التابع للأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة
قسم الشؤون الفكرية والثقافية
شعار العتبة الحسينية المقدسة
الرئيسية / الإصدارات / / نبوءة سورة الفجر بشهادة الامام الحسين (ع)
نبوءة سورة الفجر بشهادة الحسين (ع)
نبوءة سورة الفجر بشهادة الحسين (ع)

نبوءة سورة الفجر بشهادة الامام الحسين (ع)

العلامة السيد سامي البدي
الكراس رقم : 058
عدد الصفحات:39
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁
حجم الملف - 4.2m

صفحة 1
cover image
صفحة 2

العراق ـ النجف الأشرف – حي الكرامة
هاتف: 009647728220543

الهوية:

عنوان الإصدار : نبوءة سورة الفجر بشهادة الحسين عليه السلام

تأليف : السيد سامي البدري

إعداد وتصحيح : السيد د. حسين البدري

سنة الإصدار : 2024/1446 ـ رقم (58)

نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF

الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع : fajrashura.com

صفحة 3
صفحة 4
صفحة 5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

جاءت الرِّواية عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: «اقرؤوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، فإنها سورة الحسين بن علي، وارغبوا فيها رحمكم الله» .(1) وهذه الرِّواية تمثل رأي أهل البيت عليهم السلام من ذُرية الحسين عليه السلام في السورة.

أما المفسرون فقد ذهبوا مذاهب كثيرة بعضها يُناقض بعض، وقد جمع أقوالهم الطبرسي في مجمع البيان ولخصها السيد الطباطبائي في الميزان وسيأتي بيانها في البحث.

ومُنطلق هذا البحث هو رواية الإمام الصادق عليه السلام واللغة والثابت من التاريخ، ليسلط الضوء على: كيفية توظيف سورة الفجر قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في بناء البيت؛ للإنباء بثلاث نبوءات ، علما أن قريش في مكة من ذرية


(1) الصدوق، ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: ص123. ↗

صفحة 6

كعب (قريش البطاح) التي كذّبت محمد صلى الله عليه وآله وسعت إلى قتله هي صفوة قبائل كِنانة وكِنانة صفوة القبائل العَدنانية، والقبائل العَدنانية صفوة القبائل الإسماعيلية ولا تختلف في إيمانها بقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في بناء البيت ولا في التفاصيل الأساسية.

وهذه النبوءات الثلاث هي:

1. النبوءة بخاتم النبيين وانتصاره على قريش وسيادته في مكة ورؤياه في ولده الحسين عليه السلام المشابهة لرؤيا إبراهيم عليه السلام في ولده إسماعيل مع فرق الفداء.

2. النبوءة بقتل الحسين عليه السلام يوم العاشر من المحرم وكون دمه اصبح وتراً لابُد من الأخذ بثأره.

3. النبوءة بظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان ليأخذ ثأر الحسين عليه السلام العام من الأفراد والجماعة والدول الراضية بقتل الحسين عليه السلام ويقيم دولة العدل الإلهي المطلق على الأرض.

ثم وظَّفت قصة هود وصالح وفرعون مع أقوامهم لإعطاء معلومات عن النظام السياسي لقتلة الحسين عليه السلام وعن شخص الحسين عليه السلام وكون أبيه علي عليه السلام جعلت ناقة صالح رمزا له وهو عليه السلام فصيلها، وكون دمه نسف عجل السامري من جهة

صفحة 7

ومن جهة أخرى جعل السامري لعنة ابد الدهر.

ثم تحدثت عن مراحل انحراف النفس البشريَّة وبدئه وعُظمه وعلاج الانحراف لو أراد الإنسان أن يقي نفسه من الانحراف.

وفي ضوء ذلك: يُقدِّم البحث سورة الفجر لوحة فريدة في الحسين عليه السلام بالإنباء عن قتله وإعطاء معلومات عن شخصه وعن نظام قتلته، وعن الآخذ بثأره عالمياً في آخر الزمان، وعن بدء انحراف النفس التي لو تركت لَوَََصَلت إلى أعلى درجة من الانحراف إذ قَتَلَت الحسين عليه السلام بأبشع قتلة في التاريخ .(1)

وعلى ضوء ذلك سوف نُقَسِّم البحث كما يلي:

1. معنى البسملة وارتباطها بمضمون السورة.

2. تفسير الآيات 2- 5: وهي قَسَمٌ بأمور خمسة وتقريرها بأسلوب الاستفهام التقريري.

3. تفسير الآيات 6-13 وهي تُشكِّل جملة اعتراضية لها صلة بالقسم وبجوابه.

4. تفسير الآية 14 وهي جواب القسم.

5. تفسير الآيات 15 إلى 20وهي تتحدث عن


(1) انظر لوحة تفسير سورة الفجر في آخر هذا الكراس. ↗

صفحة 8

مراحل الانحراف في النفس البشرية.

6. تفسير الآيات من 21 إلى30 وهي خصوصية قاتل الحسين عليه السلام يوم القيامة وانه لا يعذب الله تعالى يوم القيامة أحدا بمثل عذابه.

7. تفسير الآية 27 إلى 30 وهي تبين خصوصية الحسين عليه السلام في يوم قتله ويوم القيامة.

وسوف نجعل في نهاية البحث خاتمة تستخلص جميع الافكار التفسيرية ونتائجها الوصفية التي ربما لم يتم الكلام عنها خلال البحث التفسيري.

السيد سامي البدري

الجمعة، 11جمادى الاولى/1445هـ
24/11/ 2023

صفحة 9

معنى البسملة

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾

خلاصة بحثنا في البسملة القرآنية:

إن افتتاح كل سُورة بالبسملة جاء للتَّحدي بالسورة قال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 23 فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ 24 ﴾ البقرة/23ـ24. فتكون معاني وألفاظ سورة الفجر تتحدى الإنس والجن انهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثلها أي بمثل معانيها التي جاءت بها وبألفاظ منهم.(1)

فمعانيها بعضها غيب وإخبار عن المستقبل وعن الماضي السحيق، وليس لأهل كل عصر معرفة ذلك.

أما ألفاظها فهي اختيار إلهي لتُعبِّر عن تلك المعاني وهي ألفاظ عربية. والشعراء يباري بعضهم بعضا في القصيدة بمعانيها لأنها معان مما يتداوله


(1) انظر بحثنا التفصيلي عن البسملة. ↗

صفحة 10

الشعراء بينهم وليس فيها غيب الماضي أو المستقبل، والمباراة والمعارضة لبعضهم البعض ميسَّرة، بحيث ديوان شعر كل شاعر حين يتضمن قصيدة ما وقد عارضها شاعر آخر فهي حين توضع في ديوانه بدلا من قصيدته الأصلية لا تكون غريبة عن الديوان بل كأنها هي، ولكنهم في سور القران لا يتمكن أي شاعر وبليغ منهم أن يصنع ذلك مع سور القرآن بل لو تعاون الشعراء لما قدروا على ذلك وهو واقع حالهم منذ نزول القران إلى اليوم وإلى آخر الدنيا.

ان معاني سورة الفجر التي أثرناها في المقدمة وهي إخبار بغيب يقع بعد نزولها يخص انتصار النبي صلى الله عليه وآله وهو محاصَر ومكذَّب من قريش البطاح وقد قررت اغتياله، و انه سيرى رؤيا في ولده الحسين عليه السلام من موقع انتصاره كرؤيا أبيه إبراهيم عليه السلام وانه سَيُذبح ولا يفديه الله كما فدى إسماعيل عليه السلام ليكون دمه المسفوك وترا، وليأخذ بثأره العام في آخر الزمان من كل راض بقتله شخصا كان أو جماعة أو دولة ويقيم دولة العدل على الأرض ولده التاسع من ذريته وان المؤمنين به الباكين عليه يمرون بأزمة استئصال في آخر الزمان ليفك عنهم الأزمة.

صفحة 11

إن هذه النبوءات ليست من قبيل الاستشراف السياسي الذي يستطيع القيام به كل خبير، بل هي إنباءات بوقوع حوادث لا ينبئ عنها الواقع الذي نزلت فيه ولن يستطيع أن ينبئ بها إلا الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض ولا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً 26 إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً 27 لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً 28 ﴾ الجن 26-28 .

إن بسملة افتتاح كل سورة ومنها سورة الفجر تشير إلى هذا التحدي لأنها سورة من كتاب نزل من عند الله ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 18 ﴾ التغابن/18، ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ 61 ﴾ يونس/61. وهذا الخالق عزيز لا يمتنع منه شيء أراده أو وعده، فأنه يحققه ولو بعد آلاف السنين ثم هو حكيم يضع الشيء في محله.

وخلاصة القول في البسملة هو:

﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ﴾ أي بسمو الله أي بعلوه على خلقه أو بعلامته التي تميُّزه عن خلقه وهي عُلوِّه عليهم وقهره لهم.

صفحة 12

ورحمته العامَّة بخلقه حيث يوفر لهم كل شيء يحتاجونه للهداية، ومما يحتاجونه معرفة هدف الخلقة، وقد شاءت حكمته ألاّ يكون الإنسان كمفردات الكون تهدى كل مفردة إلى هدف خلقتها تكوينيا ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ 38 وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ 39 لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 40 ﴾ يس/38ـ40 .

وهذا الرسول لا بد أن يؤيده الله بمعجزة ليُعرف انه رسول الله ليطاع بإذنه، فكانت معجزة موسى عليه السلام هي العصا واليد البيضاء، وكانت معجزة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله هي القران الذي يتألف من مائة واربع عشرة سورة يدل بمجموعه وكل سورة لوحدها على انه رسول الله.

وبرحمته الخاصة جعل يوما للحساب لتجزى كل نفس بعملها.

﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى 9 إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً 10 فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى 11 إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً 12 وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى 13 إِنَّنِي

صفحة 13

أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى 15 فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى 16 وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 17 قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى 18 قالَ أَلْقِها يا مُوسى 19 فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 20 قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأُولى 21 وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى 22 لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى 23 اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى 24 ﴾ طه9-24 .

والمفسرون جميعا قالوا أن الباء في البسملة له متعلق، ثم اختلفوا في تشخيصه فقال اغلبهم بل كلهم ان مُتعلَّق الباء في بَسملات القرآن هو (أَقرأُ )(للمتكلم) يفتتح بها قراءة القرآن، وقلنا في قبالهم أن متعلَّق الباء هو اقرأ (للمخاطب) وهو محمد صلى الله عليه وآله .(1)


(1) انظر بحثنا التفصيلي عن البسملة (بسملة القرآن الكريم هل هي لأدب الافتتاح أم للتحدي) 1444هـ – 2022م. ↗

صفحة 14

القَسَم: التاريخ والنبوءة في الآيات 2- 5

﴿وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤ هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥ ﴾

الواو: هي واو القَسم باتّفاق المفسرين جميعا.

الاستفهام بـ هل: هو استفهام تقريري (1) وليس استنكاري باتفاق المفسرين جميعا.

الفَجر: هو احد أمرين:

الأول: الفجر الصادق وهو بداية النهار الذي


(1) الاستفهام الإنكاري مثل قوله تعالى:﴿أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا﴾. والاستفهام التقريري. مثل قوله تعالى :﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ وقوله :﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، والاستفهام التقريري هو أن تطلب من المخاطب أن يقر بِما يُسأَلُ عنه ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله في سورة الضحى:﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾. يعني قد شرحنا لك صدرك يا محمد، وتقريره بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدرها حق قدرها، وقوله تعالى على لسان فرعون يخاطب موسى :﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا؟﴾. وفرعون يريد أن يقر موسى بذلك ليدينه بهذا، أي: كيف نربيك ثم تنقلب علينا؟ وقوله تعالى ممتناً على نبينا :﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ﴾ فهو استفهام تقريري، للامتنان على النبي صلى الله عليه وآله . وأما الاستفهام الإنكاري: فهو يدل على أن الأمر المستفهم عنه أمر منكر، وقد يكون هذا الذي ينكره العقل أو الشرع أو العرف أو القانون أو غير ذلك. وللاستفهام الإنكاري أنواع بحسب المراد بالإنكار، فقد يكون إنكاراً يراد به التوبيخ على أمر قد مضى، أو أمر قائم، أو إنكاراً للتكذيب وغير ذلك. ومن أمثلته قوله تعالى ﴿أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ﴾. ينكر عليهم إنكاراً فيه تكذيب لهم.. ↗

صفحة 15

يتكرر يوميا في قبال الليل، ولولا ثباته ورتابته لاستحالت الحياة على الأرض، ولما عُرِفَ الحساب والسنين فالقسم بها نظير القسم بالليل والنهار وبقية الظواهر الكونية التي تدل على الخالق المدبر ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً 12 ﴾ الإسراء/12.

الثاني: فجر يوم معين وهو يوم النحر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الذي وقعت فيه قصة اقدام إبراهيم عليه السلام على ذبح ولده إسماعيل عليه السلام بعد رؤيا رآها إبراهيم عليه السلام وعرضها على إسماعيل عليه السلام فاستجاب له ثم فداه الله بكبش عظيم(1) ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ


(1) عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: «لما أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام أن يَذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم عليه السلام أن يكون يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم أفهو أحب إليك أو نفسك؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي, قال: فولده أحب إليك أو ولدك؟ قال: بل ولده, قال: فذبح ولده ظلما على أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال: يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد صلى الله عليه وآله ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش فيستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم عليه السلام لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج1: ص 209، الصدوق، الخصال ج1ص58. ↗

صفحة 16

السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ 102 فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103 وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ 104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105 إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ 106 وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ 107 وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ 108 سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ 109 ﴾ الصافات/102ـ109

ودعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبارك في إسماعيل عليه السلام واستجاب الله دعاء إبراهيم في إسماعيل عليهما السلام وباركه بمحمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين واثني عشر إماما من أهل بيته . «وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً» .(1)

وبقرينة كون السورة مكية ولا خلاف فيه عند المفسرين وكون النبي صلى الله عليه وآله في مكة قد كذبته قريش


(1) سفر التكوين: الإصحاح 17، الفقرة 20. ↗

صفحة 17

واستضعفته وحاصرته وحاصرت أصحابه وعزمت على قتله غيلة فاضطُر إلى الهجرة، فإن المناسب لمعنى الفجر هنا ليس هو الأول بل الثاني، لأن ذرية إسماعيل عليه السلام من نبايوت بِكرُهُ تفتخر على بقية ذرية إسماعيل عليه السلام الآخرين به ، وقريش مكة هم صفوة ذُرِّية كِنانة وصفوة ذُرِّية عدنان والقبائل العدنانية صفوة القبائل الإسماعيلية .

وإذا كان الأمر كذلك، فإن السياق يقتضي حمل معنى الشفع والوتر على المعنى اللغوي الحقيقي:

فالشفع هو الفرد الذي إذا أضيف إلى مثله صار به زوجاً، ويكون المعنى: أن محمدا صلى الله عليه وآله سوف يأتي عليه يوم يكون سيد مكة كما كان إبراهيم عليه السلام سيد مكة، فهي نبوءة بانتصار خاتم النبيين على أهل مكة، وسوف يرى في ولده رؤيا كما رأى إبراهيم مع ملاحظة أن الله سوف لن يفدي ولد محمد صلى الله عليه وآله ، بل سوف يسفك دمه وفي هذه الحالة سوف يكون دمه وترا.

والوتر في اللغة هو الدَّم المسفوك ظلما.

وقد اتفق الشِّيعة والسُّنة على أن المهدي عليه السلام من ذرية فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وفي بعضها من ذرية

صفحة 18

الحسين عليه السلام سوف تكون له الدولة في آخر الدنيا، وبالتالي ينتقم من قتلة الحسين عليه السلام أو الراضين بقتله سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولا، وهي النبوءة الثالثة التي يشير إليها قوله ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ﴾ والليل هنا بمعناه اللغوي المجازي المعبر عن الحزن، أي سوف يذهب الحزن عند الأخذ بثأر الحسين عليه السلام وإقامة دولة العدل في العالم.

وبهذا الفهم نكون قد حافظنا على وحدة السياق في الكلام، والأصل فيه هو وحدة السياق إلا ما خرج بدليل، ومن ثم عرفنا من خلال هذا القسم نبوءات ثلاث كلها قد جاءت النصوص الدينية بها وقد عرفتها قريش المكذبة من قبل أو بسؤالها اهل الكتاب.(1)


(1) اما المفسرون فقد فسروا الأقسام بطريقة أخرى لا تنتج وحدة سياق ولا تنتج نبوءات الطبرسي والطباطبائي قال : ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ أقسم الله سبحانه بفجر النهار ، وهو انفجار الصبح كل يوم ، عن عكرمة والحسن والجبائي . ورواه أبو صالح، عن ابن عباس. وقيل: هو فجر ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام به فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشۡرٖ﴾ وهي عشر ذي الحجة، عن مجاهد والضحاك. وقيل: فجر أول المحرم، لأنه تتجدد عنده السنة، عن قتادة. وقيل: يريد فجر يوم النَّحر، لأنه يقع فيه القربان، ويتصل بالليالي العشر، عن أبي مسلم. وقيل: أراد بالفجر النهار كله، عن ابن عباس. ﴿وَلَيَالٍ عَشۡرٖ﴾: يعني العشر من ذي الحجة، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي. وروي ذلك مرفوعا شرفها الله ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير. وقيل: هي العشر الأواخر من شهر رمضان في رواية أخرى، عن ابن عباس. وقيل: إنها عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها. ﴿وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ﴾يعني الزوج والفرد من العدد كله، عن الحسن. قال أبو مسلم: هو تذكير بالحساب لعظم ما فيه من النفع، والنعم بما يضبط به من المقادير. وقيل: الشفع والوتر كل ما خلقه الله تعالى، لأن جميع الأشياء إما زوج وإما فرد، عن ابن زيد والجبائي. وقيل: الشفع الخلق لأنه قال ﴿وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ والوتر: الله تعالى، عن عطية العوفي وأبي صالح وابن عباس ومجاهد، وهي رواية أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: الشفع والوتر الصلاة، ومنها شفع ومنها وتر، وهي رواية ابن حصين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، عن ابن عباس وعكرمة والضحاك، وهي رواية جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والوجه فيه أن يوم النحر يشفع بيوم نفر بعده، وينفرد يوم عرفة بالموقف. وقيل: الشفع يوم التروية، والوتر يوم عرفة، وروي ذلك عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليه السلام. وقيل: إن الشفع والوتر في قول الله، عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ ﴾ فالشفع: النفر الأول، والوتر: يوم النفر الأخير، وهو الثالث. وأما الليالي العشر فالثماني من ذي الحجة، وعرفة، والنحر، عن ابن الزبير. وقيل: الوتر آدم شفع بزوجته، عن ابن عباس. وقيل: الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليل بعده، وهو يوم القيامة، عن مقاتل بن حيان. وقيل: الشفع صفات المخلوقين، وتضادها العز والذل، والوجود والعدم، والقدرة والعجز، والعلم والجهل، والحياة والموت. والوتر صفة الله تعالى إذ هو الموجود لا يجوز عليه العدم، والقادر لا يجوز عليه العجز، والعالم لا يجوز عليه الجهل، والحي لا يجوز عليه الموت. وقيل: الشفع علي وفاطمة عليهما السلام، والوتر محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر البيت الحرام. ﴿وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ﴾ اختلفوا في المراد به على وجهين أحدهما: إنه أراد جنس الليالي، كما قال ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ﴾ أقسم بالليل إذ يمضي بظلامه، فيذهب حتى ينقضي بالضياء المبتدئ، ففي سيره على المقادير المرتبة، ومجيئه بالضياء عند تقضيه، أدل دلالة على أن فاعله يختص بالعز والجلال، ويتعالى عن الأشباه والأمثال. وقيل: إنه إنما أضاف السير إليه لأن الليل يسير بمسير الشمس في الفلك، وانتقالها من أفق إلى أفق. وقيل: إذا يسري إذا جاء وأقبل إلينا، ويريد كل ليلة، عن قتادة والجبائي. والوجه الآخر: إن المراد به ليلة بعينها، تمييزا لها من بين الليالي. ثم قيل: إنها ليلة المزدلفة لاختصاصها باجتماع الناس فيها بطاعة الله تعالى، وفيها يسري الحاج من عرفة إلى المزدلفة، ثم يصلي الغداة بها ، ويغدو منها قوله تعالى : ﴿وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤ هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥ ﴾ الفجر الصبح والشفع الزوج، قال الراغب : الشفع ضم الشيء إلى مثله ويقال للمشفوع شفع . انتهى. وسرى الليل مضية وإدباره، والحجر العقل فقوله: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ إقسام بالصبح وكذا الحال فيما عطف عليه من ليال والشفع والوتر والليل. ولعل ظاهر قوله: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ أن المراد به مطلق الفجر ولا يبعد أيضا أن يراد به فجر يوم النحر وهو عاشر ذي الحجة. وقيل: المراد فجر ذي الحجة، وقيل: فجر المحرم أول السنة وقيل: فجر يوم الجمعة، وقيل فجر ليلة جمع، وقيل: المراد به صلاة الفجر، وقيل: النهار كله وقيل: فجر العيون من الصخور وغيرها وهي وجوه ردية. وقوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشۡرٖ﴾ لعل المراد بها الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى عاشرها والتنكير للتفخيم. وقيل: المراد بها الليالي العشر من آخر شهر رمضان، وقيل: الليالي العشر من أوله، وقيل الليالي العشر من أول المحرم، وقيل: المراد عبادة ليال عشر على تقدير أن يراد بالفجر صلاة الفجر . وقوله ﴿وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ﴾ يقبل الانطباق على يوم التروية ويوم عرفة وهو الأنسب على تقدير أن يراد بالفجر وليال عشر فجر ذي الحجة والعشر الأول من لياليها. وقيل : المراد صلاتا الشفع والوتر في آخر الليل ، وقيل : مطلق الصلاة فمنها شفع ومنها وتر ، وقيل : الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ، وقيل : الشفع جميع الخلق لأنه قال : ﴿وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ﴾ النبأ : 8 والوتر هو الله تعالى ، وعلى هذه الأقوال روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. وقيل: المراد الزوج والفرد من العدد ، وفي الأقسام بهما تذكير بالعدد لما في ضبط المقادير به من عظيم النعمة من الله سبحانه ، وقيل: الشفع والوتر جميع المخلوقات لان الأشياء إما زوج وإما فرد ، وقيل : الوتر آدم شفع بزوجته ، وقيل : الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة ، وقيل : الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام ، وقيل : الشفع أيام عاد والوتر لياليها ، وقيل : الشفع أبواب الجنة وهي ثمانية والوتر أبواب جهنم وهي سبعة إلى غير ذلك وهي كثيرة أنهاها بعضهم إلى ستة وثلاثين قولا ولا يخلو أكثرها من تحكم . وقوله : ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ﴾ أي يمضي فهو كقوله : ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ﴾ المدثر : 33 وظاهره أن اللام للجنس فالمراد به مطلق آخر الليل ، وقيل : المراد به ليلة المزدلفة وهي ليلة النحر التي يسرى فيها الحاج من عرفات إلى المزدلفة فيجتمع فيها على طاعة الله ثم يغدوا منها إلى منى وهو كما ترى وخاصة على القول بكون المراد بليال عشر هو الليالي العشر الأوائل منها .وقوله : « هل في ذلك قسم لذي حجر «الإشارة بذلك إلى ما تقدم من القسم . ↗

صفحة 19
صفحة 20
صفحة 21

مصير الأقوام المفسدين من خلال الآيات 6-13

﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣ ﴾.

الآيات 6-13 جاءت كجملة عرضية بين القسم وجوابه تتحدث عن ثلاثة أقوام مفسدين عاقبهم الله على إفسادهم.

والسؤال ما هي علاقة هذه الأقوام بآيات القسم؟

الجواب: أنها تريد ان تلمح إلى أمور تتعلق بالظالمين الذين ظلموا النبي صلى الله عليه وآله وهم قريش البطاح وحلفائها، وظلموا ولده الحسين عليه السلام وهم قريش الأموية ومن آزرها من مسلمة الفتوح وهم أهل الشام.

أما قريش البطاح وقريش الأموية وأهل الشام فتريد الآيات أن تقول : إن مصيرهم سوف يكون

صفحة 22

كمصير قوم هود وصالح وفرعون الذين اكثروا الفساد وحاصروا النبي ومن آمن معه لقتلهم فصبَّ ربك عليهم سوط عذاب.

ثم تريد أن تقول أن قتلة الحسين عليه السلام قوم لهم دولة وقوة نظير قوم عاد أو ثمود أو فرعون، وأنَّ الحسين عليه السلام شبيه موسى عليه السلام حين نَسَف عِجل السّامري بعصاه وجعل السّامري لعنة، والحسين عليه السلام نسف عجل بني أمية وجعل يزيد لعنة بدمه الشريف.

مضافا إلى ذلك تريد أن تقول أن الحسين عليه السلام يشبه فصيل ناقة صالح عليه السلام وأباه هو شبيه ناقة صالح عليه السلام وقد ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله بتشبيه علي عليه السلام بناقة صالح.(1)

وتريد أن تقول: أن ما يتقرب به هؤلاء إلى الله إن هي إلا أسماء سَمَّوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، وكذلك قتلة الحسين عليه السلام يتقربون بأسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل بها من سلطان.


(1) ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة: ج1 ص85- ترجمة عبد الرحمن بن مجلم المرادي- رقم ٦٣٩٦. ↗

صفحة 23

جواب القسم في الآية 14

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤ ﴾ هو جواب القسم، أي: بالمرصاد للظلمة لا سيما ظلمة الأنبياء وأوصيائهم .

وبعبارة اكثر وضوحا: إن ربك لبالمرصاد لقريش فسوف ينصر نبيَّه محمداً صلى الله عليه وآله عليهم حين حاربوه في العهدين المكي والمدني.

وبالمرصاد لبني أمية سوف ينتقم للحسين عليه السلام منهم، حين قتلوه مع أهل بيته رضوان الله عليهم.

وبالمرصاد للسُّفياني الذي يعمل على إعادة سلطان بني أمية وإحياء أطروحتهم في آخر الزمان.

أما قتلة الحسين عليه السلام فقد أعدَّ لهم العذاب الذي صبَّه على قوم عاد وثمود وفرعون، وذلك على مرحلتين الأولى قَتْل قَتَلة الحسين عليه السلام وإهلاك دولتهم، الثانية في آخر الزمان إذ ادخر الله تعالى المهدي عليه السلام التاسع من ذرية الحسين عليه السلام ليتحرك بالباكين على الحسين عليه السلام المؤمنين به وبأخيه وأبيه والتسعة من بنيه ليأخذ بثأره ممن رضي بقتل الحسين عليه السلام فردا كان أو جماعة أو دولة ثم يقيم بهم دولة العدل على الأرض.

صفحة 24

مراحل انحراف النفس في الآيات 15- 21

﴿ فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦ كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠ ﴾

هذه الآيات تتحدث عن مراحل انحراف النَّفس البَشرية تبدأ بقسوة القلب على اليتيم، وتنتهي بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة.

المرحلة الأولى من انحراف النفس: عدم إكرام اليتيم، عدم المبادرة بإكرام اليتيم عند رؤيته معناه موت الشعور بالآخرين وهي أول درجة من درجات قسوة القلب.

المرحلة الثانية من انحراف النفس: أنها لا تحث على طعام المسكين وهي الدرجة الثانية من قسوة القلب.

المرحلة الثالثة من انحراف النفس: انها تستسيغ اكل التراث؛ وهو الميراث حيث كانت قريش في

صفحة 25

الجاهلية لا يورِّثون النساء ولا يورِّثون الصغار (الضعيفان) وهي الدرجة الثالثة من قسوة القلب.

المرحلة الرابعة من انحراف النفس :أنها تحب المال حُبا جمًّا، الحب الجم: الحب الكثير الشديد، (وانه لحب الخير / الخير هو المال / لشديد) وهو كناية عن حب الدنيا، وهذا الحب رأس كل خطيئة، وقد خَيَّر عمر بن سعد نفسه بين ولاية الرَّي وهي أمنيَّته ودنيا وسوف لن ينالها إلا بقتل الحسين عليه السلام وبين الحرمان من (دنيا الرَّي) فاختار قتل الحسين عليه السلام ونُفَّذه بتلك الطريقة البشعة التي اسود لها جبين الدهر.(1)

وليس لحب الدنيا علاج إلا ذِكْر الموت والحساب، وقد وردت روايات كثيرة في ذلك.


(1) قال أبو مخنف عن الامام جعفر بن محمد بن علي عليه السلام : وجد بالحسين حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة واربع وثلاثون ضربة. وقال أبو مخنف ثم ان عمربن سعد نادى في أصحابه من ينتدب للحسين عليه السلام ويوطئه فرسه فانتدب عشرة فاتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره. ↗

صفحة 26

مصير قاتل الحسين عليه السلام في الآيات 21-26

﴿ كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢ وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذٍ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦ ﴾

خصوصية قاتل الحسين عليه السلام يوم القيامة أنه لا يعذب الله تعالى يوم القيامة أحداً بِمثل عذابه.

وتشير الآيات إلى أنَّ قاتل الحسين عليه السلام هو أكثر شخص عذاباً يومَ القيامة. (الدرجة القصوى)

صفحة 27

خصوصية الحسين عليه السلام في يوم قتله ويوم القيامة في الآيات27-30

﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨ فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩ وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠ ﴾

إنَّ الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء ازدلف إليه ثلاثون ألفاً لقتله وسبي عياله مع إعلام الدولة الاموية المطبق ضدَّه في شرق البلاد الاسلامية وغربها، ولكنه كان مطمئنا وواثقا بوعد الله له سوف يكفِّر عنه السَّيئات التي ألصقها به الإعلام الأموي الكاذب، وسوف تكون شهادته فاضحة لبني أمية وان طاعتَهم ليست من الدِِّين في شيء بل الدِّين يدعو إلى الإطاحة بهم وإلى البراءة منهم.

وقول الحسين عليه السلام كما يحكي الله تعالى عنه ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 15 أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي

صفحة 28

كانُوا يُوعَدُونَ 16 ﴾ الأحقاف .

فقوله إني تبت إليك هو نظير قول يونس عليه السلام : ﴿سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧ ﴾. يعني الإعلام الأموي يتهمني بأي ظالم، وانت تعلم بقضيَّتي، ولا ترضى أن أقتل مع ثبات إعلامهم بحقي، أريد منك شهادة وقتلا في سبيلك لتفضح إعلامهم الكاذب وتجرمهم أبد الدَّهر ثم تحوِّل نظرة إعلامهم عني وتحوله إلى ذِكر طيِّب.

وهكذا كان الأمر فإن نظرة الأمة جميعا إلى الحسين عليه السلام أنه ليس كما يقول الإعلام الأموي، بل تحول ذكرهم إلى لعنة وتحول ذكره إلى أحسن الذكر إلا عند بقية من أهل الشام سوف ينتقم منهم التاسع من ذرية الحسين عليه السلام ويقيم دولة العدل الإلهي في العالم.

صفحة 29

حصيلة البحث التفسيري في آيات السورة

1. موضوع السورة الأساس:

في ضوء ما تقدم يتبيّن ان القسم كان بأمور أربعة أحدها تاريخي والثلاث الباقية مستقبلية، هي الموضوعات الأساسية في السورة وإذا عرفنا أن الأمر الأول مقدمة ومفتاح للأمور الثلاثة الأخرى عرفنا أن موضوع السورة الأساس هو الإخبار بمستقبل محمد صلى الله عليه وآله وأنه سيكون سيد مكة وأنه من ذلك الموقع سوف يرى رؤيا كرؤيا أبيه إبراهيم عليه السلام تتعلق بذبح ولده، ثم الإخبار عن فجر العاشر من المحرَّم في آخر الزمان حين يظهر المهدي عليه السلام بشعار يا لثارات الحسين عليه السلام ليحرر الأرض من كل دولة وجماعة وفرد كان راضيا بقتل الحسين عليه السلام ، لأن رؤياه في ولده انتهت إلى أن يكون دَم الحسين عليه السلام وترا ًيأخذ الله بثأره.

ومنه يتضح أن الله تعالى أقسم في السورة بما يلي:

1. بعاشوراء آل إبراهيم الذي جرى فيه خرق السنن التكوينية، وعرَّف بإمامه إسماعيل عليه السلام

صفحة 30

وذريته المسلمين وأولويتهم بإبراهيم وصار إسماعيل عليه السلام آية لله انه مفديُّ الله ووارث إمامة إبراهيم عليه السلام حيثما مشى.

2. بمحمد خاتم النبيين عليه السلام وأنه سوف يكون سيّد مكة، أنبات السورة بذلك في وقت كان خاتم النبيين عليه السلام قد كذبته قريش وحاصرته وحاصرت أنصاره.

3. بعاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله و لم يكن هناك أي خرق للسنن التكوينية بل ظهر من الحسين عليه السلام التزام السنن الشرعية التي بينها القران والسنة فصار الحسين عليه السلام بعد عاشوراء آية لمحمد صلى الله عليه وآله متقيداً بسنته ووارث إمامته حيثما ذُكر تمشي معه أقوال النبي صلى الله عليه وآله فيه وفي أبيه وأخيه عليهم السلام ويرى الناس فيه التقيد بسنة النبي صلى الله عليه وآله في احلك المواقف لا يتخلى عنها، في قبال من ابتدع فيها مهما بلغت قوتهم.

4. بعاشوراء المهدي عليه السلام المؤيد بالخوارق لفضح طواغيت العصر ولإثبات أنه المهدي عليه السلام الموعود المولود سنة 255هـ المغيب سنة 329هـ المنتقم لدم الحسين عليه السلام من الراضيين بفعله من الأفراد والجماعات والدول، وإقامة دولة العدل في الأرض

صفحة 31

كلها على منهاج الحسين عليه السلام .

وتذكر السورة قوم عاد وثمود وفرعون للإيماء بحقائق مهمة عن قتلة الحسين عليه السلام وأنه لهم دولة هي الدولة القوية في العالم آنذاك وليسوا مجرد أفراد، وأنهم سينالهم ما نال تلك الأقوام بعد إكثارهم الفساد ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى للإيماء بحقائق مهمة عن الحسين عليه السلام من ناحية قضيته مع بني أمية وأنها ليست الحكم والسلطة بل هي الأسماء التي لم ينزل الله بها من سلطان وأضلُّوا الناس بها ويريدون من الحسين عليه السلام أن يؤمن بها ويسكت عن الضَّلال الذي أصاب المجتمع بسببها، وأن للحسين عليه السلام شبيه بناقة صالح في عطائها الفاضح للظلمة ، وأن دم الحسين عليه السلام شبيه عصا موسى عليه السلام التي فضحت أكاذيب فرعون و نسفت عجل السامري .

وتذكر السورة أن بداية الانحراف المروِّع في النفس البشرية المولودة على الفطرة أمر بسيط للغاية هو العلاقة مع الخالق في أمر الدنيا وجعلها ميزان إكرامه لخلقه أو إهانته لهم، ويتضح منه أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وان العلاج هو ذكر الموت والآخرة.

صفحة 32

وتذكر سورة الفجر كنموذجين الحسين عليه السلام وقاتله للنظرية فإن قاتل الحسين عليه السلام جعل الدنيا اكبر همه فسوغ لنفسه قتل الحسين عليه السلام فخسر الدنيا والآخرة، والحسين عليه السلام جعل الآخرة أكبر همه فسوَّغ لنفسه أن يبذل دمه لكسب رضا الله تعالى فحصل عليه.

2.غرض السورة الذي سيقت لأجله.

من الواضح ان السورة استهدفت الإخبار بثلاث نبوءات لا تنبئ بها الأوضاع التي تسبقها على الإطلاق وهي:

الأولى: أن محمدا صلى الله عليه وآله سيكون كإبراهيم عليه السلام سيد مكة بلا منازع يقيم للناس أول حجهم وعنه يأخذون أحكامه، في وقت كان أهل مكة يكذبونه ويسخرون منه ويعذبون من آمن به.

الثانية: الإنباء بقتل الحسين عليه السلام يوم العاشر من المحرم في وقت لا يدور بخلد أي مسلم ان الحسين عليه السلام حبيب رسول صلى الله عليه وآله الله يقتله مسلمون ينتسبون إلى أمه جده.

الثالثة: الإنباء بظهور المهدي عليه السلام يوم العاشر من المحرم في آخر الزمان للأخذ بثأر الحسين عليه السلام من

صفحة 33

الافراد والأنظمة التي رضيت بقتل الحسين عليه السلام وقصدت قتل ولده المهدي عليه السلام عند ظهوره في وقت اطبقت الأمم على محاصرة اهل الحق المنتظرين للمهدي عليه السلام .

3. توظيف قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام :

وَظَّفت سورة الفجر قصة إبراهيم عليه السلام وهي واقع تاريخي تؤمن به قريش البِطاح ذرِّية كعب بن لؤي الجد السابع للنبي صلى الله عليه وآله والقبائل التي حولها من ذرية عدنان الجد العشرين للنبي صلى الله عليه وآله كما يؤمن بها عامة العرب لتنبئ عن شَفع قصة إبراهيم عليه السلام في مكة وهو محمد صلى الله عليه وآله ورؤياه في ولده الحسين عليه السلام من موقع انتصاره على قريش. وعن سفك دم الحسين عليه السلام وعن الأخذ بثأره في آخر الزمان.

ولا تقف السورة عن توظيف واقعة تاريخية والتنبؤ من خلالها بنبوءات مثيرة، بل يقدم تفسيرا لانحراف النفس البشرية وتشخيص بدايته، وتقديم علاج ناجع لمن يريد أن يصون نفسه من الانحراف بذلك المستوى المروع.

هذا التوظيف من خصائص القران في تناول القصص التوراتي فيرد على شبهة ان القران مجرد

صفحة 34

نسخة عربية للتوراة. ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه ِ﴾ المائدة/48

الإطار العام لسورة الفجر في الروايات أنها سورة الحسين عليه السلام والحث على قراءتها في الصلوات، وهذا الإطار يدفع باتجاه أن يكون الفجر ولياليه العشر التي تسبقه هو فجر العاشر من ذي الحجة والليالي العشر التي سبقته والتي تخص إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يقينا، وتَسري اليقينية على الشفع والوتر كما نتبناه نحن لا احتمالاً كما تبناه المفسرون ومنهم المرحوم السيد الطباطبائي رحمه الله .

وان يكون شَفعها في محمد صلى الله عليه وآله ومنامه في الحسين عليه السلام .

والذي يؤكِّد هذا الشَّفع هو ذكر الوتر وهو الدَّم المسفوك ظلما.

ويؤكِّد ذلك قوله عزوجل ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ﴾ أي الحزن إذا انقضى بروايات ثابتة عند الشِّيعة انه عهد المهدي عليه السلام وظهوره يوم العاشر من المحرم يوم السبت يوم قتل الحسين عليه السلام ليُنهي حكم السفياني.

جاءت كُلها بصيغة القَسَم لتشير أنها حقيقة سوف تقع.

صفحة 35

والاستفهام تقريري للمطالبة بترتيب الأثر على المقسم به.

تبدأ السُّورة بالثابت من تاريخ إبراهيم واسماعيل عليهما السلام الذي لا تختلف عليه قريش ولا القبائل الإسماعيلية حول مكة، وبنبوءة كانت قريش تحملها مؤمنة بها صدَّقها الواقع والروايات الكثيرة في الكتب السُّنية قبل الشِّيعة لتُؤخذ العبرة.

يؤيِّد ذلك الجملة الاعتراضية بين الاستفهام التَّقريري وجوابُ القَسم الـمُؤكَّد بـ (إنَّ) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤ ﴾.

حيث ذكرت:

قوم عاد والمرسل إليهم النبي هوداً عليه السلام .

وقوم ثمود والمرسل إليهم النبي صالحاً عليه السلام .

وقوم فرعون والمرسل اليهم النبي وموسى عليه السلام .

يجمعهم قاسِم مشترك هو الأسماء التي لم ينزِّل الله تعالى بها سلطان وإكثارهم الفَساد، فقتلة الحسين عليه السلام يشبهون هؤلاء الاقوام وان لهم دولة كدولتهم.

وتنتهي السُّورة بذكر رجلين:

الأول: يمثل أصحاب المشأمة؛ حيث يُجاء بجنهم ويتذكَّر هذا الرَّجل أنه يا ليته قدَّم لحياته وفي ذلك

صفحة 36

اليوم لا يعذِّب الله عذابه أحد وهو يزيد بن معاوية .

الثاني: يُمثل السّابقين بالخيرات وهو النَّفس المطمئنَّة الرّاضية المرضية الذي تُزلَف له الجنة، وهو الحسين عليه السلام الذي أزلفت له الجنة ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ 90 وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ 91 ﴾ الشعراء/90ـ91

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38 إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ 39 فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ 40 عَنِ الْمُجْرِمِينَ 41 ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ 42 قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ 43 وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ 44 وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ 45 وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ 46 حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ 47 فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ 48 ﴾ المدثر/38ـ48

والشّافعون هم المذكورون في قوله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ 26 لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 27 يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ 28 ﴾ الأنبياء/26ـ28

ولم تذكر السُّورة أصحاب الميمنة الذين يشكِّلون الصنف الثالث وهم المصلُّون ﴿كُلُّ نَفۡسٍِ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨ إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ٣٩ فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠ عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤١ مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ٤٢ قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣ ﴾.

ثم تَضمَّنت السورة تفسير ظاهرة انحراف

صفحة 37

النفس البشرية وبلوغها مستوى قتل الحسين عليه السلام وبالطريقة التي تَسردها المقاتل، وبدء هذا الانحراف في النفس وهو انحراف بسيط جدا ولكنه إذا لم يعالج في أول أمره يتفاقم وحينئذ تتعذر المعالجة.

تُشكِّل السورة لوحة رائعة:

توظف قصة النبي إبراهيم عليه السلام بعد هجرته وبنائه البيت ورؤياه في ولده إسماعيل عليه السلام بنبوءة انتصار النبي صلى الله عليه وآله بعد هجرته وبنائه المسجد الحرام على أهل مكة فيكون فيها سيِّد مكة كإبراهيم عليه السلام ، ويرى النبي محمد صلى الله عليه وآله رؤياه في ولده الحسين عليه السلام ويبرز منه تسليم كتسليم أبيه إبراهيم عليه السلام ومن ولده الحسين عليه السلام تسليم كتسليم إسماعيل عليه السلام . ولا تقف السورة عند توظيف الواقع التاريخي لتخبر بوقوع مثله بل تفسر مبدا الانحراف الذي يصل إلى مستوى الوحشية في قتل الحسين عليه السلام وتضع له علاجاً ناجعا لمن أراد أن يصون نفسه من هذا الانحراف الذي سيعود في آخر الزمان على يد السفياني الذي تبرز منه مظاهر القسوة والانحراف التي تذكر بالانحراف زمن الحسين عليه السلام والسفياني يحكم تسعة اشهر ثم يظهر الله تعالى وليه المهدي عليه السلام

صفحة 38

ليسقط حكمه في يوم العاشر من المحرم يوم السبت الذي قتل فيه الحسين عليه السلام .

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين