الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، أما بعد فقد رأيت مسوَّدَة للعلامة السيد الوالد (العلامة السيد سامي البدري) حفظه الله قد اعدها حين طلب منه إلقاء محاضرة حول الإمام الصادق عليه السلام في إحدى المناسبات، فطلبت منه ان اعمل على هذه المسودة بمقدار يسير وان أخرجها للنور كي يستفاد منها ولا تبقى رهينة الحاسوب.
وكان عملي فيها هو الاهتمام بمصادر النصوص والتنقيط والتصحيح الفني واللغوي وتقديم وتأخير بعض العناوين، فاسأل الله تعالى ان ينفع بها ويوفقنا لإكمال بحوثها في المستقبل القريب.
الإمام الصادق عليه السلام سادس الأئمة الاثني عشر عليهم السلام الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وذكره في حديث اللوح القدسي الذي رواه جابر الانصاري: «حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه».
فهرس المحتويات
- المقدمة
- خلاصة عن حياته عليه السلام
- ذكرياته عليه السلام مع جده علي بن الحسين عليهم السلام
- مع ابيه الباقر عليه السلام
- امامته الالهية
- اخباره عليه السلام بالمغيبات
- موجز اعمال الامام الصادق عليه السلام:
- مراحل سير حلقات الكتاب والسنة وعلومهما في القرون الاسلامية الخمسة الاولى
- المرحلة الأولى على عهد النبي صلى الله عليه وآله:
- المرحلة الثانية: على عهد علي عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله:
- المرحلة الثالثة بعد قتل الحسين عليه السلام:
- مختارات من سيرته عليه السلام
- مختارات من كلماته عليه السلام
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، أما بعد فقد رأيت مسوَّدَة للعلامة السيد الوالد (السيد سامي البدري) حفظه الله قد اعدها حين طلب منه إلقاء محاضرة حول الإمام الصادق عليه السلام في إحدى المناسبات، فطلبت منه ان اعمل على هذه المسودة بمقدار يسير وان أخرجها للنور كي يستفاد منها ولا تبقى رهينة الحاسوب.
وكان عملي فيها هو الاهتمام بمصادر النصوص والتنقيط والتصحيح الفني واللغوي وتقديم وتأخير بعض العناوين، فاسأل الله تعالى ان ينفع بها ويوفقنا لإكمال بحوثها في المستقبل القريب.
الإمام الصادق عليه السلام سادس الأئمة الاثني عشر عليهم السلام الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وذكره في حديث اللوح القدسي الذي رواه جابر الانصاري:
«حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه
في أشياعه وأنصاره وأوليائه».(1)
اما أبوه الإمام الباقر عليه السلام فقد شهد بفضل ولده الصادق عليه السلام قائلا: «هذا خير البريّة».(2)
وافصح عمه زيد الشهيد رحمه الله عن عظيم شأنه فقال: «في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه».(3)
وقال مالك بن أنس: «ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً».(4)
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (327 هـ): سمعت أبي يقول: «جعفر بن محمّد ثقة لا يُسأل عن مثله». وقال: سمعت أبا زرعة وقد سئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه والعلاء عن أبيه أيّهما أصح؟ قال: «لا يقرن جعفر بن محمّد إلى هؤلاء».(5)
وقال ابو حاتم محمّد بن حيّان (354 هـ)
عنه: «كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلا».(1)
وقال أبو عبد الرحمن السلمي (412 هـ) عنه: «فاق جميع أقرانه من أهل البيت وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وأدب كامل في الحكمة».(2)
وعن صاحب حلية الأولياء (ت 430 هـ): «ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع وآثر العزلة والخشوع ونهى عن الرئاسة والجموع».(3)
وأضاف الشهرستاني (548 هـ) على ما قاله السلمي عنه: «وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثمَّ دخل العراق وأقام بها مدَّة، ما تعرّض للإمامة قط، ولا نازع في الخلافة أحداً، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ».(4)
وذكر الخوارزمي ( 568 هـ ) في مناقب أبي حنيفة أنه قال: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد». وقال: «لولا السنتان لهلك نعمان». مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.(1)
وقال محمّد بن طلحة الشافعي (652 هـ) عنه: «هو من عظماء أهل البيت وساداتهم ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذريّة الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم.. وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها.
واما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر حتَّى أنّ من
كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه.
وقد قيل انّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه (عليه السلام) وان في هذه لمنقبة سنيّة، ودرجة في مقام الفضائل عليّة، وهي نبذة يسيرة مما نقل عنه».(1)
وفي تهذيب الأسماء ( 676 هـ ) عن عمرو بن أبي المقدام قال: «كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنه من سلالة النبيين».(2)
وقال ابن خلكان (681 هـ ) : «جعفر الصادق… أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر وله كلام في صنعة الكيميا، والزجر والفال … ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه وجدّه وعمّ جده .. فلله درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه».(3)
وقال البخاري في فصل الخطاب (822 هـ ) :
«اتفقوا على جلالة الصادق وسيادته»(1)
د.السيد حسين البدري
قم المقدسة 1441 الخامس والعشرين من شوال
***
خلاصة عن حياته عليه السلام
ولادته ووفاته: قال في الكافي ج 1 ص 472: ولد أبو عبد الله عليه السلام سنة ثلاث وثمانين، ومضى عليه السلام في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة، وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع.
حكام عصره: عاصر من الحكام في دولة بني أمية الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك وآخرهم مروان الملقب بمروان الحمار. ثم عاصر من الحكام في دولة بني العباس السفاح والمنصور الدوانيقي وتوفي في عصره مسموما شهيدا.
والدته: فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وتكنى أم فروة، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن إسحاق بن جرير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كانت أمي ممن آمنت واتقت وأحسنت، والله يحب المحسنين.
زوجاته: حميدة البربرية ولدت له الإمام الكاظم عليه السلام….
أولاده: الإمام الكاظم عليه السلام وهو الإمام بعده بعهد من النبي صلى الله عليه وآله. ثم علي وهو من الممدوحين من أولاده ايضا. ومن اولاده عبد الله الافطح ادعى الامامة بعد وفاة أبيه ثم توفي بعد سبعين يوما وإسماعيل توفي في حياة أبيه.
ذكرياته عليه السلام
مع جده علي بن الحسين عليهم السلام
عاش مع جده علي بن الحسين عليهم السلام 12سنة.
عنه أخذ ذكرياته عن حادثة كربلاء وحركة جده الحسين عليه السلام بشكل مباشر.
عاين عبادته وجهده المتميز فيها.
شهد إملاء الصحيفة السجادية على أبيه الباقر عليه السلام، قال الصادق عليه السلام: «وهذا خط أبي وإملاء جدي بمشهد مني»(1).
عاش أجواء قصيدة الفرزدق في مدح جده الإمام زين العابدين عليه السلام في بيت الله في موسم الحج تحديا لبني أمية (2)، ملأت القصيدة على
(2) وملخص القصة: أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه، فطاف بالبيت، وأراد أن يستلم الحجر الأسود، فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه. فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن حسين عليه السلام، عليه إزار ورداء، أحسن الناس وجها، وأطيبهم رائحة، وبين عينيه سجادة، كأنها ركبة بعير. فجعل يطوف بالبيت، فإذا هو بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس له عنه، حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا. فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة، فأفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه! – لئلا يرغب فيه أهل الشام -! فقال الفرزدق – وكان حاضرا -: أنا أعرفه: هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا من معشر حبهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم قال اليافعي في مرآة الجنان ( ج 1 ص 239 ) طبع مؤسسة الأعلمي بيروت – عن طبعة حيدرآباد الهند 1337. في حق الفرزدق: ( وتنسب إلى الفرزدق مكرمة يرتجى له بها الرحمة في دار الآخرة ) وأورد حديث القصيدة الميمية،وقد ذكر هذه القصيدة ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابو الفرج في كتابه الاغاني والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى 1/153 والمرتضى في اماليه 1/62، وايضا هي مذكورة في ديوان الفرزدق ( 2: 178 ومما يدل على حدة تأثير الموقف فيهم رواية وقد ذكر المدائني عن كيسان عن الهيثم أن عبد الملك قال للفرزدق: أو رافضي أنت يا فرزدق؟ فقال: إن كان حب أهل البيت رفضا، فنعم ثم سجنه.
الناس فكرهم واحاسيسهم في ذلك المكان الطاهر وانتشر خبرها في الموسم كله ومنه الى بقية الاقطار وكانت الحادثة تقديرا الهيا لنشر ذكر الامام زين العابدين عليه السلام وتجديدا لذكر الحسين عليه السلام في العالم الاسلامي وتعريفه لمن لا يعرفه تمهيدا لولده الباقر وحفيده الصادق عليهم السلام.
مع ابيه الباقر عليه السلام
عاش مع ابيه الامام الباقر عليه السلام 34 سنة، منها عشرين سنة فترة امامته وشهد جهد ابيه الباقر عليه السلام في تثقيف وتعليم الشيعة وتربية فقهائهم وحملة الحديث والتفسير ومدونيه. (1)
(1) عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليهم السلام عن الجد فقال: ما أجد أحدا قال فيه إلا برأيه إلا أمير المؤمنين عليه السلام قلت: أصلحك الله فما قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام؟ قال: إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب، قلت: أصلحك الله حدثني فإن حديثك أحب إلي من أن تقرئنيه في كتاب، فقال لي الثانية: اسمع ما أقول لك إذا كان غدا فألقني حتى أقرئكه في كتاب فأتيته من الغد بعد الظهر وكانت ساعتي التي كنت أخلو به فيها بين الظهر والعصر وكنت أكره أن أسأله إلا خاليا خشية أن يفتيني من أجل من يحضره بالتقية فلما دخلت عليه أقبل على ابنه جعفر عليه السلام فقال له: إقرء زرارة صحيفة الفرائض ثم قام لينام فبقيت أنا وجعفر عليه السلام في البيت فقام فأخرج إلي صحيفة مثل فخذ البعير فقال: لست أقرئكها حتى تجعل لي عليك الله أن لا تحدث بما تقرء فيها أحدا أبدا حتى آذن لك ولم يقل: حتى يأذن لك أبي، فقلت: أصلحك الله ولم تضيق علي ولم يأمرك أبوك بذلك؟ فقال لي: ما أنت بناظر فيها إلا على ما قلت لك، فقلت: فذاك لك، وكنت رجلا عالما بالفرائض والوصايا، بصيرا بها، حاسبا لها، ألبث الزمان أطلب شيئا يلقي علي من الفرائض والوصايا لا أعلمه فلا أقدر عليه فلما ألقى إلي طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ يعرف أنه من كتب الأولين فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس من الصلة والامر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف وإذا عامته كذلك فقرأته حتى أتيت على آخره بخبث نفس وقلة تحفظ وسقام رأي وقلت: وأنا أقرؤه؟ باطل حتى أتيت على آخره ثم أدرجتها ودفعتها إليه فلما أصبحت لقيت أبا جعفر عليه السلام فقال لي: أقرأت صحيفة الفرائض؟ فقلت: نعم، فقال: كيف رأيت ما قرأت؟ قال: قلت: باطل ليس بشيء هو خلاف ما الناس عليه قال: فإن الذي رأيت والله يا زرارة هو الحق، الذي رأيت إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده فأتاني الشيطان فوسوس في صدري فقال: وما يدريه أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده فقال لي قبل أن أنطق: يا زرارة لا تشكن ود الشيطان والله إنك شككت وكيف لا أدري أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط عليعليه السلام بيده وقد حدثني أبي عن جدي أن أمير المؤمنين عليه السلام حدثه ذلك، قال: قلت: لا، كيف جعلني الله فداك وندمت على ما فاتني من الكتاب ولو كنت قرأته وأنا أعرفه لرجوت أن لا يفوتني منه حرف. انظر الخبر في كتاب الكافي، الشيخ الكليني، ج ٧ ص ٩٤.
امامته الالهية
النص على امامته من ابيه عليه السلام ومن النبي صلى الله عليه وآله: بحار الأنوار، عن كتاب كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر، تأليف الشيخ علي بن محمد بن علي الخزاز القمي، مسندا عن محمد بن مسلم، قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، إذ دخل جعفر ابنه وعلى رأسه ذؤابة، وفي يده عصا يلعب بها، [وفي رواية وهو خماسي، أي ابن خمس سنين] فأخذه الباقر عليه السلام وضمه إليه ضما، ثم قال: «بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب، ثم قال لي: يا محمد [بن مسلم]، هذا إمامك بعدي فاقتدي به، واقتبس من علمه، والله إنه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن شيعته منصورون في الدنيا والآخرة، وأعداؤه ملعونون على لسان كل نبي …».(1)
ميراثه الكتب من علي عليه السلام: عن سورة بن كليب قال: قال لي زيد بن علي عليه السلام: يا سورة كيف علمتم
أن صاحبكم على ما تذكرون؟ قال: فقلت: على الخبير سقطت قال: فقال: هات، فقلت له: كنا نأتي أخاك محمد بن علي عليهما السلام نسأله فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقال الله عزوجل في كتابه، حتى مضى أخوك فأتيناكم آل محمد وأنت فيمن أتينا، فتخبرونا ببعض، ولا تخبرونا بكل الذي نسألكم عنه، حتى أتينا ابن أخيك جعفرا فقال لنا كما قال أبوه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقال تعالى، فتبسم وقال: أما والله إن قلت هذا، فان كتب علي صلوات الله عليه عنده.(1)
اجابة دعائه: روى ابن شهرآشوب، قال: بلغ الإمام الصادق عليه السلام قول الحكيم بن العباس الكلبي(2) وهو يهجو أهل البيت بالكوفة:
(1) العلامة المجلسي،بحار الأنوار، ج 74 ص 36.
(2) تراجم شعراء الموسوعة الشعرية ج 1 ص 1186:حكيم بن عياش الكلبي، الأعور الكلبي (وفي الشعور بالعور (ج 1 / ص 64) ولا يعرف إلا بالأعور الكلبي ) شاعر مجيد انقطع إلى بني أمية بدمشق، وأقام في المزة ثم انتقل إلى الكوفة، خاله الصحابي أسامة بن زيد بن حارثة، وكانت بينه وبين الكميت بن زيد (المتوفى سنة 126هـ – 744م) مفاخرة ومهاجاة، وكان شديد التعصب لليمانية مما عرضه لمهاجاة شعراء مضر، وكان أكثر الشعراء هجاءً لآل البيت ومن ذلك هجاؤه لأهل الكوفة شامتاً بقتل زيد بن علي: صلبنا لكم زيدا على رأس نخلةولم نر مهديا على الجذع يصلبوقستم بعثمان عليا سفاهة وعثمان خير من علي وأطيب يريد زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وفي أنساب الأشراف (ج 1 ص430):لما ظهر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على الشام أخذ ذلك الشاعر فجعل يضرب رأسه بعمود بيده حتى نثر دماغه، وأمر فأحرق بالنار.وفي الروض المعطار في خبر الأقطار (ج1ص496):وكان زيد سمعه يقول: اللهم إن هشاماً وأهل بيته قد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فصب عليهم سوط عذاب، إنك لهم بالمرصاد، وطهر منهم البلاد، واجعلهم نكالاً للحاضر والباد وإلى زيد هذا ينتسب الزيدية من الشيعة. وفي بحار الأنوار العلامة المجلسي (ج 46 ص192) كشف: من كتاب الدلائل للحميري، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا يخرج على هشام أحد إلا قتله، فقلنا لزيد هذه المقالة فقال: إني شهدت هشاما ورسول الله صلى الله عليه وآله يسب عنده، فلم ينكر ذلك ولم يغيره فوالله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه.الإصابة في تمييز الصحابة (ج2 ص 214):حكيم بن عياش الكلبي الأعور من شعراء بني أمية وذكروا أنه كان يهجو المضريين ويتعصب لليمانية وقد رد عليه الكميت بن زيد وغيره من شعراء مضر وناقضوه وروى الكوكبي في فوائده بإسناده أن رجلا جاء إلى جعفر الصادق فقال هذا حكيم بن عياش الكلبي ينشد الناس هجاءكم بالكوفة فقال هل علقت منه بشيء قال نعم قال… صلبنا لكم زيدا على رأس نخلة… ولم أر مهديا على الجذع يصلب… وقستم بعثمان عليا سفاهة… وعثمان خير من علي وأطيب قال فرفع جعفر يديه فقال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبك فخرج حكيم فافترسه الأسد قلت كان قتل زيد بن علي سنة اثنتين وعشرين فدل على تأخر حكيم عن هذه الغاية وظهر أن الإدراك له والله أعلم.
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة
ولم نر مهديا على الجذع يصلب
وقستم بعثمان عليا سفاهة
وعثمان خير من علي وأطيب
فرفع الإمام عليه السلام يديه إلى السماء وهما يرتعشان (وفي رواية ينتفضان رِعدة(1)) فقال: «اللهم إن كان عبدك كاذبا فسلط عليه كلبك»، فبعثه
بنو أمية إلى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد وأكله، واتصل خبره بجعفر عليه السلام وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فخر لله ساجدا ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده [وأنجز عهده].(1)
(1) رواه في الاصابة في تمييز الصحابة (ج 2 ص 214)، رواه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص227، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ج15ص134.و ابو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر ج8/1/421 وياقوت الحموي في معجم الادباء ج1ص443،) وقد رواه الجاحظ مجملا: قال الحاحط في مفاخرات أمية وهاشم ، كما نقل ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 15 ص 238) قال قال أبو عثمان: وقالت هاشم لامية: قد علم الناس ما صنعتم بنا من القتل والتشريد، لا لذنب أتيناه إليكم، ضربتم علي بن عبد الله بن عباس بالسياط مرتين، على أن تزوج بنت عمه الجعفرية التى كانت عند عبد الملك، وسممتم أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبى طالب عليه السلام، ونبشتم زيدا وصلبتموه، وألقيتم رأسه في عرصة الدار توطا بالاقدام، وينقر دماغه الدجاج، حتى قال القائل: اطرد الديك عن ذؤابة زيد طالما كان لاقطا للدجاج ابن بنت النبي أكرم خلق الله زين الوفود الحجاجصلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم نر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة وعثمان خير من علي وأطيب فروي أن بعض الصالحين من أهل البيت عليهم السلام قال: اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك، فخرج يوما بسفر له، فعرض له الاسد فافترسه. وقتلتم يحيى بن زيد، وسميتم قاتله: ثائر مروان ) بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة (ج 218 ص 171).
اخباره عليه السلام بالمغيبات
اعلانه عن امامة نفسه: عن عمرو ابن أبي المقدام قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يوم عرفة بالموقف، وهو ينادي بأعلا صوته «أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان الامام، ثم كان علي بن أبي طالب عليه السلام ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم هَهْ» فينادي ثلاث مرات لمن بين يديه، وعن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، اثني عشر صوتا وقال عمرو: فلما أتيت منى سألت أصحاب العربية عن تفسير (هَهْ) فقالوا: هه لغة بني فلان أنا فاسألوني قال: ثم سألت غيرهم أيضا من أهل العربية، فقالوا مثل ذلك.(1)
موجز اعمال الامام الصادق عليه السلام:
مواصلة عمل ابيه الباقر عليه السلام في تنمية الجامعة العلمية الالهية وتخريج العلماء الصالحين.
مواجهة حركة الزندقة فكريا.
مواصلة عمل ابيه الباقر وجده (عليهما السلام) في تأسيس ونشر المجالس الحسينية وزيارة قبر الحسين عليه السلام.
التصريح في المجتمع بالرواية عن كتاب علي عليه السلام (الصحيفة الجامعة).
الكشف عن قبر الامام علي عليه السلام ودعوة الشيعة لزيارته.
تاسيس نظام الوكالة والوكلاء.
بيان الموقف الشرعي من الانحراف العباسي بشكل سري.
وفي ضوء هذا الامر الاخير لم تكن حركة الامام الصادق عليه السلام مجرد حركة علمية تربوية فقط على الرغم من اهميتها وضرورتها بل كانت حركة سياسية في عمق موقفها من
الظلم السياسي وتشخيص الحركة السياسية الصالحة ومن هنا كان عليه السلام يؤيد ثورة عمه زيد(1)وولده يحيى سرا ضد بني أمية ثم ثورة محمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن سرا ضد بني العباس بسبب ما قاموا به من تجاوز للحكم الشرعي في القصاص من الظالمين وتجاوز لصاحب الحق الشرعي في حكم الامة وادعائهم انهم اصحاب الحق في ذلك. وقد أثرت عنه في كلا القضيتين احاديث متعارضة بسبب تحفظه الشديد من الدولة الجائرة ومن اجل ان يحافظ على حركته العلمية في الامة. وقد فصلنا في هذا الموضوع الاخير في كتابنا شبهات وردود الطبعة الرابعة.
مراحل سير حلقات الكتاب والسنة وعلومهما في القرون الاسلامية الخمسة الاولى
المرحلة الأولى على عهد النبي صلى الله عليه وآله:
في مكة والمدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله هو المؤسس الاول لهذه الحلقات بأمر الله عزوجل وهو المعلم الاول فيها.
وكان علي عليه السلام تلميذها الاول والكاتب الرسمي لتفسير القرآن وسنن النبي صلى الله عليه وآله والوارث الالهي المعصوم لتلك الكتب.
وقد انتجت هذه المرحلة صفوة من الصحابة امثال سلمان ومقداد وعمار وخزيمة ذي الشهادتين وسهل بن حنيف وقيس بن سعد وغيرهم كما انتجت مئات من الصحف كتبها طلاب المدرسة.
اتلفَت السلطة القرشية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله كل وثائق هذا العهد المبارك الا ما كتبه علي عليه السلام في لقاءاته الخاصة مع النبي صلى الله عليه وآله فانه بقي محفوظا
عنده لانه لم يظهره للناس ولم يكن قد كتب لهم اساسا بل كتب ليكون ميراثا الهيا للائمة عليهم السلام ليحدثوا الناس منها وليكونوا شهداء الناس بعد الرسول صلى الله عليه وآله بذلك الميراث.
المرحلة الثانية: على عهد علي عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله:
مُنع علي عليه السلام والصحابة الذين لديهم علم من الحلقات الدراسية في عهد الخلفاء الثلاثة الذين فسحوا المجال لكعب الاحبار وتميم الداري للقصص والوعظ، وانصرف علي عليه السلام لتعليم افراد اسرته الحسن والحسين عليهم السلام ومحمد والعباس وعبد الله بن عباس وقثم بن عباس وعبيد الله بن عباس ثم اتسعت في عهد ضعف السلطة القرشية لتشمل مالك الاشتر وعبد الله بن جندب وحجر بن عدي وكميل بن زياد ونظراءهم.
بعد قتل عثمان وبيعة الناس لعلي عليه السلام عادت الحلقات الدراسية على ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد انتجت المئات من حملة العلم من التابعين من الكوفيين كابي الطفيل عامر بن واثلة والاصبغ بن نباتة
والحارث الاعور الهمداني وحبة بن جوين العرني وميثم التمار وحبيب بن مظاهر الاسدي ومسلم بن عوسجة والمختار بن عبيد الثقفي والمسيب بن نجبة وغيرهم. واخر من بقي منهم كميل بن زياد الذي قتله الحجاج سنة 82هـ وهو ابن التسعين والاصبغ بن نباتة ت بعد سنة 90هـ وعامر بن واثلة توفي سنة 100هـ.
كما انتجت هذه المرحلة المئات من الصحف كتب مؤلفوها العلم عن علي عليه السلام مباشرة.
استمرت تلك الحلقات في السنوات العشر من صلح الحسن عليه السلام مع معاوية وبواسطة رجال هذه الحلقات انتشر الحديث النبوي الصحيح واحاديث علي عليه السلام وقضاياه في النصف الغربي من البلاد الاسلامية مضافا الى النصف الشرقي.
تلف اغلب هذه الكتب بفعل خطة معاوية بعد موت الحسن عليه السلام ونقضه لكل شروط الامام الحسن عليه السلام بعد ان دس له السم سنة 50 هجرية.
بعد وفاة الحسن عليه السلام سنة 50 هجرية بدأ
معاوية بتنفيذ خطة ماكرة كان قد اعد عدتها قبل ذلك تمثلت بتغيير جهة الولاء ومحتوى الثقافة الاسلامية من ولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ولعلي عليه السلام وبراءة من الملحدين في الدين الى ولاء لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وللخلفاء ولمعاوية ولعن علي عليه السلام والبراءة منه بصفته ملحدا في الدين، ومن ثقافة تقوم على بيان تاريخ صحيح لحركة النبوة ودور علي عليه السلام المتميز فيها وما صدر من الله ورسوله صلى الله عليه وآله من ثناء ومدح لعلي عليه السلام يؤكد الولاية له ويعمقها ويجعلها امتدادا لولاية الله ورسوله صلى الله عليه وآله؛ الى تاريخ مشوه يجعل من علي عليه السلام ملحدا في الدين منافقا يستحق اللعن والبراءة. وكانت اهم وسيلة لتحقيق ذلك هو وضع الحديث على النبي صلى الله عليه وآله وملاحقة تلاميذ مدرسة علي عليه السلام. وتصفية رجالها سجنا وقتلا وتشريدا ومحو آثارهم العلمية.
لم يبق شيء من اثار هذه المرحلة العلمية في ظل هذا الانقلاب الفكري والسياسي والتربوي المضاد الا كتاب سليم بن قيس في قضية السقيفة وما بعدها وكتاب الديات
وبقية من تلاميذ مدرسة علي عليه السلام الذين كتبوا العلم عنه مقهورين مختفين.
المرحلة الثالثة بعد قتل الحسين عليه السلام:
كان الحسين عليه السلام هو المذخور الهيا لمواجهة المخطط الاموي وانقاذ سنة النبي صلى الله عليه وآله من التحريف الاموي وشاءت حكمة الله تعالى ان تجعل شهادة الحسين عليه السلام الطريق الاوسع لإعادة البناء من جديد؛ بناء يقوم على البراءة من بني أمية وثقافتهم وما نسبوه الى النبي صلى الله عليه وآله من أحاديث كذب، وتمزقت البلاد الإسلامية بعد قتل الحسين عليه السلام وعمت الفوضى والحروب الأهلية وغابت الدولة المركزية التي كانت تتبنى الثقافة المحرفة، وبذلك استطاع بقية حملة الثقافة النبوية الصحيحة من خريجي مدرسة علي عليه السلام ان ينشروا الأحاديث النبوية الصحيحة، وما يوجد في كتب السنة اليوم من فضائل أهل البيت عليهم السلام ومن أحاديث صحيحة في السنة وفي السيرة في قليل او كثير انما هو ببركة شهادة الحسين عليه السلام ونشاط البقية الباقية من التأسيس الثاني.
وفي هذا الجو بدأ الأئمة من ذرية الحسين عليه السلام يعملون بتدرج وانتظار الظروف المواتية لفتح حلقات التحديث والتفسير وقدر للإمام الباقر عليه السلام ان يبدأ ذلك عمليا حين فتح بابه وتبنى ثلة من الطلبة بلغ عددهم المائتين طالبا خلال عشرين سنة وتخرج على يديه علماء كبار امثال جابر بن يزيد الجعفي ومحمد بن مسلم الطائفي وزرارة بن اعين وابان بن تغلب وغيرهم.
اعتمد الأئمة عليهم السلام من ذرية الحسين عليه السلام على كتب علي عليه السلام التي كتبها عن النبي صلى الله عليه وآله وابرزها الصحيفة الجامعة في حلقات الحديث يحدثونهم بها عن ظهر قلب وكانوا يعرضونها على افراد منهم ليكونوا شهودا حسيين على وجودها عندهم، وهكذا بنيت الحلقات العلمية في المرحلة الثالثة على كتاب علي عليه السلام وعلى سند (حدثني ابي عن ابيه عن ابائه عن النبي صلى الله عليه وآله)، وفي مرحلة تالية استغنى اصحابه عن ذكر السند وصار الحديث والفتوى تنسب الى الامام مباشرة لان امامته كإمامة النبي صلى الله عليه وآله وهو مستوعب للعلم كله.
وقد بلغ عدد اعضاء حلقة الامام الصادق عليه السلام في سنوات حكم السفاح الى اربعة الاف تلميذ. وصارت حلقته ابرز واوثق واوسع حلقة تدريس وتحديث في المجتمع الاسلامي بعد انهيار دولة بني أمية دولة الكذب والانحراف بل لم تكن اخرى تنافسها.
ولولا ما قام به ابو جعفر الدوانيقي خاصة بعد فشل حركة الحسنيين من انقلاب فكري مضاد لتطويق مدرسة الامام الصادق عليه السلام وما قام به الخلفاء من بعده على تكريس هذا الانقلاب وملاحقة رموز هذه المدرسة لكان اغلبية المسلمين في العالم الاسلامي منذ عهد الصادق عليه السلام الى اليوم هم على رواية الامام الصادق عليه السلام وفتاواه.
لقد كتب تلاميذ الامام الصادق عليه السلام اربعمائة مصنف في الفقه خاصة عرفت فيما بعد بالأصول الاربعمائة والى جانبها اصول اخرى في العقيدة والاخلاق والسيرة وذلك قبل ان يكتب مالك كتابه الموطأ وقبل ان يكتب القاضي ابو يوسف فقه ابي حنيفة وقبل
ان يكتب الشافعي فقهه وقبل ان يكتب احمد بن حنبل مسنده وقبل ان يكتب البخاري ومسلم صحيحيهما. ثم جمعت هذه الاصول الاربعمائة وغيرها في الكتب الاربعة الكافي للكليني ومن لا يحضره الفقيه للصدوق والتهذيب والاستبصار للطوسي.
استغرقت امامة الصادق عليه السلام مدة 34 سنة او 37 سنة، قضاها الامام مع تلاميذه مع ملاحظة الظرف السياسي وسماحه بعقد الحلقات في المسجد او البيت ومنذ ذلك الوقت والى اليوم سمي تلاميذ الامام وشيعته الذين انقطعوا اليه في الحديث والفتوى بالجعفرية. وسمي الفقه الذي انتشر عنه وهو سنة النبي صلى الله عليه وآله بعينها كما كتبها ورواها عنه علي عليه السلام بالفقه الجعفري.
مختارات من سيرته عليه السلام
تواضعه:
روى أبو بصير قال: دخل أبو عبد الله عليه السلام الحمام، فقال له صاحب الحمام: أخليه لك، فقال: «لا حاجة لي في ذلك، المؤمن أخف من ذلك».
مكارم الاخلاق:
عن يعقوب بن السراج قال: كنا نمشي مع أبي عبد الله عليه السلام وهو يريد أن يهنئ ذا قرابة له بمولود له، فانقطع شسع نعله، فتناول نعله من رجله ثم مشى حافيا، فنظر إليه ابن أبي يعفور فخلع نعل نفسه من رجله، وخلع الشسع منها، وناولها أبا عبد الله، فأعرض عنها، وأبى أن يقبلها، وقال: «لا، إن صاحب المصيبة أولى بالصبر حتى يجد لها حلا، فإن غيره ليس بأولى منه بالصبر عليها»(1).
(1) شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي ج 1 ص 337: الدغشي، بإسناده، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: كنا جلوسا ننتظر رسول الله صلوات الله عليه وآله، فخرج الينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه نمشي، فانقطع شسع نعله، فأخذها علي صلوات الله عليه فتخلف عليها، ليصلحها، وقام رسول الله صلوات الله عليه وآله ينتظر، ونحن معه قيام فقال رسول الله صلوات الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها أبو بكر و عمر! فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. الشيخ المفيد، الارشاد ج1 ص 123: وروى إسماعيل بن علي العمي، عن نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: « انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعها إلى علي عليه السلام يصلحها، ثم مشى في نعل واحدة غلوة أو نحوها وأقبل على أصحابه فقال: إن منكم من يقاتل على التأويل كما ( قاتل معي ) على التنزيل». الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 254: أخبرنا أبو عمر، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يعقوب بن يوسف ابن زياد، قال: حدثنا أحمد بن حماد الهمداني، قال: حدثنا فطر بن خليفة وبريد بن معاوية العجلي، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد انقطع شسع نعله، فدفعها إلى علي عليه السلام يصلحها، ثم جلس وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت الناس على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو، يا رسول الله؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو، يا رسول الله؟ فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: فأتينا عليا نبشره بذلك، فكأنه لم يرفع به رأسا، وكأنه قد سمعه قبل. ابن البطريق، العمدة ص 225: قال: حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا احمد بن منصور، قال: حدثنا الاحوص بن جواب قال: حدثنا عمار بن رزيق، عن الاعمش، عن اسماعيل بن رجاء، عن ابيه، عن ابى سعيد الخدرى، قال: كنا جلوسا في المسجد فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام في بيت فاطمة فانقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وآله فاعطاها عليا عليه السلام يصلحها، ثم جاء فقام علينا فقال: ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله؟ قال أبو بكر: انا هو يا رسول الله؟ فقال: لا. قال عمر: انا هو يا رسولا لله؟ قال: لا ولكنه صاحب النعل.
وعنه عليه السلام قال: «من رقع جبته وخصف نعله وحمل سلعته فقد برئ من الكبر».(1)
تصرفه مع متهمه في مال:
في كتاب المناقب: أنه نام رجل من الحاج في المدينة، فتوهم أن هميانه سرق، فخرج فرأى
الإمام الصادق عليه السلام مصليا ولم يعرفه، فتعلق به وقال له: أنت أخذت همياني. قال الإمام: ما كان فيه؟ قال الرجل: ألف دينار. فحمله الإمام إلى داره، ووزن له ألف دينار وعاد إلى منزله، فوجد هميانه، فرجع إلى الإمام معتذرا بالمال، فأبى قبوله وقال: شيء خرج من يدي لا يعود إلي، فسأل الرجل عنه، فقيل: هذا الإمام جعفر الصادق. قال: لا جرم هذا فعال مثله.
تصرفه مع خادمه:
جعفر بن أبي عائشة قال: بعث الصادق عليه السلام غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج الصادق عليه السلام في أثره فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه، فلما انتبه قال: يا فلان والله ما ذاك لك تنام الليل والنهار؟ لك الليل ولنا منك النهار.(1)
خشيته من ان يدخل الرعب على قلب خادمته:
دخل سفيان الثوري على الصادق فرآه متغير اللون فسأله عن ذلك فقال: كنت نهيت ان يصعدوا فوق البيت فدخلت فإذا جارية من جواري ممن تربي بعض ولدي قد صعدت في سلم والصبي معها فلما بصرت بي ارتعدت
وتحيرت وسقط الصبي إلى الارض فمات، فما تغير لوني لموت الصبي وإنما تغير لوني لما أدخلت عليها من الرعب. وكان عليه السلام قال لها: أنت حرة لوجه الله لا بأس عليك، مرتين.(1)
مطعمه:
عن عجلان قال: تعشيت مع أبي عبد الله عليه السلام بعد عتمة، وكان يتعشى بعد عتمة فأتي بخل وزيت ولحم بارد، فجعل ينتف اللحم فيطعمنيه، ويأكل هو الخل والزيت ويدع اللحم فقال: إن هذا طعامنا وطعام الانبياء. (2)
ملبسه:
عن حماد بن عثمان، قال: حضرت أبا عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: أصلحك الله، ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، ويلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى ما عليك اللباس الجديد؟ فقال له الإمام عليه السلام: إن علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم شهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا إذا قام، لبس
ثياب علي، وسار بسيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام.(1)
سواكه:
عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن عبد الله بن جبلة عن إسحاق ابن عمار قال: حدثني مسلم مولى لابي عبد الله عليه السلام قال: ترك أبو عبد الله عليه السلام السواك قبل أن يقبض بسنتين، وذلك أن أسنانه ضعفت.(2)
خضابه:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمار قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يختضب بالحناء خضابا قانيا.(3)
عبادته وخوفه من الله:
عن أبان بن تغلب، قال: دخلت على أبي عبد الله [الصادق] وهو يصلي، فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة. وعن حفص بن غياث، قال: رأيت أبا عبد الله يتخلل بساتين الكوفة، فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها، ثم ركع
وسجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات.(1)
عن حمزة بن حمران، والحسن بن زياد قالا: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام وعنده قوم، فصلى بهم العصر، وقد كنا صلينا، فعددنا له في ركوعه سبحان ربي العظيم أربعا أو ثلاثا وثلاثين مرة، وقال أحدهما في حديثه: بحمده في الركوع والسجود سواء. (2)
مالك بن أنس الفقيه قال: حججت مع الصادق سنة فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد أن يخر من راحلته فقلت في ذلك، فقال: وكيف أجسر أن أقول لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول لا لبيك ولا سعديك.
اهتمامه بالصلاة:
ما جيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن ابن فضال، عن الميثمي عن أبي بصير قال: دخلت على ام حميدة اعزيها بأبي عبد الله عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عليه السلام عند الموت لرأيت عجبا فتح عينيه ثم قال: أجمعوا لي كلَّ من بيني وبينه قرابة، قالت:
فلم نترك أحدا إلا جمعناه قالت: فنظر إليهم ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة.(1)
عمله لطلب الرزق لعياله:
عن عبد الاعلى مولى آل سام قال: استقبلت أبا عبد الله عليه السلام في بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحر فقلت: جعلت فداك، حالك عند الله عزوجل وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم!! فقال: يا عبد الاعلى خرجت في طلب الرزق لا ستغني عن مثلك. (2)
عن إسماعيل ابن جابر قال: أتيت أبا عبد الله عليه السلام وإذا هو في حائط له، بيده مسحاة، وهو يفتح بها الماء، وعليه قميص شبه الكرابيس، كأنه مخيط عليه من ضيقه.(3)
عن القاسم بن سليمان قال: حدثني جميل بن صالح، عن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصاب عن ظهره فقلت: جعلت فداك اعطني أكفك، فقال لي: إني احب أن
يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.(1)
سيرته مع مرض ولده وموته:
الحسين بن محمد بن مهزيار عن قتيبة الأعشى، قال: أتيت أبا عبد الله أعود ابنا له، فوجدته على الباب، فإذا هو مهتم حزين، فقلت: جعلت فداك، كيف الصبي؟ فقال: والله إنه لما به… ثم دخل فمكث ساعة، ثم خرج إلينا وقد أسفر وجهه، وذهب التغير والحزن. قال: فطمعت أن يكون قد صلح الصبي… فقلت: كيف الصبي جعلت فداك؟ فقال: لقد مضى لسبيله… فقلت: جعلت فداك، لقد كنت وهو حي مهتما حزينا، وقد رأيت حالك الساعة وقد مات غير تلك الحال، فكيف هذا؟ فقال: «إنا أهل بيت إنما نجزع قبل المصيبة، فإذا وقع أمر الله رضينا بقضائه وسلمنا لأمره».(2)
صلته لرحمه سرا:
أبو جعفر الخثعمي قال: اعطاني الصادق عليه السلام صرة فقال لي: ادفعها إلى رجل من بني هاشم ولا تعلمه اني اعطيتك شيئا، قال: فأتيته، قال: جزاه الله خيرا ما يزال كل حين يبعث بها فنعيش به إلى
قابل ولكني لا يصلني جعفر بدرهم في كثرة ماله التهذيب.(1)
صلته لمن قطعه من ارحامه علنا:
لما حضر الصادق عليه السلام الوفاة قال: اعطوا الحسن بن علي وهو الافطس سبعين دينارا. قيل له: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة! فقال: ويحك ما تقرأ القرآن ﴿والذين يصلون ما امر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾.(2)
الحقوق الاجتماعية:
عن الكاهلي عن أبي الحسن عليه السلام قال: كان أبي يبعث امي وام فروة تقضيان حقوق أهل المدينة.(3)
صدقة السر:
عن هشام بن سالم قال: كان أبو عبد الله عليه السلام إذا أعتم وذهب من الليل شطره، أخذ جرابا فيه خبز ولحم والدراهم فحمله على عنقه، ثم ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه، فلما مضى أبو عبد الله عليه السلام فقدوا ذلك فعلموا أنه كان أبو عبد الله صلوات الله عليه. بيان: أعتم أي دخل في عتمة الليل وهي
ظلمته.(1)
عن معلى بن خنيس قال: خرج أبو عبد الله عليه السلام في ليلة قد رشت أي امطرت وهو يريد ظلة بني ساعدة فأتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال: بسم الله اللهم رد علينا، قال فأتيته فسلمت عليه، قال: فقال: معلى؟ قلت: نعم جعلت فداك فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي فإذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع إليه ما وجدت فإذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز فقلت: جعلت فداك أحمله على رأسي فقال: لا أنا أولى به منك ولكن امض معي قال: فأتينا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف والرغيفين حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا، فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق فقال: «لو عرفوه لواسيناهم بالدقة. والدقة هي الملح إن الله تبارك وتعالي لم يخلق شيئا إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة فإن الرب يليها بنفسه وكان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد السائل، إن صدقة الليل تطفي غضب الرب وتمحو الذنب العظيم
وتهون الحساب وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر».(1)
سيرته مع سائل يستجدي الناس:
عن مسمع بن عبد الملك قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام بمنى، وبين أيدينا عنب نأكله، فجاء سائل فسأله فأمر بعنقود فأعطاه فقال السائل: لا حاجة لي في هذا إن كان درهم قال: يسع الله عليك، فذهب. ثم رجع فقال: ردوا العنقود فقال: يسع الله لك ولم يعطه شيئا، ثم جاء سائل آخر، فأخذ أبو عبد الله عليه السلام ثلاث حبات عنب فناولها إياه، فأخذها السائل من يده ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: مكانك فحثا ملء كفيه عنبا فناولها إياه، فأخذها السائل من يده، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: مكانك يا غلام! أي شيء معك من الدراهم؟ فإذا معه نحو من عشرين درهما فيما حزرناه أو نحوها فناولها إياه فأخذها.
ثم قال: الحمد لله، هذا منك وحدك لا شريك لك.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: مكانك فخلع قميصا كان عليه فقال: البس هذا، فلبسه فقال: الحمد لله الذي كساني وسترني يا أبا عبد الله – أو قال: جزاك الله خيرا، لم يدع لابي عبد الله عليه السلام إلا بذا، ثم انصرف، فذهب قال: فظننا أنه لو لم يدع له لم يزل يعطيه لانه كلما كان يعطيه حمد الله أعطاه.(1)
اجابته الولائم العامة وحديته في المنكر:
عن هارون ابن الجهم قال: كنا مع أبي عبد الله عليه السلام بالحيرة حين قدم على أبي جعفر المنصور، فختن بعض القواد ابنا له، وصنع طعاما ودعا الناس، وكان أبو عبد الله عليه السلام فيمن دعا فبينما هو على المائدة يأكل ومعه عدة في المائدة، فاستسقى رجل منهم ماء، فاتي بقدح فيه شراب لهم، فلما أن صار القدح في يد الرجل قام أبو عبد الله عليه السلام عن المائدة فسئل عن قيامه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون من جلس على مائدة يشرب فيها الخمر. وفي رواية اخرى ملعون ملعون: من جلس طائعا على مائدة يشرب عليها الخمر.(2)
مواساته للناس في ارتفاع الاسعار:
عن معتب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام وقد تزيد
السعر بالمدينة: كم عندنا من طعام؟ قال: قلت: عندنا ما يكفينا أشهر كثيرة قال: أخرجه وبعه قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام!! قال: بعه، فلما بعته قال: اشتر مع الناس يوما بيوم وقال: يا معتب اجعل قوت عيالي نصفا شعيرا ونصفا حنطة، فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم (أي عياله) الحنطة على وجهها، ولكني احب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة.(1)
تعففه عن الربح الفاحش:
عن ابى جعفر الفزاري قال: دعى أبو عبد الله عليه السلام مولى له مصادف فاعطاه الف دينار وقال له: تجهز حتى تخرج إلى مصرفان عيالي قد كثروا قال: فجهزه بمتاع وخرج مع التجار، فلما دنوا من مصر استقبلهم قافلة خارجة من مصر فسألوا عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة وكان متاع العامة فأخبرهم انه ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على ان لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار دينارا، فلما قبضوا اموالهم انصرفوا إلى المدينة فدخل مصادف على ابى عبد الله عليه السلام ومعه كيسان في كل واحد الف دينار فقال:
جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح فقال عليه السلام: ان هذا الربح كثير ولكن ما صنعتم بالمتاع؟ فحدثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا فقال: سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين لا تبيعونهم إلا بربح الدينار دينارا، ثم اخذ الكيس ثم قال: هذا رأس مالي ولا حاجة لنافي هذا الربح ثم قال: يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال.(1)
الضيف:
عن ابن أبي يعفور قال: رأيت عند أبي عبد الله عليه السلام ضيفا، فقام يوما في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك وقام بنفسه إلى تلك الحاجة، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أن يستخدم الضيف.(2)
اعطاء اجرة الاجير قبل ان يجف عرقه:
عن شعيب قال: تكارينا لابي عبد الله عليه السلام قوما يعملون في بستان له وكان أجلهم إلى العصر فلما فرغوا قال لمعتب: أعطهم اجورهم قبل أن يجف عرقهم.(3)
سيرته في ضيعة كانت له:
عن يونس أو غيره عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك بلغني أنك كنت تفعل في غلة عين زياد شيئا وأنا احب أن أسمعه منك قال: فقال عليه السلام لي: نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا و كنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة كلما أكل عشرة جاء عشرة اخرى يلقى لكل نفس منهم مد من رطب وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء فيأكل منها لكل إنسان منهم مد فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام والوكلاء والرجال أجرتهم وأحمل الباقي إلى المدينة ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاثة والاقل والاكثر على قدر استحقاقهم وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار وكان غلتها أربعة آلاف دينار.(1)
عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا بلغت الثمار أمر بالحيطان فثلمت.(2)
الصدقة على المسيحي:
وقال مصادف: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام ما بين مكة والمدينة، فمررنا على رجل في أصل شجرة، وقد ألقى بنفسه. فقال عليه السلام: مل بنا إلى هذا الرجل، فإني أخاف أن يكون قد أصابه العطش. فملنا إليه، فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر، فسأله الإمام عليه السلام: أعطشان أنت؟ فقال: نعم. فقال الإمام عليه السلام: انزل يا مصادف فاسقه. فنزلت وسقيته ثم ركب وسرنا. فقلت له: هذا نصراني، أفتتصدق على نصراني؟ فقال: نعم، إذا كانوا بمثل هذه الحالة.(1)
تدبيره للمال لكي لايتلف:
قال الإمام الكاظم عليه السلام: إن رجلا أتى جعفرا صلوات الله عليه شبيها بالمستنصح، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف صرت اتخذت الأموال قطعا متفرقة، ولو كانت في موضع واحد كان أيسر لمؤونتها وأعظم لمنفعتها. فقال له الإمام عليه السلام: اتخذتها متفرقة، فإن أصاب هذا المال شيء يسلم هذا، والصرة تجمع هذا كله.(2)
محاسبته وكلاءه:
عن محمد بن مرازم، عن أبيه أو عمه قال: شهدت أبا عبد الله عليه السلام وهو يحاسب وكيلا له والوكيل يكثر أن يقول: والله ما خنت فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا هذا خيانتك وتضييعك علي مالي سواء إلا أن الخيانة شرها عليك. (1)
المماكسة(2):
عن الحسين ابن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وقد قال أبو حنيفة: عجب الناس منك أمس، وأنت بعرفة تماكس ببدنك أشد مكاسا يكون، قال: فقال له أبو عبد الله عليه السلام: «وما لله من الرضا أن اغبن في مالي» قال: فقال أبو حنيفة: لا والله ما لله في هذا من الرضا قليل ولا كثير وما نجيئك بشيء إلا جئتنا بما لا مخرج لنا منه.(3)
لا تكونن دوارا في الأسواق:
عن هارون بن الجهم عن الأرقط قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام «لا تكوننّ دوّارا في الأسواق و لا تلي دقائق الأشياء بنفسك فإنّه لا ينبغي للمرء المسلم ذي الحسب و الدّين أن يلي شراء دقائق
الأشياء بنفسه ما خلا ثلاثة أشياء فإنّه ينبغي لذي الدّين و الحسب أن يليها بنفسه العقار و الرّقيق و الإبل».(1)
تعظيمه لحرمة المؤمن:
قال المفضل: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استوجب ذلك كلاهما. فقال له معتب: جعلت فداك، هذا حال الظالم، فما بال المظلوم؟! قال عليه السلام: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغافل عن كلامه، سمعت أبي يقول: إذا تنازع اثنان فعاد أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول له: أي أخي أنا الظالم. حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله حكم وعدل يأخذ للمظلوم من الظالم. وقال جابر بن عون: إن رجلا قال لجعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إن بيني وبين قوم منازعة في أمر، وإني أريد أن أتركه، فيقال لي: إن تركك له ذلة. فقال عليه السلام: إن الذليل هو الظالم.
وقال عليه السلام: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول
الله، إن لي أهلا قد كنت أصلهم وهم يؤذوني، وقد أردت رفضهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يرفضكم جميعا. قال الرجل: وكيف أصنع؟ قال صلى الله عليه وآله: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك كان الله عز وجل لك عليهم ظهيرا.
الاستخفاف بالمؤمن استخفاف بأهل البيت عليه السلام: وقال صلى الله عليه وآله وقد كان عنده جماعة من أصحابه: ما لكم تستخفون بنا؟ فقام إليه رجل من أهل خراسان؛ فقال: معاذ الله أن نستخف بك أو بشيء من أمرك. فقال عليه السلام: إنك أحد من استخف بي. فقال الرجل: معاذ الله أن أستخف بك!! فقال له عليه السلام: ويحك، ألم تسمع فلانا ونحن بقرب الجحفة، وهو يقول لك: احملني قدر ميل، فقد والله أعييت. فوالله ما رفعت له رأسا، لقد استخففت به، ومن استخف بمؤمن فبنا استخف، وضيع حرمة الله عز وجل.(1)
حرصه على حل مشكلات الشيعة:
عن ابن حنيفة قال: مر بنا المفضل وانا واختي نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال:
تعالوا إلى المنزل، فأتيناه واصلح بيننا بأربعمائة درهم ودفعها الينا من عنده حتى يستوثق كل واحد منا، ثم قال: أما انها ليست من مالي ولكن ابا عبد الله امرني إذا تشاجر رجلان من اصحابنا في شيء اصلح بينهما وافتديهما من ماله فهذا مال ابي عبد الله.(1)
انبساطه لاصحابه:
عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: أكلنا مع أبي عبد الله عليه السلام فاتينا بقصعة من أرز فجعلنا نعذر فقال: ما صنعتم شيئا إن أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا، قال عبد الرحمن: فرفعت كشحة المائدة فأكلت فقال: نعم الان ثم أنشأ يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله اهدي له قصعة أرز من ناحية الانصار فدعا سلمان والمقداد وأبا ذر رحمهم الله، فجعلوا يعذرون في الاكل فقال: ما صنعتم شيئا أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا، فجعلوا يأكلون أكلا جيدا ثم قال أبو عبد الله عليه السلام رحمهم الله ورضي الله عنهم وصلى عليهم.
بيان: لعل المراد بكشحة المائدة جانبها أو المراد أكل ما يليه من الطعام. والكشح: ما بين الخاصرة إلى
الضلع الخلف.(1)
عن عبد الله بن سليمان الصيرفي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقدم إلينا طعاما فيه شواء وأشياء بعده، ثم جاء بقصعة من أرز فأكلت معه فقال: كل قلت: قد أكلت قال: كل، فانه يعتبر حب الرجل لاخيه بانبساطه في طعامه، ثم حاز لي حوزا باصبعه من القصعة، فقال لي: لتأكلن ذا بعد ما أكلت فأكلته.(2)
كلامه مع عمار الساباطي:
ودخل عليه عمار الساباطي، فقال له: يا عمار، إنك رب مال كثير فتؤدي ما افترض الله عليك من الزكاة؟ قال: نعم. قال عليه السلام: فتخرج الحق المعلوم من مالك؟ قال: نعم. قال عليه السلام: فتصل قرابتك؟ قال: نعم. قال: فتصل إخوانك؟ قال: نعم. قال عليه السلام: يا عمار، إن المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يبقى، والديان حي لا يموت.(3)
وقال مصادف: كنت عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام فدخل رجل فسلم عليه، فسأله الإمام: كيف من خلفت من إخوانك؟ فأجاب الرجل وأحسن
الثناء وأطراهم. فسأله الإمام: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال الرجل: قليلة. قال الإمام: كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم؟ فقال الرجل: قليلة. قال الإمام: كيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ فقال الرجل: إنك تذكر أخلاقا قل ما هي فيمن عندنا. قال الإمام: فكيف يزعم هؤلاء أنهم شيعتنا؟!(1)
مفهوم طلب الاخرة:
عن عبد الله ابن أبي يعفور قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج وأعتمر فقال عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة.(2)
سيرته مع الغلو والغلاة:
عن مالك ابن عطية، عن بعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج إلينا أبو عبد الله عليه السلام و هو مغضب فقال عليه السلام: إني خرجت آنفا في حاجة فتعرض لي بعض سودان المدينة فهتف بي: لبيك يا جعفر بن محمد لبيك، فرجعت عودي على
بدئي إلى منزلي خائفا ذعرا مما قال، حتى سجدت في مسجدي لربي، وعفرت له وجهي، وذللت له نفسي وبرئت إليه مما هتف بي، ولو أن عيسى بن مريم عدا ما قال الله فيه إذا لصم صما لا يسمع بعده أبدا، وعمي عمى لا يبصر بعده أبدا، وخرس خرسا لا يتكلم بعده أبدا ثم قال: لعن الله أبا الخطاب وقتله بالحديد قا ل المجلسي رحمه لله أقول: لعله كان من أصحاب أبي الخطاب، ويعتقد الربوبية فيه عليه السلام فناداه بما ينادي الله تعالى به في الحج، فاضطرب عليه السلام لعظيم ما نسب إليه وسجد مبرئا نفسه عند الله من ذلك، ولعن أبا الخطاب لانه كان مخترع هذا المذهب الفاسد.
خوفه من الظلم:
عن داود بن زربي قال: أخبرني مولى لعلي بن الحسين عليه السلام قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة فأتيته فقلت له: جعلت فداك لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء، فأدخل في بعض هذه الولايات:
فقال عليه السلام: ما كنت لافعل قال: فانصرفت إلى منزلي فتفكرت فقلت: ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور، والله لآتينه ولاعطينه الطلاق
والعتاق والايمان المغلظة ألا أظلم أحدا ولا أجور ولاعدلن.
قال: فأتيته فقلت: جعلت فداك إني فكرت في إبائك علي فظننت أنك إنما منعتني وكرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم وإن كل امرأة لي طالق وكل مملوك لي حر علي وعلي إن ظلمت أحدا أو جرت عليه وإن لم أعدل؟
قال: كيف قلت؟
قال: فأعدت عليه الايمان.
فرفع عليه السلام رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك.
وهذا يختلف عن توسطه لاستحصال حق انسان:
قال الشقراني: خرج العطاء أيام المنصور، فوقفت على الباب متحيرا، وإذا بجعفر بن محمد قد أقبل، فذكرت له حاجتي، فدخل ثم خرج وإذا بعطائي في كمه وناولني إياه وقال: إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وإنه منك أقبح لمكانك منا.
قال ابن الجوزي: وإنما قال له جعفر ذلك، لأن الشقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم
أخلاق جعفر أنه رحب به وقضى حاجته مع علمه بحاله ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء.(1)
حُسن مخرجه مع خارجي:
عن علي بن بلال قال: لقى هشام بن الحكم بعض الخوارج فقال: يا هشام ما تقول في العجم يجوز أن يتزوجوا في العرب؟ قال: نعم، قال: فالعرب يتزوجوا من قريش؟ قال: نعم، قال: فقريش يتزوج في بني هاشم؟ قال: نعم، قال: عمن أخذت هذا؟ قال: عن جعفر بن محمد سمعته يقول: أتتكافا دماؤكم ولا تتكافا فروجكم قال: فخرج الخارجي حتى أتى أبا عبد الله عليه السلام فقال: إني لقيت هشاما فسألته عن كذا فأخبرني بكذا وكذا وذكر أنه سمعه منك، قال: نعم قد قلت ذلك، فقال الخارجي: فها أناذا قد جئتك خاطبا فقال له أبو عبد الله عليه السلام إنك لكفو في دمك وحسبك في قومك، ولكن الله عز وجل صاننا عن الصدقة وهي أوساخ أيدي الناس فنكره أن نشرك فيما فضلنا الله به من لم يجعل الله له مثل ما جعل الله لنا فقام الخارجي وهو يقول: تالله ما
رأيت رجلا مثله قط ردني والله أقبح رد وما خرج من قول صاحبه.(1)
الحكم لديه مسؤولية العدل والرقابة وليس للترف:
عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام يوما: جعلت فداك… ذكرت آل فلان وما هم فيه من النعيم فقلت: لو كان هذا إليكم لعشنا معكم. فقال: هيهات يا معلى… أما والله أن لو كان ذاك، ما كان إلا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل الجشب، فزوي ذلك عنا فصرنا نأكل ونشرب، فهل رأيت ظلامة قط صيرها الله تعالى نعمة إلا هذه.(2)
عبادته عليه السلام:
عن محمد بن زياد الازدي قال: سمعت مالك بن أنس فقيه المدينة يقول: كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: وكان رجلا لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما صائما، وإما قائما، وإما ذاكرا، وكان من عظماء العباد، وأكابر الزهاد الذين يخشون الله عزوجل، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله اخضر مرة، واصفر اخرى حتى
ينكره من كان يعرفه، ولقد حججت معه سنة فلما استوت به راحلنه عند الاحرام، كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر من راحلته فقلت: قل يا ابن رسول الله، ولابد لك من أن تقول، فقال: يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول عزوجل لي: لا لبيك ولا سعديك.(1)
عن النوفلي قال: سمعت مالك بن أنس الفقيه يقول: والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد عليه السلام زهدا وفضلا وعبادة ورعا.(2)
دعاؤه لأصحاب ابيه:
عن ابن رئاب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو ساجد: اللهم اغفر لي ولاصحاب أبي، فاني أعلم أن فيهم من ينقصني.(3)
عندما يتذكر نعمة الله عليه:
عن معاوية بن وهب قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة وهو راكب حماره، فنزل وقد كنا صرنا إلى السوق أو قريبا من السوق قال: فنزل وسجد
وأطال السجود وأنا أنتظره، ثم رفع رأسه. قال: قلت: جعلت فداك رأيتك نزلت فسجدت؟! قال: إني ذكرت نعمة الله علي قال: قلت: قرب السوق، والناس يجيئون ويذهبون؟! قال: إنه لم يرني أحد.(1)
مفتاح الرزق الصدقة:
عن هارون بن عيسى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لمحمد ابنه: كم فضل معك من تلك النفقة؟ قال: أربعون دينارا قال: اخرج وتصدق بها قال: إنه لم يبق معي غيرها قال: تصدق بها، فان الله عزوجل يخلفها، أما علمت أن لكل شيء مفتاحا؟ ومفتاح الرزق الصدقة، فتصدق بها، ففعل فما لبث أبو عبد الله عليه السلام إلا عشرة حتى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار، فقال: يا بني أعطينا لله أربعين دينارا فأعطانا الله أربعة آلاف دينار. (2)
النعيم الذي يسال عنه ليس الطعام:
عن أبي سعيد عن أبي حمزة قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا، واوتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا، من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا
النعيم الذي نعمتم به عند ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أبو عبد الله عليه السلام: الله أكرم وأجل من أن يطعمكم طعاما فيسوغكموه ثم يسألكم عنه، ولكن يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله.(1)
لباسه عند الضرورة:
عن حذيفة ابن منضور قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام بالحيرة، فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والاخر أبيض، فلبسه ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: أما إني ألبسه، وأنا أعلم أنه لباس أهل النار. والممطر كمنبر ثوب يلبس في المطر يتوقى به.(2)
العطسة:
عن رجل من العامة قال: كنت اجالس أبا عبد الله عليه السلام فلا والله ما رأيت مجلسا أنبل من مجالسه قال: فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة؟ فقلت: من الانف فقال لي: أصبت الخطاء فقلت: جعلت فداك، من أين تخرج؟ فقال: من جميع البدن، كما أن النطفة تخرج من جميع البدن، ومخرجها من الاحليل ثم قال: أما رأيت الانسان
إذا عطس نفض أعضاؤه، وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيام.(1)
عند المصيبة:
عن العلا بن كامل قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام فصرخت الصارخة من الدار، فقام أبو عبد الله عليه السلام ثم جلس، فاسترجع، وعاد في حديثه، حتى فرغ منه ثم قال: إنا لنحب أن نعافى في أنفسنا وأولادنا وأموالنا، فإذا وقع القضاء فليس لنا أن نحب ما لم يحب الله لنا.(2)
يتصدق بأحب الاشياء اليه:
عن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يتصدق بالسكر فقيل له: أتتصدق بالسكر؟ فقال: نعم إنه ليس شيء أحب إلي منه، فأنا احب أن أتصدق بأحب الاشياء إلي.(3)
تعجيل اعطاء الفطرة:
عن معتب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: اذهب فأعط عن عيالنا الفطرة وأعط عن الرقيق، وأجمعهم، ولا تدع منهم أحدا، فانك إن تركت منهم إنسانا تخوفت عليه الفوت، قلت: وما
الفوت؟ قال: الموت.(1)
اجابة دعائه عليه السلام:
روي أن داود بن علي قتل المعلى بن خنيس، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: قتلت قيمي في مالي وعيالي ثم قال: لأدعون الله عليك، قال داود: اصنع ما شئت فلما جن الليل قال عليه السلام اللهم ارمه بسهم من سهامك تنفلق به قلبه، فأصبح وقد مات داود، فقال عليه السلام لقد مات على دين أبي لهب، وقد دعوت الله فأجاب فيه الدعوة وبعث إليه ملكا معه مرزبة(2) من حديد فضربه ضربة فما كانت إلا صيحة قال: فسألنا الخدم قالوا: صاح في فراشه، فدنونا منه فإذا هو ميت.(3)
كنا نتغدى مع أبي عبد الله عليه السلام فقال لغلامه: انطلق وائتنا بماء زمزم فانطلق الغلام، فما لبث أن جاء وليس معه ماء فقال: إن غلاما من غلمان زمزم، منعني الماء، وقال: تريد لإله العراق، فتغير لون أبي عبد الله عليه السلام ورفع يده عن الطعام، وتحركت شفتاه، ثم قال عليه السلام للغلام: ارجع فجئنا بالماء، ثم أكل فلم يلبث أن جاء الغلام بالماء، وهو متغير
اللون، فقال: ما وراك؟ قال: سقط ذلك الغلام في بئر زمزم، فتقطع، وهم يخرجونه، فحمد الله عليه.(1)
روي أن حماد بن عيسى سأل الصادق عليه السلام أن يدعو له ليرزقة الله ما يحج به كثيرا، وأن يرزقه ضياعا حسنة ودارا حسنا، وزوجة من أهل البيوتات صالحة، وأولادا أبرارا فقال الصادق عليه السلام: اللهم ارزق حماد بن عيسى ما يحج به خمسين حجة، وارزقه ضياعا، ودارا حسنا، وزوجة صالحة من قوم كرام، وأولادا أبرارا، قال بعض من حضره: دخلت بعد سنين على حماد بن عيسى في داره بالبصرة فقال لي: أتذكر دعاء الصادق عليه السلام لي؟ قلت: نعم قال: هذه داري ليس في البلد مثلها، وضياعي أحسن الضياع، وزوجتي من تعرفها من كرام الناس، وأولادي تعرفهم، وقد حججت ثمانيا وأربعين حجة، قال: فحج حماد حجتين بعد ذلك، فلما حج في الحادية والخمسين، ووصل إلى الجحفة، وأراد أن يحرم، دخل واديا ليغتسل، فأخذه السيل، ومر به، فتبعه غلمانه، فأخرجوه من الماء ميتا، فسمي
حماد غريق الجحفة.(1)
اداء الامانة للبر والفاجر:
إسماعيل بن عبد الله القرشي قال: أتى إلي أبي عبد الله عليه السلام رجل فقال: يا ابن رسول الله رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه وكأن شبحا من خشب، أو رجلا منحوتا من خشب، على فرس من خشب، يلوح بسيفه وأنا اشاهده، فزعا مرعوبا فقال له عليه السلام: أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك، فقال الرجل: أشهد أنك قد اوتيت علما، واستنبطته من معدنه، اخبرك يا ابن رسول الله عما قد فسرت لي، إن رجلا من جيراني جاءني وعرض علي ضيعته، فهممت أن أملكها بوكس كثير، لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري فقال أبو عبد الله عليه السلام: وصاحبك يتوالانا ويبرأ من عدونا؟ فقال: نعم يا ابن رسول الله لو كان ناصبيا حل لي اغتياله، فقال: أد الامانة لمن ائتمنك، وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الحسين عليه السلام.(2)
مع ابي حنيفة:
وذكر أبو القاسم البغار في مسند أبي حنيفة: قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمد لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الشداد فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته. فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمنه، فلما بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لابي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ إلي فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة قال: نعم أعرفه، ثم التفت إلي فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا و ربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على الاربعين مسألة فما أخل منها بشيءثم قال أبو حنيفة: أليس أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(1)
الصادون عن دين الله:
عن سدير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وهو داخل وأنا خارج، وأخذ بيدي ثم استقبل البيت، فقال: يا سدير إنما امر الناس أن يأتوا هذه الاحجار فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيعلمونا ولا يتهم لنا، وهو قول الله ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ – ثم أومأ بيده إلى صدره – إلى ولايتنا، ثم قال: يا سدير أفاريك الصادين عن دين الله؟ ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان، وهم حلق في المسجد فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله، بلا هدى من الله، ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الاخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى، و عن رسوله صلى الله عليه وآله، حتى يأتونا، فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله.(1)
سيرته في الزحام في الحج:
عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت أطوف، وسفيان الثوري قريب مني فقال: يا أبا عبد الله كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله بالحَجَر، إذا انتهى إليه؟ فقلت: كان رسول
الله صلى الله عليه وآله يستلمه في كل طواف، فريضة ونافلة قال: فتخلف عني قليلا فلما انتهيت إلى الحَجَر، جزت ومشيت فلم أستلمه، فلحقني فقال: يا أبا عبد الله ألم تخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستلم الحجر في كل طواف، فريضة و نافلة؟ قلت: بلى قال: فقد مررت به فلم تستلم!؟ فقلت: إن الناس كانوا يرون لرسول الله صلى الله عليه وآله ما لا يرون لي، وكان إذا انتهى إلى الحجر أفرجوا له حتى يستلمه، وإني أكره الزحام.(1)
تربيته لنصراني اسلم:
عن زكريا بن إبراهيم قال: كنت نصرانيا فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: إني كنت على النصرانية، وإني أسلمت فقال: وأي شيء رأيت في الاسلام؟ قلت: قول الله عزوجل « ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء « فقال: لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده ثلاثا، سل عما شيء يا بني فقلت: إن أبي وامي على النصرانية، وأهل بيتي وامي مكفوفة البصر، فأكون معهم، وآكل من آنيتهم فقال:
يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا ولا يمسونه فقال: لا بأس، فانظر امك فبرها، فإذا ماتت، فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها، ولا تخبرن أحدا أنك أتيتني، حتى تأتيني بمنى إن شاء الله، قال: فأتيته بمنى والناس حوله، كأنه معلم صبيان، هذا يسأله، وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة، ألطفت لامي، وكنت اطعمها وافلي ثوبها ورأسها وأخدمها، فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا، وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت، فدخلت في الحنيفية؟ فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرجل هو نبي؟ فقلت: لا ولكنه ابن نبي فقالت: يا بني هذا نبي إن هذه وصايا الانبياء فقلت يا ام إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه فقالت: يا بني دينك خير دين، اعرضه علي فعرضته عليها فدخلت في الاسلام، وعلمتها فصلت الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الاخرة ثم عرض بها عارض في الليل فقالت: يا بني أعد علي ما علمتني، فأعدته عليها فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها، وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها. بيان:
افلي ثوبها أي أنظر فيه لاستخرج قملها.(1)
حثه على التجارة:
عن أبي عمارة الطيار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني قد ذهب مالي وتفرق ما في يدي، و عيالي كثير، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا قدمت الكوفة فافتح باب حانوتك وابسط بساطك، وضع ميزانك، وتعرض لرزق ربك، فلما أن قدم الكوفة فتح باب حانوته، وبسط بساطه، ووضع ميزانه، قال: فتعجب من حوله بأن ليس في بيته قليل ولا كثير من المتاع، ولا عنده شيء قال: فجاءه رجل فقال: اشتر لي ثوبا قال: فاشترى له، وأخذ ثمنه، وصار الثمن إليه، ثم جاءه آخر فقال: اشتر لي ثوبا قال: فجلب له في السوق، ثم اشترى له ثوبا، فأخذ ثمنه فصار في يده، وكذلك يصنع التجار يأخذ بعضهم من بعض. ثم جاءه رجل آخر فقال له: يا أبا عمارة إن عندي عدلا من كتان فهل تشتريه واؤخرك بثمنه سنة؟ فقال: نعم، احمله وجيء به قال: فحمله إليه فاشتراه منه بتأخير سنة قال: فقام الرجل فذهب، ثم أتاه آت من أهل السوق فقال: يا أبا عمارة ما هذا العدل؟ قال: هذا
عدل اشتريته فقال: فتبيعني نصفه و اعجل لك ثمنه؟ قال: نعم فاشتراه منه وأعطاه نصف المتاع فأخذ نصف الثمن قال: فصار في يده الباقي إلى سنة، قال: فجعل يشتري بثمنه الثوب والثوبين ويعرض ويشتري ويبيع، حتى أثرى، وعرض وجهه، وأصاب معروفا.(1)
عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان رجل من أصحابنا بالمدينة فضاق ضيقا شديدا، واشتدت حاله فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اذهب فخذ حانوتا في السوق، وابسط بساطا، وليكن عندك جرة من ماء، والزم باب حانوتك قال: ففعل الرجل فمكث ما شاء الله. قال: ثم قدمت رفقة من مصر فألقوا متاعهم، كل رجل منهم عند معرفته، وعند صديقه، حتى ملؤا الحوانيت، وبقي رجل لم يصب حانوتا يلقي فيه متاعه فقال له أهل السوق: ههنا رجل ليس به بأس، وليس في حانوته متاع، فلو ألقيت متاعك في حانوته، فذهب إليه فقال له: القي متاعي في حانوتك؟ فقال له: نعم، فألقى متاعه في حانوته، وجعل يبيع متاعه، الاول فالاول، حتى إذا حضر خروج
الرفقة بقي عند الرجل شيء يسير من متاعه، فكره المقام عليه، فقال لصاحبنا: اخلف هذا المتاع عندك تبيعه وتبعث إلي بثمنه؟ قال: فقال: نعم، فخرجت الرفقة وخرج الرجل معهم، وخلف المتاع عنده، فباعه صاحبنا، وبعث بثمنه إليه قال: فلما أن تهيأ خروج رفقة مصر من مصر، بعث إليه ببضاعة فباعها، ورد إليه ثمنها، فلما رأى ذلك منه الرجل أقام بمصر، وجعل يبعث إليه بالمتاع ويجهز عليه قال: فأصاب وكثر ماله وأثرى.(1)
عن حفص بن عمر البجلي قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام حالي، و انتشار أمري علي قال: فقال لي: إذا قدمت الكوفة فبع وسادة من بيتك بعشرة دراهم، وادع إخوانك، وأعد لهم طعاما، وسلهم يدعون الله لك، قال: ففعلت، وما أمكنني ذلك حتى بعت وسادة، واتخذت طعاما كما أمرني، وسألتهم أن يدعوا الله لي قال: فوالله ما مكثت إلا قليلا حتى أتاني غريم لي فدق الباب علي وصالحني من مال لي كثير، كنت أحسبه نحوا من عشرة آلاف درهم قال: ثم أقبلت الاشياء علي.(2)
عن عبد الرحمان بن سيابة قال: لما أن هلك أبي سيابة جاء رجل من إخوانه إلي فضرب الباب علي فخرجت إليه فعزاني وقال لي: هل ترك أبوك شيئا؟ فقلت له: لا، فدفع إلي كيسا فيه ألف درهم وقال لي: أحسن حفظها وكل فضلها فدخلت إلى امي وأنا فرح فأخبرتها، فلما كان بالعشي أتيت صديقا كان لابي فاشترى لي بضايع سابريا وجلست في حانوت، فرزق الله عزوجل فيها خيرا وحضر الحج فوقع في قلبي، فجئت إلى امي فقلت لها: إنه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكة فقالت لي: فرد دراهم فلان عليه، فهياتها وجئت لها إليه، فدفعتها إليه، فكأني وهبتها له، فقال: لعلك استقللتها؟ فأزيدك؟ قلت: لا ولكن وقع في قلبي الحج، وأحببت أن يكون شيئا عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي، ثم رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبد الله عليه السلام، وكان يأذن إذنا عاما فجلست في مواخير الناس، وكنت حدثا فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم. فلما خف الناس عنه أشار إلي فدنوت إليه فقال لي: ألك حاجة؟ فقلت له: جعلت فداك أنا عبد الرحمان بن سيابة فقال: ما فعل أبوك؟ فقلت: هلك قال:
فتوجع وترحم قال: ثم قال لي: أفترك شيئا؟ قلت: لا قال: فمن أين حججت قال: فابتدأت فحدثته بقصة الرجل قال: فما تركني أفرغ منها حتى قال لي: فما فعلت الالف؟ قال: قلت: رددتها على صاحبها قال: فقال لي: قد أحسنت وقال لي: ألا اوصيك؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: عليك بصدق الحديث، وأداء الامانة، تشرك الناس في أموالهم، هكذا، وجمع بين أصابعه قال: فحفظت ذلك عنه، فزكيت ثلاثمائة ألف درهم. (1)
السابرى: ضرب من الثياب الرقاق تعمل بسابور موضع بفارس. المواخير: جلس في مواخير الناس أي في مؤخرتهم.
حُسن حوار اصحابه :
عن علي بن ابراهيم رفعه قال: سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق فقال له: يا أبا جعفر ما تقول في المتعة أتزعم أنها حلال؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن، ويكتسبن عليك؟ فقال له أبو جعفر: ليس كل الصناعات يرغب فيها، وإن كانت حلالا، وللناس أقدار ومراتب، يرفعون أقدارهم،
ولكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ أتزعم أنه حلال؟ قال: نعم، قال: فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات فيكسبن عليك؟ فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة، وسهمك أنفذ، ثم قال له: يا أبا جعفر إن الآية التي في سأل سائل تنطق بتحريم المتعة، والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله قد جاءت بنسخها، فقال له أبو جعفر عليه الصلاة والسلام: يا أبا حنيفة إن سورة سأل سائل مكية، وآية المتعة مدنية وروايتك شاذة ردية، فقال له أبو حنيفة: وآية الميراث أيضا تنطق بنسخ المتعة. فقال أبو جعفر عليه السلام: قد ثبت النكاح بغير ميراث، قال أبو حنيفة: من أين قلت ذاك؟ فقال أبو جعفر: لو أن رجلا من المسلمين تزوج امرأة من أهل الكتاب، ثم توفي عنها ما تقول فيها؟ قال: لا ترث منه قال: فقد ثبت النكاح بغير ميراث ثم افترقا.(1)
تتبع شيعة الامام الصادق عليه السلام:
قال أبو بصير سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وقد جرى ذكر المعلى ابن خنيس فقال: يا أبا محمد اكتم علي ما أقول لك في المعلى قلت: أفعل، فقال: أما
إنه ما كان ينال درجتنا إلا بما كان ينال منه داود بن علي قلت: وما الذي يصيبه من داود؟ قال: يدعو به فيأمر به، فيضرب عنقه، ويصلبه، وذلك قابل فلما كان قابل ولي داود المدينة، فدعا المعلى وسأله عن شيعة أبي عبد الله عليه السلام فكتمه فقال: أتكتمني؟ أما إنك إن كتمتني قتلتك فقال المعلى: بالقتل تهددني؟! والله لو كانوا تحت قدمي، ما رفعت قدمي عنهم، وإن أنت قتلتني لتسعدني ولتشقين فلما أراد قتله قال المعلى: أخرجني إلى الناس، فإن لي أشياء كثيرة، حتى اشهد بذلك، فأخرجه إلى السوق، فلما اجتمع الناس قال: أيها الناس اشهدوا أن ما تركت من مال عين أو دين أو أمة أو عبد أو دار أو قليل أو كثير فهو لجفعر ابن محمد عليهما السلام فقتل.(1)
الصادق عليه السلامفي الكوفة :
عن أبي جعفر محمد بن معروف الهلالي وكان قد أتت عليه مائة وثمان وعشرون سنة قال: مضيت إلى الحيرة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام وقت السفاح، فوجدته قد تداك الناس عليه ثلاثة أيام متواليات، فما كان لي فيه حيلة، ولا قدرت عليه
من كثرة الناس، وتكاثفهم عليه، فلما كان في اليوم الرابع رآني، وقد خف الناس عنه، فأدناني، ومضى إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام فتبعته، فتطهر للصلاة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم دعا ربه وكان في دعائه « اللهم لا تجعلني ممن تقدم فمرق، ولا ممن تخلف فمحق واجعلني من النمط الاوسط» ثم مشى ومشيت معه فقال: يا غلام، البحر لا جار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها، كم من ناعم ولا يعلم ثم قال: تمسكوا بالخمس وقدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، وتزينوا بالحلم، واجتنبوا الكذب وأوفوا المكيال والميزان.(1)
عن عبد الله بن سنان قال: لما قدم أبو عبد الله عليه السلام على أبي العباس وهو بالحيرة خرج يوما يريد عيسى بن موسى فاستقبله بين الحيرة والكوفة ومعه ابن شبرمة القاضي فقال له: إلى.(2)
اوصياؤه عليه السلام بعد موته:
روى أبو أيوب الخوزي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي، وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، فلما سلمت عليه رمى الكتاب إلي وهو
يبكي وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان، يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون – ثلاثا – وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال فرجع الجواب إليه: إنه قد أوصى إلى خمسة أحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، ابني جعفر، و حميدة فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل.(1)
داود بن كثير الرقي قال: أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبرا فقال: توفي جعفر الصادق عليه السلام فشهق شهقة واغمي عليه، فلما أفاق قال: هل أوصى إلى أحد؟ قال: نعم أوصى إلى ابنه عبد الله، وموسى، وأبي جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبين لنا عن الكبير ودلنا على الصغير، وأخفى عن أمر عظيم، فسئل عن قوله فقال: بين عيوب الكبير ودل على الصغير لاضافته إياه، وكتم الوصية للمنصور لانه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل: أنت.(2)
مختارات من كلماته عليه السلام
قال ابو عمر و المقدام: قال لي أبو عبد الله عليه السّلام في أوّل مرّة دخلت عليه: «تعلّموا الصدق قبل الحديث».(1)
قال عليه السلام: «لست أحبّ أن أرى الشاب منكم إِلا غادياً في حالين، إِما عالماً أو متعلّماً، فان لم يفعل فرط، وإِن فرط ضيّع، وإِن ضيّع أثم».(2)
قال عليه السلام: «خف الله كأنك تراه وإِن كنت لا تراه فانّه يراك، وإِن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإِن كنت تعلم أنه يراك ثمّ بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك».(3)
وقال أيضاً عليه السلام: «من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله له اكثر ممّا أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى الله عزّ وجلّ إِلا أن يقلّله
في عين مَن سمَعه».(1)
قال عليه السلام: «مَن أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً».(2)
قال أبو عبد الله عليه السلام في صفة المؤمن: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقوراً عند الهزاهز، صبوراً عند البلاء، شكوراً عند الرخاء، قانعاً بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة. ثمّ قال: إِن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده».(3)
وقال عليه السلام أيضاً: «المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين، وإِيمان في يقين، وحرص في فِقه، ونشاط في هُدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمُّل في فاقة، وعفو في مقدرة، وطاعة لله في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة
في شغل، وصبر في شدَّة، في الهزاهز وقور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب، ولا يتكبّر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظ، ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، ولا يُعيِّر، ولا يسرق، ينصر المظلومِ، ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عزّ الدنيا، ولا يجزع من ذلّها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله، لا يُرى في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع عن الخناء والجهل».(1)
وقال عليه السلام أيضاً: «لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتّى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستقلّ كثير الخير من نفسه، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستكثر قليل الشرّ من نفسه، ويستقلّ كثير الشرّ من غيره، ولا يتبرّم بطلب الحوائج قِبَله، ولا يسأم من طلب العلم عمره، الذلّ
في طاعة الله أحبّ اليه من العز في معصيته، والفقر أحبّ اليه من الغنى، حسبه من الدنيا القوت، والعاشرة وما العاشرة لا يلقى أحداً إِلا قال هو خير مني وأتقى، إِنما الناس رجلان، رجل خير منه وأتقى، ورجل شرّ منه وأدنى، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به، وإِذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى قال لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن فاذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه».(1)
و قوله لأبي بصير: أما تحزن؟ أما تهتم؟ أما تتألّم؟ قال: بلى، قال عليه السلام: «اذا كان ذلك منك فاذكر الموت ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خدّيك، وتقطّع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك وانقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثّك على العمل ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا».(2)
زيد الشَّحام: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «اقرأ من ترى أنه يطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام، واوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق
الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّد صلّى الله عليه وآله. أدّوا الأمانة الى من ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً، فإن رسول الله كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صِلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعُودوا مرضاهم، وأدّوا حُقوقهم، فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدقَ الحديث وأدَّى الأمانة وحسُنَ خُلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، ويسرّني ذلك، ويُدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإِذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعارُه وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله لحدّثني أبي أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، أدَّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، اليه وصاياهم وودائعهم، تُسئل العشيرة عنه، ويقولون: من مثل فلان؟ إِنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث».(1)
«كونوا دُعاة الى انفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً».(2)
« بأحسن ما تحبّون أن تذكروا به اذا غبتم، واعملوا عمل من يعلم أنه مجازى بالإحسان».(1)
«من لم يكن فيه ثلاث خِصال لم ينفعه الايمان: حلم يردّ جهل الجاهل، وورع يحجزه عن طلب المحارم، وخُلق يداري به الناس».(2)
وسئل عن صفة العدل من الرجل، فقال عليه السلام: «إِذا غضَّ طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفّه عن المظالم».(3)
«لا تُسمّ الرجل صديقاً سمة معرفة حتّى تختبره بثلاثة: تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحقّ الى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتّى تسافر معه».(4)
«شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس».(5)
«الرجال ثلاثة: رجل بماله، ورجل بجاهه، ورجل بلسانه، وهو أفضل الثلاثة».(6)
«وجدت علم الناس كلّهم في أربعة: أوّلها أن تعرف ربّك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك».(1)
«أربعة تذهب ضياعاً: مودَّة تمنحها من لا وفاء له، ومعروف عند من لا شكر له، وعلم عند من لا استماع له، وسرّ تودعه من لا حصانة له».(2)
تم بحمد الله
