الرئيسية / الإصدارات / الكتب المطبوعة / امامة اهل البيت (ع) المصطلح و مناهج الاستدلال

امامة اهل البيت (ع) المصطلح و مناهج الاستدلال

العلامة-السيد-سامي-البدري2
الكراس رقم : 6
عدد الصفحات:76
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يتناول هذا الكتاب مفهوم «إمامة أهل البيت (عليهم السلام)» عبر مقاربة تحليلية تجمع بين تحرير المصطلح وبناء منظومة استدلالية متعددة المصادر. يفتتح المؤلف بتحديد الإمامة بوصفها منصبًا إلهيًا يتجاوز الإطار السياسي، ليؤسس لمعناها بوصفها امتدادًا لوظيفة الهداية وحفظ الشريعة.

ويستعرض الكتاب خمسة مناهج رئيسة لإثبات الإمامة، يبدأها بالمنهج القرآني، حيث يبيّن أن أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم أرشدوا إليه، مع تحليل طبيعته القائمة على الهداية الإلهية، وخصائصه الدلالية، ثم استخلاص ما يقرره القرآن بشأن الأئمة، مدعّمًا ذلك بنماذج من الآيات ذات الصلة. وينتقل إلى منهج الاستدلال بالكتب المقدسة المعتبرة عند اليهود والنصارى، بوصفها شاهداً خارجياً يلتقي مع مضمون الرؤية الإسلامية.

ثم يعرض المنهج الثالث، وهو الحديث النبوي الشريف المعتبر لدى أهل السنة، مع التركيز على توثيق النصوص ودلالاتها في إثبات الإمامة. ويعالج المنهج الرابع المتمثل بالسيرة التاريخية للأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، مبيّنًا أن المنهج التاريخي يثبت ثلاثة أمور أساسية: الامتداد الواقعي للإمامة، والتطابق بين النص والتطبيق، ومرجعية الأئمة العلمية والروحية. وأخيرًا يناقش المنهج الخامس القائم على التراث الفقهي والفكري للأئمة، باعتباره تجسيدًا عمليًا لوظيفتهم في بيان الأحكام وبناء المعرفة الدينية.

ويؤكد المؤلف على تكامل هذه المناهج في بناء رؤية استدلالية متماسكة، تنتصر لأصالة الإمامة الإلهية، وتدحض القراءات التي تفصلها عن بعدها العقدي، ضمن طرح موجز يتسم بالتركيز والتحليل المنهجي.

فهرس المحتويات
ترقيم الصفحات موافق للكراس المنشور
  1. مقدمة الناشر
  2. إمامة أهل البيت عليهم السلام المصطلح
  3. الإمامة الإلهية لأهل البيت عليهم السلام
  4. ثلاث طبقات من العلماء بكتاب الله في الكتب السابقة
  5. الخلاف الأساسي بين الشيعة والسنة
  6. الشيعة
  7. أهل السنة
  8. محور الخلاف الأساس بين الشيعة وأهل السنة
  9. نظرية الحكم
  10. نظرية الحكم في الفكر الشيعي
  11. مصطلح الإمام في الفكر الشيعي الإثني عشري
  12. الخلاصة
  13. إمامة أهل البيت عليهم السلام مناهج الاستدلال
  14. إمامة أهل البيت الإثني عشر عليهم السلام أخطر مسألة في الفكر الإسلامي
  15. أولا القرآن الكريم
  16. ثانيا الكتب المقدسة المعتبرة عند اليهود والنصارى
  17. ثالثا الحديث النبوي الشريف المعتبر لدى أهل السنة
  18. رابعا السيرة التاريخية للأئمة الإثني عشر عليه السلام
  19. خامسا التراث الفقهي والفكري للأئمة الإثني عشر عليهم السلام
صفحة 1
cover image
صفحة 2

اسم الكتاب  : إمامة أهل البيت عليهم السلام المصطلح ومناهج الاستدلال

اسم المؤلف : السيد سامي البدري

إعداد ومراجعة : السيد حسين البدري

الطبعة  : الأولى 1439هـ / 2018م

الناشر  : مركز فجر عاشوراءَ الثقافي

المطبعة  : دار وارث للطباعة والنشر

صفحة 3

كتاب فجر عاشوراء – 6

إمامة أهل البيت عليهم السلام

المصطلح ومناهج الاستدلال

 

السيد سامي البدري

صفحة 4

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوما وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم فقال له:

يا بن رسول الله بأي شيء تصح الإمامة لمدعيها ؟

قال عليه السلام : بالنص والدليل.

قال له: فدلالة الإمام فيما هي ؟

قال عليه السلام : في العلم واستجابة الدعوة.

قال: فما وجه أخباركم بما يكون ؟

قال عليه السلام : ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله صلى الله عليه وآله .

قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟

قال عليه السلام له: أما بلغك قول الرسول صلى الله عليه وآله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله!

قال: بلى.

قال عليه السلام : وما من مؤمن إلا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه وقد جمع الله الأئمة منا ما فرقه في جميع المؤمنين وقال عز وجل في محكم كتابه: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) فأول المتوسمين رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده ثم الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين عليهم السلام إلى يوم القيامة.

قال: فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن زدنا مما جعل الله لكم أهل البيت، فقال الرضا عليه السلام:

إن الله عز وجل أيدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لم تكن مع أحد ممن مضى إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهي مع الأئمة منا تسددهم وتوفقهم وهو عمود من نور بيننا وبين الله عز وجل.

عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ج1

صفحة 5

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الأول قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه.

اللهم صل على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة رب العالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إنَّ من نعم الله عز وجل على أتباع النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وأوصياءه عليهم السلام أن بعث في نفوس من اختاره منهم همم عالية في طلب علوم الرسالة الخاتمة وتحصيلها ومباحثتها والتأمل فيها ثم تأصيلها في الأجيال بتأليف كتب وتربية تلاميذ ورفع الشبهات ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ وجعل مداد العلماء يوم القيامة راجحاً على دماء الشهداء. (1)

وكانت على رأس هذه العلوم بعد معرفة التوحيد ومعرفة النبوة معرفة الإمامة، والسبب في ذلك يعود إلى:


(1) عن أبى عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء. من لايحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج4 ص398. والجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ج2 ص763.

صفحة 6

أولاً: وجودها في النبوات السابقة، كالإمامة المجعولة لإبراهيم عليه السلام وذريته؛ ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/124 وقوله تعالى ﴿ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ الأنبياء/73؛ فهل هي أيضا من أساسيات الرسالة الخاتمة؟ وإذا كانت كذلك فما المراد منها في ضوء الكتاب والسنة؟ وما المفهوم الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وآله للإمامة ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً﴾ الجن/28؟ وهل سوف تستمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهل تنحصر بعدد معين؟ وهل عين الائمة بأشخاصهم؟ وما وظيفة الأمة تجاههم؟ وغيرها من المسائل.

ثانياً: ظهور كثيرين ممن يدَّعون الإمامة في أمة رسول الله صلى الله عليه وآله ويرى وجوب إتباعه وطاعته (على اختلاف في معنى الطاعة ودليله) وعليه فلا بد من اتخاذ الموقف الصحيح تجاهها في ضوء الرسالة الخاتمة وبالأخص بروز مواقف متغايرة ومتناقضة في شتى الجوانب والله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ٭ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ الإسراء/71-72 .

ومما يزيد مسألة الإمامة أهمية أن غالب المسلمين قد برز وجودهم طوال تاريخ الإسلام بلحاظ الإمامة على نحوين:

الأول: أتباع مدرسة الخلفاء ويرون أن خط الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله لا تحصر بعدد معين كما انهم يرون عدم وجود نص من النبي صلى الله عليه وآله بخصوصها.

الثاني: أتباع أهل البيت عليهم السلام يرون أنها استمرت بعد النبي صلى الله عليه وآله باثني

صفحة 7

عشر إماما بأمر الله تعالى ونص النبي صلى الله عليه وآله وأن أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم التسعة من ذرية الحسين عليه السلام وأن آخرهم المهدي الموعود والمبشر به وأن لهم ما له صلى الله عليه وآله من العلم والمنزلة الإلهية إلا النبوة والأزواج.

وقد أثّر هذا الانقسام على أمهات المسائل عند المسلمين وتصوراتهم تجاهها من قبيل مسائل التوحيد والنبوة والمعاد ومسائل الفقه والسنن والتاريخ وتفسير القرآن الكريم وغيرها. وقد انبرى علماء كل طائفة لإثبات ما يرونه ونقض ما يخالفون مستعينين بالكتاب والسنة. وقد ألفت حول هذا الموضوع عشرات بل مئات الكتب والرسائل في مختلف القرون وحتى عصرنا الحاضر.

وما نقدمه للقارئ الكريم في هذا الكتاب بحث دقيق يميّز بين مفهومين ومعنين للإمامة في الفكر الإسلامي مجال أحدهما علم العقائد والكلام ومجال الآخر علم الفقه والأحكام الشرعية ولا بد من لحاظ ذلك عند البحث في امر الإمامة سواءً للاستدلال عليها أم لتناول جزئياتها ودقائق أمورها.

وقد نُشر هذا البحث فيما سبق في كتاب شبهات وردود للعلامة المحقق السيد سامي البدري دامت إفاضاته تحت عنوان «الإمامة الإلهية لأهل البيت عليهم السلام ونظام الحكم في الإسلام»، إنما أفردناه في طبعة مستقلة لرغبة كثير من الإخوة وطلبة العلم في إعادة نشره بشكل مستقل.

وقد ارتأينا تتميماً للفائدة إضافة بحث منشور سابقا لسماحته بعنوان «مناهج خمسة في الاستدلال على إمامة أهل البيت عليهم السلام ».

صفحة 8

نسأل الباري تعالى أن يزيد من توفيقات سماحته في مواصلة ما بيده من الأبحاث. وان يجعلنا من العاملين بعلم كما قال الإمام الصادق عليه السلام لهشام:

يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف،

وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.

يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة،

ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا،

فلذلك ربحت تجارتهم (الكافي ج1 ص17).

والحمد لله أولا وآخرا.

الناشر

صفحة 9

إمامة أهل البيت عليهم السلام
المصطلح

صفحة 10
صفحة 11

الإمامة الإلهية لأهل البيت عليهم السلام

تصور خاطئ:

هناك تصور خاطئ سائد لدى الكثير من الكتاب والمفكرين حول مفاهيم (العصمة) و(النص) و(أهل البيت) و(الاثني عشرية) و(غيبة المهدي عليه السلام وانتظار ظهوره) المتداولة في الفكر الشيعي بتقدير أنها مفاهيم وأفكار ترتبط بنظرية الحكم والنظرية السياسية، والحال أنَّ هذه المفاهيم والأفكار لا ترتبط بنظرية الحكم في الفكر الشيعي إلا بمقدار ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بنظرية الحكم في الفكر السني.

فكما أن ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بالحكم في الفكر السني قائم على فكرة مواصلة بيان الرسالة ومفاهيمها الجزئية التي ترتبط بالحكم بشكل عملي لإعطاء تجربة معصومة يقتدى بها في هذه الأمور وليس قائماً على أساس أنَّ هذا المقام لا يجوز إلا للنبي صلى الله عليه وآله ، كذلك ارتباط الحكم بأهل البيت الإثني عشر (عليهم السلام) في الفكر الشيعي فهو قائم على أساس مواصلة التجربة المعصومة التي مارسها النبي صلى الله عليه وآله من قبل هؤلاء الاثني عشر لتعميقها وتوضيح تفاصيلها في الأحوال المختلفة التي تمرُّ على الأمة، وليس لبيان أن موقع الحكم لا يجوز إلا لهؤلاء الإثني عشر فإذا غاب الإمام الثاني عشر يتعطل النظام السياسي.

صفحة 12

وفي هذا السياق يأتي الدور الإيجابي لغيبة المعصوم فإن من أبرز حِكَم الغَيْبة وأسرارها الواضحة هي إتاحة الفرصة للأمة التي حملت تراث الأئمة المعصومين عليهم السلام أن تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على أساس فهمها البشري غير المعصوم للقرآن الكريم والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، وتأتي أيضاً فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الاجتماعي والسياسي لتقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لتحقيق الوعدالإلهي المذكور في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّ بُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء/105 ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الإلهي على الأرض كُلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية إلى الشر والفساد.

وتفصيل ذلك فيما يلي:

ثلاث طبقات من العلماء بكتاب الله في الكتب السابقة

قال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِك هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة/44.

صفحة 13

وضَّحت لنا الآية الكريمة قاعدة دستورية ثابتة تتعلق بالحكم مفادها: أن من شروط الحاكم بقانون الله وشريعته أن يكون عالماً به مستقيماً عليه، ثم ذكرت ثلاث طبقات من العلماء بقانون الله وشريعته وهم النبيون والربانيون والأحبار. اما تفاصيل القاعدة فيرجع فيها إلى السنة بوصفها المبيِّنة للأحكام المجملة، شأننا في ذلك شأننا مع الصلاة والزكاة حين بيَّن القرآن حكمها العام وترك بيان التفاصيل إلى السنة وهو معنى قوله تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل/44.

النبيون: هم الذين يكون علمهم عن طريق الله تعالى مباشرة بلا توسط الملك وقد يضاف إلى ذلك توسط الملك ولا يُعرَفون إلا بالمعجزة أو بالنص أو بكليهما.

الربّانيون: هم المطهرون المعصومون من العلماء، ويكون علمهم بالدراسة الخاصة على يد النبي أو الرباني ويضاف إليه الإلهام بواسطة الملك ولا يُعرَفون إلا بالنص أو بالنص والمعجزة، والرباني منزلته دون النبي وفوق الحبر.

وقد بين القرآن عدداً من أفراد الربانين كالأسباط من ذرية يوسف المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ البقرة/136. وطالوت والأسباط من ذرية هارون عليه السلام وهم آل هارون عليه السلام المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ

صفحة 14

الْمُلْك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٭ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لَ آيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ البقرة/247-248.

وقد أثبتها القرآن الكريم أيضا لمريم بنت عمران عليها السلام ونص على أنها محدَّثة من قبل الملائكة بإذن الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ٭ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ آل عمران/42-43.

وأثبت القرآن الكريم أيضا أن هذا الصنف من العلماء المطهرين يؤيدهم الله تعالى بما أيد به أنبياءه عليهم السلام من ظهور معجزات على أيديهم يظهرونها عند الحاجة إليها ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ٭ قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِك وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ ٭ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْك طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ النمل/38-40، والشخص الذي كان عنده علم من الكتاب هو «آصف بن برخيا»، كان وارثاً لسليمان ووصيه ولم يكن نبياً.

الأحبار: وهم حملة الكتاب الالهي من أتباع النبيِّين والربانيِّين ورواة أحاديثهم، الفقهاء الذين يكون علمهم عن طريق التلقي والدراسة

صفحة 15

فقط ويُعرَفون علمياً من خلال نتاجهم العلمي، ويُعرَف استحفاظهم واستقامتهم من خلال سيرتهم العملية، فمنهم المضيع لكتاب الله ومنهم الحافظ لها الأمين عليها. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ المائدة/66

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الأعراف/169.

الخلاف الأساسي بين الشيعة والسنة

إنَّ أهم وأخطر مسألة خلافية بين المسلمين على الإطلاق هي التي ترتبط بجواب السؤال التالي:

هل أن العلماء بالقرآن الكريم والسنة في أمة خاتم الأنبياء منذ البعثة وإلى قيام الساعة هم صنفان النبي الطاهر المطهر صلى الله عليه وآله والفقهاء غير المطهرين غير المعصومين المشار إليهم في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ التوبة/122، أم يوجد صنف ثالث وهم العلماء المطهرون نص النبي صلى الله عليه وآله عليهم وعلى عددهم وعرَّف بهم كما نص موسى عليه السلام مثلا على آل هارون عليه السلام وعرَّف بهم وكما نص زكريا عليه السلام على مريم عليها السلام وعرَّف بها .

صفحة 16

الشيعة

قام الكيان الشيعي على الإجابة الإيجابية للسؤال الآنف الذكر وذلك تبعاً لما ورد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة المتواترة في مصادر المسلمين وتبعاً لطبيعة حركة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام في الأمة وما أثر عنهم من تراث علمي يعكس حقيقة وراثتهم الخاصة لعلم رسول صلى الله عليه وآله وخصائص فريدة في سيرتهم تثبت أن عهد الله لإبراهيم عليه السلام تحقق فيهم دون غيرهم كرسول الله صلى الله عليه وآله ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ .

فالقرآن الكريم أثبت وجود مطهرين معصومين من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله دون غيرهم ولم يسمِّهم وسمّاهم النبي صلى الله عليه وآله كما ورد في الحديث النبوي المعروف بحديث الكساء.

وأثبت أيضا أنَّ موقع الشهيد على الناس البشير النذير الذي جعله الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله ابتداءً ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ الأحزاب/45 مستمر في الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ هود/17، وقوله تعالى ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ (1) وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الحج/78.


(1) الآية توضح أيضا أن هؤلاء الشهداء على الناس قد بشر بهم في الكتب السابقة كما بشر بالنبي صلى الله عليه وآله .

صفحة 17

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ٭ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ النساء/54-55.

وآل إبراهيم عليه السلام هنا هم البقية الباقية من عترته المشار إليها في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِن الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٭ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ٭ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  ﴾ البقرة/127-129 وهم المستثنون من الأميين الذين هم في ضلال مبين الذين اشار اليهم الله تعالى قائلاً في سورة الجمعة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)  ﴾ الجمعة/2-3.

وآل إبراهيم عليه السلام هؤلاء قد أورثهم النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى الكتاب وبيانه وراثة خاصة قال تعالى: ﴿وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٭ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فاطر/31-32، فالوارث للكتاب هو السابق بالخيرات. أما المقتصد فهو المتعلم منهم، وأما الظالم لنفسه فهو التارك لهم الصادّ عنهم. وهذه الوراثة نظير وراثة آل هارون عليه السلام تراث موسى عليه السلام المشار إليه في

صفحة 18

قوله تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ البقرة/248.

وقد كلف الله تعالى هؤلاء الوارثين السابقين بالخيرات بإذن الله أن يحفظوا الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وآله وعرضهم على الناس ائمة هدى وفرض الإقتداء بهم ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ٭ أُوْلَئِك الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنعام/98-90.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله مفاهيم هذه الآيات بقوله: إني تارك فيكم أمرين (وفي رواية ثقلين) لن تضلوا إن اتبعتموهما (وفي رواية ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا) كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.

وقوله صلى الله عليه وآله : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. (1)

وقوله صلى الله عليه وآله : يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش.


(1) ومنزلة هارون من موسى في القرآن بينتها الآيات من سورة طه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ٭ هارُونَ أَخِي ٭ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ٭ وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ٭ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ٭ وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً ٭ إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ٭ قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ طه/29-36.

صفحة 19

وقوله صلى الله عليه وآله : يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى عليه السلام وأصحاب موسى عليه السلام في القران الكريم اثنا عشر كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ المائدة/12، وقال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ الاعراف/159-160.

وقوله صلى الله عليه وآله : الحسن والحسين سبطان من الأسباط.

وتحرك علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام في الواقع التاريخي حركة منسجمة مع تلك النصوص مع تصريح منهم أنهم المراد بهم في تلك الآيات دون غيرهم.

قال علي عليه السلام : (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى، إنَّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم).

وقال عليه السلام في ذكر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله : (هم موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه، لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة) (1) .

والكتب التي ذكرها عليه السلام في هذا الكلام هي ما كتبه بيده عن النبي صلى الله عليه وآله .


(1) نهج البلاغة الخطبة رقم2.

صفحة 20

وفي رواية الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : (أكتب ما أملي عليك)، قال عليه السلام : (يانبي الله اتخاف علي النسيان ؟) قال صلى الله عليه وآله 🙁 لست اخاف عليك النسيان وقد دعوت الله أن يحفظك ولا ينسيك ولكن أكتب لشركائك)، قال عليه السلام قلت: ومَن شركائي يانبي الله ؟ قال صلى الله عليه وآله 🙁 الائمة من ولدك…) (1) .

وعن حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام وقد أشار إلى بيت كبير قال: (يا حمران إنَّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخط علي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله ولو ولينا الناس لحكمنا بما أنزل الله لم نَعدُ ما في هذه الصحيفة). (2)

وفي رواية أخرى قال عليه السلام : (والله إن عندنا لجلدي ماعز وضأن أملاها رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام [بيده] وإنَّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً أملاها رسول الله صلى الله عليه وآله وخطها علي عليه السلام بيده وإن فيها لجميع ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش) (3) .

وقال الإمام الصادق عليه السلام : (أترون أنَّ الموصي منا يوصي إلى من يريد؟! لا والله، ولكنه عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه). وفي لفظ آخر:( إلى أن ينتهي إلى صاحب هذا الأمر).

وقال عليه السلام : (نحن اثنا عشر محدَّثاً).

والمحدَّث: هو الذي تحدثه الملائكة بإذن الله وليس شرطاً أن يكون نبياً كما هو الحال في مريم عليها السلام .


(1) أمالي الشيخ الطوسي ط النجف ج2 /56 وبصائر الدرجات 167.

(2) بصائر الدرجات 143.

(3) بصائر الدرجات 145، 159.

صفحة 21

وقال الباقر عليه السلام : (يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي عليه السلام تاسعهم قائمهم).

وقال الصادق عليه السلام 🙁 أنا من الذين قال عنهم الله أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).

وأُثِرَ عن الأئمة عليهم السلام تراث فكري ضخم جداً، مستقل ومتميِّز يعكس رواية كاملة للبيان النبوي للإسلام وتجربته الإلهية المعصومة، حَمَلَه عنهم شيعتهم ودوَّنوه في كتبهم المعروفة. مع انهم لم يدرسوا ولم يتتلمذوا عند أحد إلا عند آبائهم المعصومين حتى القراءة والكتابة.

شاءت حكمة الله تعالى أن يجعل تشابهاً تكوينياً بين المطهرين من آل النبي صلى الله عليه وآله وبين نظرائهم من الأوصياء في الأمم السابقة.

وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل في الحجج من بعد محمد صلى الله عليه وآله في أمته إمرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله كما جعل بعد موسى عليه السلام في امته إمرأة حجة وهي مريم بنت عمران عليها السلام .

وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً أن يجعل من ذرية فاطمة عليها السلام خاتم أوصياء محمد صلى الله عليه وآله وهو الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام كما جعل من ذرية مريم عليها السلام من قبلُ حجته عيسى عليه السلام خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.

وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل المهدي عليه السلام من آل محمد صلى الله عليه وآله نظيراً لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته، فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد أن كانوا ينتظرونه جميعاً

صفحة 22

للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم (1) ، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.

واختلفت أمة محمد صلى الله عليه وآله في ولادة المهدي المنتظر عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام بعد أن أخبر النبي صلى الله عليه وآله عنه وبشَّر به (2) فآمنت طائفة لما ولد سنة 255 هـ، وهي لا تزال مؤمنة به إلى اليوم وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.

وامتُحن أنصار عيسى عليه السلام بغيبته، فمنهم من قال قتل، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه – الحواريين- لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.

كذلك امتُحن شيعة المهدي عليه السلام بغيبته فمنهم / وهو قليل جداً وفي وقته / من قال أنه مات في الغيبة، وقال الأغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد غيبته القصيرة وهم ينتظرون ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم صلى الله عليه وآله .

وشاءت حكمة الله أيضاً أن يجعل في آل محمد صلى الله عليه وآله حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد عليه السلام ليكون نظيراً ليحيى عليه السلام في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.

وشاءت حكمة الله أن يجعل أوصياء محمد صلى الله عليه وآله من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي عليه السلام وأن يكون ذلك نظيراً لما جعله الله تعالى من كون


(1) ذكرنا في موضعه في الحلقة الثانية مصادر ذلك.

(2) روى أبو داود في سننه عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جورا) وفيه أيضا عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة.) ج2/422 ط1.

صفحة 23

أغلب أوصياء موسى عليه السلام بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون عليه السلام وهم (آل هارون) (1) .

أهل السنة

وقام الكيان السني على الإجابة السلبية للسؤال المذكور حيث نفى أهل السنة وجود معصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله لهم امتياز خاص في البيان النظري أو العملي للإسلام أو في حق الحكم نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله وعينهم بأمر الله.

قال سعد الدين التفتازاني: (ذهب جمهور أصحابنا والمعتزلة والخوارج إلى أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على إمام بعده) (2) .

وحاولوا رد دلالة النصوص التي يستدل بها الشيعة على ذلك.

ونفوا صحة الأخبار التي تفيد أن علياً والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام قد ساروا في سيرتهم الفكرية والعملية والسياسية سيرة تنسجم مع ما يدعيه الشيعة من فهم لتلك النصوص.

ونفوا كذلك صحة النصوص الآنفة الذكر ونظائرها المأثورة عن الأئمة عليهم السلام واعتبروها وأمثالها من مختلقات الشيعة.


(1) قضية التناظر بين آل محمد صلى الله عليه وآله وآل عمران وآل هارون والحجج الإلهيين في الأمم الماضية مسألة ملفتة للنظر جعلها الله تعالى من المعالم الهادية إلى حقانية حركة الأئمة الاثني عشر عليه السلام وبخاصة بعد أن أصبحت حركتهم عليهم السلام بما فيها غيبة المهدي (عج) واقعاً تاريخياً ناجزاً ثابتاً تسهل مقارنته مع الواقع التاريخي لحركة الحجج في الأمم السابقة كما ذكرها القرآن الكريم والنصوص الموافقة له من أسفار التوراة والإنجيل المتداولة وقد درسنا ذلك مفصلاً وأعددناه في كتاب خاص.

(2) شرح المقاصد ج5 ص259.

صفحة 24

محور الخلاف الأساس بين الشيعة وأهل السنة

وفي ضوء ذلك يتضح أنَّ محور الخلاف الأساس بين مدرسة التسنن والتشيع حول وجود صنف الربانيين من العلماء الشهداء على الناس شهادة تجعلهم ميزاناً فكرياً وعملياً للناس يزِنون به أعمالهم في كل حقل من الحقول امتداداً لمنزلة النبي صلى الله عليه وآله في ذلك.

الشيعة يعتقدون بوجود اثني عشر شخصاً معصوماً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله يضاف إليهم الزهراء عليها السلام لهم موقع الشهادة على الناس كشهادته صلى الله عليه وآله وامتداداً لها، ويترتب على كون الأئمة الإثني عشر لهم منزلة النبي صلى الله عليه وآله إلا فيما يخص النبوة والأزواج وأنهم أولى الناس بالحكم كأولوية النبي صلى الله عليه وآله في زمانه.

وأهل السنة ينفون وجود معصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وما يترتب على وجوده.

والشيعة يسوقون أدلتهم من الكتاب والسنة وما أثر عن الأئمة عليهم السلام من تراث وسيرة، وأهل السنة ينفون دلالة الآيات والروايات وما يؤثر من تراث خاص عن الأئمة عليهم السلام .

والمسألة مسألة علمية ومفتوحة لكل باحث وتبقى مفتوحة حتى ظهور المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام الذي يعتقد به الشيعة ويثبت هويته للعالم بوسائله التي أعدها لذلك.

صفحة 25

نظرية الحكم

نتناولها أولا في الفكر السني.

نظرية الحكم في الفكر السني:

ويهمنا من بحث نظرية الحكم هنا ثلاثة أمور بشكل مختصر:

الأمر الأول: الشخص المؤهل لإقامة الحكم الإسلامي:

يميز الفكر السني بين فترتين:

الفترة الأولى فترة وجود النبي صلى الله عليه وآله : والشخص المستحق للحكم هو النبي صلى الله عليه وآله وحده لمكان نبوته ورسالته ويحرم تقدم أي شخص عليه في هذا الموقع وفي غيره لكونه صلى الله عليه وآله أولى بكل مسلم من نفسه.

قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الأحزاب/6. وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الحجرات/1. وغيرها وفي الواقع فإن هذه المسألة من البديهيات.

الفترة الثانية فترة ما بعد النبي صلى الله عليه وآله : ويرى مفكرو أهل السنة وفقهاؤهم أنَّ المؤهل للحكم هو العالم بالكتاب والسنة وأنَّ الصحابة كلهم مؤهلون على تفاضل بينهم في العلم والكفاءة. وفي جيل ما بعد الصحابة يَشترط الكثير منهم أن يكون فقيها. قال الشريف الجرجاني في شرحه على مواقف عضد الدين: (الجمهور على أن الإمامة ومستحقها من هو

صفحة 26

مجتهد في الأصول والفروع) (1) .

الأمر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل إلى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم:

يرى فقهاء أهل السنة أنَّ الطريقة المشروعة التي توصل الإنسان إلى الحكم وتمنحه السلطة هي البيعة، والأساس في ذلك سنة النبي وسيرته صلى الله عليه وآله مع ملاحظة أنَّ النبي صلى الله عليه وآله ينص القرآن الكريم على ولايته، وهناك من الفقهاء من أعطى مشروعية لما يسمى بالأمر الواقع أو الغلبة، ففي حالة اختلاف الناس وكثرة المتصدين وكون كل متصدي له جماعة بايعته على القتال يكون الحكم شرعاً لمن غلب كما في حالة مروان وابنه عبد الملك وغيرهما.

ولا خلاف عند مؤرخي الإسلام أن البيعة التي تمت في عهد الرسول وقامت دولة الرسول على أثرها كانت قد تمت من قبل سبعين شخصاً وامرأتين ممثلين عن أهل المدينة وهي بيعة العقبة الثانية المشهورة، وأكّد هذا التمثيل استقبال غالبية أهل المدينة للنبي صلى الله عليه وآله عندما قدم إلى المدينة.

ثم اختلف فقهاء السنة بعد ذلك هل تنعقد الحكومة ببيعة الواحد و الإثنين والخمسة وبعهد الحاكم السابق ؟

قال الماوردي054 هـ في الأحكام السلطانية (2) وأبو يعلى 458 هـ


(1) شرح المواقف للسيد شريف الجرجاني 8/349 مطبعة السعادة 1907.

(2) الأحكام السلطانية لابي الحسن الماوردي، كان من وجوه فقهاء الشافعية، له مصنّفات كثيرة.

صفحة 27

في الأحكام السلطانية (1) : (تنعقد الإمامة باختيار أهل الحلّ والعقد، وبعهد الإمام من قبل).

فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَن تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتّى:

فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّاً والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر (رضي الله عنه) على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة اُخرى: أقلّ من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، واُسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة (رضي الله عنه). وثانيهما: أنّ عمر (رضي الله عنه) جعل الشورى في ستّة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة. وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.

وقال آخرون: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الإثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بولىّ وشاهدين.

وقالت طائفة اُخرى: تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: اُمدد يدك اُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عمّه،


(1) الأحكام السلطانية للشيخ أبي يعلى محمد بن الحسن الفراء الحنبلي،ص 7 11.

صفحة 28

فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم واحد نافذ) (1) .

(وأمّا انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو ممّا انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتّفاق على صحّته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما: أنّ أبا بكر (رضي الله عنه) عهد بها إلى عمر (رضي الله عنه) فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني: أنّ عمر (رضي الله عنه) عهد بها إلى أهل الشورى… لانّ بيعة عمر (رضي الله عنه) لم تتوقّف على رضا الصحابة، ولأنّ الإمام أحقّ بها) (2) .

وقال إمام الحرمين الجويني (478 هـ) في باب الاختيار وصفته وذكر ما تنعقد به الإمامة في كتابه الإرشاد: (اعلموا أ نّه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع، بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الاُمّة على عقدها. والدليل عليه أنّ الإمامة لمّا عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين، ولم يتأنّ لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار، ولم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريّث حامل. فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة، لم يثبت عدد معدود، ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد) (3) .

وقال ابن العربي (543 هـ): (لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام، بل يكفي لعقد ذلك إثنان أو واحد) (4) .


(1) الأحكام السلطانية للماوردي / 6 7.

(2) المصدر السابقص 10.

(3) الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، ط. القاهرة 1369 ص 424 هـ .

(4) الإمام أبو بكر المشهور بابن العربي في شرحه سنن الترمذي 13 / 229.

صفحة 29

وقال القرطبي (671 هـ) في المسألة الثامنة في تفسير (إنِّي جاعِلٌ في الارْضِ خَلِيفة) البقرة / 30، من تفسير سورة البقرة: (فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد. ودليلنا أنّ عمر (رضي الله عنه) عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، فوجب ألاّ يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود).

وقال أبو المعالي: (من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغيّر أمر، قال وهذا مجمع عليه).

وقال في المسألة الخامسة عشرة من تفسير الآية الآنفة الذكر: (إذا انعقدت الإمامة باتّفاق أهل الحلّ والعقد أو بواحد على ما تقدّم وجب على الناس كافّة مبايعته) (1) .

وقال عضد الدين الايجي (756 هـ) في المواقف: المقصد الثالث في ما تثبت به الإمامة، ما ملخّصه: أنّها تثبت بالنصّ من الرسول، ومن الإمام السابق بالإجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة. دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر (رضي الله عنه) بالبيعة.

وقال: إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف، لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة فضلاً عن إجماع الاُمّة. هذا ولم ينكر


(1) القرطبي كتاب جامع أحكام القرآن 1 / 269 و 272.

صفحة 30

عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا (1) .

ونقل أبو يعلى الفرّاء الحنبلي في الأحكام السلطانية (2) قول بعضهم: إنّها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد… ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين… وقال في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم: (تكون الجمعة مع من غلب) واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال: (نحن مع من غلب) (3) .

الأمر الثالث: الموقف من الحاكم إذا خالف الشريعة:

يوجد اتجاهان فقهيان لدى أهل السنة في هذه المسالة أحدهما يحرم الخروج على الحاكم الظالم والثاني يؤيد الخروج.

قال النووي في شرحه بباب لزوم طاعة الاُمراء في غير معصية: (وقال جماهير أهل السنّة من الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك). وقال: (وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أنّه لا ينعزل السلطان


(1) المواقف في علم الكلام، ط. مصر 1325 هـ، 8 / 351 353، تأليف القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، توفّي عام 756 هـ.

(2) الأحكام السلطانيةص 7 11.

(3) المصدر نفسه ص 7 8 في طبعة، وفي اُخرىص 20 23.

صفحة 31

بالفسق) (1) .

وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب الباقلاني (403 هـ) في كتاب التمهيد (2) في باب ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته ما ملخّصه: (قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار (3) ، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبىّ صلى الله عليه وآله وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال، وأ نّه قال عليه السلام : اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلّوا وراء كلّ برّ وفاجر. وروي أنّه قال: أطِعْهم وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك).

وهناك من تحدث من الفقهاء عن عزل الحاكم لفسقه وجوره كالشافعي والغزالي في إحياء علوم الدين (4) .

قال عضد الدين الإيجي: (للأمة خلع الإمام وعزله بسبب) (5) وقال الشارح: مثل ان يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها.

وقال ابن حزم: (فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وسنة


(1) / 229 في شرحه على صحيح مسلم، وراجع سنن البيهقي 8 / 158 159.

(2) ط. القاهرة 1366 هـ.

(3) الأبشار جمع بشرة (أي الجَلْد).

(4) انظر: المشروعية للدكتور علي جريشة /314.

(5) المواقف ج8 /353.

صفحة 32

رسوله صلى الله عليه وآله فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه خلع وولي غيره) (1) .

نظرية الحكم في الفكر الشيعي:

الأمر الأول: الشخص المؤهل لإقامة الحكم الإسلامي:

يميز الفكر الشيعي من هذه الناحية بين ثلاث فترات:

الفترة الأولى: هي فترة النبي صلى الله عليه وآله ويلتقي الفكر السني مع الفكر الشيعي من ناحية كون الشخص الوحيد المؤهل هو النبي صلى الله عليه وآله ولا يجوز لأحد تقديم غيره عليه في هذه الناحية وفي غيرها للنص القرآني (النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/6.

الفترة الثانية: وهي فترة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام وهذه الفترة هي موضع الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حيث يرى الشيعة أنَّ هؤلاء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي صلى الله عليه وآله لانتقال ولايته إليهم وكل واحد منهم في زمانه هو المؤهل الوحيد لذلك ويحرم تقدم شخص آخر عليه.

الفترة الثالثة: وهي فترة غيبة الإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام ولا يختلف الشيعة في كون الشخص المؤهل لتنفيذ الأحكام هو الفقيه العادل. وإنما اختلفوا في سعة صلاحياته وضيقها كما سيأتي.

قال الشيخ المفيد رحمه الله في المقنعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن


(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4/102.

صفحة 33

المنكر وإقامة الحدود:

أما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام ، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان. فمن تمكن من إقامتها على ولده وعبده، ولم يخف من سلطان الجور إضراراً به على ذلك، فليقمها. ومن خاف من الظالمين اعتراضاً عليه في إقامتها، أو خاف ضرراً بذلك على نفسه، أو على الدين، فقد سقط عنه فرضها.

وكذلك إن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه، وأمن بوائق الظالمين في ذلك، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الإمارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجّار، ويجب على إخوانه من المؤمنين معونته على ذلك إذا استعان بهم ما لم يتجاوز حداً من حدود الإيمان، أو يكون مطيعاً في معصية الله تعالى من نصبه من سلطان الضلال. فإن كان على وفاق للظالمين في شيء يخالف الله تعالى به لم يجز لأحد من المؤمنين معونته فيه، وجاز لهم معونته بما يكون به مطيعاً لله تعالى من إقامة وإنفاذ حكم على حسب ما تقتضيه الشريعة دون ما خالفها من أحكام أهل الضلال.

وللفقهاء من شيعة الأئمة عليهم السلام أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس وصلوات الأعياد، الاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكنوا من ذلك،

صفحة 34

وأمنوا فيه من معرة أهل الفساد. ولهم أن يقضوا بينهم بالحق، ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البينات، ويفعلوا جميع ما جعل إلى القضاة في الإسلام لان الأئمة عليهم السلام قد فوضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الأخبار، وصح به النقل عند أهل المعرفة به من الآثار (1) .

الأمر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل إلى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم:

لا يختلف الشيعة حول سلطة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الإثني عشر عليهم السلام في الحكم وان مصدرها النص من الله على نبيه في القرآن أو النص من نبيه على علي عليه السلام وما دور البيعة إلا دور النصرة والتمكين.

قال السيد كاظم الحائري: (إن المعصوم عليه السلام على رغم أنَّ له ولاية الأمر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر إلهيا أن يرضخهم لما له من حق الحكومة بالإكراه الإعجازي، كما أنه لا تجبر الأمة على الأحكام الأخرى كالصلاة والصوم بالجبر الإعجازي وإلا لبطل الثواب والجزاء، لأن الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر أن يصل المعصوم إلى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول إلى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الإعجاز ينحصر في وجود ناصرين له من البشر، فكان أخذ البيعة منهم لأجل التأكد من وجود ثلة كافية من الأمة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر أموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الإعجاز


(1) الشيخ المفيد المقنعةص 810.

صفحة 35

عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا) (1) .

ويختلف فقهاء الشيعة في تشخيص مصدر سلطة الفقيه وفي حدودها سعةً وضيقا.

فمنهم من حصرها في نطاق الأمور الحسبية (2) وهناك من وسعها لتشمل ما كان المعصوم يمارسه من ولاية عامة في المجتمع وهؤلاء ينظرون إلى البيعة على أن دورها أيضا دور تأكيدي لا غير (3) .

وهناك من الفقهاء من يرى أنَّ الفقيه ليست له ولاية إلا بعد بيعة جمهور الأمة حيث أنَّ منشأ ولايته هو البيعة وأما النصوص فقد جاءت لتفيد أن غير الفقيه ليس مؤهلا لهذا الموقع (4) .

الأمر الثالث: الموقف من الحاكم إذا خالف أحكام الشريعة:

إن الموقف الشيعي من هذا المسألة ينبغي أن يعالج في فترتين:

الأولى: فترة وجود الإمام المعصوم ظاهراً في المجتمع: والثابت من سيرة الأئمة عليهم السلام والمعروف من أقوالهم أنهم يرون القيام ضد الحاكم الجائر


(1) رسالة الثقلين العدد 12 مغزى البيعة مع المعصومين.

(2) الأمور الحسبية مصطلح فقهي يقصد به الأمور والمصالح العامة أو الخاصة التي نعلم بصورة قطعية بأن الله تعالى لا يرضى بفواتها من ناحية وأنَّ حصولها وتحققها يتوقف على وجود من يلي أمرها ويمارس الولاية والإشراف عليها من ناحية أخرى، ولم يعين الله تعالى لها ولياً خاصاً من ناحية ثالثة ويمثل لها عادة بالموقوفات العامة التي هي بحاجة إلى من يتولى أمرها ولم يعين لها الواقف متولياً خاصاً، وكذلك أموال اليتامى والقاصرين الذين ليس لهم أولياء (انظر ولاية الأمر للسيد كاظم الحائري المقدمة بقلم السيد علي أكبر الحائري ص20).

(3) انظر كتاب ولاية الأمر للسيد كاظم الحائري المسالة الأولى.

(4) انظر كتاب ولاية الأمر للشيخ الآصفي فصل نصب الحاكم في عصر الغيبة وكتاب دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري الجزء الأول.

صفحة 36

في حالة توفر الناصر الكافي مع عدم وجود تعهد بعدم القيام من قبل الإمام مع ذلك الحاكم، وأوضح مثال هو موقف الإمام الحسين عليهم السلام من معاوية حيث توفرت كل مبررات القيام بوجهه وبخاصة بعد قتل حجر وأصحابه (رضي الله عنهم) ومع ذلك لم يقم وأوصى شيعته بالسكوت إلى ما بعد وفاة معاوية ثم رأيناه يقبل بيعة وجوه أصحاب أبيه على نصرته ضد الأمويين بعد موت معاوية ليطيح بالنظام الذي أسسه وشيده.

وحين لا تتوفر شروط القيام من وجود الناصر وغيره يكون السكوت والتقية وعدم إظهار الخلاف السياسي هو الموقف كما سكت بقية الأئمة من ذرية الحسين عليه السلام . وكلام الإمام علي عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقية يوضح الموقف تماماً: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كِظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها) (1) .

الثانية: فترة الغيبة والمعروف بين فقهاء عصر الغيبة اتجاهان فقهيان:

الأول: وهو عين الاتجاه الذي عرضناه آنفاً من سيرة الأئمة عليهم السلام .

الثاني: ويلتزم التقية إلى ظهور المهدي عليه السلام ، دليله بعض الروايات من قبيل رواية الكليني في الكافي بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام : (كل راية ترفع أو تخرج قبل قيام القائم فهي راية ضلال) وغيرها.


(1) نهج البلاغة ج 1ص 36.

صفحة 37

مصطلح الإمام في الفكر الشيعي الإثني عشري

ورد لفظ الإمام في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:

المعنى الأول:

وهو معنى خاص ويراد به من له منزلة النبي صلى الله عليه وآله إلا النبوة والأزواج، وعقيدة الشيعة أن هذا المعنى للإمامة استمر بعد النبي صلى الله عليه وآله في إثني عشر شخصاً من أهل بيته عليهم السلام بوصية منه صلى الله عليه وآله وبأمر من الله تعالى.

قال الشيخ الصدوق رحمه الله:

واعتقادنا: أن حجج الله على خلقه بعد نبيه محمد صلى الله عليه وآله الأئمة الاثنى عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي ابن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى الرضا ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم محمد بن الحسن الحجة القائم بأمر الله، صاحب الزمان وخليفة الرحمن في أرضه، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار صلوات الله عليهم أجمعين.

واعتقادنا فيهم: أنهم أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وأنهم شهداء على الناس، وأنهم أبواب الله والسبيل إليه والأدلاء عليه، وأنهم عيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده، وأنهم معصومون من الخطأ والزلل وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأن لهم المعجزات

صفحة 38

والدلائل، وأنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ومثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح من ركبها نجى وكباب حطة، وأنهم عباد الله المكرمون الذين ﴿لايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الأنبياء/27 .

ونعتقد فيهم عليهم السلام : أن حبهم إيمان وبغضهم كفر وأن أمرهم أمر الله ونهيهم نهي الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ووليهم ولي الله وعدوهم عدو الله.

ونعتقد: أن الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه، إما ظاهرا أو خائفا مغمورا.

ونعتقد: أن حجة الله في أرضه وخليفته في عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأنه هو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله عن الله عز وجل باسمه ونسبه، وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وأنه هو الذي يظهر الله به دينه ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ التوبة: 33.

وأنه عليه السلام هو الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها حتى لا يبقى في الأرض مكان إلا نودي فيه بالأذان ويكون الدين كله لله تعالى، وأنه هو المهدي الذي أخبر به النبي وأنه إذا نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه ويكون المصلي إذا صلى خلفه كمن كان مصليا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه خليفته.

ونعتقد: أنه لا يجوز أن يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي ولو بقي غيبته عمر الدنيا لم يكن القائم غيره لأن النبي والأئمة عليهم السلام دلوا

صفحة 39

عليه باسمه ونسبه وبه نصوا وبه بشروا صلوات الله عليهم أجمعين. (1) انتهى كلامه رحمه الله (2) .

ولهذا المعنى الخاص من الإمامة يأتي شرط العصمة والنص وحصرها في علي والحسن والحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين عليهم السلام كما حصرت الإمامة بعد إبراهيم عليه السلام في ذريته إسماعيل عليه السلام ثم إسحاق عليه السلام ثم يعقوب عليه السلام ثم حصرت في ذريته قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/124. وقال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ٭ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ الأنبياء/72-73. إنَّ إسماعيل عليه السلام وإسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام والأسباط كانوا أئمة هدى يهدون الناس إلى سنة إبراهيم عليه السلام بأمر الله تعالى.

روى أبو عمرو الزبيري عن أبى عبد الله عليه السلام قوله: (إن مما استحقت


(1) الاعتقادات في دين الإمامية الشيخ الصدوق ص 68.

(2) قال العلامة المحقق السيد علي الميلاني: «وسقط النقض بالإمام المعصوم الغائب، ولعل منشأه الغفلة عن حقيقة الإمامة، وتوهم كونها السلطنة الظاهرية فحسب، وقد عرفت أنها منصب الهي كالنبوة، فكما أن النبوة قد تجتمع مع السلطنة الدنيوية والحكومة الظاهرية وقد تفترق عنها والنبوة باقية، كذلك الإمامة، و(البعث) و(النصب) من الله في جميع الأحوال على حاله، والنبي والإمام باقيان على النبوة والإمامة، وعلى الناس الإنقياد لهما والتسليم لأوامرهما ونواهيهما، ولا إلجاء من الله كما عرفت، فان فعلوا اجتمعت الرئاستان وتم اللطف، وإلا افترقتا ولم تبطل النبوة والإمامة، بل خسرت الأمة فوائد بسط اليد ونفوذ الكلمة منهما». (الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإمامية ص47).

صفحة 40

به الإمامة (1) التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصة وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخة.

(قال ابو عمرو) قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالماً بهذه الأشياء التي ذكرت ؟.

قال عليه السلام : قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها (2) ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يربون الناس بعلمهم (3) . وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين. ثم أخبرنا فقال: ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن


(1) قوله عليه السلام (إن مما استحقت به الإمامة التطهير… ثم العلم المكنون…): أي العلم المخزون المصون عن الاختلاف، نظير قوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٭ فِي كِتَاب مَّكْنُون﴾ الواقعة/77-78. ومراده عليه السلام ان الإمامة الإلهية على الناس تستحق بأمرين: الأول: الطهارة من الذنوب صغيرها وكبيرها. الثاني: العلم بكل ما تحتاج إليه الأمة علما مصوناً عن الخطأ والاختلاف، وكلاهما فضل من الله يمنحه من يشاء من عباده.

(2) قوله عليه السلام (قول الله فيمن أذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها) هو جواب منه عليه السلام للسائل حيث طلب منه الاستدلال على أمر الإمامة الإلهية. ووجه الاستدلال هو أن الآية أشارت إلى وجود ثلاث طبقات من العلماء بالتوراة وكل الكتب الإلهية التي على شاكلتها ومنها القرآن الكريم.

(3) قوله عليه السلام (فهذه الأئمة دون الأنبياء) يشير إلى ان الربانيين في الآية هم الأئمة الإلهيون وهم العلماء أصحاب العلم المصون عن الخطأ المطهرون عن الذنوب المنصوص عليهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ٭ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ السجدة23-24. وهم يوشع وآل هارون وطالوت وصاحب سليمان وغيرهم في بني إسرائيل، ولهم نظائر في أمة محمد صلى الله عليه وآله من آل بيته.

صفحة 41

كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء ولم يقل بما حملوا منه) (1) .

والشاهد قوله عليه السلام فهذه الأئمة دون الأنبياء فقد استعملت هنا بمعنى الحجة والهادي المجعول من الله تعالى لاشتراط صفة الطهارة والعلم المصون من الاشتباه.

وروى محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول… (2)

المعنى الثاني:

وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواء شغل هذا المنصب شخص المعصوم أو شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه أنه للنبي صلى الله عليه وآله في زمانه ومن بعده للأئمة الاثني عشر عليهم السلام في زمانهم. وقد انتشر هذا المعنى للفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الأول الهجري إلى اليوم، أما عند الشيعة فقد بقي منحصراً في التراث الروائي لأهل البيت عليهم السلام ولم يستخدم في التراث الفقهي إلا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الإسلامية في إيران.

روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:( قلت له رجل جنى عليّ أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان؟ قال: هو حقك إن عفوت عنه فحسن وإن رفعته إلى الإمام فإنما حقك طلبت) (3) .


(1) تفسير العياشي / الآية 44من سورة المائدة.

(2) الكافي ج1/374.

(3) الوسائل 27 /38.

صفحة 42

فالإمام في الرواية مرادف للسلطان والحاكم كما في الآية الآتية أيضاً.

روى بريد بن معاوية قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ قال: (ذلك مفروض إلى الإمام يفعل ما يشاء قلت مفوض ذلك إليه؟ قال لا ولكن نحو الجناية (1) . وفي رواية قال عليه السلام : (إن قتله وصلبه وإن شاء قطع يده ورجله (2) . وفي رواية عبد الله بن ابي طلحة قال عليه السلام : يحكم عليه الحاكم بقدر ما عمل وينفى ويحمل في البحر ويقذف به) (3) .

المعنى الثالث:

وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصيا للنبي صلى الله عليه وآله حيث أصبحت علماً خاصاً لهم (عليهم السلام) لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم عليهم السلام ، وصار يدل أيضا على المعنى الأول والثاني معا باعتبار التقاء المعنيين في عصر الأئمة الإثني عشر في شخصهم عليهم السلام ، فهم حجج الله بعد النبي صلى الله عليه وآله وهم المؤهلون وحدهم للحكم في زمانهم، وقد ساد هذا المعنى لدى المتكلمين للشيعة حيث كانوا معنيين بإثبات كلا المعنيين للإمامة لهؤلاء الاثني عشر لا غير، ولم يكونوا معنيين بمسألة الحكم كمسألة مستقلة.

قال الشيخ الطوسي: وقولنا <إمام> يستفاد منه أمران: أحدهما أنه


(1) الوسائل ج 28 /308.

(2) الوسائل 18/522.

(3) الوسائل ج18/540.

صفحة 43

مقتدى به في أفعاله وأقواله من حيث قال وفعل، لأن حقيقة الإمام في اللغة هو المقتدى به، ومنه قيل لمن يصلى بالناس: إمام الصلاة. والثانى أنه يقوم بتدبير الأمة وسياستها وتأديب جناتها والقيام بالدفاع عنها وحرب من يعاديها وتولية ولاية من الأمراء والقضاة وغير ذلك وإقامة الحدود على مستحقيها (1) .

وبسبب صيرورة اللفظة علَماً بالغلبة على المعصومين الاثني عشر تحاشى فقهاء الشيعة استخدام هذا اللفظ وإطلاقه على علمائهم وفقهائهم إلا في القرن الأخير حيث أطلق على مرجع الدين نظير إطلاقه من قبل أهل السنة على الفقهاء والمحدثين سابقا.

الخلاصة

يتضح من هذه الدراسة المختصرة أمور:

1.إنَّ الفرق الجوهري بين السنة والشيعة ليس في النظرية السياسية أو نظام الحكم بل في مسألة وجود اثني عشر وصياً معصوما للنبي صلى الله عليه وآله وأنَّ منزلتهم في بيان القرآن الكريم وأحكام الشريعة كمنزلة النبي صلى الله عليه وآله سواءً كان هذا البيان قولياً أم سيرة عملية، وأن هؤلاء الأوصياء الإثني عشر لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي صلى الله عليه وآله ، فأثبت ذلك الشيعة ونفاه السنة.

2. إنَّ الأصل في وجود المعصومين المنصوص عليهم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بعده المؤيدين بمؤيدات إلهية خاصة ليس لأن الحكم الإسلامي بحاجة إلى معصوم بل لأن الرسالة الخاتمة بحاجة إلى صيانة من


(1) الرسائل العشر للشيخ الطوسي / رسالة في الفرق بين النبي والإمام.

صفحة 44

الاجتهادات الخاطئة التي قد تصبح جزءاً من الرسالة بحكم قربها من عهد الرسول صلى الله عليه وآله (1) وأيضا بحاجة إلى توضيح تفاصيلها في حوادث نوعية في المجتمع الإسلامي سوف تحصل بعد النبي صلى الله عليه وآله تحتاج إلى موقف معصوم يستهدى به.

من قبيل ما حصل في عهد أبي بكر حين حارب الممتنعين عن الزكاة مع إقرارهم بها وسبي نساءهم ولم يفرق بينهم وبين غيرهم من المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وآله او سائر المشركين، حتى جاء علي عليه السلام وسار بسيرة أخرى مع مقاتليه في الجمل ولما نهى جيشه عن النساء اللواتي كن في الجيش اعترضوا عليه قائلين كيف تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم ؟

قال عليه السلام : كذلك السيرة في أهل القبلة، وقال لهم إن لم تصدقوني وأكثرتم عليَّ فأيكم يأخذ أمه عائشة ؟

قالوا لا، أينا يا أمير المؤمنين بل أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا.

هذا بالإضافة إلى أن جيل النبوة يوجد فيه منافقون قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ


(1) قال الماوردي: حكي عن الشافعي أنه قال: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأخذوا السيرة في قتال المرتدين من أبي بكر (رض) وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي بن أبي طالب (رض). كتاب قتال أهل البغيص 74. أقول: وفي هذا النص دليل على ما قلناه من أن الاجتهادات لقربها من عهد النبي صلى الله عليه وآله تأخذه صفة خاصة وتصبح جزءاً من الرسالة، وقد روت كتب الحديث والسيرة أنَّ عبد الرحمن بن عوف حين عرض البيعة على علي عليه السلام اشترط عليه أن يسير بكتاب الله وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين، فرفض علي عليه السلام ذلك وقال: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيري أحد (أي لا يحتاجان إلى عادة وطريقة أحد) (انظر تاريخ اليعقوبي ج2 ص162 ط.دار صادر بيروت).

صفحة 45

نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ التوبة/101، وهؤلاء سوف يقومون بالرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسوف لا يتحرجون من الكذب عليه صلى الله عليه وآله والناس لا يعلمون أنه كذب ويقولون هو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وبذلك تحدث بلبلة فكرية لا مخرج منها إلا بوجود الراوي المعصوم والمبيِّن المعصوم ويتأكد ذلك حين ترتبط روايات هؤلاء بتشخيص المصاديق الواقعية من الآيات المتشابهة التي يتوقف تشخيص مصداقها الواقعي على بيان النبي صلى الله عليه وآله .

3. بعد مرور تجارب معصومة من قبل الإثني عشر سواءً في الاستنباط من الكتاب والسنة في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أم في المواقف العملية من الحوادث تكون الأمة قد استوعبت تراثاً هادياً وفكراً وسيرة في الظروف المختلفة تعكس بأمانة أحكام الإسلام، يصونها من الوقوع في الاختلاف الفكري المستعصي على الحل وتقل أخطاؤها فيما لو استأنفت الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية لوحدها وتكون أخطاؤها لو حصلت وهي تحصل بشكل طبيعي في استنباط الفكر أو الموقف العملي أقل ضرراً على الرسالة مما لو استأنفت الحياة دون تجارب هؤلاء الأوصياء المعصومين.

وفي هذا السياق يتضح الوجه الإيجابي (1) لغيبة المعصوم عليه السلام فإن من أبرز


(1) وجود وجه إيجابي للغيبة لايعفي المسؤولين عن أسبابها المباشرة التي كانت تتمثل بالتضييق على المعصوم الثاني عشر خوفاً على كرسيهم، وقد جرت سنة الله تعالى المكر بأعدائه وتحويل المخطط السيء إلى عنصر إيجابي في مسيرة المؤمنين مع إبقاء تبعة المكر السيء على أهله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّىءِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً﴾ فاطر/43 ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ومن سنة الله تعالى في الأولين إنجاؤه لنبيه عيسى عليه السلام وتغييبه وترك تلاميذ عيسى وشيعته ليمارسوا حياتهم على أساس ما تحملوه من تجارب الفكر والعمل المعصومة التي خلفها عيسى وامه مريم و يحيى وزكريا عليهم السلام ثم يظهر الله تعالى نبيه عيسى في آخر الزمان لتقييم تجارب عمل أمته التي تحملت رسالته وبالطبع هنا سوف يدين من لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله ويعتبر عدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وقد بشرهم به وأخذ العهد منهم أن يؤمنوا به معلماً من أهم معالم الإخفاق بعده.

صفحة 46

حِكَم الغيبة وأسرارها الواضحة هي إتاحة الفرصة للأمة التي حملت تراث الأئمة الإثني عشر أن تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على أساس فهمها البشري غير المعصوم للكتاب والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام .

وتأتي فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الإجتماعي والسياسي لأجل تقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها، ولأجل تحقيق الوعد الإلهي المذكور في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء/105 ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الإلهي على الأرض كلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية إلى الشر والفساد.

4. إنَّ البيعة والشورى ليستا في قبال النص بل يقعان على امتداده، فالسنة حين يتحدثون عن نظرية الحكم في زمن النبي صلى الله عليه وآله يقدمونها على أساس النص على شخص الحاكم وهو النبي صلى الله عليه وآله ولا يحق لأحد في زمانه أن يتقدم عليه، وتأتي البيعة في طول هذا النص وليست في عرضه، فالنص يشخص من هو المؤهل للحكم والبيعة يجب أن تتم مع المنصوص عليه بشخصه وهو النبي صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم.

صفحة 47

فهم لا يختلفون عن الشيعة من هذه الناحية إلا فيما ذكرناه آنفا من وجود اثني عشر بعد النبي صلى الله عليه وآله لهم هذه المنزلة في الحكم أي أن النص من النبي صلى الله عليه وآله على أشخاصهم يمنحهم الحق، والبيعة يجب أن تتم معهم لا مع غيرهم. وهو ما يؤثر عن علي عليه السلام حين طولب بالبيعة قال: (أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي) (1) وقال: (إنَّ فلاناً وفلاناً قد بايعاني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني) (2) .

ومن هنا يتضح خطأ ابن أبي الحديد حين جعل الكلمات المأثورة عن علي عليه السلام في البيعة علامة على بطلان مذهب الشيعة في القول أن الإمامة بالنص، وكذلك يتضح خطأ تفسير هذه الكلمات من علي عليه السلام على أنها صدرت تقية بتصور أن المنصوص عليه ليس بحاجة إلى بيعة الناس، والواقع أنَّ فائدة البيعة لا تنحصر بمنح الشرعية للشخص المبايع، بل هناك فائدة أخرى تتمثل بمنحه القدرة على النهوض بالأمر وهذه الفائدة هي المتصورة عند وقوعها مع النبي صلى الله عليه وآله أو مع أوصيائه المعصومين الإثني عشر عليهم السلام الذين لهم منزلته وولايته صلى الله عليه وآله .

5. الرأي القائل بأن ولاية الفقيه وسلطته الواسعة جداً قائمة على النص العام بالخصائص والمواصفات وليس على بيعة الأمة ليس هو الرأي الوحيد الذي ينتجه التراث الإمامي الاثنا عشري الذي يقوم على العقيدة بالغيبة وانتظار ظهور الإمام الثاني عشر عليه السلام ، بل يوجد إلى جانبه رأي آخر يقول أنَّ الفقيه يستمد سلطته في الحكومة من البيعة ولا سلطة له


(1) شرح النهج 6/118.

(2) بحار الانوار 28/248.

صفحة 48

قبلها، وهو رأي مشروع ومعترف به ولم يُتَّهَم أصحابُه بأنهم خرجوا عن مسلمات الفكر الإمامي الإثني عشري القائم على العقيدة بالمهدي عليه السلام وانتظار ظهوره. وفي ضوء ذلك بالإمكان أن تقوم حكومة على رأسها فقيه يستمد سلطته من الأمة فيما لو رأى جمهور الأمة بيعة ذلك الفقيه.

وفي الحقيقة حتى الفقيه الذي يرى أن سلطته قائمة على أساس النص العام تبقى سلطته هذه من دون واقعية وفعلية على الساحة السياسية ما لم يبايعه الناس ويبسطوا يده ويمنحوه القدرة على النهوض بمشروعه السياسي.

كذلك الحال في الرأي القائل بوجوب التقية وعدم الثورة في عصر الغيبة عند توفر شروطها ليس هو الرأي الوحيد الذي ينتجه الإعتقاد بغيبة الثاني عشر إذ يوجد إلى جنبه رأي آخر هو عكسه، وكذلك الحال في تعطيل الحدود فيوجد إلى جنبه الرأي القائل بتنفيذها من قبل الفقيه عند توفر القدرة..

ويتضح من ذلك أنَّ العقيدة بغيبة المهدي عليه السلام وانتظار ظهوره تجتمع مع هذه الآراء الفقهية المتنوعة والسر في ذلك هو أنَّ هذه الآراء هي مسائل فقهية تعكس أفهام الفقهاء لأدلة هذه المسائل، وهم حين يختلفون في مسائل الفقه تبعا لما يفهمه كل واحد منهم من النص وفق قواعد فهم النص، يتفقون على مسألة غيبة المهدي عليه السلام وانتظار ظهوره حين ينظرون إلى أدلتها، نعم قد يختلفون في بيان حكمة الغيبة وأسرارها وليس من شك أنَّ هذه الأسرار والحكم المستنبطة ليست جزءاً من المعتقد.

6. ورد لفظ الإمامة في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:

صفحة 49

المعنى الأول: وهو معنى خاص ويراد به من له مقام كمقام النبي صلى الله عليه وآله إلا النبوة والأزواج فهو الحجة على الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وهذا المعنى ينحصر باثني عشر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وتلحق بهم الزهراء (عليها السلام) في ذلك.

المعنى الثاني: وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواءاً شغل هذا المنصب المعصوم أم شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه أنه للنبي صلى الله عليه وآله ومن بعده للائمة الإثني عشر عليهم السلام ومن بعده للفقهاء العدول. وقد انتشر هذا المعنى للفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الأول الهجري إلى اليوم، أما عند الشيعة فقد بقي منحصراً في التراث الروائي ولم يستخدم في التراث الفقهي إلا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الإسلامية في إيران .

المعنى الثالث: وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصياً للنبي صلى الله عليه وآله حيث أصبحت علماً خاصاً لهم عليهم السلام لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم، وصار يدل أيضا على المعنى الأول والثاني معاً باعتبار التقاء المعنيين في عصر الأئمة الاثني عشر في شخصهم عليهم السلام ، وهو المراد به عند متكلمي الشيعة في كتبهم الكلامية المشهورة بكون الامامة رئاسة عامة في الدين والدنيا .

صفحة 50

صفحة 51

إمامة أهل البيت عليهم السلام
مناهج الاستدلال

صفحة 52
صفحة 53

إمامة أهل البيت الإثني عشر عليهم السلام أخطر مسألة في الفكر الإسلامي (1)

تعتبر إمامة أهل البيت عليهم السلام أخطر وأعظم مسألة في الفكر الإسلامي على الإطلاق وذلك لانقسام المسلمين جميعا تبعا لها إلى معسكرين كبيرين منذ صدر الإسلام والى اليوم والى ما شاء الله تعالى.

المعسكر الأول ويتمثل بالشيعة: وهؤلاء يثبتون لاثني عشر شخصا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله الإمامة الإلهية التي جعلها لنبيه الكريم ومن قبل جعلها لإبراهيم وموسى والمعصومين من بعدهما مع تثبيت ان الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله هؤلاء ليسوا بأنبياء ولكنهم مطهرون معصومون وتلحق تبعا للنصوص بهؤلاء المعصومين الإثني عشر الصديقة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وآله .

المعسكر الثاني ويتمثل بالسنة ويندرج ضمنهم الخوارج: وهؤلاء ينفون هذه الإمامة عن أهل البيت عليهم السلام كما ينفون أصل وجود معصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله .


(1) محاضرة ألقيت في كاردف وكلاسكو ولندن ومانشسترسنة 1421.

صفحة 54

مناهج خمسة وليس منهجا واحدا:

وقد يتصور البعض أنَّ مثل هذه المسألة الخطيرة لم يتوفر لها الا الدليل الروائي الذي يتمثل بالأحاديث النبوية التي روتها كتب الحديث السنية، وعلى الرغم من كفاية هذا الدليل بشكل تام لإثبات المطلوب غير ان واقع المسألة أوسع من ذلك إذ هناك خمسة أصعدة ومناهج من البحث لإثباتها (1) ، وكل صعيد ومنهج منها ينهض بتحقيق مستوى من الإثبات خاص به مضافا إلى ان هذه المناهج يعضد بعضها بعضا، وفيما يلي هذه الأصعدة والمناهج والتعريف بها بشكل مختصر:

أولا القرآن الكريم

نريد بالمنهج القرآني في الاستدلال على إمامة أهل البيت عليهم السلام هو اعتماد القرآن الكريم فقط كبداية لتشخيص أطروحة الإمامة الإلهية لاهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وآله ومبررات الحاجة إليها .

أهل البيت عليهم السلام ينبهون على المنهج القرآني:

كان أهل البيت هم الذين أثاروا إنتباه أصحابهم إلى هذا المنهج فقد روي عن الصادق عليه السلام قوله: (من لم يعرف امرنا من القرآن لم يتنكب الفتن). وقوله (لو قرئ القرآن كما انزل لألفيتنا فيه مسمين).


(1) لم ندرج الدليل العقلي لأن موضوع البحث هو إمامة علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين  =””عليه السلام/ وليس البحث عن ضرورة وجود حجة في كل زمن وهي مسالة يتكفل العقل باثباتها اساسا مضافا إلى النصوص.

صفحة 55

ولا يريد الإمام الصادق عليه السلام بحديثه ذاك ان يقول ان اسماء الأئمة كانت في القرآن ثم أسقطت منه كما قد يتصور، بل اراد بقوله (لوجدتنا مسمين) أي لوجدتنا معرَّفين وموصوفين بأوصاف تقود الينا وتنحصر بنا. والاسم هنا معناه الصفة، كما في قوله تعالى ﴿وَ لِلَّهِ الأَْسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأعراف/180، فأسماء الله تعالى صفاته.

طبيعة المنهج القرآني:

المراد من قول الإمام الصادق عليه السلام (لو قرئ القرآن كما أنزل) هو التدبر في القرآن الكريم بلحاظ ارتباط آياته بعضها ببعض، وهي الحقيقة التي يشير إليها قوله تعالى:

﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ الزمر/23.

والمراد بقوله تعالى (متشابها) أي كل ما في هذا القرآن هو حق والحقانية تسري فيه بدرجة واحدة.

وموضع بحثنا هو كلمة (مثاني) حيث وردت نعتا وصفة للقرآن، وقد وردت الكلمة أيضا نعتا لآياته كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ الحجر/87.

ولا يسمى الشيء مثاني إلا إذا كانت له مطاوي ومحاني ومعاطف

صفحة 56

ومنعَرَجات توسع من سعته او من حجمه او من قوته.

تقول: ثنى الشيء ثَنْياً: أي ردَّ بعضه على بعض وقد تثنى وانثنى. وأثناؤه ومثانيه: قواه وطاقاته (1) وأثناء واحدها ثني ومثناة ومثناة عن ثعلب.

وأثناء الحية: مطاويها إذا تحوَّت أي إذا انطوت. وثني الحية: انثناؤها وهو أيضا ما تعوج منها إذا تثنت والجمع أثناء.

ومثاني الوادي ومحانيه: معاطفه. والثِّني: واحد أثناء الشيء أي تضاعيفه تقول: أنفذت كذا ثِنْيَ كتابي أي في طيه.

وثِنْي الناقة ولدها وكذلك المرأة. أقول سمي ولد الناقة او ولد المرأة ثني، لانه كان في أحنائهما وطياتهما.

وفي ضوء ذلك يتضح ان وصف الكتاب بالمثاني معناه ان آياته لها ارتباط بعضها ببعض كارتباط محاني الوادي ومنعطفاته ومنعرجاته بعضها ببعض اي ان أيات القرآن الكريم يقوي بعضها بعضا ويوضح بعضها بعضا.

وهكذا يتضح ان المراد من حديث الإمام الصادق عليه السلام : (لو قرئ القرآن كما أنزل لالفيتنا فيه مسمين) هو ان القرآن لو فُسِّر على اساس الأصول التي بُني عليها بكون الآية لها محاني ومطاوي تقود اليها الفاظها او مرادفاتها، لوجد الباحثون وقراء القرآن أهل البيت مشخصين ومعرَّفين بصورة لا


(1) القوة: الخصلة الواحدة من قوى الحبل وقيل: القوة الطاقةالواحدة من طاقات الحبل أو الوتر والجمع كالجمع قوى وقوى. وحبل قو ووتر قو كلاهما: مختلف القوى. وأقوى الحبل والوتر: جعل بعض قواه أغلظ من بعض. وفي حديث ابن الديلمي: ينقض الإسلام عروة عروة كما ينقض الحبل قوة قوة. والمقوي: الذي يقوي وتره وذلك إذا لم يجد غارته فتراكبت قواه. ويقال: وتر مقوى. أبو عبيدة: يقال أقويت حبلك وهو حبل مقوى وهو أن ترخي قوة وتغير قوة فلا يلبث الحبل أن يتقطع ويقال: قوة وقوى مثل صوة وصوى وهوة وهوى. وفي الحديث: يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. .

صفحة 57

تقبل الشك والتردد (من لم يعرف امرنا من القرآن لم يتنكب الفتن).

خصائص المنهج القرآني:

يتميز المنهج القرآني في الاستدلال على إمامة أهل البيت عليهم السلام بكونه الأساس للمناهج الأخرى والمنبه عليها فهو:

· ينبِّه إلى أنَّ خبر أهل البيت عليهم السلام في الكتب السابقة كما هو الحال في خبر بعثة النبي صلى الله عليه وآله . وهذا هو المنهج الثاني .

· وينبِّه إلى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله يعلن فضلهم ويبيِّن عظيم منزلتهم عند الله تعالى. وهذا هو المنهج الثالث.

· وينبِّه إلى خصائص واقعهم التاريخي من خلال الحديث عنهم بواسطة نظرائهم من بني إسرائيل و ما جرى عليهم من أمور خاصة بهم، أو الإشارة إلى وقائع مستقبلية مع تواريخ مضبوطة لا تنطبق إلا عليهم. وهذا هو المنهج الرابع.

· وينبِّه إلى انهم وارثون لعلم الكتاب الموحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وبالتالي فالعلم المأثور عنهم يكتسب خصائص الكتاب نفسه هذه الخصائص التي فرضت ان يفسَّر الكتاب الالهي بمصدر غير بشري وكذلك تفرض ان يفسَّر تراث أهل البيت عليهم السلام الذي يتميزون به بانهم ورثوا العلم وراثة خاصة عن النبي صلى الله عليه وآله ، وهذا هو منهج الاستدلال بخصائص تراث أهل البيت. وهذا هو المنهج الخامس.

صفحة 58

خلاصة ما ذكره القرآن الكريم عن الأئمة عليهم السلام :

يمكننا ان نلخص نتائج المنهج القرآني كما يلي:

1. يذكر القرآن الكريم ان الله تعالى طهر أناسا من أسرة النبي صلى الله عليه وآله وجعلهم سابقين بالخيرات بإذنه وجعلهم أئمة هدى كما طهر أناسا من أسر الأنبياء السابقين وجعلهم ائمة هدى.

2. أنهم مبشر بهم منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلى جنب التبشير بالنبي صلى الله عليه وآله .

3. انهم شفعاء دار البقاء .

4. انهم شهداء دار الفناء أي مفروضو الطاعة والاقتداء.

5. انهم مكلفون بحفظ الرسالة من الانقلاب على الأعقاب الذي سيقع بعد النبي.

6. ان معرفة الشخص الأول أو الوجبة الأولى منهم كمعرفة شخص الصلاة والصيام موكول إلى النبي صلى الله عليه وآله .

7. انهم محسودون مستضعفون.

8. ان النصر النهائي لهم.

9. وهناك معلومات اكثر عنهم من خلال قصص نظرائهم من ائمة الهدى في الأمم السابقة.

نماذج من الايات الكريمة التي تتحدث عنهم:

من الايات التي تتحدث عن وارثين مصطفين جعلهم الله ائمة قوله تعالى:

صفحة 59

﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٭ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فاطر/31-32.

الكتاب في الايتين الكريمتين: هو القرآن الكريم.

ووراثة الكتاب هنا يراد بها وراثة النص القرآني مع بيانه وتفسيره لقوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ٭ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ القيامة/18- 19وقد اشار القرآن الكريم انه ايات بينات في صدور الذين اوتوا العلم ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ العنكبوت/49، واهل العلم هؤلاء الوارثون للكتاب وبيانه هم المشار اليهم في قوله تعالى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ النساء/54 وآل إبراهيم في القرآن يراد بهم المحسنون المخلَصون من ذرية اسماعيل عليه السلام في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله خاصة.

قوله تعالى (اصطفينا من عبادنا): أي اجتبينا من عبادنا وهم فئة خاصة إذ ليس كل مسلم هو مصطفى من الله تعالى.

(فمنهم) أي من عبادنا من هو (ظالم لنفسه) ومنهم مقتصد أي يطلب الاستقامة ويسأل من يدله عليها، وكلاهما ليس مؤهلا لان يورث العلم الكامل، ومنهم من هو سابق بالخيرات باذن الله أي سبق غيره إلى العمل بالخير فهو اول العاملين بالرسالة حين يعد العاملون وهذه الاولوية توفيق

صفحة 60

الهي خاص وهذا الصنف هو المؤهل ان يكون وارثا لخط النبوة ومقام الإمامة الإلهية ﴿وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/124.

ومن الآيات أيضا قوله تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الحج/78.

قوله تعالى (هو اجتباكم) أي هو اصطفاكم وليس كل مسلم مصطفى.

وقوله تعالى (ملة أبيكم إبراهيم) قرينة على ان المخاطبين في الآية ليس كل المسلمين، إذ ليس كل ذرية إبراهيم عليه السلام قد أسلمت ولا كل المسلمين هم من ذرية إبراهيم عليه السلام .

قوله: (هو سماكم المسلمين): أي إبراهيم عليه السلام كان قد طلبكم مني حين دعا هو وإسماعيل عليه السلام عند بناء البيت قال تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٭ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ … ٭ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ البقرة/127-129.

قوله:(من قبل): اي في الكتب الإلهية السابقة.

صفحة 61

و(في هذا): أي وفي هذا القرآن انتم مذكورون بهذه الصفة.

وقوله ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي لستم أنبياء ومن هنا جعلكم الله شهداء على الناس بواسطة الرسول نفسه الذي بعثه إليكم خاصة ليعلمكم ويورثكم العلم ويعلن عظيم فضلكم ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.

ثم بعث النبي إلى الناس عامة ليطهرهم ويعلمهم ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٭ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٭ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الجمعة/2-4.

والأميون: هم أهل مكة وهم في ضلال مبين أي مشركون يعبدون الأصنام. وهؤلاء يتلو عليهم النبي صلى الله عليه وآله القران الكريم ليزكيهم من الشرك ويعلنوا عن إسلامهم العام ليكونوا طاهرين طهارة الاسلام ثم يكونوا مهيئين لتلقي العلم عن النبي.

ومن اجل ان لا يوحي قوله ان أهل مكة كلهم مشركون، قال تعالى ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي وآخرين من أهل مكة لم يشاركوا قومهم في شركهم وهم الفئة المسلمة دعوة إبراهيم عليه السلام عبد المطلب عليه السلام وابو طالب عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وفاطمة بنت اسد (رضوان الله عليها).

صفحة 62

ثانيا: الكتب المقدسة المعتبرة عند اليهود والنصارى

إن الكتب الإلهية السابقة التوراة الإنجيل والأسفار الملحقة بها على الرغم مما أصابها من تحريف توجد فيها نصوص كثيرة تتحدث عن أهل البيت عليهم السلام كما تحدثت عن النبي صلى الله عليه وآله . والقرآن الكريم هو أول من أثار هذا المنهج واثبته في مواضع كثيرة.

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ٭ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الشعراء/196-197.

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ الأعراف/157.

وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال يعني النبي والوصي والقائم (1) .

وأهم النتائج التي يقدمها هذا المنهج هي: ان الكتب المقدسة بنسخها المعتمدة عند اليهود والمسيحيين المتداولة فعلا تقدم معلومات وبشارات عن نبوة مكية تمتد بإثني عشر إماما الهيا بعدها.

وقد جاء في بعض هذه النصوص اسم علي والمهدي عليهما السلام إلى جنب اسم النبي صلى الله عليه وآله ، كما أشارت نصوص كثيرة إلى ظلامة الحسين عليه السلام وكيف ان الله تعالى جعل هذه الظلامة سببا لصلاح الأمة وحفظ الدين وكيف ان


(1) الكافي 1/429.

صفحة 63

الله تعالى جعل للحسين عليه السلام نسلا صالحا تطول ايامه تكون الخاتمة الطيبة للمسيرة الدينية على الأرض على يده.

ومن اشهر هذه النصوص الفقرة 20 من الإصحاح 17 من سفر التكوين: (اما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ها انا ذا اباركه وانميه واكثره جدا جدا ويلد اثني عشر رئيسا وأجعله امة عظيمة).

וּלְיִשְׁמָעֵ֘אל שְׁמַעְתִּיךָ֒ הִנֵּ֣ה׀ בֵּרַ֣כְתִּי אֹת֗וֹ וְהִפְרֵיתִ֥י אֹת֛וֹ וְהִרְבֵּיתִ֥י אֹת֖וֹ בִּמְאֹ֣ד מְאֹ֑ד שְׁנֵים־עָשָׂ֤ר נְשִׂיאִם֙ יוֹלִ֔יד וּנְתַתִּ֖יו לְג֥וֹי גָּדֽוֹל.

(اوليشمائيل شمعتيخا هنه بارختي اوتو وهفريتي اوتو وهربيتي اوتو بماد ماد شنيم عسار نسئيم يوليد ونتتيو لجوي جدول).

وقد اجمع علماء المسلمين وعلماء اليهود الذين اسلموا على ان هذا النص يبشر بمحمد صلى الله عليه وآله وان عبارة (جدا جدا) وهي ترجمة لعبارة (بمآد مآد) (במאד מאד) العبرية الواردة في النص العبري كانت بالأصل تشير إلى اسم محمد صلى الله عليه وآله ثم حرفت إلى كلمة متكافئة من ناحية العدد (1) مع اسم محمد وهي (بمآد مآد) إذ كلاهما يساوي (92) وإذا ثبت ذلك وهو ثابت كان الاثنا عشر بعدها مما يرتبط بمحمد وليس بإسماعيل وهو ما كان يفهمه علماء اليهود الذين اسلموا حيث كانوا يختارون التشيع على غيره من المذاهب باعتباره مذهبا يقوم على الإيمان باثني عشر وصياً للنبي صلى الله عليه وآله ي (2) .


(1) والهدف من ذلك هو حصر المعرفة بالبشارة بكهنة اليهود.

(2) قال ابن تيمية في معرض الرد على الشيعة وعقيدتهم بالإثني عشر المذكورين في حديث جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله : الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش قال: (وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة وقرر انهم يكونون مفرقين في الأمة ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا وقد غلط كثير ممن تشرف بالإسلام من اليهود فظنوا انهم الذين تدعوا اليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم) البداية والنهاية لابن كثير ج6/250 انظر كتابنا شبهات وردود الحلقة الأولى الفصل السادس وبحثنا دعوة إبراهيم وإسماعيل المنشور في مجلة (ميقات الحج) العدد الأول.

صفحة 64

ومن اشهر النصوص أيضا الفقرات 19- 22 من الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا:

(وَهَذِهِ شَهَادَةُ يُوحَنَّا حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْضَ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ يَسْأَلُونَهُ: «مَنْ أَنْتْ؟» 20فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، بَلْ أَكَّدَ قَائِلاً: «لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ». 21فَسَأَلُوهُ: «مَاذَا إِذَنْ؟ هَلْ أَنْتَ إِيلِيَّا؟» قَالَ: «لَسْتُ إِيَّاهُ!»؛ «أَوَ أَنْتَ النَّبِيُّ؟» فَأَجَابَ: «لاَ!» 22فَقَالُوا: «فَمَنْ أَنْتَ، لِنَحْمِلَ الْجَوَابَ إِلَى الَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ …فَعَادُوا يَسْأَلُونَهُ: «إِنْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ، فَلِمَاذَا تُعَمِّدُ إِذَنْ؟» 26أَجَابَ: «أَنَا أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ! وَلكِنَّ بَيْنَكُمْ مَنْ لاَ تَعْرِفُونَهُ، 27وَهُوَ الآتِي بَعْدِي، وَأَنَا لاَ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ».

ان (النبي)في النص يشير إلى النبي الأمي الموعود صلى الله عليه وآله .

و(ايليا) هو علي عليه السلام وصي النبي صلى الله عليه وآله .

و(المسيح) هو ماشيحا العبرية وتعني المهدي المنتظر او المخلص.

ولا تنافي بين كون عيسى بن مريم عليه السلام هو مسيح ومخلص أيضا الا انه مسيح لبني إسرائيل خاصة وقد ورد في إنجيل متي 24قول المسيح: «مَا أُرْسِلْتُ إِلاَّ إِلَى الْخِرَافِ الضَّالَّةِ، إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ!»

صفحة 65

ثالثا: الحديث النبوي الشريف المعتبر لدى أهل السنة

ان الاستدلال بالحديث النبوي الشريف المعتبر لدى السنة مسألة واضحة ومعروفة وقد كتب فيها علماء الشيعة تراثا ضخما جدا.

يقدم الحديث النبوي المعتبر عند السنة رؤية واضحة عن أهل البيت خلاصتها: انهم عِدل كتاب الله، وان التمسك بهما معا يعصم من الضلالة، وأن ولايتهم ولاية النبي صلى الله عليه وآله كما في حديث الثقلين وحديث الغدير.

وانه صلى الله عليه وآله عيَّن عددهم وهم اثنا عشر، وسمّى أولهم وهو علي ثم شبَّه صلى الله عليه وآله منزلة علي منه بمنزلة هارون من موسى ثم سمّى النبي صلى الله عليه وآله الحسن والحسين عليه السلام وقال عنهم انهم سبطان من الأسباط يشير إلى قوله تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ البقرة/136 والأسباط هنا هم يوسف عليه السلام والأئمة من ذريته.

وقوله تعالى ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا …﴾ الأعراف/159-160 والأسباط هنا من آل هارون عليهم السلام المشار اليهم في قوله تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ البقرة/248، وال هارون عليهم السلام هم النقباء الإثني عشر المشار

صفحة 66

اليهم في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ المائدة/12.

وقد شبه النبي صلى الله عليه وآله أوصياؤه بالأئمة من بني إسرائيل كما في رواية مسروق عن ابن مسعود قال «سأل رجل عبد الله بن مسعود قال له: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله: سألناه، فقال: اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل» (1) .

وفي رواية أخرى «يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى» (2) .

وفي رو اية أخرى « كلهم تجتمع عليه الامة» (3) .


(1) مسند احمد 1/398،406 قال احمد شاكر في هامش الحديث الأول: (اسناده صحيح) ومستدرك الحاكم 4/501 وفتح الباري 16/339 مجمع الزوائد 5/190، كنز العمال 13/27.

(2) البداية والنهاية لابن كثير 6/248 وكنز العمال 13/27. قال ابن كثير «وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس». أقول: وقد روى مثله الهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في الاوسط والكبير، والبزار، عن أبي جحيفة. ويتبين من ذلك ان حديث الاثني عشر عند السنة لا تنحصر روايته بالصحابي جابر بن سمرة بل يرويه صحابة آخرون ذكرت الكتب السنية الميسرة فعلا خمسة منهم. لقد ظن علماء الحديث من السنة ان المراد بهؤلاء الإثني عشر هم الحكام الذين جاؤوا بعد الرسول واتفقوا على تسمية الأربعة الأوائل منهم وحاروا في تكملة العدد، فمنهم من عد معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك وبين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك) وقد رجح هذا القول ابن حجر ومنهم من قال ان هؤلاء الاثني عشر مفرقين في الامة إلى آخر الدنيا. وهذا التفسير بعيد عن الصحة تماماً وذلك لان تشبيه النبي صلى الله عليه وآله لهؤلاء الاثني عشر بأصحاب موسى ونقباء بني إسرائيل يفيد انهم من سنخهم.

(3) سنن أبي داود ج2 /423.

صفحة 67

رابعا: السيرة التاريخية للأئمة الإثني عشر عليه السلام

تاريخ الأئمة الإثني عشر بعضه مبسوط في كتب التاريخ العامة من قبيل تاريخ علي والحسن والحسين عليه السلام وذرية الحسين إلى ولده الحسن العسكري عليه السلام .

وبعض هذا التاريخ ينفرد به الشيعة كليا كقولهم ان الحسن العسكري عليه السلام له ولد هو محمد عليه السلام وهو المهدي الموعود وانه غاب غيبتين، غيبة صغرى كان له فيها نواب وسفراء توسطوا بينه وبين شيعته وغيبة كبرى انقطعت فيها أخباره وانه سيظهره الله تعالى في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا.

والبعض الآخر من الحقائق التاريخية التي يذكرها الشيعة عن أئمتهم نجد لها ذكرا في المصادر السنية، من قبيل ما ذكره الشيعة في كتبهم عن الإمام الباقر والصادق عليه السلام انهم كان عندهم كتب علي عليه السلام التي كتب فيها كل السنة النبوية وبيان القرآن الكريم بإملاء النبي صلى الله عليه وآله جاءتهم عن طريق آبائهم ثم صارت من بعدهم إرثا لأبنائهم الكاظم عليه السلام ثم الرضا عليه السلام ، وأخبار هذا التراث العلمي المكتوب مفصلة في كتب الشيعة التي تذكر أنها صارت إلى المهدي عليه السلام الذي سوف يخرجه في جملة ما يخرجه من الوثائق الإلهية يومذاك.

ومن قبيل دعواهم الإمامة الإلهية وان القرآن الكريم أشار اليهم، وجملة من أحاديث علي عليه السلام وكلماته في نهج البلاغة والدر المنثور تشير إلى

صفحة 68

ذلك، أما دعوى بقية الأئمة فينفرد الشيعة برواية ذلك عن عنهم عليهم السلام .

إن السيرة التاريخية للائمة الإثني عشر عليهم السلام تُفردهم بجهد خاص بذلوه من أجل سنة النبي صلى الله عليه وآله على مستوى النشر والحفظ والتدوين والتطبيق.

مضافا إلى ذلك فان السيرة التاريخية لهؤلاء الإثني عشر تتميز بخصائص تجعل منهم المصداق الوحيد لأهل البيت المذكورين في القرآن الكريم الذين وصفهم بانهم وارثون لعلم الكتاب وانهم مكلفون بحفظ الرسالة وغير ذلك من الصفات التي شخصها لهم القرآن الكريم وهكذا الصفات التي شخصها لهم النبي صلى الله عليه وآله بقوله انهم عدل الكتاب وان التمسك بهما معا يعصم من الضلالة.

فمن هذه الخصائص:

1. حالة تبعية علي عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وتقيده الحرفي بأوامره نواهيه.

2. الحالة الأسباطية المنتسبة إلى الرسول من جهة فاطمة عليها السلام والى علي عليه السلام من جهة الوالد وهم أحد عشر: الحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليه السلام .

3. دعوى وراثة التراث لعلمي النبوي المكتوب.

4. وحدة السيرة العملية والخط الفكري والفقهي فاللاحق منهم يصدق السابق منهم ويواصل السير على منهاجه.

5. الحرص الخاص على سنة النبي صلى الله عليه وآله نشرا وتدوينا وتطبيقا.

صفحة 69

والخلاصة ان المنهج التاريخي يثبت ثلاثة أمور أساسية:

الأول: ان الأئمة الإثني عشر عليهم السلام كانوا يدَّعون مقام الإمامة الإلهية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وأنَّ الذي يأخذ عنهم ويواليهم يُقبل منه عمله في الآخرة و ينجو، وأنَّ الذي لا يأخذ عنهم لا يقبل منه في الآخرة ويهلك.

الثاني: ان المواصفات التي طرحها القرآن الكريم حول الشهداء على الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله تنطبق عليهم خاصة دون غيرهم.

الثالث: ان الأئمة التسعة من ذرية الحسين عليهم السلام هم امتداد المطهرين من أهل البيت المذكورين في حديث الكساء وهم تكملة الإثني عشر المذكورين في حديث النبي صلى الله عليه وآله (الأئمة بعدي اثنا عشر) والأئمة الإثنا عشر هم الذين ينطبق عليهم حديث الثقلين دون غيرهم من ذرية علي عليه السلام من فاطمة عليها السلام .

خامسا: التراث الفقهي والفكري للأئمة الإثني عشر عليهم السلام

خلَّف أهل البيت عليهم السلام تاريخيا تراثا رواه عنهم أصحابهم وحفلت به المصادر الشيعية، وروت بعضه المصادر السنية.

ومن ينعم النظر في هذا التراث بشكل عام يلمح فيه خصائص معينة هي عين الخصائص التي يتميز بها المضمون القرآني أو حديث النبي صلى الله عليه وآله من قبيل:

1- كالإخبار بالمغيبات.

صفحة 70

2- الانسجام مع حقائق العلوم التجريبية والمكتشفات الحديثة.

3- الانسجام التام مع القرآن الكريم بحيث يشكل معه وحدة فكرية ونظرية واحدة.

هذا مع الاستقلال الفكري التام عن علماء العصر.

وكما يعتمد علماء المسلمين هذه الخصائص لإثبات ان القرآن الكريم وحي وان الحديث النبوي وحي كذلك تصلح هذه الخصائص لتراث أهل البيت عليهم السلام برواية الشيعة في تصديق دعوى الشيعة بان الذي ينفردون به من رواية عن أهل البيت عليهم السلام إنما هو من مشكاة النبوة نفسها وأنه مما كتبه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وتوارثه أهل البيت عليهم السلام عنه بأمره وبوصية منه صلى الله عليه وآله .

نماذج من اخبارهم بالمغيبات:

قال ابن ابي الحديد في شرح قول علي عليه السلام :

فو الذي نفسي بيده لا تسألونني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومُناخ ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا.

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنه عليه السلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذى نفسه بيده، أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما صح من طائفة من الناس يهتدى بها مائة وتضل بها مائة، إلا وهو مخبر لهم – إن سألوه – برعاتها، وقائدها وسائقها ومواضع نزول

صفحة 71

ركابها وخيولها، ومن يقتل منها قتلا، ومن يموت منها موتا.

وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية، ولا ادعاء النبوة، ولكنه كان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك.

ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة:

كإخباره عن الضربة التي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته،

وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السلام ، وما قاله في كربلاء حين مر بها…

وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان،

وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب،

وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين،

وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها،

وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه: « خب ضب، يروم أمرا ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش».

وكإخباره عن هلاك البصرة، بالغرق وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وهو الذى صحفه قوم فقالوا: بالريح،

وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببنى رزيق، بتقديم المهملة، وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده وإسحاق بن إبراهيم، وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية،

صفحة 72

وكإخباره عن الائمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان، كالناصر والداعى وغيرهما، في قوله عليه السلام : «وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء دعاؤه حق يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله»،

وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله: « إنه يقتل عند أحجار الزيت»،

وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة: « يُقتل بعد أن يظهر، ويُقهر بعد أن يقهر»، وقوله فيه أيضا: «يأتيه سهم غرب / سهم غرب، أى لا يدرى راميه/ يكون فيه منيته فيا بؤسا للرامي ! شلت يده، ووهن عضده» …

وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: « ويخرج من ديلمان بنو الصياد»، إشارة إليهم. وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم. وكقوله عليه السلام فيهم: « ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء، ويخلعوا الخلفاء». فقال له قائل: فكم مدتهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال: « مائة أو تزيد قليلا». وكقوله فيهم: و « المترف ابن الاجذم، يقتله ابن عمه على دجلة»، وهو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبى الحسين، وكان معز الدولة أقطع اليد، قطعت يده للنكوص في الحرب، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا، صاحب لهو وشرب، وقتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر على دجلة في الحرب، وسلبه ملكه، فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي، ورتب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة، خلع الطائع ورتب عوضه القادر، وكانت مدة

صفحة 73

ملكهم كما أخبر به عليه السلام .

وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتفال الأمر إلى أولاده، فإن علي بن عبد الله لما ولد، أخرجه أبوه عبد الله إلى علي عليه السلام ، فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه، وقال: خذ إليك أبا الأملاك، هكذا الرواية الصحيحة، وهى التي ذكرها أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة من كتاب معتمد عليه.

وكم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى، مما لو أردنا استقصاءه لكرّسنا له كراريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة.

نماذج من انسجام فتاواهم وروايتهم مع العلم الحديث:

– الروايات المأثورة عنهم في الإشارة إلى (ظاهرة الموت الظاهري) (clinical death phaenomina) وحكم الميت بالسكتة والصعقة ووجوب تأخير تجهيزهما وانسجامها مع قرارات مؤتمر الطب العدلي منتصف القرن العشرين في الموضوع نفسه (1) .

– روايات الإشارة إلى الباقلاء وكونها تولد الدم حيث روي عن الإمام الصادق و الكاظم والرضا عليهم السلام أن أكل الباقلاء يمخخ الساقين ويولد الدم الطري وقد اثبت الطب الحديث ان مركز تكوين الدم هو مخ العظام (2) .


(1) فصلنا ذلك في مقال كتبناه نشر في مجلة اخبار الكلية الطبية في بغداد سنة 1969.

(2) الحر العاملي وسائل الشيعة آل البيت ج25 ص129 عن الكافي للكليني. اول من انتبه إلى ذلك فيما اعلم هو الدكتور سعد سلمان تاج الدين.

صفحة 74

– روايات تشخيص الجودي الوارد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى (واستوت على الجودي) بـ (فرات الكوفة) وانسجامه مع ما وجد في الآثار المسمارية التي بقيت مطمورة تحت التراب الآف السنين قبل الصادق عليه السلام وبعده حتى كشفت في القرن العشرين والقرن التاسع عشر (1) .


(1) بحثنا هذه الرواية ونظائرها في نشرة القرآن وعلم الاثار الكراسة الاولى، ومجلة تراث النجف/ العدد الأول.

تم بحمد الله

One تعليق

  1. السلام عليكم

    الرجاء إصلاح رابط التحميل فإنه لا يعمل وكذلك رابط القراءة

    وجزاكم الله خيرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين