهم ومعرفتهم، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات‏ يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان».(1)

علم الكلام

إنّ عصر الإمام الباقر عليه السلام نظراً إلى إتاحة الفرصة بسبب قلة سيطرة السلطة الحاكمة وفّر الفرصة، وأتاح المجال لظهور عقائد وأفكار مختلفة مما أدّى إلى إيجاد وانتشار أفكار منحرفة في المجتمع، فكان على الإمام عليه السلام في هذه الظروف بيان عقائد الشيعة الأصيلة ومجابهة العقائد الباطلة والردّ على الشّبهات المطروحة. وعليه كانت مطارحات الإمام عليه السلام الكلامية ناظرة لهذه الأمور والتي منها: عجز العقول عن إدراك حقيقة الله،(2) وأزلية واجب الوجوب،(3) ووجوب طاعة الإمام.(4)


(1) باقر شريف القرشي، حياة الإمام الباقر عليه السلام، ج1، ص140-141.

(2) الكليني، الكافي، ج1، ص82.

(3) المصدر السابق، ص88-89.

(4) الكليني، الكافي، ج1، ص185.

صفحة 25

وقد ترك لنا الإمام تراثاً كبيراً في مجالي الفقه(1) والتأريخ.(2)

مناظرات الإمام عليه السلام

وكانت من جملة النشاطات العلمية للإمام الباقر عليه السلام هي مناظراته مع الكثير من العلماء والمفكرين بل ومع الزنادقة والمنحرفين وفي شتى المواضيع المختلفة، وكان منها:

مناظرته عليه السلام مع أسقف النصارى.

مناظرته عليه السلام مع الحسن البصري.

مناظرته عليه السلام مع قتادة بن دعامة.

مناظرته عليه السلام مع هشام بن عبد الملك.

مناظرته عليه السلام مع محمد بن المنكدر.

مناظراته عليه السلام مع نافع بن الأزرق.

مناظرته عليه السلام مع عبد الله بن معمّ ر الليثي.

مناظرته عليه السلاممع قتادة بن دعامة.

تصدي الإمام عليه السلام للإسرائيليات

من الفئات التي كانت موجودة آنذاك في المجتمع الإسلامي وكان لها تأثير عميق في ثقافة المجتمع ذلك الوقت هم اليهود، فقد انتشر في المجتمع


(1) مجموعة من المؤلفين، أعلام الهداية، ج7 ص341-347.

(2) المصدر السابق330-334.

صفحة 26

الإسلامي آنذاك مجموعة من أحبار اليهود الذين تظاهروا باعتناق الإسلام ومجموعة أخرى لازالوا على الديانة اليهودية، وقد تصدّوا للمرجعية العلمية لطبقة من بسطاء المجتمع الإسلامي.

ومن هنا برزت ضرورة الوقوف أمام اليهود وإيحاءاتهم في الثقافة الإسلامية السيئة، وتكذيب الأحاديث المجعولة من قِبلهم عن أنبياء الله وبعض ما ينقلوه مما يشوّه سمعة الأنبياء، وقد تصدّى الإمام عليه السلام لهم بقوة وبشكل جيّد يكشف عن تعالي الإسلام وهيمنة الفكر الإسلامي على مثل هؤلاء المنحرفين ومع تلك الفرق الضالة. وقد أشار زرارة إلى هذه القضية بقوله:

كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر عليه السلام، وهو محتبٍ مستقبل القبلة، فقال: أما إن النظر إليها عبادة. فجاءه رجل من بجيلة، يقال له عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر: إنّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لـبيت المقدس في كل غداة.

فقال له أبو جعفر: فما تقول فيما قال كعب؟

قال: صدق القول ما قال كعب.

فقال له أبو جعفر: كذبت، وكذب كعب الأحبار

صفحة 27

معك، وغضب…

ثم قال: ما خلق الله عزّ وجلّ بقعة في الأرض أحبّ إليه منها… (1)

أصحابه وتلامذته

لقد تغيّرت الظروف السياسية للمجتمع الإسلامي في عصر الإمام عليه السلام تغيراً ملحوظاً مما أدّى إلى إتاحة الفرصة له بتشكيل مجتمع علمي قام من خلاله بتربية وتعليم مجموعة من العلماء الملتزمين بقيم الشريعة الإسلامية، ومن هنا عندما نلقي نظرة على صفحات تاريخ صدر الإسلام نجد في حياة الإمام عليه السلام العلمية عدداً كبيراً من أسماء تلامذته والشخصيات العلمية الممتازة في العالم الإسلامي.

ومع ذلك لا ينبغي الاعتقاد بأنّ الإمام الباقر عليه السلام كان في مأمن ومعزل عن المضايقات والمزاحمات التي أوجدتها الحكومات آنذاك ضد أهل البيت عليهم السلام، فممّا لا شك فيه إنّ الجوّ الحاكم على حياة الإمام الباقر عليه السلام آنذاك كان جوّ تقية بشكل شديد؛ وذلك لأنّ عدم الالتزام بالتقية مطلقاً – وفي هذا الجو الخاص الذي كان حاكماً على


(1) المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص354.

صفحة 28

المجتمع بسبب الحكومات الفاسدة – بمثابة رفع اليد عن النشاطات العلمية والابتعاد عن نشر المعارف الأصولية للدين.

إنّ الظروف المرحلية للإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام وفّرت لهما مجالاً لم يتوفّر لسائر الأئمة عليهم السلام، وهذه الظروف المناسبة كانت بسبب ضعف أساس الحكومة الأموية، فالاضطرابات الداخلية للنظام السياسي في ذلك العصر لم يسمح للحكام أن يضيّقوا على آل الرسول صلى الله عليه وآله بالمقدار الذي كان يفعله الحكّام السابقون، وهذه الأرضية المناسبة أدّت إلى أن ينشر الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام أكثر آراءهم الفقهية والتفسيرية والأخلاقية.

ولهذا استطاع فرد كـمحمد بن مسلم أن يروي عن الإمام الباقر عليه السلام 30000 حديث،(1) وجابر الجعفي 70000 حديث.(2)

ويعتقد علماء الشيعة أنّ أفقه الفقهاء في صدر الإسلام ستة أشخاص وكلّهم من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وهم: زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ المكي، وأبو بصير


(1) المجلسي، البحار، ج11، ص83.

(2) الدخيل، أئمتنا، ج1، ص347.

صفحة 29

الأسدي، وفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي وبريد بن معاوية العجلي.(1)

ذكر الشيخ الطوسي في كتابه الرجال أن أصحاب وتلاميذ الإمام الباقر عليه السلام الذين كانوا يروون الحديث عنه بلغوا 462 رجلاً وامرأتين.

كما اتفق المسلمون السنة والإمامية على توثيق بعض أصحاب وتلاميذ الإمام الباقر عليه السلام، وإن كان بعضهم لم يدخل في دائرة رجال أهل السنة الحديثية، ولم ينقل عنه الحديث بسبب توجهاتهم الشيعية العميقة، إلاّ أنّهم كانوا مورد وثاقة عند الشيعة الإمامية فحسب.

الإمام الباقر عليه السلام على لسان الفقهاء

إنّ شخصية الإمام الباقر عليه السلام لم تكن الفريدة من نوعها في رأي الشيعة الإمامية فحسب، بل إنّ علماء أهل السنة أيضاً يعتبرونه فريداً من نوعه. فيقول ابن حجر الهيتمي:

«أبو جعفر محمد الباقر، سمّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها، وأثار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا


(1) ابن شهر آشوب، المناقب، ج4، ص211.

صفحة 30

يخفى إلا على منطمس البصيرة، أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علَمه ورافعه… عمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة…».(1)

وتحدّث عبد الله بن عطاء عن إكبار العلماء وتعظيمهم للإمام الباقر عليه السلام وتواضعهم له، وهو من الشخصيات البارزة والعلماء العظام ما قوله: «ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي لتواضعهم له…».(2)

أما الذهبي فقد كتب في وصف الإمام الباقر عليه السلام قائلاً: «كان الباقر أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤود والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة».(3)

ذكر الله تعالى

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «كان أبي كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله،


(1) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص201.

(2) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص337. الإربلي، كشف الغمة، ج2، ص329.

(3) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج4، ص402.

صفحة 31

وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلّا الله.

وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ أمره بالذكر».(1)

البِرُّ بشيعته

عن الحسن بن كثير قال: «شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن علي عليهما السلام الحاجة وجفاء الإخوان.

فقالعليه السلام: بئس الأخ أخ يرعاك غنيّاً ويقطعك فقيراً، ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، فقال: استنفق هذا، فإذا نفدت فأعلمني».(2)

صفات الشيعة على لسان الإمام الباقر عليه السلام

عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

يا جابر أيكتفي من اتَّخذَ التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟.

فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه،

وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع، و التخشع،

و أداءِ الأمانة،


(1) الكليني، الكافي ج2 ص 499.

(2) الإرشاد، ج2 ص 166.

صفحة 32

و كثرةِ ذكرِ الله، والصومِ والصلاة،

والبرِّ بالوالدين،

والتَعُّهِدِ للجيران من الفقراء، وأهلِ المسكنة والغارمين والأيتام،

وصِدْقِ الحديث وتلاوةِ القرآن،

وكَفِّ الألسنِ عن الناس إلا من خير،

و كانوا امناءَ عشائرهم فى الأشياء.

وعنه عليه السلام أنه قال لخيثمة:

«أبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره».(1)

من وصاياه

۱ـ قال عليه السلام: «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر، إلّا نقص عقله مثل ذلك قلّ أو كثر».(2)

۲ـ قال عليه السلام: «الغنى والعزّ يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكّل استوطنا».(3)

۳ـ قال عليه السلام: «إيّاك والكسل والضجر؛ فإنّهما مفتاح كلّ شرّ، من كسل لم يؤدِّ حقّاً، ومن ضجر لم يصبر على حقّ».(4)


(1) أي من وعظ غيره ونصحه ولم يكن متعظا به. بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 2 ص 29.

(2) ابن الصباغ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، ج2 ص 887.

(3) نفسه.

(4) تحف العقول ص 295.

صفحة 33

5ـ قال عليه السلام: «أسد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كلّ حال، والإنصاف من نفسك، ومواساة الأخ في المال».(1)

***


(1) كنز العمّالج15 ص 822.

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين