حاز الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام مكانة كبيرة عند الشيعة الإمامية، حيث كان الإمام الثامن من أئمتهم الاثنى عشر، وكذلك كانت له مكانة عند من لم يعتقد بإمامته، من أعلام المذاهب الإسلامية الأخرى، وتجلَّى ذلك في كلماتهم التي دوّنوها في مصنّفاتهم عنه: قال ابن حجر: كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب. وقال السمعاني: والرضا كان من أهل العلم والفضل مع شرف النسب. وقال الذهبي: كبير الشأن، له علم وبيان، ووقع في النفوس،صيره المأمون ولي عهده لجلالته.
يبحث هذا الكراس الالكتروني جوانب متعددة من حياة الامام علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام.
فهرس المحتويات
- مقدمة المركز
- نظرة إجمالية في حياته عليه السلام الشخصية
- صفاته عليه السلام الخَلْقية
- صفاته الخُلْقية
- محل إقامته عليه السلام
- شهادته عليه السلام
- فترة إمامته عليه السلام
- دلائل إمامته عليه السلام
- فرق الشيعة في زمانه عليه السلام
- رحلته عليه السلام إلى خراسان
- توليه عليه السلام ولاية عهد المأمون
- مناظراته عليه السلام مع العلماء
- الاحتجاج مع رأس الصابئة
- مكانته عليه السلام عند عموم المسلمين
- أصحابه عليه السلام
- مختارات من كلامه عليه السلام
- المؤلفات المنسوبة إليه عليه السلام
عنوان الإصدار : الإمام علي بن موسى الرضا (ع)
إعداد وتقديم د. السيد حسين البدري
سنة الإصدار : صفر 2020/1442
نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF
الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي
الموقع : fajrashura.com
روى ابن قولويه عن بعض الأئمة (عليهم السلام) انّه قال: إذا صرت إلى قبر الإمام الرّضا (عليه السلام) فقُل:
اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضا الْمُرْتَضَى الإِمامِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ وَحُجَّتِكَ عَلى مَنْ فَوْقَ الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الثَّرى، الصِّدّيقِ الشَّهيدِ، صَلاةً كَثيرَةً تامَّةً زاكِيَةً مُتَواصِلَةً مُتَواتِرَةً مُتَرادِفَةً، كَأَفْضَلِ ما صَلَّيْتَ عَلى اَحَد مِنْ اَوْلِيائِكَ.
مقدمة المركز
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.
وبعد فهذا موجز عن حياة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام تم اختيار المعلومات الوارد فيه:
1. عن المصادر القديمة التي نقلت أخبار التاريخ الإسلامي بوجه عام والتي احتوت على الغث والسمين والقوي والضعيف والمتواتر والآحاد، وقد تم اختيار ما يقوى بتعاضد القرائن.
2. الدراسات الحديثة للعلماء والباحثين كأبحاث العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي رحمه الله في كتابه حياة الإمام الرضا عليه السلام السياسية والعلامة الشيخ باقر شريف القرشي رحمه الله والعلامة السيد سامي البدري (الوالد) والشيخ رسول جعفريان وغيرهم.
ولم يتم العناية كثيرا بالاستدلال أو نقل المناقشات، وفي بعض الموارد قد يتم نقل الأقوال
المختلفة حسب اختلاف الروايات والنقول.
فالإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام هو الإمام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام، تولّي الإمامة بعد استشهاد أبيه الكاظم عليه السلام واستمرّت إمامته حوالي 20 عامّاً. له ألقاب عدة أشهرها الرضا، وكنيته أبو الحسن الثاني، ولد في المدينة المنورة سنة 148 هـ، واستشهد بسمٍّ دُسَّ إليه في العنب أو الرمان، في طوس سنة 203هـ، ودفن في مدينة مشهد، وصار مرقده مزاراً يقصده الملايين من مختلف البلدان.
بعد أن كان الإمام الرضا عليه السلام يُقيم في المدينة المنورة، انتقل إلى خراسان، بطلبٍ وأمرٍ من المأمون العباسي؛ ليُكرهه على قبول ولاية عهده، وعند مروره بنيشابور وروى حديث سلسلة الذهب المشهور.
عُرف عند أهل زمانه بالزهد والعبادة والإحسان للمستضعفين، غير أنّه اشتهر بسعة علمه ومعارفه؛ وذلك لتَفَوَّقه على جميع من ناظره من مختلف المذاهب والأديان، وهذا ما كشفته مناظراته، التي كان يقيمها المأمون العباسي بينه وبين كبار علماء المذاهب والأديان، لعلّه يتمكن
من إثبات أنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام ليس لديهم علم لَدُنّي كما هو المتداول عند شيعتهم ومواليهم.
وذكر علماء الشيعة أصحابه، منهم الشيخ الطوسي وباقر القرشي، حيث بلغ عددهم أكثر من 300 شخصاً.
د. السيد حسين البدري
مسؤول وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة
29صفر الخير1442 هجرية
قم المشرفة
نظرة إجمالية في حياته عليه السلام الشخصية:
هو علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام.(1) لُقّب عند الشيعة والسنّة بألقاب، أشهرها الرضا،(2) كما يشتهر بعالم آل محمد صلى الله عليه وآله حيث ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال لأبنائه: «هذا أخوكم عليّ بن موسى عالم آل محمد»(3) ويُعرف بالإمام الرؤوف حيث خاطبه الإمام الجواد عليه السلام في زيارته: «السَّلَامُ عَلَى الْإِمَامِ الرَّءُوف».(4) وكذلك لُقِّب بالزّكيّ،(5) والرضي،(6) الوليّ، والوفيّ،(7) والفاضل، والصابر، ونور الهدى، وسراج الله.(8)
(1) الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 22.
(2) الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 22؛ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 247؛ الإربلي، كشف الغمة، ج 3، ص 53، و ص 78.
(3) الطبرسي، إعلام الوري بأعلام الهدي، 1417 هـ، ج 2، ص 64.
(4) المجلسي، بحار الأنوار، ج 99، ص 55.
(5) ابن الصبّاغ، الفصول المهمة، ص 374.
(6) الإربلي، كشف الغمة، ج 3، ص 53، و ص 78.
المشهور هو أنه يكنى: بأبي الحسن(1)، ويكنى في بعض أسانيد الروايات بأبي الحسن الثاني، باعتبار أنّ والده الإمام موسى الكاظم عليه السلامهو أبو الحسن الأول.
المشهور بين الأعلام والمؤرخين،(2) أنّه ولد في المدينة المنورة سنة 148 ه(3)، وقيل سنة 151 ه، وقيل سنة 153 ه(4)، في يوم الخميس أو الجمعة الموافق 11 ذي الحجة أو ذي القعدة أو ربيع الأول أو شوال.(5)
نسبه وعائلته عليه السلام:
هو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وابن فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله عليه وآله.
أبوه: موسى الكاظم عليه السلام الإمام السابع للشيعة الإمامية، وجده الإمام جعفر الصادق عليه السلام.(6)
أمّه: يرى الشيخ الصدوق أن: أمّه أم ولد يقال لها «تُكْتَم» قد سميّت بهذا الاسم عندما كانت
مُلكاً للإمام الكاظم(1)، ثمّ سمّاها الطاهرة حينما ولدت الإمام الرضا،(2) وقد روى قوم بأنها تسمى (سكن النوبية)، وسميت (أروى)، وسميت (نجمة) وسميت (سمان)، وتكنى (أم البنين)(3)، ولم تذكر المصادر التاريخية معلومات دقيقة عن نسبها.
وكان نقش خاتمه عليه السلام : «ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله».
إخوته عليه السلام:
للإمام الرضا عليه السلام ستة وثلاثون أخاً وأختاً، هم: الذكور: إبراهيم، والعباس، والقاسم، وإسماعيل، وجعفر، وهارون، والحسين وأحمد، ومحمد، وحمزة، وعبد الله، واسحاق، وعبيد الله، وزيد، والحسن والفضل، وسليمان.
الإناث: فاطمة الكبرى وفاطمة الصغرى، (إحداهن هي فاطمة المعصومة)، ورقية، وحكيمة، وأم أبيها، ورقية الصغرى، وكلثم، وأم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعلية، وآمنة، وحسنة، ويريهة، وعائشة، وأم سلمة،
وميمونة، وأم كلثوم.(1)
زوجاته عليه السلام:
ذكرت بعض الروايات أنّ من زوجاته أم ولد يقال لها سبيكة، وهي من أَهل بيت ماريَةَ القبطية زوجة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأُمِّ إبراهيم ابن رسول الله.(2) كما جاء في بعض المصادر التاريخية أنّ المأمون اقترح على الإمام الرضا عليه السلام تزويجه بابنته (أم حبيب) فقَبِلَ الإمام بذلك، وهدف المأمون من الزواج، هو التقرّب من الإمام الرضا والنفوذ إلى بيته،(3) ويعتقد اليافعي أنّ اسم بنت المأمون التي زوجها من الإمام الرضا عليه السلام هو: أم حبيبة،(4) أما السيوطي فقد ذكر خبر تزويج ابنة المأمون من الإمام الرضا من دون أن يتعرض لذكر اسمها.(5)
أولاده عليه السلام:
الذكور: اختلفت كلمة المؤرخين في خصوص عدد أولاد الإمام الرضا: والقول المشهور
عند متقدمي العلماء، هو أنّ له ولداً واحداً، وهو الإمام محمد الجواد عليه السلام، وهذا ما استقربه الشيخ المفيد،(1) وقطع به الطبرسي(2) وابن شهر آشوب، وهناك من ذهب إلى القول بأنّ له ستة أولاد، خمسة ذكور وهم: محمد القانع، حسن، جعفر، إبراهيم، حسين، وبنت واحدة، وهذا قول الإربلي،(3) كما أخرج الحميري القمي في مصنّفه (قرب الإسناد) رواية يُفهم منها أنّ للإمام ولدان.(4)
الإناث: أخرج الشيخ الصدوق رواية وقع في سندها ما يُفْترض أنّها بنت الإمام الرضا، وهي فاطمة(5)، كما أن من قال بأنّ للإمام الرضا ستة أولاد، ومن هؤلاء هناك بنت اسمها عائشة.(6)
صفاته عليه السلام الخَلْقية:
نُقل أنّه كان معتدل القامة،(7) وأنّه كان أبيض معتدل القامة،(8) غير أنّ جملة من المؤرخين
قالوا: أنّه كان أسمر شديد السمرة،(1) وقد شبّهه البعض بأنّه شديد الشبه بجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله.(2)
صفاته الخُلْقية:
كما أن الإمام الرضا عليه السلام كان يتسم بصفات من مكارم الأخلاق، منها:
الزهد والكرم:
وردت عدّة روايات تكشف عن زهد الإمام الرضا عليه السلام وكرمه:
روي عن محمّد بن عبّاد قال: كان جلوس الرّضا في الصّيف على حصير وفي الشّتاء على مسح ولبسه الغليظ من الثّياب حتّى إذا برز للنّاس تزيّن لهم، ولقيه سفيان الثّوريّ في ثوب خزّ، فقال: يا ابن رسول اللّه لو لبست ثوبا أدنى من هذا، فقال: هات يدك فأخذ بيده وأدخل كمّه، فإذا تحت ذلك مسح،(3) فقال: يا سفيان الخزّ للخلق والمسح للحقّ.(4)
ما رواه يعقوب بن إسحاق النّوبختيّ قال: مرّ رجل بأبي الحسن الرّضا عليه السلام فقال له: أعطني على
قدر مروّتك. قال: لا يسعني ذلك، فقال: على قدر مروّتي. قال: أمّا إذا فنعم، ثمّ قال: يا غلام أعطه مائتي دينار وفرّق بخراسان ماله كلّه في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: إنّ هذا لمغرم، فقال: بل هو المغنم لا تعدّنّ مغرما ما ابتعت به أجرا وكرما.(1)
العبادة والتقوى:
عرف الإمام الرضا عليه السلام، بكثرة انقطاعه لخالقه حين تنام الخلائق:
يقول الشبراوي: عليّ الرضا عليه السلام كان صاحب وضوء وصلاة ليله كلّه، يتوضّأ ويصلّي ويرقد، ثمّ يقوم فيتوضّأ ويصلّي ويرقد، وهكذا إلى الصباح.(2)
وعن محمّد بن يحيى الصّوليّ عن جدّته أمّ أبيه واسمها عذر قالت: اشتريت مع عدّة من الجواري فحملنا إلى المأمون فوهبني للرّضا عليه السلام فسألت عن أحوال الرّضا؛ فقالت: ما أذكر منه إلّا أنّي كنت أراه يتبخّر بالعود الهنديّ السّنيّ، ويستعمل بعده ماء ورد ومسكا وكان إذا صلّى
الغداة وكان يصلّيها في أوّل وقت، ثمّ يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشّمس، ثمّ يقوم فيجلس للنّاس أو يركب ولم يكن أحد يقدر أن يرفع صوته في داره كائنا من كان؛ إنّما يتكلّم النّاس قليلا قليلا.(1)
وعن إبراهيم بن العبّاس وهو يصف حال الإمام الرّضا في حديث: أنّه كان قليل النّوم باللّيل كثير السّهر؛ يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصّبح؛ وكان كثير الصّيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيّام في الشّهر؛ ويقول ذلك صوم الدّهر؛ وكان كثير المعروف والصّدقة في السّرّ؛ وأكثر ذلك يكون منه في اللّيالي المظلمة؛ فمن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تصدّقه.(2)
الإحسان والعطف:
من أبرز مُميِّزات الإمام الرضا عليه السلام، هو عطفه وإحسانه على المساكين والفقراء، وخاصة المستضعفين من العبيد:
أخرج الكليني عن عبد اللّه بن الصّلت عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرّضا عليه السلام
في سفره إلى خراسان، فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السّودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: مه إنّ الرّبّ تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والأب واحد والجزاء بالأعمال.(1)
قال الرضا عليه السلام: «لا تدعوا العمل الصّالح و الاجتهاد في العبادة اتّكالا على حبّ آل محمّد (ع)؛ لا تدعوا حبّ آل محمّد عليه السلام و التّسليم لأمرهم اتّكالا على العبادة، فإنّه لا يقبل أحدهما دون الآخر».(2)
العلم والمعرفة:
عُرِف الإمام الرضا عليه السلام، بتفرّده عن أهل زمانه بسعة العلم والمعرفة، وشهد له بذلك مختلف أصحاب المذاهب والأديان، والروايات في ذلك كثيرة:
منها: ما قاله عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرّضا عليه السلام ولا رآه عالم إلّا شهد له بمثل شهادته، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء
الأديان، وفقهاء الشّريعة، والمتكلّمين، فغلبهم عن آخرهم حتّى ما بقي أحد منهم إلّا أقرّ له بالفضل، وأقرّ على نفسه بالقصور، ولقد سمعت عليّ بن موسى الرّضا يقول: كنت أجلس في الرّوضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم، وبعثوا إليّ بالمسائل فأجبت عنها.(1)
ومنها: ما روي عن أبي ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول: ما رأيت الرّضا عليه السلام سئل عن شيء قطّ إلّا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزّمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه في كلّ ثلاثة بالسّؤال عن كلّ شيء، فيجيب فيه وكان كلامه وجوابه وتمثيله بآيات من القرآن وكان يختمه في كلّ ثلاث، ويقول: لو أردت أن أختمه في أقلّ من ثلاث لختمت، ولكن ما مررت بآية قطّ إلّا فكّرت فيها وفي أيّ شيء نزلت وفي أيّ وقت فلذلك صرت أختم في ثلاثة أيّام.(2)
معرفته بكل اللّغات:
تميَّز الإمام الرضا عليه السلام، بمقدرته على مخاطبة كل قوم بلغته، وهذا قد تظافرت به الروايات الواردة عن مَن كان يتواصل معه:
يقول إسماعيل السندي: سمعت بالهند أنّ لله في العرب حجّة، فخرجت في طلبه، فدللت على الرضا عليه السلام فقصدته، وأنا لا أحسن العربية، فسلّمت عليه بالسنديّة، فردّ عليَّ بلغتي، فجعلت اُكلمه بالسندية، وهو يردّ عليَّ بها، وقلت له: إنّي سمعت أنّ لله حجّة في العرب، فخرجت في طلبه، فقال: أنا هو، ثمّ قال لي: سلْ عمّا أردته، فسألته عن مسائل فأجابني، عنها بلغتي.(1)
ويقول أبو الصّلت الهروي: كان الرضا عليه السلام يُكلّم النّاس بلغاتهم، فقلت له في ذلك، فقال: يا أبا الصّلت، أنا حجّة الله على خلقه، وما كان الله ليتّخذ حُجّة على قوم وهو لا يعرف لُغاتهم، أو ما بلغك قول أمير المؤمنين عليه السلام: أُوتينا الخطاب، وهل هو إلا معرفته للُّغات.(2)
محل إقامته عليه السلام:
وُلِد الإمام الرضا عليه السلام في المدينة المنورة، واستشهد في طوس(1)، وبسبب وجود تضارب في تاريخ ولادته وعمره(2) فمن الصعب تحديد المدة الزمنية الدقيقة التي أقام في المدينة. ولكن المعروف بأنه قضى حوالي سبع عشرة سنة من إمامته في المدينة، وهي فترة ما بين سنة 183 هـ استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام(3) حتى إشخاصه إلى خراسان سنة 201 هـ.(4)
وبعد انتقاله إلى طوس أقام بقية حياته في طوس، والتي هي سنتان حيث استشهد في سنة 203 للهجرة(5)، وفيما عدا المدينة المنورة وطوس، أقام الإمام لمدة قصيرة في كل من الكوفة(6) والبصرة(7) أيضاً.
شهادته عليه السلام:
أجمع علماء ومؤرّخو الشيعة على أنّ الإمام
الرضا عليه السلام استشهد بسبب السمّ الذي دسّ له في العنب أو الرمان، بأمرٍ من المأمون العباسي.(1)
فقد روى الشيخ المفيد أن عبد الله بن بشير قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري عن العادة، ولا أظهر لأحد ذلك، ففعلت، ثم استدعاني، فأخرج إلي شيئاً شبه التمر الهندي، وقال لي: اعجن هذا بيديك جميعاً، ففعلت، ثم قام، وتركني، فدخل على الرضا عليه السلام، فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحا. قال له: أنا اليوم بحمد الله أيضاً صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم؟ قال: لا، فغضب المأمون، وصاح على غلمانه، ثم قال: خذ ماء الرمان الساعة، فإنّه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني، فقال: ائتنا برمان، فأتيته به، فقال لي أعصره بيديك، ففعلت، وسقاه المأمون الرضا بيده، فكان ذلك سبب وفاته(2)، وقد دفنه المأمون في بيت حميد بن قحطبة الطائي أي البقعة الهارونية الواقع في قرية سناباد(3)، حيث يقع الحرم الرضوي اليوم في إيران في محافظة خراسان الرضوي مشهد المقدّسة.
ونقل الصدوق جملة من روايات بهذا المضمون، ذكر في بعضها أنّ المأمون دسّ إليه السم في العنب وفي بعضها العنب والرمّان.(1)
وكذلك جاء في تاريخ اليعقوبي: انطلق المأمون في عام 202 للهجرة من مرو إلى العراق مصطحباً معه وليّ عهده الرضا عليه السلام ووزيره الفضل بن سهل ذا الرئاستين،(2) ولما صار إلى طوس توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بقرية يقال لها النوقان أول سنة 203 هـ، ولم تكن علته غير ثلاثة أيام، فقيل إنّ علي بن هشام أطعمه رمانا فيه سم، وأظهر المأمون عليه جزعاً شديداً، كما ذكر ابن حبان، في كتابه الثقات عند ترجمته لـ (علي بن موسى الرضا): ومات علي بن موسى الرضا عليه السلام بطوس من شربة سقاه إياها المأمون، فمات من ساعته وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين.(3)
وذكر المؤرخون أنّ من الأسباب التي دفعت بالمأمون للإقدام على فعلته:
أولاً: انتصاره وتغلبه على علماء عصره في حلقات المناظرة.(1)
ثانياً: ما حصل من وقائع أثناء صلاة العيد حيث أنّ المأمون شعر بالخطر الشديد مما حدث في تلك الحادثة، فجعل عليه عيوناً تراقبه خشية أن يقوم بما يعدّ مؤامرة ضدّ المأمون.(2)
ثالثا: لكونه ولي العهد ولو اسما والمأمون بالتأكيد لا يرغب بان يلي الرضا عليه السلام الخلافة من بعده.
والمشهور عند الشيعة أن شهادته كانت في شهر صفر سنة 203 هــ عن عمر ناهز ( 55 ) عاماً،(3) وحدّدها الطبرسي في الآخر من شهر صفر.(4)
وهناك من ذهب إلى أنّ شهادته كانت في 21 من شهر رمضان، ورأي ثالث يذهب إلى القول أنّ شهادته كانت في 18 جُمادى الأولى، ورابع يرى أنّها في 23 من ذي القعدة أو آخرها سنة 202 هـ، أو 203 هـ، أو 206 هـ،(5) وروى الكليني أنّ شهادته كانت في يوم الجمعة أو الأثنين آخر صفر، أو 17 صفر، أو 21 رمضان، أو 18
جمادى الأولى، أو 23 ذي القعدة، أو آخره سنة 202 أو 203 أو 206 هـ. عن عمر ناهز 55 عاماً،(1) وهذا هو المشهور بين أكثر المؤرخين،(2) وحدّدها الشيخ الطبرسي في الآخر من صفر.(3)
وبسبب الاختلاف في تاريخ ولادته وشهادته، فقد اختُلف أيضاً في تحديد عمره الشريف، فكان ما بين 47 -57، إلّا أنه بحسب المستفاد من الرأيين المشهورين في تاريخ ولادته وشهادته يكون قد ناهز الـ 55 عاماً.(4)
ورثاه الشعراء ومنهم علي بن أبي عبد الله الخوافي في هذه الأبيات:
يا أرض طوس سقاك الله رحمته
ماذا حويت من الخيرات يا طوس
طابت بقاعك في الدنيا وطيبها
شخص ثوى بسنابآد مرموس
شخص عزيز على الإسلام مصرعه
في رحمة الله مغمور ومغموس
يا قبره أنت قبر قد تضمنه
حلم وعلم وتطهير وتقديس
فخرا فإنك مغبوط بجثته
وبالملائكة الأبرار محروس(1)
فترة إمامته عليه السلام:
تصدى الإمام الرضا عليه السلام للأمامة بعد أبيه لمدة 20 سنة بين (183 -203 هـ)، عاصر فيها مُلك هارون الرشيد، (10 سنوات) ومُلك محمد الأمين ( 3 سنوات وخمسة وعشرين يوماً)، ثمّ خُلع الأمين واُجلس عمّه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة (14 يوماً)، ثُم اُخرج محمد ثانية وبويع له وبقى بعد ذلك (سنة وسبعة أشهر) وقتله طاهر بن الحسين، ثُم مُلك المأمون، (5 سنوات).(2)
دلائل إمامته عليه السلام:
من أبرز دلائل إمامته، نص الروايات التي رويت عن جمهرة من أصحاب أبيه موسى بن جعفر عليه السلام منهم: داود بن كثير الرقيّ، محمد بن إسحاق بن عمار، علي بن يقطين، نعيم القابوسي،
الحسين بن المختار، زياد بن مروان، داود بن سليمان، نصر بن قابوس، داود بن زربي، يزيد بن سليط ومحمد بن سنان.(1)
ومن هذه الروايات:
عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم (يعني موسى الكاظم): فداك أبي إني قد كبرت، وخفت أن يحدث بي حدث، ولا ألقاك، فأخبرني من الإمام من بعدك؟ فقال: ابني علي.(2)
وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول (الكاظم) عليه السلام: ألا تدلني على من آخذ منه ديني؟ فقال: هذا ابني علي…(3)
بالإضافة إلى الروايات العديدة، فإنّ مقبوليّة الإمام الرضا عليه السلام بين شيعته وأفضليته العلميّة والأخلاقيّة هي التي أثبتت إمامته على الرغم من أنّ قضية الإمامة كانت في زمنه في غاية الحساسية والتعقيد، ولكنّ أكثر أصحاب الإمام الكاظم سلّموا بخلافة الإمام الرضا من بعده.(4)
فرق الشيعة في زمانه عليه السلام:
بعد أن سُجِن الإمامُ الكاظم عليه السلام في المرّة الثانية التي اُستشهد فيها، وبعد شهادته، ذهب عموم وجمهور الشيعة الى القول بإمامة الإمام الرضا عليه السلام والتفوا حوله ينهلون من عبير علومه ويشربون من عيون معرفته ونمير شعاعه المقدس، وقد اطلق عليهم بعض أصحاب كتب الفرق في ذلك الزمان بـ (القطعية) لانهم قطعوا بوفاة الإمام موسى الكاظم عليه السلام وان الإمامة انتقلت إلى ابنه الرضا عليه السلام. (1)
وقد ظهرت بعض الفرق بعد وفاة الإمام الكاظم التي أنكزت إمامة الإمام الرضا عليه السلام، منها:
الفرقة الأولى: وهي التي سُمِّيت بالواقفة، وهم الجماعة التي توقفت بالإمامة عند الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وانقسموا في ما بينهم إلى ستة جماعات مختلفين في تفسير سبب وقفهم بالإمامة عند الإمام الكاظم.
الجماعة الأولى: قالت: بأنّ موسى بن جعفر لم يمت، وأنَّه حيٌ لا يموت حتى يملك مشرق
الأرض وغربها، ويملأها عدلاً كما ملئت جورًا، ورأوا أنّه القائم المهدي، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الإمام الصادق عليه السلام. (1)
الجماعة الثانية: اعترفت بوفاة الإمام موسى الكاظم، ولكنّها قالت: بعدم جواز أن تكون الإمامة لغيره، وذهبوا للقول برجعته بعد الموت، إلا أنّه مختفٍ عن الأنظار في مكان ما، وأنّه يلتقي ببعض أصحابه الموثقين، يرونه ويلقونه، ونقلوا في مدّعاهم روايات عن أبيه، أنَّه قال: سُمِّي القائم قائماً لأنه يقوم بعد ما يموت.(2)
الجماعة الثالثة: ذهبت للقول أنّ الإمام الكاظم عليه السلام هو القائم، واعترفوا بوفاته، إلاَّ أنّهم قالوا: أنَّه شبيه عيسى بن مريم عليه السلام، وكذَبوا من قال برجوعه، وقالوا: أنّه يرجع في آخر الزمان لينشر في الأرض العدل والقسط، ورووا في ذلك روايات عن الإمام الصادق، وأنّه قال: أنّ فيه شبهًا من عيسى عليه السلام.(3)
الجماعة الرابعة: وهم الذين أنكروا قتله الإمام الكاظم، وقالوا بأنّه مات وأنّ الله رفعه إليه، وسوف يردّه عندم تحين ساعة قيامه وخروجه.(1)
الجماعة الخامسة: وقد تكون هذه الجماعة هي إحدى الجماعات المتقدمة، وهم الذين قالوا بغيبة الإمام الكاظم عليه السلام، وأن القائمين من بعده مثل الإمام الرضا، هم ليسوا أئمة، بل هم خلفاء له إلى حين ظهوره وخروجه.(2)
الجماعة السادسة: قالت لا ندري هل أنّ الإمام الكاظم حيًّا أم ميتًا، فوقفوا على إطلاق موته وعن الإقرار بحياته لا يتجاوزن إمامته حتى يتبينوا من الذي نصّب نفسه إمامًا بعده – وهو الرضا – بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة، بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه، لا بأخبار أصحابه، ولكن هذه الفرقة ما لبثت حتى أقرَّت بإمامة الإمام الرضا إما عن طريق مشاهدتهم أمورا عن الإمام الرضا عليه السلام فقطعوا عليه بالإمامة، أو من روايات أصحاب
الإمام وقولهم فيه.(1)
الفرقة الثانية: وهي التي أطلق عليها البشرية،(2) وقيل: اسمها السهموية،(3) وهم من الغلاة، والذين اتّبعتوا محمد بن بشير: حيث قالوا أنَّ الإمام الكاظم عليه السلام لم يمت ولم يُحبس، بل إنَّهُ غائبٌ، وهو القائم المهدي، وقد استخلف في وقت غيبته محمد بن بشير، وعلّمه جميع ما يحتاجه، وأعطاه جميع الصلاحيات التي تخوّله بأن يقوم مقامه، وقالوا أيضًا: أنّ محمد لما مات استخلف ابنه سميع بن محمد بن بشير، وهذه الفرقة أنكرت إمامة الإمام علي الرضا عليه السلام، ونسبت أنّ مولده غير طاهر، وكَفَرُوا بإمامته ووصفوه بأنّه مدَّعيا لها، بل وكَفَّرُوا وأباحوا دم ومال كل من يقول بإمامته، وأنكروا الزكاة والحجّ والخمس والصوم، وأباحوا المحارم من الفروج والغلمان مستندين في ذلك على قوله تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾،(4) وقالوا بالتناسخ في أرواح الأئمة، وغيرها من المعتقدات التي تخرج عن
الإسلام.(1)
الجدير بالذكر ان هذه الفرق كانت محدودة الاتباع جدا وزالت بزوال مؤسسيها.(2)
موقفه من الغلاة
وبيّن الإمام الرضا عليه السلام، عن بعض مناشئ الروايات التي تحتوي في مضمونها على الغلو في أهل البيت عليهم السلام، حيث قال في رواية طويلة: … يا ابن أبي محمود إنّ مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا، وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها: الغلوّ، وثانيها: التّقصير في أمرنا، وثالثها: التّصريح بمثالب أعدائنا …(3)
وكذلك وقف لمواجهة الغلو في أئمة أهل البيت عليهم السلام، ففي رواية طويلة، سُئل عمّا يقوله الغلاة في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: سبحان اللّه عمّا يقول الظالمون والكافرون علوّا كبيرا!! أوليس علي كان آكلاً في الآكلين، وشاربا في الشاربين، وناكحا في الناكحين، ومحدِثا في المحدثين؟ وكان مع ذلك مصلّيا خاضعا بين
يدي اللّه ذليلاً، وإليه أوّاها منيبا، أفمن هذه صفته يكون إلها؟! فإن كان هذا إلها فليس منكم أحد إلاّ وهو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث الموصوف بها.(1)
وممّا قاله عن الغلاة: عن أبي هاشم الجعفري، قال: سألت أبا الحسن الرضا عن الغلاة والمفوضة، فقال: الغلاة كفار، والمفوضة مشركون، من جالسهم، أو خالطهم، أو آكلهم، أو شاربهم، أو واصلهم، أو زوّجهم، أو تزوج منهم، أو آمنهم، أو ائتمنهم على أمانة، أو صدَّق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة، خرج من ولاية اللّه عز وجل وولاية رسول اللّه صلى الله عليه وآله وولايتنا أهل البيت.(2)
رحلته عليه السلام إلى خراسان:
وقد كانت هجرة الإمام الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو في سنة 200 هـ(3)، وهذا ما صرّح به بعض الباحثين، حيث قالوا: أنّ الإمام الرضا استقر في المدينة حتى سنة 201 هـ، ودخل مرو في
شهر رمضان من السنة نفسها.(1)
كما ذكر الشيخ المفيد أن المأمون قد أنفذ إلى جماعة من آل أبي طالب، فحملهم إليه من المدينة، وفيهم الرضا علي بن موسى، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم، وكان المتولي لإشخاصِهم هو المعروف بالجلودي، فقدم بهم على المأمون، فأنزلهم داراً، وأنزل الرضا علي بن موسى داراً، وأكرمه، وعظّم، أمره(2)، ويختلف الشيخ المفيد في روايته هذه مع اليعقوبي في كون رسول المأمون لجلب الإمام هو الجلودي لا الرجاء بن الضحاك.
فقد جاء في تاريخ اليعقوبي أنّ المأمون أمر الرجاء بن الضحاك (وهو من أقارب الفضل بن سهل) بجلب الإمام الرضا عليه السلام من المدينة إلى خراسان عن طريق البصرة(3)، وقد حدد المأمون مسيراً خاصّاً لقافلة الإمام خشية من أن يمرّ الإمام على المناطق التي تقطنها الشيعة، ويلتقي بهم فأمر أن لا يأتوا به عن طريق الكوفة، بل عن طريق البصرة وخوزستان وفارس ومنه إلى
نيشابور(1)، فهكذا كانت حركة الإمام استناداً لكتاب أطلس الشيعة: المدينة، نقره، هوسجة، نباج، حفر أبي موسى، البصرة، الأهواز، بهبهان، إصطخر، أبرقوه، ده شير (فراشاه)، يزد، خرانق، رباط بشت بام، نيشابور، قدمگاه، ده سرخ، طوس، سرخس، مرو.(2)
ومن أهم وأوثق ما حدث في هذا الرحلة الطويلة حديث الإمام في مدينة نيشابور المشهور بحديث سلسلة الذهب.(3)
توليه عليه السلام ولاية عهد المأمون:
طلب المأمون العباسي من الإمام الرضا عليه السلام، أن يكون ولي عهده في الخلافة، فرفض الإمام ذلك، كما تشير جملة من الأخبار والروايات، غير أنّ المأمون التجأ إلى تهديد الإمام الرضا عليه السلام، بالتصريح تارة وبالتلويح أخرى، ممّا دفع بالإمام ولحفظ الدماء، لقبول ولاية العهد بشرط أن لا تكون له أي سلطة تشريعية أو تنفيذية في حكم المأمون من قبيل: التنصيب والعزل(4)، فقبل
المأمون ذلك، لأنّ دوافعه في تولية الإمام ولاية العهد، كانت كالتالي:
1. تهدئة الأوضاع الداخليّة: بعد تسلّم المأمون الخلافة بسنة واحدة أي سنة 199 هـ، اندلعت ثورات واسعة قادها العلويّون، حيث خرج أبو السرايا السريّ بن منصور الشيبانيّ بالعراق، ومعه محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل الحسنيّ، فضرب الدارهم بالكوفة بغير سكّة العبّاسيين، وسيّر جيوشه إلى البصرة، وقد توزّعت الثورة على عدّة جبهات:
جبهة البصرة بقيادة العبّاس بن محمّد بن عيسى الجعفريّ.
جبهة مكّة بقيادة الحسين بن الحسن الأفطس.
جبهة اليمن بقيادة إبراهيم بن موسى بن جعفر عليه السلام.
جبهة فارس بقيادة إسماعيل بن موسى بن جعفر.
جبهة الأهواز بقيادة زيد بن موسى.
وجبهة المدائن بقيادة محمّد بن سليمان،
ولأجل كل هذا كان الهدف الأوّل من دعوة الإمام الرضا عليه السلام إلى خراسان تحويل ساحة المواجهة العنيفة والملتهبة إلى ساحة مواجهة
سياسية هادئة.
2. سلب القداسة والمظلومية عن الثورة: فإنه لم تكن لثورات الشيعة لتقف عند حدّ، وهذه المواجهات كان لها خاصّيّتان:
المظلوميّة: الّتي كانت تتمثّل بانتزاع الخلافة والاضطهاد والقتل الّذي تعرّض له أئمّة أهل البيت من عهد الإمام عليّ عليه السلام إلى عهد مولانا الرضا وما بعده.
القداسة: فهي التي يمثّلها الإمام المعصوم من خلال ابتعاده عن أجهزة الحكم، وقيادة الناس وفقاً لمنهج الإسلام الذي يراه أصيلاً، فالمأمون العباسيّ أراد من خلال ولاية العهد أن يسلب هذه القداسة والمظلوميّة اللّتَيْن تشكّلان عامل النفوذ الثوريّ في المجتمع الإسلاميّ لأنّ الإمام عندما يصبح وليّ عهد سينضمّ، حسب تصوّر المأمون، إلى أجهزة الحكم وينفذ أوامر الملك في التصرّف بالبلاد إذاً فهو لم يعد لا مظلوماً ولا مقدّساً.
3. إضفاء المشروعيّة على الخلافة العباسيّة: فمبايعة الإمام الرضا للمأمون تعني حصول المأمون على اعتراف من العلويّين، على أعلى
مستوى، بشرعيّة الخلافة العباسيّة. وقد صرّح هو بذلك بقوله: فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا؛ لأنّ هذه البيعة تعني بالنسبة إلى المأمون: أنّ الإمام يكون قد أقرّ بأنّ الخلافة ليست له دون غيره، ولا في العلويّين دون غيرهم؛ ولذلك إنّ حصول المأمون على هذا الاعتراف – ومن الإمام خاصّة – يُعتبر أخطر على العلويّين من الأسلوب الّذي انتهجه أسلافه من الأمويين والعباسيين ضدّهم، من قتلهم وتشريدهم، وسلب أموالهم.
وقد صرّح الإمام الرضا عليه السلام في خصوص توليه لولاية عهد المأمون قائلاً: ما زادني هذا الأمر (ولاية العهد) الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئا، ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقد كنت أركب حماري وأمر في سكك المدينة وما بها أعز منِّي.(1)
3. وهو الأهم من كل ما تقدم محاولة المأمون لاحتواء مقام الإمامة الإلهية وإيهام الناس بان الإمامة أمر قد أصبحت أمرا واحدا في بني
العباس وأئمة أهل البيت عليهم السلام بل المحاولة لتقمصها(1):
أ. فان فرض ولاية العهد على الإمام عليه السلام وما تلاها من انفراج سياسي واجتماعي قد تُوهم ذلك عند بعض العوام.
ب. إلى جنب مخطط ولاية العهد جاء اهتمام المأمون بترجمة الكتب الأجنبية الذي كان يكلف الدولة الكثير من النفقات لمختلف العلوم وبذلها للناس من اجل إيجاد محورية جديدة للعلم وإشغال الناس وإبراز بريق جديد للسلطة العباسية لتكون المحورية العلمية لأهل البيت دون تأثير عليه السلام.
ج. وكان ضمن الخطة الاغتيال المبكر للإمام الرضا عليه السلام؛ والامام الجواد بعده طفلا دون سن العاشرة؛ وذلك من اجل ان تتركز معالم مشروع المأمون ومكره ويصبح الشيعة دون امام لفترة طويلة.
د. ومن جهة أخرى بذل المأمون جهوده للتأثير على الإمام الجواد عليه السلام من خلال عدة سبل منها تزويجه ابنته ام الفضل وهو في تلك السن المبكرة.
ولكن جاءت المفاجئة الإلهية لهذه المكر الكبير للمأمون بان الله تعالى جعل للجواد ابن الرضا عليه السلام الإمامة المبكرة دون سن العاشرة ليتميز خط إمامة أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم ولتزول آثار مكر العباسيين في احتواء واطفاء نور الإمامة. وذلك نظير نبوة يحيى بن زكريا المبكرة المذكور في سورة مريم ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ مريم/12. وقد أشار إلى ذلك الإمام الرضا عليه السلام نفسه في أحاديث متعددة منها قوله ليحيى الصّنعانيّ، قال دخلت على أبي الحسن الرّضا عليه السلام و هو بمكّة و هو يقشّر موزا و يطعمه أبا جعفر عليه السلام فقلت له: جعلت فداك هذا المولود المبارك ؟ قال عليه السلام: «نعم يا يحيى! هذا المولود الّذي لم يولد في الإسلام مثله مولود أعظم بركة على شيعتنا منه».(1)
مناظراته عليه السلام مع العلماء:
بعد أن قدم الإمام الرضا عليه السلام مُكرهاً إلى مرو في بلاد فارس، بأمرٍ من المأمون العباسي، عقد المأمون مجموعة من المناظرات العلمية التي حضرها مختلف علماء المذاهب والأديان،
وطلب من الإمام الرضا مناظرتهم، فكانت تتمحور هذه المناظرات في غالبيتها حول المسائل العقائدية والفقهية، أدرج منها الشيخ الطبرسي قسماً في كتابه: (الاحتجاج)،(1) ومنها:
الاحتجاج في التوحيد والعدل
الاحتجاج في الإمامة
الاحتجاج مع المروزي
الاحتجاج مع أبي قرة
احتجاج مع الجاثليق (مع أهل الكتاب)
الاحتجاج مع أهل الكتاب (رأس الجالوت)
الاحتجاج مع المجوس
الاحتجاج مع رأس الصابئة:
ويذهب عموم الشيعة الإمامية إلى أنّ غاية المأمون من عقد المناظرات، هي: إزالة الاعتقاد السائد لدى عامّة الأمّة حول أئمة أهل البيت عليهم السلام من أنّهم ذوو علم لدُنيّ، وهذا ما أشار له الشيخ الصدوق في مصنّفه عيون أخبار الرضا، حيث قال: «كان المأمون يجلب على الرضا عليه السلام من مُتَكَلّمِي الفرق والأهواء المُضِلّة كل من سمع به، حِرْصَاً على انقطاع الرضا عن
الحجّة مع واحد منهم، وذلك حسداً منه له، ولمنزلته من العلم، فكان لا يُكلم أحداً إلاّ أقرّ له بالفضل، والتزم الحُجَّة له عليه».(1)
ولما أدرك المأمون في نهاية المطاف، أنّه لا يوجد نظيرًا للإمام الرضا عليه السلام، وأنّ الأمر بدأ ينعكس عليه سلباً، أخذ بالحدّ من هذه المناظرات، وقد أشار إلى ذلك عبد السلام الهروي.(2)
مكانته عليه السلام عند عموم المسلمين:
حاز الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام مكانة كبيرة عند الشيعة الإمامية، حيث كان الإمام الثامن من أئمتهم الاثنى عشر، وكذلك كانت له مكانة عند من لم يعتقد بإمامته، من أعلام المذاهب الإسلامية الأخرى، وتجلَّى ذلك في كلماتهم التي دوّنوها في مصنّفاتهم عنه:
قال ابن حجر: كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب.(3)
قال السمعاني: والرضا كان من أهل العلم
والفضل مع شرف النسب.(1)
قال الذهبي: كبير الشأن، له علم وبيان، ووقع في النفوس،صيره المأمون ولي عهده لجلالته.(2)
قال الواقدي: كان ثقة يفتي بمسجد رسول الله وهو ابن نيف وعشرين سنة.(3)
قال اليافعي: توفّى الإمام الجليل المعظّم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة الاثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم …(4)
قال ابن حبان: علي بن موسى الرضا … من سادات أهل البيت وعقلائهم، وأجلَّة الهاشميين ونبلائهم … وقد زرته مرارا كثيرة وما حلت بي شدَّة في وقت مقامي بطوس فزرت علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي وزالت تلك الشدة، وهذا شيء جربته مراراه فوجدته
كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين.(1)
أصحابه عليه السلام:
هناك آراء عدة في عدد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام فذكر الطوسي (315) شخصاً وذكر العطاردي (313) شخصاً،(2) ولكن القرشي يشير إلى (367) صحابياً، ومنهم:
يونس بن عبد الرحمن
موفق (خادم الإمام الرضا)
علي بن مهزيار
صفوان بن يحيى
محمد بن سنان
زكريا بن آدم القمي
الريّان بن الصلت
دعبل بن علي الخزاعي(3)
مختارات من كلامه عليه السلام:
وردت الكثير من الروايات عن الإمام الرضا، في الفقه والعقيدة والأخلاق، وغيرها من صنوف
العلوم، نذكر منها:
من أخلاق الأنبياء التنظّف.(1)
عونك للضعيف أفضل من الصدقة.(2)
صاحب النعمة يجب أن يوسع علي عياله.(3)
مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.(4)
التودّد إلى الناس نصف العقل.(5)
مَن جَلَسَ مَجلِسا يُحيى فيهِ أَمْرنا، لَم يَمُت قَلبُهُ يَومَ تَموتُ القُلوُبُ.(6)
صل رحمك ولو بشربة من ماء وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الأذى عنها.(7)
عندما سُئِل: ما حد التواضع؟ فقال: أن تعطي الناس من نفسك ما تحب أن يعطوك مثله.(8)
رحم الله عبداً أحيا أمرنا يتعلَّم علومنا ويعلّمها النّاس، فإنَّ النّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا.(9)
(1) المجلسي، بحار الأنوار، ج 78، ص 335، ح 4.
(2) المجلسي، بحار الأنوار، ج 78، ص 339، ح 37.
(3) المجلسي، بحار الأنوار، ج 78، ص 335، ح 2.
(4) الكليني، الكافي، ج 2، ص 200، ح 4.
(5) المجلسي، بحار الأنوار، ج 78، ص 335، ح 15.
(6) الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 294.
(7) المجلسي، بحار الأنوار، ج 78ص 338، ح 27.
كلَّما أحدث العباد من الذّنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون.(1)
المؤلفات المنسوبة إليه عليه السلام:
ذُكرت عدّة كتب ورسائل تعود نسبتها للإمام الرضا عليه السلام، غير أنّ ثبوت نسبة هذه المصنّفات له، فيه نقاش بين المحقّقين والعلماء، من هذه الكتب والرسائل: (2)
كتاب العلل: ذكرها الفضل بن شاذان عنه.
مسائل علل الأحكام: رسالة كتبها لمحمد بن سنان.
كتاب فقه الرضا: كتاب مطبوع، ظهر زمن العلامة المجلسي الثاني.
صحيفة الرضا: أو مسند الرضا، ذكرت في مجمع البيان، ووسائل الشيعة … الخ.
الرسالة الذهبية في الطب: كتبها للمأمون العباسي، وأشار لها الشيخ الطوسي في الفهرست.
رسالة في شائع الدين: للمأمون العباسي، ونقلها
الصدوق في مصنّفه عيون أخبار الرضا.
رسالة في جوامع الشريعة: كتبها للمأمون العباسي، ونقلها الحراني في مصنّفه تحف العقول عن آل الرسول.
تم بحمد الله

2 تعليقان
جزاكم الله خير الجزاء و في ميزان حسناتكم
سلام عليكم
تقبل الله اعمالكم
هل يوجد عندكم سؤال و جواب حول الامام الرضا عليه السلام