يقدم الشهيد الدكتور موسى العطية رحمه الله تعالى قراءة إيمانية وعلمية لمفهوم “الاكتشافات غير المتوقعة” في تاريخ العلم. ورغم استعراضه للحوادث التي اصطُلح على تسميتها بـ “الصدفة”، إلا أنه ينقض هذا المصطلح من جذوره، ليثبت أنها في الحقيقة ليست عشوائية، بل هي “هداية وتوفيق إلهي”.
وتتلخص النقاط الجوهرية لمضمون الكتاب فيما يلي:
- تفنيد عشوائية الصدفة: يرى المؤلف أن ما يبدو للعلماء كأنه “صدفة” (مثل سقوط التفاحة أو تلوث طبق البنسلين) هو في الواقع حلقة من سلسلة أسباب محكمة وضعها الخالق. فالصدفة هي “كلمة” نطلقها حين نجهل تدبير الله الخفي في توقيت وقوع الحدث.
- الصدفة كـ “هداية إلهية“: يطرح الدكتور العطية فكرة مركزية مفادها أن الله سبحانه وتعالى، برحمته ولطفه، يُقيّض للعلماء “هدايات” وتنبيهات عابرة تفتح لهم أبواب العلم. فالعلم هو “نور يقذفه الله في قلب من يشاء”، وما نسميه صدفة هو الوسيلة المادية التي اختارها الله لإيصال هذا النور للباحث المخلص.
- اقتران الهداية بالاستعداد: يؤكد المؤلف أن هذه الهداية الإلهية (المسماة صدفة) لا تأتي عبثاً، بل هي مكافأة لـ “العقل المستعد” والباحث المثابر. فالله يهدي العالم للنتيجة حين يرى إخلاصه وسعيه، فتأتي “الصدفة” لتختصر له الطريق.
- الفرق بين “الصدفة” و”التقدير“: يفرق الكتاب بين المنظور المادي الذي يعجز عن رؤية الغيب فيسميها صدفة، وبين المنظور التوحيدي الذي يراها “لطفاً إلهياً” مقدراً في زمان ومكان محددين لخدمة البشرية وتطوير العلم.
- الخلاصة الإيمانية: ينتهي الدكتور العطية إلى أن مسيرة العلم هي أكبر دليل على نفي الصدفة، فكل تفاصيل الاكتشافات الكبرى توحي بوجود “مُوجّه” عليم حكيم، يسوق العلل والأسباب لخدمة مسيرة الإنسان وتطوره.
فهرس المحتويات
- المقدمة
- حول هذا الكتاب
- الإنسان والمعرفة
- صدفة… أم هداية!
- تفاحة نيوتن … تذكرة سفرإلى الفضاء… قطعتها الصدفة
- ظاهرة النشاط الإشعاعي للذرة – كيف حجبتها الشمس.. واكتشفتها الغيوم صدفة؟
- أمل الصدفة وألمها – الأنشطار النووي!
- الصدفة وعبقرية – انشتاين في نظريته النسبية الخاصة!
- ألبطارية الكهربائية – اكتشفت صدفة… من وحي تشريح ضفدعة..!
- ألطين والنار – جمعتهما الصدفة في الفخار!
- خاصية التوصيل الفائق – للتيار الكهربائي كيف اكتشفتها الصدفة
- صدف مثيرة… في قصة اكتشاف طريقة لاستخلاص فلز الألمنيوم!
- جائزة نوبل للكيمياء لعام 2000 – وتحويل المواد البلاستيكية العازلة للكهرباء الى مواد موصلة.. كيف حققته الصدفة من خطأ في الوزن..؟
- بانتظار صدفة اخرى…!
- المصادر
بسم الله الرحمن الرحيم
اسم الكتاب : الصدفة في مسيرة العلم والعلماء
اسم المؤلف : الدكتور موسى جعفر العطية
الطبعة : الأولى 1439هـ / 2018م
الناشر : مركز فجر عاشوراءَ الثقافي
المطبعة : دار وارث للطباعة والنشر
الصدفة
في مسيرة العلم والعلماء
الدكتور موسى جعفر العطية
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
في سجل تاريخ العلوم ثمة صفحات ثرية توثق مراحل البداية والمسيرة وهو ما نسميه بمراحل التطور ويوثق البعض من تلك الصفحات أسماء من أسهموا في ذلك السفر الخالد وتدون سيرهم وإنجازاتهم وما اكتنف تلك السّيَر من محطات ونوادر وطرائف تشكل في مجملها مادة ثرية لمراجعيها ودارسيها والمتأملين فيها لاستلهام العبر والدروس بغية مواصلة التطور فضلاً من الاستمتاع بالملامح الطريفة لنوادر تلك المحطات.
في موسوع إطلاعي المتواضع حول ما كتب عن تاريخ العلوم وآثرت جمعها وعرضها بأسلوب حرصت على ان يكون شيقاً يندرج ضمن ما يصنف بالأدب العلمي وتقديمها للقارئ الكريم في هذا المؤلف لأحقق من وراء ذلك ما أبتغيه في هدفين :
أولهما يكمن في استلهام العبر والدروس من سير السابقين من العلماء في مسيرتهم العلمية ليدركها ممن يسلكون طريق العلم والبحث
في أرجاءه مستفيدين من ومضاتها في إبداعات جديدة ليستمر إشعاع منارة العلم بفيوضه الحضرية.
وثانيهما ما أردت له ان يكون محطة للاستراحة يمتزج فيها التاريخ والعلم بأريج أدبي اقدم فيها للقارئ الكريم شذرات مختلفة الألوان من المعرفة تسهم في اتساع دائرة معارفه تضيف الى مكتبتنا الأدبية والعلمية مساهمة متواضعة تندرج في باب الأدب العلمي.
تتضمن الكتب ثلاث مقدمات أولهما يندرج حول اطار مضامين الكتاب والثاني حول الإنسان والمعرفة وهي مقدمة قصيرة تدور حول النهج العلمي الذي سلكه الإنسان في سعيه المتواصل لتطوير علومه عن طريق البحث والاستقصاء وهو ما يسمى بالبحث العلمي اما المقدمة الثالثة تناولت فيها مفهومي الصدفة والهداية لكي لا يلتبس الأمر فيما نصبوا إليه من هذين المصطلحين المتداخلين والتي يصعب فصلهما في الكثير من الأحيان.
تناول الكتاب بعد تلك المقدمات عرض عشر محطات او انعطافات رئيسة في المسيرة العلمية لإنسان لعبت الصدفة دوراً أساسياً فيها وفيما ترتب على ذلك من نتائج.
لقد آثرت أن أقوم قبل طبع الكتاب بعرضه على نخبة من علماء ومثقفين للاستفادة من انطباعاتهم وملاحظاتهم وأبدى بعضهم ملاحظات تقويمية رصينة استفدت منها مما يستوجب شكري وتقديري لهم واخص بالذكر ابن عمنا الأستاذ الفاضل السيد محمد السيد مكي الذي بذل جهداً مشكوراً في مراجعته وكذلك فان الشكر موصول إلى أخي وعميد أسرتنا الأستاذ السيد صادق والسيد جعفر
العطية الذي رعى شؤون أصدارة.
في ختام هذه المقدمة أود أن اكرر ما تعودت ان أشير إليه حول حرص المؤلف على استدراك جميع نواقص كتابه ولكن يكتشف بعد حين انه وقع فيها مستذكراً قول أبي الفرج الأصفهاني الذي برى يراعه في مؤلفاته الغزيرة في مقولته الشهيرة أني رأيت ان لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان افضل ولو ترك هذا لكان اجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر… ولكن يبقى أملى ان لا تكون هفواتي في هذا الكتاب أجدبت استفادة القارئ الكريم من محتواه ومراميه…. والله الموفق
الدكتور موسى جعفر العطية
رمضان المبارك 1428
ايلول 2007
حول هذا الكتاب
أردت لهذا الكتاب عنواناً يثير فضول القارئ ويلبي دعوتي له في رحلة عزمت على أن تكون شيقة وهادفة … وفي استضافة رحاب الماضي حيث صنع الإنسان أمجاده العلمية وحقق إنجازاته الكبيرة من مخترعات واكتشافات تفاعلت مع مفردات أنماط حياته وتطوراتها حتى أصبحت اليوم في مادياتها تختلف عمّا كانت عليه بالأمس فما كان حلماً في الأمس … أو كان هلوسة في الماضي البعيد أصبح اليوم حقيقة يعيشها الإنسان …
لقد تحقق كل ذلك بفضل (العلماء) الذين سعوا إلى (المعرفة) سالكين طريق (العلم) فأرسوا قواعده وشيدوا أركانه وفتحوا مسالكه وهيؤوا وسائله فتراكمت المعطيات وتزاحمت الإنجازات. وقد حفظ لنا التاريخ سجلاً ثرياً لمسيرة الحضارة الإنسانية في مجال تطوير العلوم والمعرفة… وقد كان البحث والاستقصاء والتأمل والتجربة حلقات علمية يشكل ارتباطها وتواصلها سلسلة تحيط بدائرة هدف منشود تبتغي تعريفه وتوضيح أبعاده وتفاصيله وخصائصه وكيفية الاستفادة
منه أو توظيفه للوصول الى هدف آخر.
هذا الكتاب يتناول تلك (الصدفة) الأمور الطريفة والمثيرة أحياناً والتي خلدها ذلك السجل خلال مسيرة الإنسان في البحث والاستقصاء أن إنجازات علمية كبيرة قد حققها العلماء صدفة أو (عن طريق الصدفة) كما يقال حيث كانوا يسعون إلى إدراك شئ معين فإذا بهم يدركون شيئاً آخر (معرفة أخرى) لم يخطر ببالهم وتصبح هذه المعرفة الجديدة فتحاً علمياً تترتب عليه انعطافة كبيرة في المسيرة العلمية للإنسان تشكل إحدى الملامح التي تميز حضارته في ذلك العصر كما هو الحال بالنسبة لاكتشاف الطاقة الذرية وبزوغ عصر الذرة وأمثلة أخرى سوف يستعرضها هذا الكتاب.
هذا الكتاب يتناول تلك (الصدفة) التي شاركت العلماء مجدهم وأسهمت معهم في بناء هذا الصرح العلمي للإنسان ويستعرض صور إطلالتها بين الحين والآخر تستضيف أو باستضافة مختبرات العلماء وتجاربهم ومحطات تأملاتهم وكيف لعبت (الصدفة) دورها كمرشد لتفكير العالم بان يتوجه إلى اتجاه معين وهي ترسم له ملامحه الأساسية … أو تهديه إلى نتيجة أو استنتاج علمي لم يدر في خلده أو لم يكن ضمن سعيه إليه ومن ثم تتركه يبلور ويطور تلك الانطلاقة إلى فتح جديد من الفتوحات العلمية …
سيقلب هذا الكتاب صفحات التاريخ … تاريخ العلم والعلماء … يبحث عن الصدفة وما سجل التاريخ لها من أدوار في فتوحاتها العلمية …
سيطرح هذا الكتاب خلال استعراضه لتلك الأدوار سؤالاً …
لو لم تكن الصدفة حاضرة في مواعيدها وما ترتب على حضورها من انجازات علمية وصناعية … وما الذي ستؤول إليه الأمور فيما بعد حول عدم تحقق أو تأخر الاكتشافات والتطورات العلمية التي تمخضت عن حضورها..؟ هل سيكون عالمنا الذي نعيش كما هو عليه الآن بكل تقنياته المسخرة لخدمة ألإنسان وألون المعرفة التي يزخر بها أو ربما سيكون عالماً آخر مختلف الشكل والمضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وعليه فهذا الكتاب محاولة في الأدب العلمي … تستحضر التاريخ ليستنهض همة الدارسين والباحثين في المزيد من البحث ويستذكر معهم سيرة الإبداع العلمي في الماضي وما تمخض عنه من نتائج تظافرت في استحصالها جهود العلماء بإدراكهم وصبرهم وإصرارهم فمنحتهم الصدفة ومضاتها لتُذكي بها ذلك الإدراك والصبر والإصرار.
ويستثمر الكتاب هذه الفرصة ليعرف القارئ الكريم أو يستذكر معه صفحات أو سطور من ألوان المعرفة المختلفة وبذلك يكون قد حقق أغراضه في الاستمتاع بطرائف العلم والعلماء … فضلاً عن تقديم شذرات من المعرفة قد يجد القارئ الكريم ضالته فيها إضافة إلى الغرض الأساسي له في اقتباس العبر من الماضي ليستمر الحاضر في بناء المستقبل وما قد تثمره صدف أخرى من تحقيق انعطافات أخرى في مسيرة الحضارة العلمية للإنسان.
وأخيراً … حول هذا الكتاب … أود أن أعترف للقارئ الكريم بأني كنت متردداً في إصداره حتى أستكمل تحرياتي عن كامل دور الصدفة في تطور مختلف العلوم وأنقب في سيرة العلماء وتاريخ تطور
المعرفة والعلوم فوجدت ذلك بعيداً عن ملاذي في الوقت الحاضر فاكتفيت بما استطعت تحقيقه من مادة هذا الكتاب واشرعت الباب مفتوحاً لنفسي ولغيري من الباحثين في استكماله بأجزاء لاحقة توثق لنا صفحات أخرى من تاريخ العلم ودور الصدفة في تطور مسيرته.
الإنسان والمعرفة
المعرفة … هي إدراك الشيء على ما هو عليه … والعلم هو المعرفة المكتسبة من دراسة سلوك الطبيعة التي يعيش فيها الإنسان وكلما توسعت وتنوعت مدارك الإنسان تنوعت معارفه وازداد علمه.
الإنسان بفطرته من السعاة إلى المعرفة وتحرك سعيه بوازع الرغبة في استطلاع ومحاكاة ظواهر الأشياء التي تحيط به أو التي يتعامل معها كي يتمكن من تطويع الظواهر بما يلبي متطلباته أو يطور وسائل تحقيقها.. فتراه يسعى ويعمل ويبحث ويجرب ويستكشف أشياء جديدة يضيفها الى قاموسه فتزداد بذلك دائرة إدراكه … تلك الدائرة التي تتزاحم في محيطها الظواهر والفرضيات والنظريات والقوانين التي تفسر الطبيعة وهذا شأنه باستمرار … نجده يتأمل الطبيعة فيرصد ظواهرها ويحاول فهم تلك الظاهرة ويضع لها تفسيراً فينشأ ما يسمى بقاموس العلم (الفرضية) ويظل يختبر تلك الفرضية وعندما يثبت وبتكرار صحتها تولد (النظرية) وإذا ما استطاع إثبات أن تلك النظرية ثابتة الأداء في مختلف ظروف الطبيعة فقد اكتشف بذلك (القانون).
إن إدراك الفرضيات والنظريات والقوانين قد يتحقق بطريقة أو بأخرى ذلك أنه قد يتحقق بالاستهداف المنشود حيث الهدف مرصود… ومعالمه محدده والإستحضارات معدّة للوصول إليه فعند ذلك تبدأ رحله البحث والتقصي أو ما نسميه في قاموس العلم برحله (البحث العلمي) التي يقوم العلماء بتجهيزها وهم صنّاع المعارف والعلوم.
إن العلماء وعلى الرغم من كل ما حققوه ويحققوه من إنجازات وفتوحات علمية في تلك الرحلة يظل اعتقادهم راسخاً بعدم وجود نظرية أو قانون يمثل الحقيقة المطلقة… وأن كل إكتشاف جديد يُقرّب الإنسان من الحقيقة… وهكذا تبقى الحقيقة المطلقة تستدرجهم بإغرائها وتجرهم وراءها وهذا هو سر استمرار التقدم العلمي وتطور المعرفة وتلك الاستمرارية التي تعني البحث العلمي الدؤوب والملاحظة الدقيقة وشحذ الذكاء والجد والصبر.
فالبحث العلمي هو الوسيلة الأساسية في رفد المغرفة العلمية وتوسيع دائرة شمولها وما يترتب على ذلك من تراكمات للمعرفه العلمية ضمن محيط تلك الدائرة تؤدي في مجملها الى نضوج المعارف للظواهر والقوانين التي تحكم الكون وبكل ما يحويه من مخزون مادي يعيش أو يتعايش معه الإنسان… هذا الإنسان الذي يدفعه رُقيّه العلمي الى التعامل مع ذلك المخزون بالشكل الذي يحقق رفاهيته ويطور ذلك التعامل مع ما يستجد له في فهم انضج لطبيعة القوانين التي أودعها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون… وهذا ما نلمسه في المسيرة الحضارية للإنسان فهي ثرية في كنوزها ومعالمها… والمتتبع لتطوراتها .. يرى
شموخ الإنسان في صفحاتها وهو يُدّون عطاءه العلمي واختراعاته واكتشافاته وكل الإنجازات التي نتجت عن سعيه لكسب المعرفة… فعند استعراض تلك المسيرة وتطورها من بداياتها الأولى… منذ ان كان الإنسان يُخيفه وميض البرق وصوت الرعد… حتى أصبح اليوم مارداً يطال الفضاء برحلاته الاستكشافية ويسبر غور المحيطات الى قيعانها وسطح الأرض حتى أعماقها… نجد ان في تلك السجلات فتوحات علمية كبيرة كان لها دور مهم في انعطاف تلك المسيرة الى اتجاهات جديدة بعضها لم يكن قد خطر في رحاب مُخيلته وكان للقدر أو (الصدفه) النصيب الأوفر أو الكامل أحياناً في رسم تلك الانعطافة وما ترتب عليها من انبثاق آفاق جديدة في عوالم معرفته.
إن اكتشاف وسيلة لإيقاد النار وصنع الفخار والتعامل مع الحديد وتطويعه واختراع الآلة البخارية واكتشاف الإلكترونات والكهرباء وكشف أسرار الذرة وصنع القنبلة الذرية وارتياد الفضاء… جميعها علامات شاخصة في طريق المسيرة الحضارية للإنسان وانعطافها ويبقى ذلك الطريق مفتوحاً امام زخم تلك المسيرة التي لم ولن ينتهي مسلكها ولن تنكمش رحابها ما دامت رحابها الكون وما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من القونين التي تحكم بنيانه وما يحويه من كائنات وهي رحاب شاسعة للعلماء ينطلقون فيها باحثين هم الحقيقة لينجلي الشك ويظهر اليقين.
فلنسبح بجلال خلق الله ونسبح لعظمته ولنشكر الصدفة التي قطعت لنا تذكرة أسفارنا الجوية وفتحت لنا أبواب الفضاء.
صدفة… أم هداية!
نعم الى عنوان الكتاب وماذا نعني بالصدفة وما نقصد به في اطار هذا الكتاب ومضمونه… في اللغة العربية يقال صدف وصدفاً لقيه اتفاقاً… ويقال صادف بمعنى قابله عن قصد أو بغيره، والصدفة جمعها صدف هي لفظة مولد بمعنى المصادف والإتفاق.
هنالك اختلاط بين المعنى اللغوي للصدفة والاصطلاح الشائع بين الناس فعندما يقول احدنا (فلان لقي فلان صدفة) بمعنى لقيه بلا موعد وهو سائر في طريقه ولم يقصد لقياه… وقد اكتسب هذا المعنى الشائع للصدفة رواجاً واسعاً بين الناس وخاصة بين طبقة المثقفين واستمر لعقود من الزمن ذلك في خضم الجدل الفلسفي والعلمي الذي ساد بين العلماء عند التصدي لنظرية إنكار الخالق لهذا الكون واثبات بطلائها… وبغض النظر عن معنى الصدفة في اللغة وفي التعبير العام الشائع فما يهمنا هو ماذا نعني بالصدفة في هذا الكتاب الذي اتخذ منها عنواناً ومن سيرتها في مسيرة العلم والعلماء مادة له.
هل نعني بالصدفة تلك العفوية التي امسك العلماء بعصاها
فاهتدوا بواسطتها الى معالم جديدة في طريق العلم والمعرفة… ام نقصد بها تلك الومضات التي تنبعث بين الحين والآخر بلا موعد وتستدرج اهتمام العلماء وهم ماضون في فتح وبناء طريق جديد في مدينة العلم والمعرفة فلفتت انتباههم تلك الومضات الى شأن جديد لم يخطر ببالهم فيستوقفهم امره ويمنحوه رعايتهم ويوظفون من اجل ذلك قدراتهم وامكانياتهم ويعدّون تلك الومضة فتحاً عظيماً في مجاهل مدينة العلم والمعرفة فتشع بذلك ارجاؤها المضيئة وميادينها لتنتصب في اوساطها منارات لحضارة الانسان تتراصف فيها بتسلسل وتنسيق معبرة عن قدراته وعزيمة جهاده في اكتشاف اسرار وقوانين الكون والطبيعة التي يعيش فيها… هذا ما نقصده بالصدفة في هذا الكتاب أنها ضالة اقحمت نفسها في طريق البحث والاستقصاء الذي اتخذه العلماء مساراً لهم ليبلغوا به أسرار المعرفة ويحيطوا بمضامينها.. وهم في زخم تلك المسيرة الإستكشافية تطل عليهم الصدفة كماأشرنا لتشاركهم جهدهم ومثابرتهم وبالتالي فهي تشارك المجتهدين والباحثين والمكتشفين والمخترعين خلودهم في سجل تاريخ الإنسان وحضارته وبذلك فإن الصدفة التي نتناولها هي صدفة مدركة… واعية في اختيارها وحضورها هي ليست صدفة عمياء… بل صدفة مبصرة بطريق العلم فاقتحمته… إنها الصدفة التي تدرك ان هنالك من ينتظرها ويرجوا حضورها ويبتهج بها ويحتضنها ويرعاها… إنها الصدفة التي يمكن ان نسميها بالهداية.. هداية من الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان بهذا الشكل، وما أودع فيه من عقل منبعا ًللتامل والتفكير ليكون شاهداً على إعجازه في الخلق ويفيض سبحانه وتعالى على من يشاء من
الذين انغمسوا في محيط العلم من نعماء كرمه بفيوضات يتجلى منها سناء تلك الشواهد كي تتعمق فصاحتها وتتشعب براهينها… ومن تلك الإفاضات (الصدفة) أو (الهداية) التي تعني في اللغة الدلالة على ما يوصل الى المطلوب وشيء يستلهم منها أو عن طريقها المشتغلون في العلم فتحاً جديداً في آفاق العلم ليستمر ازدهار مدينة العلم والمعرفة ويشمخ بنيانها برهاناً لقوله تعالى في القرآن الكريم عندما يعبر عن الإنسان كآية من آيات عظمته وقدرته (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، (علمنا الإنسان ما لم يعلم)، (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
وأخيراً لابد للعالم ان يطمع بتلك الهداية وبمجدها ويسعى ويعمل ويبحث ويتقصى فعند ذلك سوف يقطف الثمار كما قطفها الذين سبقوه بجهدهم ومثابرتهم في ميدان العلم وقد تسجل الصدفة حضورها في مسيرته وإنجازاتها كما سجلت حضورها مع غيره من العلماء الذين يروي لنا هذا الكتاب بعضاً من قصصهم.
تفاحة نيوتن … تذكرة سفرإلى الفضاء… قطعتها الصدفة
في كتابه (موجز تاريخ الزمن) أورد ستيفن هوكنغ أستاذ الرياضيات في جامعة كمبردج نبذة مختصرة عن شخصية إسحاق نيوتن عالم الفيزياء والرياضيات المعروف والذي شغل أول كرسي للرياضيات في جامعة كمبردج.
لقد فاجئني ستيفن هوكنغ وهو وريث كرسي نيوتن في علم الرياضيات في تلك الجامعة العريقة بما ذكره في كتابه ذلك عن الصفات السلوكية لشخصية اسحاق نيوتن الذي كنت أرسم له في مخيلتي صورة مجللة بأخلاق العلماء تزينها الأمانة والاستقامة والقناعة والكياسة وكل الفضائل التي يتألق بها العلماء فتكسبهم بريقاً يتلألأ بالجلال والهيبة والتقدير والاحترام يمتزج فيه سمو النفس بنوازعها الخيرة مع قدرات العقل الأخاذة… لقد ذكر ستيفن هوكنغ عن نيوتن بأنه لم يكن شخصاً لطيفاً وكانت صلته بعلماء زمانه سيئه للغاية. واشار الى انه دخل في جدل ساخن مع العلماء حول سرقة أعمال علمية للفلكي المعروف جون فلامستيد ونشرها باسمه؟…
عند قرائتي لتلك الملامح عن سيرة نيوتن انتابني شعور بالإحباط والخيبة عن شخصية هذا العالم الذي درست مع ملايين الطلاب في العالم نظرياته وقوانينه في الفيزياء والرياضيات ولم اجد ما يغفر لنيوتن الشطحات السلوكية في شخصيته (أن صحت رواية ستيفن هوكنغ) غير انجازاته العلمية الكبيرة المتمثلة بتطويره لحساب التفاضل والتكامل ونظرياته في الفيزياء والرياضيات والجاذبية والتي تعد من الفتوحات العلمية الثرية بعطائها وأهميتها والتي تبقيه خالدا في سجل تاريخ نشوء وتطور العلوم.
وإن كان لأصدقاء نيوتن رأي معين به، فيبدوا ان للصدفة رأياً آخر وإلا لما أكرمته في زيارتها له في العام 1687 أثناء خلوته وهو جالس في حديقته المنزلية مستلقي على كرسيه تحت شجرة التفاح… غارقاً في تأملاته حول ظواهر الطبيعة حتى سقطت التفاحة من تلك الشجرة فوق رأسه وأيقظته من رحلة تأملاته لتدعوه الى أن يتأمل حالة سقوطها بذلك الشكل… وهنا أستجابت عبقريته لتفسر ذلك ويولد قانون الجاذبية العام الذي ينجذب بمقتضاه كل جسم في الكون الى جسم آخر بفعل قوة تكبر كلما كبرت الأجسام واقتربت بعضها من البعض الآخر وإن هذه القوة هي التي تجذب الأجسام الى الأرض حين سقوطها…
وعلى أساس هذا القانون وضعت المعادلات الرياضية لتحليل القوى المؤثرة على الجسم عند حركته، وبهذا فتحت باباً واسعاً في مدينة العلم كان له شأن كبير في إزدهاره وتطوره.
ومن تلك الباب نفذ الإنسان الى الجو فقد استطاع أن يطير في الجو
وينتقل من مكان الى آخر بزمن قصير وهو يجتاز المحيطات والجبال والغابات…
ومن تلك الباب أيضاً استطاع الإنسان أن يرتاد الفضاء… ويسبح فيه وتطأ قدماه أرض القمر ويتجول في ربوعه ويأخذ عينات من سطحه ويدور حول الأرض يراها قمراً زاهياً زهو قمر الأرض…
ومن تلك الباب استطاع الإنسان ان يطلق عددا كبيراً من الأقمار الصناعية… جسور للاتصالات أو عيوناً لجمع المعلومات…
ومن نفس الباب استطاع الانسان ان يطور آلته العسكرية فصنع الصواريخ والقذائف…
وبدون قانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن والذي ألهمته تلك الصدف إدراك نظريته لما تمكن الإنسان من ان يحسب قوة جذب الأرض للأجسام وما يتطلبه من قوة معاكسة لكي يقذف الى الجو أو الى الفضاء أي جسم يريد وليبقه مستقراً بفعل التوازن المتحقق بين قوى الجذب الدفع المؤثرة على ذلك الجسم كما هو الحال بالنسبة للطائرات والمركبات الفضائية التي تحملها الصواريخ الى خارج مجال قوة جذب الأرض (الفضاء).. وهكذا كان لقانون الجاذبية شأنه في تطور العلوم وما تمخص عنها من تقنيات تميزت بها حضارة الإنسان المعاصر…
وهكذا تمكن إلهام تفاحة نيوتن من ان يحقق كل هذا…
ترى كم تفاحة سقطت من شجرتها قبل تفاحة نيوتن دون أن يدرك أحد إلهامها… أو تلهم أحد بمغزى إتجاه سقوطها… وهنا اذكر استشهاداً للدكتور أحمد سليم سعيدان ورد في كتابه مقدمة لتاريخ
الفكر العلمي في الإسلام حول ذلك حين قال … (ملايين الناس من قبل نيوتن رأوا التفاح يسقط عن الشجرة الى الأرض، ومئات منهم حوموا في سبيل سير ذلك حول فكرة التجاذب).
ولكن نيوتن كان أول من عبر عن هذا بما نسميه (قانون الجاذبيه)… ويمضي في ذلك ويقول (ان وضع النظرية أو القانون قد يحتاج الى شيء آخر غير الاستنتاج أو الاستقراء… شئ نسميه موهبة او الهام…).
هل كانت (التفاحة) تنتظر نيوتن يجلس تحت شجرتها لتسلمه رسالتها… أم ربما كان نيوتن ينتظرها تحت الشجرة لتحتضن عبقريته إلهامها ويتحقق اكتشاف أهم من خواص الأجسام عند حركتها…
وتبقى (الصدفة) سيدة تلك الحقيقة، فلم يكن نيوتن على موعد مع التفاحة ولم تكن التفاحة قد ضربت موعداً مع نيوتن… ولم تكن غير (الصدفة) قد جمعتهما لتخلدهما في سجل تاريخ العلم وتطوره.
ظاهرة النشاط الإشعاعي للذرة – كيف حجبتها الشمس.. واكتشفتها الغيوم صدفة؟
خلال تحضيري لتأليف كتابي الأول الذي صدر بعنوان (المبادئ الأساسية لعلم الذرة) كنت أراجع بعض المصادر حول الفيزياء النووية لأعداد بعض مواد فصوله، ومما لفت انتباهي في معظم تلك المصادر وجود رواية اكتشاف ظاهرة النشاط الإشعاعي للذرة من قبل العالم الفرنسي بيكوريل، وقد أوجزت تلك الرواية في مقدمة كتابي آنف الذكر… وأشرتُ بإجلال لتلك الصدفة التي استوقفتني جاذبيتها وروعتها عشقاً بالعلم والعلماء فآثرت ان أتتبعها، (الصدفة) وهي تسلك دروبهم وما أفاضت من ثراءها على مواكبهم وهم يبنون صروح حضارة الإنسان فثمار الصدفة لا يمكن أن يقطفها الا من كان يبحث عن المعرفة منقباً عن ضالته فيها…
لنعد الى الصدفة وكيف أسهمت في اكتشاف ظاهرة النشاط الإشعاعي للذرة… إن لدور تلك الصدفة رواية… شخوصها: أشعة شمس… وسماء ملبدة بالغيوم لمدة ثلاثة أيام متتالية…
وقطعة صغيرة من أحد أملاح اليورانيوم… وقطعة من ورق فوتوغرافي مغلفة بورقة سوداء… وعالم يبحث عن المعرفة في مختبره اسمه (بيكو ريكل) والزمن هو شتاء العام 1896… والمكان هو مختبر بيكوريكل في فرنسا…
هذه هي عناصر تلك الرواية لنستمع الى بيكوريكل يروي لنا بإيجاز ملامح من فصول تلك الرواية التي عاش أحداثها بطلاً من ابطالها… فماذا يقول…؟
كنت منشغلاً في أبحاثي عن خصائص بعض المواد والمعادن التي تتلألأ في الليل وينبعث منها ضوء كمادة الفسفور… وتوصلت الى استنتاج ان ضوء الشمس عندما يسقط على تلك المواد فانها سوف تتهيج وتنبعث منها إشعاعات بفعل تأثير اشعة الشمس. وقد كنت أرصد تلك الإشعاعات أو الأشعة المنبعثة بواسطة الألواح الفوتوغرافية التي تترك عليها الأشعة المنبعثة أثراً يمكن تظهيره بعد غسل تلك الألواح بالمحاليل الكيمياوية…
وعندما كنت اعيش زهو نجاحي وشيوع أنبائه قررت أن أوسع مدار تجاربي حول تأثير ضوء الشمس على المواد ليشمل مواد ومعادن أخرى كان من بينها اليورانيوم…
وأستمر بيكوريكل يروي قصة تجربته واكتشافه لظاهرة النشاط الإشعاعي ولم يكن قادراً على إخفاء ملامح بهجته وانشراحه وهو يحقق انجازا كبيراً في الفصل الأخير من روايته.
لقد أحضرت قطعة من مادة لأحد أملاح اليورانيوم ووضعتها فوق لوح فوتوغرافي مغلف بورق اسود سميك كي
لا يتأثر ذلك اللوح بضوء الشمس ويفسده وقد وضعت اللوح أمام النافذة وفوقه قطعة من أملاح اليورانيوم لتسقط عليها اشعة الشمس وتنشطها وتهيجها حتى تنطلق منها الأشعة التي سبق ان اكتشفتها في تطبيق تلك التجربة على مواد أخرى… لقد صادف أن الشمس كانت محتجبة ذلك اليوم بفعل تلبد السماء بالغيوم… فكان يوم احباط لتجربتي تلك واستعنت بالصبر والتفاؤل في أن تشرق الشمس في اليوم التالي… ولكن دون جدوى فما زالت السماء ملبدة بالغيوم وما زالت الشمس محتجبة وما زالت تجربتي اسيرة تلك الغيوم… وهكذا كان اليوم الثالث حتى نفد صبري فمضى النهار والشمس لا تقوى على اختراق كتل الغيوم تلك…
وعندما ارخى الليل سدوله، مضيت الى مكتبي وانا مشحون بكآبة تلك الأيام الثلاثة… واملي في ضوء الشمس بأن يشرق بات خائباً فهو لم يزل معتصماً خلف تلك الغيوم، واشتدّ وجلي على تجربتي التي امضت الأيام الثلاثة اسيرة ذلك الاعتصام ورهينة ذلك التلبد فاضت نفسي بمللها ويأسها حتى قررت ان أنهي التجربة وأرجئ تنفيذها الى وقت آخر تقوى فيه الشمس على تبديد تلك الغيوم، أو يقوى ضوؤها على اختراقه، أو تعصف الريح بها لتنقشع عن سماء تجربتي.
ويمضي بيكوركيل… (وأنا أعيش تلك الهواجس قررت أن أقوم بغسل اللوح الفوتوغرافي لأستطلع ما حل به وهو في محنته..؟ ولكن لا أدري لماذا قررت ذلك؟ هل همست الصدفة في خاطري بعدما استدرجت الغيوم للإقامة في سمائنا ثلاثة أيام، أم
كان وراء قراري شئ آخر…؟)
وتابع بيكوريكل روايته. (مهما يكن من أمر تدابير تلك الصدفة فإنني كنت على موعد مع المفاجئة بعد ان نظرت الى ذلك اللوح الفوتوغرافي بعد تظهيره بالمحاليل الكيمائية… لقد شاهدت آثاراً مطبوعة على ذلك اللوح الفوتوغرافي إتخذتْ شكلاً مناظر لشكل قطعة ملح اليورانيوم التي وضعتها فوقه، ولكن كيف طبع ذلك الشكل على تلك اللوحة؟ لابد من أن إشعاعات قد إنبعثت من قطعة اليورانيوم التي ثبتها فوق اللوح وتآثرت بها… لكن كيف تنبعث تلك الشعة ولم تتعرض مادة اليورانيوم الى اشعة الشمس؟ لابد من أن في الأمر سراً…؟)
وهنها تحركت عصارات ذهن بيكوريكل لتمهد له الطريق لتحقيق إكتشافه الذي خلده في تاريخ العلم ونجح في اكتشاف ظاهرة (النشاط الإشعاعي) فاليورانيوم يطلق اشعة من تلقاء نفسه وبدون توسط أشعة الشمس وتأثيرها… فهو مشع تلقائياً… أن إنبعاث تلك الأشعة هو نتيجة لمخاض طبيعي تمر به نواة ذرة اليورانيوم وأنوية ذرات عناصر أخرى مشعة (اكتشفت فيما بعد)، فكان اكتشاف تلك الظاهرة… (ظاهرة النشاط الإشعاعي للذرة) الانطلاقة في مضمار الطاقة النووية) وشاءت الصدفة التي دبرت الأمر ان تهتف بتلك الانطلاقة وتخط خط الشروع ليبزغ أفق جديد لعصر جديد… عصر طاقة النووية.
وهنا نقف لنتأمل في تلك الصدفة وذلك الاكتشاف… فنتساءل ماذا لو لم ترسم الصدفة لك الخط الذي أسميناه بخط
الشروع… هل سينطلق علماء آخرون مثل مدام كوري وزوجها لتحقيق اكتشافاتهم؟ هل سيتمكن علماء آخرون من تحقيق الاكتشافات اللامعة حول طبيعة الإشعاع وخصائصه والجينات النووية والانشطار النووي والطاقة المتحررة وبناء المفاعلات لتحرير تلك الطاقة…؟
ماذا لو لم ترسم الصدفة ذلك الخط..؟ هل سيتمكن الإنسان من اكتشاف ظاهرة الانشطار النووي (الذي لعبت الصدفة أيضاً دورها في اكتشافه كما سنبين ذلك لاحقاً) وصنع القنبلة النووية..؟
هذا السؤال لا نستطيع الإجابة عليه… فعلمه عند الله، ولربما سخر صدفة أخرى لتحقيقه على يد عالم آخر غير بيكوريكل… أو ربما اهتدى الى ذلك أحد آخر من عباده لبلوغ ها الاكتشاف، وعندها يبدأ عصر للطاقة الذرية بعد حين. ولن يحدث ما حدث أو ربما حدث شئ آخر…؟ وتبقى الغيوم شامخة في سمائها تمطر الأرض بغيثها وقد منحت الصدفة فرصة لخلودها…
أمل الصدفة وألمها – الأنشطار النووي!
المتنبي شاعر الدنيا وشاغلها كما يعبر عنه… عندما أراد هذا الشاعر ان يصف بفخر قوة شعره وجمال قوافيه ودقة أوزانه وروعة صياغته ومعانيه وثراء تعابيره.. قال بيته الشعري المشهور:
أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
لقد استخدم المتنبي الإعجاز المطلق في الوصف، وهي براعة لا ينكرها عليه أحد أو يعترف بتمكنه منها… إلا أن المتنبي لو أدرك العام 1939 وعاش حتى شهر تموز من ذلك العام لوجد نفسه مضطراً لإختيار تشبيه آخر ليعبر به عن قوة الإعجاز في أدبه. ففي ذلك العام أبصر الأعمى الضوء الخاطف الذي انبثق لحظة تفجير أول قنبلة نووية في التاريخ… الضوء الذي وصفه شهود العيان بأن السماء قد صعقت به للحظات وانعكست أمواجه على السفوح والوديان بألوان زاهية… هكذا كانت رواية من شهد تلك الواقعة… التي حدثت في العام 1939 في صحراء نيفادا في الولايات المتحده الأمريكية وقرب قرية هناك حيث اختير
موقع هناك لتجربة أول قنبلة نووية معبئة بمادة اليورانيوم فتولد لحظة انفجارها ضوء صعق المنطقة وما حولها وقدرت شدة إضاءته بخمسين مرة اكبر من شدة اضاءة نور الشمس، حتى ان راهبة عمياء قد لمحته وهي على بعد عشرة أميال من موقع التفجير… وصاحت مالي أرى الدنيا مضيئة… لقد أبصر الأعمى يا شاعرنا الكبير… وليس بقوة شعرك ولكن بضوء الانشطار النووي… ولو تصادف وجود أصم هناك لفزع من هدير ذلك الانفجار… وهكذا تحدى ضوء وصوت القنبلة الذرية اعجاز المتنبي في التشبيه. فما اعتبره المتنبي مستحيلاً لا يقوى عليه إلا قوة شعره… استطاع الانشطار النووي أو القنبلة الذرية (كتعبير تقني عن تلك العملية الفزياوية) تحقيقه….
بهذه المقدمة أردت ان الفت الإنتباه إلى هول الطاقة التي تختزنها نواة الذرة، وبالتحديد ذرة اليورانيوم، وتحديد أدق إحدى نظائر ذرة اليورانيوم الذي يعرف باليورانيوم 235 والذي يمكن تخصيبه من خامات اليورانيوم الطبيعية. فما هو سر هذه القوة وهولها؟ وكيف اكتشفت؟ وكيف سخرت؟ وهل كان للصدفة حضور في مختبرات العلماء فألهمت عقولهم بشاعرية المتنبي فتحقق الإعجاز… ثورة علمية اتسم بها هذا العصر حتى سمي (بالعصر النووي).
نعم… تحقق هذا الإعجاز صدفة ولأول مرة في التاريخ استطاع الإنسان أن يولد طاقة حرارية من مصدر غير الشمس… هذا ما ورد في رسالة انشتاين الشهيرة الى الرئيس الأمريكي (روزفلت) ليلفت انتباهه الى امكانية تسخير ذلك الاكتشاف في صنع سلاح تدميري وهو القنبلة الذرية… كان ذلك والحرب العالمية الثانية قد اشتعل أوارها…
نعم… إن الشمس كما ذكر انشتاين هي مصدر الطاقة في هذا الكون، وهناك مصادر أخرى لتوليد الطاقة كالخشب والفحم والنفط والغاز… ولكن لولا الشمس لما وجدت تلك المصادر… إلا ان الإنسان في خضم بحوثه وتجاربه ودراسته لفهم الذرة وما يكتنف عوالمها من نظم وقوانين تحكم جوهر تركيبها واختلاف اشكالها… استطاع (بفضل تلك الصدفة التي احسنت دقة توقيت حضورها) أن يستدرج اهتمامه ليكتشف سرها الكبير الذي احتضنته في نواتها فمتى وكيف تسللت الصدفة الى مختبرات العلماء لترشدهم الى ما كان ادراكهم يعجز حتى عن تصوره؟
لندع التاريخ يحدثنا عن ذلك…
كان ذلك في العام 1939 عندما كان العلماء منشغلين بأبحاثهم، لكشف اسرار الذرة، التي بدأت منذ العام 1896 عندما اكتشف العالم الفرنسي بيكوريكل ظاهرة النشاط الإشعاعي والتي كان للصدفة دورها فيه والذي تطرقنا اليه سابقاْ… وبدأت الاكتشافات تتوالى بسرعة بعد ذلك. فمن كشف جديد الى اكتشاف آخر مثير… واكتشف النيترون (وللصدفة دور في اكتشافه ايضا) وبدأ العلماء بسلسلة من التجارب لتحويل ذرات العناصر من نوع الى آخر… وربما كان صنع الذهب هاجسهم الرئيسي في ذلك فضلاً عن نزعة التنافس في فتح الباحثين ويدعهم الى رحلة في رحابه ليكتشفوا أسرار أخرى للذرة… ويتمتعوا بالروائع التي أودعها الله سبحانه وتعالى في هذا الأصغر صغير في الوجود… فتحققت المعجزة على يدي العالمين هوفمان وشترسمان الذين اكتشفا خاصية الانشطار النووي
لذرة اليورانيوم وقد تحقق لهما ذلك (صدفة) حيث لم يسعيا الى دراسة أو اكتشافه بمفهوم البحث العلمي المدبر بل لم يدر بخلدهما ذلك الاكتشاف الذي توصلا إليه… ولكن الصدفة واجهتهما بحقيقة ما كانا يجهلانه… فخلدا بهذا الاكتشاف مع كل مصباح اضاءته الطاقة الذرية… أو ظلام أو كارثة سببتها القنبلة الذرية فكيف حدث ذلك؟
كان هوفمان وشترسمان، وهما عالمان ألمانيان، يقومان بإجراء تجارب على ذرة اليورانيوم ويطلقان سيلاَ من النيترونات عليها كي تحتضنها وتمتصها نواة ذرة اليورانيوم وبذلك يزداد وزنها الذري فتتحول الى ذرة من نوع آخر… لأن عددها الذري سوف يزداد بفعل الإمتصاص النيتروني… ومن البديهي أن يتم تحليل مادة اليورانيوم التي خضعت للتجربة بعد كل عملية قذف للنيترونات لمعرفة نتائج التجربة وفيما اذا كان النجاح قد حالفهما في تكوين ذرة جديدة… وبدلاً من أن تظهر تنائج التحاليل وجود أو تكون عنصر اثقل من اليورانيوم حسب منطقية النظرية التي يعمل العلماء على تحقيقها كانت (الصدفة) على موعد معهم لتبصرهم بأفق جديد ما كانوا قد ابصروه من قبل ولتأخذ تلك الصدفة بأيديهم ليضعوا أول لبنة في أساس أعلى منارة في صرح حضارة الإنسان المعاصر… إنها منارة الطاقة الذرية…
لقد جاءت نتائج التحاليل مخالفة هذه المرة لمنطوق تلك النظرية… فبدلاً من تكون ذرة ثقيلة (أثقل من اليورانيوم) وجدا أن تلك المادة تتكون من ذرات أخف وزنا بكثير من ذرة اليورانيوم وهي ذرات الباريوم والسيزيوم… فمن اين اتت هذا الذرات.؟ وما الذي أتى بها؟
ربما حدث خطأ ما في التجربة أو في التحليل… وأعيدت التجربة…
وأعيدت التحاليل… فلا وجود لأي خطأ… فالتجربة صحيحه… والنتائج أكيدة… إذن ما الذي جرى…؟ وماذا تعني هذه النتائج التي قذفت بها الصدفة الى عقول العلماء كي يستجمعوا ذكاءهم وليتمكنوا من تفسيرها…
فجاء هتاف ذلك الذكاء في تفسير ما حدث بأنه لابد من أن ذرة اليورانيوم قد انشطرت الى اجزاء… فجمعت الأوزان الذرية لفتات ذلك الإنشطار فوجد ان مجموعها يعادل وزن ذرة اليورانيوم مع فارق ضئيل جداً… اين ذهب ذلك الفارق الضئيل من الكتلة؟ وماذا يعني فقدانه؟ وهنا حضر قانون حفظ الطاقة لانشتاين ليقدم الجواب… لقد تحول ذلك الفرق في الكتلة الى طاقة… طاقة كبيرة جداً… بل طاقة هائلة… تحررت عن انشطار ذرة اليورانيوم… فتحقق الاكتشاف منه ينبوع للبناء والدمار وكأنه للخير والشر وبقدر ما في تلك الطاقة من خير لرفاه بني البشر… فيها من الآلام والويلات لهم… وتشاء الصدفة أن يتزامن حضورها مع دوران رحى الحرب العالمية الثانية… فاهتم المهتمون… وتشكلت اللجان السرية وتكثفت الجهود لإستثمار هذا الاكتشاف في صنع القنبلة الذرية كأقوى وابشع سلاح عرفته البشرية يتسلح به المتحاربون دونما اكتراث للويلات التي تحملها…
لقد أفلح الأميركيون من صنع القنبلة الذرية وجربوها وقرروا القائها على عدد من المدن اليابانية بعد ان هزمت المانيا وبقيت اليابان صامدة، فكانت هوريشيما أول المدن في قائمة الأهداف ونكزاكي ثالث هدف في تلك القائمة إلا ان تكاثف الغيوم على الهدف الثاني قفز بها الى المرتبة الثالثة في ترتيب أهداف التدمير بهذا السلاح.
لقد ألقيت على هاتين المدينتين قنبلتين ذريتين صغيرتين بالمقياس الحالي… وكان ذلك في شهر آب من العالم 1945… وكانت المأساة في لحظات… مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوهين… رغم ان القنبلة كانت صغيرة… فما هول الكبير منها!!
وهكذا كان أول تسخير لذلك الاكتشاف الذي حققته الصدفة فهل يا ترى قد لعنت الصدفة تلك اللحظة التي حضرت فيها تجربة هوفمان وشتروسمان وهي تطل على خرائب هوريشيما وتتجول بين أنقاض نكزاكي… حيث دفنت عشرات الألوف من الجثث… وتتطلع الى وجوه المشوهين حتى يومنا هذا بفعل تأثيرات الإشعاع الذري وتعيش الأحاسيس المؤلمة لسكان المدينتين ولحظات التفجير المروعة وما بعدها وترى الذين كتبت لهم الحياة وهم مشوهين أو معوقين…
فماذا تقول الصدفة لنا في ذلك؟ هل نتجرع ألمها أم تذكرنا بالوجه المشرق لإستخدامات الطاقة الذرية وأملها… وكم البست ثوب الشفاء لكثير من مرضى السرطان وكم بددت ظلمة مدن كثيرة بنور الكهرباء…
وكم اسهمت تلك الطاقة في تطوير الزراعة والصناعة… وفي مجالات عديدة وبما يحقق رفاه الإنسان.
وكم تجلى الإنسان مزهوا في قدراته العلمية واكتشافاته لإسرار الذرة… وكم يبقى نداء تلك (الصدفة) مدوياً في وادي هذا العصر يدعوا الإنسان ليمزق وجهه القبيح ويطل على سفوح ذلك الوادي وروافده روجهه المشرق وينتصر الخير في نفس الإنسان ويزيل أملها
ألمها… هكذا كان نداء تلك الصدفة…
وهكذا كانت ثمارها
طاقة للخير والشر
طاقة للبهجة والألم
طاقة للبناء والدمار
لكن ماذا لو احجمت تلك الصدفة عن فضولها في الحضور… أو أخرت حضورها لوقت آخر… ولما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مثلاً…
ربما لكان عالمنا الحالي… عالماً آخر…
ولن يكتسب من اكتسب حقاً للفيتو في مجلس الأمن الآن…
أو ربما لاكتسب ذلك الحق آخرون…
وعلى الرغم من كل ذلك وغير ذلك
ستبقى الصدفة معلقة بين أملها… وألمها.
الصدفة وعبقرية – انشتاين في نظريته النسبية الخاصة!
في محاولة لاستقصاء أصول ومعاني بعض المفردات اللغوية… سألت صاحبي عن العبقرية… ماذا تعني؟.. ومن هم العباقرة..؟ وعن سؤالي الأول اخذ صاحبي يتمتم بما اقنعني انه لايعرف معناها ويجهل اصلها… ولكن عن من هم قال انهم معدودون على مدى المسيرة الحضارية للإنسان ومن بينهم في مجال العلم… كأنشتاين؟ واردف يقول ان صفة العبقرية منحها التاريخ لأنشتاين… وبعيداً عن المداخلات حول شخصيته السياسية فعندما يذكر انشتاين يرد ذلك والعبقرية ملازم له لكن ضالتي بقيت شاردة حول اصل ومعنى العبقرية؟ وفي ذلك اسعفني المنجد.. فالعبقرية هي حالة العبقري كما ورد فيه وهي قوة الخلق والتوليد عند الشاعر والكاتب والعبقري نسبه الى مكان يدعى عبقر وهو موضع كانت العرب تزعم انه كثير الجن… فهو كل ما يُتعجب منه..؟ كحال وقوته وحذقه.
بعد ان ادركت معنى العبقرية بقي علي ان أدرك (عبقرية انشتاين) التي ذكرني بها صاحبي الذي اردف مشيراً الى نظريته النسبية الخاصة
التي طالما كنت انشد الإلمام بها ولكن دائماً كان يحدّني من ذلك التخوف من الفشل في ادراك مضامينها ناهيك عن سمعة وهيبة صاحبها وعقليته الفلسفية العريضة التي انطلقت منها تلك النظرية.
عندما وقعت يدي على كتاب بعنوان انشتاين والنظرية النسبية لمؤلفه الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا بدأت بقراءة صفحاته الأولى وقد وجدت الرغبة حاضرة في متابعة قراءة بقية صفحاته حيث كان المؤلف موفقاً في رسم لوحة مفصلة لشخصية انشتاين الذي لايذكر القرن العشرين الا يذكر اسمه… وفي النصف الاخر من الكتاب اسهب الكاتب باسلوب شيق وعرض متسلسل للمسيرة العلمية لانشتاين وكل ما هو مرتبط بنظريته النسبية الخاصة والعامة فجاء الكتاب سفراً ثرياً عن هذا العبقري وقد وجدت في محتوياته ما يصلح لمادة كتابي هذا…
لقد خدمت الصدفة انشتاين وأطلت عليه بإشراقة اضاءت له طريقاً لم يهتدي اليها الآخرون من قبل… وقد كان هذا الطريق جسراً عبرت عليه الحضارة الإنسانية الى قرن جديد هو القرن العشرين والذي يفتخر به الإنسان المعاصر…
ترى ما الذي جاء به أنشتاين؟ وما الذي جاء به الآخرون؟ وما هو دور الصدفة في كل هذا وذاك وهل كان لأنشتاين ان تتفتح عبقريته ويكتسب بريقه الذي عرف به إن لم تجيد الصدفة لعب دورها؟ أو تندفع في لحظة دقيقة التوقيت لتجسّد حضورها أمام انشتاين وتدعوه لأن تداعب عبقريته (مصطلح رياضي) لم يقصد من افتراضه أو اقتراح تسميته غير معناه الرياضي.
الزمان والمكان
لم يكن أمر استقصاء الزمان والمكان قد شغل بال آنشتاين وحده ولم يكن آنشتاين أول من لفت الانتباه إلى أمر هذا الاستقصاء…. فمفهوم الزمان والمكان راود الفكر الإنساني منذ زمن آرسطو وحتى نيوتن في نهاية القرن الثامن عشر حيث إرتكز ذلك المفهوم على فكرة إطلاق وجودهما وهو مفهوم يعد من إحدى البديهيات العلمية السائدة والمتواصلة في أفكار معظم العلماء آنذاك ولم يدر بخلد أحد فكرة إختلاف الاطوال والمدد بإختلاف الظروف فهما معطيان ثابتان مطلقان..؟
في نهاية القرن التاسع عشر وبالتحديد في العام 1881 بدأت نظرية الزمان والمكان المطلق تعصف بها رياح عاتية هبت عليها من إتجاهات عديدة اشدها كانت تلك التي أطلقها “ميكلسون” في تجربته الشهيرة حول قياس زمن وصول شعاعين للضوء منطلقين بإتجاهين متعاكسين حيث جاءت التجربة بنتيجة مذهلة أصابت المؤمنين بفكرة إطلاق الزمان والمكان بإحباط في تفسير نتيجة تجربة ميكلسون ومولي على وفق أسس نظريتهم التي يفترض بموجبها أن يصل الشعاع الأول الذي أنطلق باتجاه حركة الأرض قبل الشعاع الثاني..
وكانت المفاجأة في وصول الشعاعين في وقت واحد….!! إنها مفاجأة تتطلب التحقيق… وأعيد التحقق من هذه النتيجة مرات عديدة بإستخدام اجهزة دقيقة وكانت النتيجة ذاتها… وصول الشعاعين في وقت واحد… نعم في وقت واحد…. وهو ما يخالف
المنطق السائدة آنذاك قبل أن تتفجر عبقرية آنشتاين لتغير ذلك المنطق إلى منطق جديد يكتشف به منطق الخلق الالهي للكون.
قبل ان يضع انشتاين نظريته بعشر سنوات قدم العالم (فنرجرالد) تفسيراً جريئاً لنتيجة تجربة ميكلسون مولي بفرضية مفادها ان المسافة تتقلص باتجاه سرعة الجسم وكلما زادت سرعته زاد تقلص المسافة التي يقطعها وبذلك فان المسافة بين نقطتين لا يظل مقدارها ثابتاً بل هي تتراوح طولاً وقصراً.
ان هذه الفرضية الجريئة (لفنرجرالد) قد اتبعت بفرضية جريئة أخرى لعالم آخر هو (لورنتز) الذي أراد ان يطبق فرضية فنرجرالد على مختلف القوانين الخاصة بانتقال الأجسام من عالم الى آخر بشكل منطوق رياضي. ففي هذا الخصوص فان موقع أي جسم تحدده أحداثيات الطول والعرض والإرتفاع وبما أن حركة الجسم غالباً ماتكون بإتجاه طوله فإن انتقال الأجسام من عالم لآخر بسرعة معينة سوف يؤثر على مقدار طول الجسم وإن مقدار ذلك التغير سوف يعتمد على سرعة الجسم وقد اصطلح (لورنتز) على تسمية سرعة الجسم في العالم الآخر (بالزمن المحلي) والذي أراد من خلاله وضع تعبير رياضي لحالة الجسم في العالم الآخر ولم يتوارد الى ذهنه أي معنى فيزياوي لذلك الاصطلاح الذي كان عبارة عن تحويلة رياضية كسائر التحويلات المستخدمة في عالم الرياضيات.
إن تحويلة (لورنتز) ومصطلح (الزمن المحلي) الذي استخدمه صدفة لفت انتباه انشتاين وتفتقت عنه عبقريته… فما كان وهماً تمسك به انشتاين كحقيقة انبعثت منه نظريته النسبية التي تنكر فكرة الزمان
المطلق والمكان المطلق وتنادي بفكرة الزمان المحلي والمكان المحلي وكلاهما رهن بالسرعة التي تبطئ الزمن وتقلص الاطوال وكلما كان التسارع اطول تقلص الجسم (المكان) وبالتالي أبطأت فيه الحوادث (الزمان) فالزمان والمكان أمران نسبيان يتمددان ويتقلصان في بعض الظروف.
ليس ذلك ما تقوله النظرية النسبية فقط وانما احتوت بُعداً (مهما) آخر هو (الكتلة) والذي يقصد به مقاومة التغير في الحركة الا ان المعنى الشائع لهما هو أنها شيء مرادف للثقل وماذا بشأن الكتلة يا عبقرية انشتاين؟ فتجيب إنها كالزمان والمكان وهي نسبية أيضاً وليست ثابتة المقدار وتزداد مع زيادة السرعة فكتلة جسم متحرك ليست ثابتة لكنها تزداد مع زيادة حركته وما اشد هذه النظرية خصوبة لإستنباط قوانين من المستحيل تقدر قيمتها…
فما دامت كتلة الجسم تزداد مع زيادة حركته (أي مع زيادة طاقته الحركية) فان تزايد كتلة الجسم يعني تزايد طاقته وعليه فالطاقة هي الكتلة وما الكتلة الا طاقة مركزة وبذلك توصل أنشتاين الى وضع قانونه المشهور.
الطاقة = الكتلة + مربع سرعة الضوء
انه قانون بسيط ولكنه كان وراء الطاقة من مصدر غير الشمس الا وهي الطاقة الذرية الناتجة من إنفلاق أو إندماج بعض الذرات وما يترتب على ذلك الاكتشاف من خير وويلات للبشرية تمثلت في الاستخدامات السلمية والعسكرية للطاقة الذرية… فتلك الطاقة
تستطيع أن تضئ المدن وتشغّل المصانع وتمتّع الإنسان بكل ألوان المتعة التي يمكن ان يوفرها له الكهرباء… كما ان بإمكان تلك الطاقة أن تدمر المصانع وتقتل الانسان وتزرع في خلايا جسمة التشويه الذي يستمر لأجيال متعاقبة اذا ما اريد تسخيرها لذلك.
هذا باختصار ما استطاعت النظرية النسبية افرازه لحد الان من تطبيقات ولكن كيف سيكون الامر لو ان (لورنتز) استخدم مصطلحاً آخر غير الزمن المحلي لتحويلته الرياضية…؟
هل كانت عبقرية أنشتاين ستنبثق أيضاً ويضع نظريته النسبية الخاصة؟ واذا كان ذلك الاحتمال وارداً في الزمن اللاحق فهل ان التطور العلمي السريع الذي إستند على تلك النظرية أساساً لانطلاقته وتواصل حلقاته كان سيحدث كما هو عليه الآن؟
وتبقى تلك الصدفة قرينة لعبقرية أنشتاين… وحولها لابد من وقفة من رأي الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا في هذا الخصوص… فعند استعراضه لتطور نشوء النظرية النسبية لأنشتاين في كتابه الذي أشرنا إليه في المقدمة يذكر في الصفحة 71منه ما يأتي:
(النظرية النسبية هي أعظم محاولة تركيبية قُدر للفكر البشري ان يشهدها مع انها تقوم في أساسها على الصدفة… ثم يردف قائلا… فإننا لا نستطيع ان نقطع بما عسى أن يتمخض عنه دماغ أنشتاين ولكننا نمسك عن الإسترسال في هذا التفسير الذي يعلق على الصدفة فيه أكبر مما ينبغي… فما لنا ولهذا اللغو فالحوادث تترابط وتتداعى ويأخذ بعضها برقاب بعض حتى يصعب التميز بين نصيبها ونصيب العبقري…) وعليه فإنني لا أختلف مع ما طرحه الدكتور مرحبا من
أفكار حول تداعي وترابط الرقاب ولكني اختلف معه عندما يدعو للإمساك عن الإسترسال في التفسير لأن ذلك تجاهلاً لحقائق التاريخ ودعوة لتجاهل عبره… فلا تنتقص عبقرية العبقري عندما توقدها صدفة من بنات الصدف… أو عندما تنجب تلك الصدفة جهود دؤوبة في البحث العلمي والإستقصاء عن حقائق المعرفة ومحاولات لتفسير الظواهر العلمية… فلو لم يكن تواصل البحث العلمي قد حصل في تسلسله وشكله ومضمونه لما ولدت تلك الصدفة التي احتضنتها عبقرية انشتاين وتمخضت عنها نظريته النسبية الخاصة…
ألبطارية الكهربائية – اكتشفت صدفة… من وحي تشريح ضفدعة..!
الكهرباء… المحيط الذي يسبح فيه عالمنا اليوم… تولده مولدات توربينية تعمل بقوة بخار الماء أو شلالات المياه أو الريح أحياناً… وينتقل التيار الكهربائي الذي تولده تلك المولدات بواسطة الأسلاك الى مسافات طويلة ليخدم الإنسان في مزرعته ومصنعه وبيته ومرافئ مدينته… وفي خضم تطور علم الكهرباء جاء إكتشاف البطارية الكهربائية وتمكن الإنسان من صنعها بأشكال وحجوم مختلفة ليوسع مدى استخدام الإنسان للكهرباء فاصبح المولد الكهربائي متنقلاً مع الإنسان أنىّ شاء إن يذهب أو يتجه وكيف أراد أن يتنقل… على قدميه أ في سيارته أو طائرته في أعالي الجو أو يغوص في أعماق البحار أو يقتحم جوف الصحاري المقفرة أو أعالي الجبال الشامخة وكان للتطورات التقنية التي لحقت بإستخدامات البطارية الكهربائية بأشكالها المختلفة أثرها الواضح في حضارة الإنسان المعاصر.
إن أهمية اكتشاف البطارية الكهربائية في تقديري لا تقل عن أهمية اكتشاف المولد الكهربائي… بل تتميز عليه… فهنالك ميزة مضافة
للبطارية الكهربائية… فهي مولد وخازن للكهرباء ناهيك عن مزاياها الأخرى التي استطاع الإنسان بواسطتها أن يسخر الكهرباء متى وأنىّ شاء وكيف ما يشاء؟… وهنا لا نريد أن نسهب في الإعراب عن أدوات الاستفهام تلك في جملة استخدام البطارية الكهربائية… فما يهمنا هو كيف توصل الإنسان إلى اكتشاف تلك البطارية؟
وهل أسهمت الصدفة في ذلك الاكتشاف… وكيف؟ وأرى من الممتع والمفيد للقارئ ان نستعرض قصة اكتشاف الكهرباء او فصولاً من تلك القصة لكي نتعرف على تلك الضفدعة وذلك العالم الذي كان يقوم بتشريحها وكيف لفت انتباهه سلوكها وهي ميتة بين يديه وكيف أوحى ذلك السلوك لعالم آخر فتمكن من صنع البطارية؟
فلنبدأ القصة من فصلها الأول… ونتسائل متى وكيف اكتشف الإنسان الكهرباء…؟ هل كان البابليون أول من اكتشف الكهرباء بصنعهم أول خلية كهربائية؟ أم اليونانيون أول من اكتشف الظاهرة الكهربائية؟
من المعلومات المثيرة التي اكتشفت في وثائق الحضرة البابلية تشير الى اكتشافهم طريقة لطلاء المعادن بالفضة وتوصلوا الى صنع خلية كهربائية تعمل وفق نفس الاسلوب الذي تعمل به حالياً الخلايا الكهربائية لطلاء المعادن بالذهب والفضة والنيكل وغيرهما من الفلزات… فما هو شكل هذه الخلية البابلية؟
جرة من الخزف… في داخلها اسطوانة من النحاس مفتوحة الطرفين… في داخلها عمود من الحديد… في داخل الجرة مادة الخل ونترات الفضة… هذه مقومات الخلية التي اكتشفها الإنسان المعاصر
للطلاء التي تعمل على مبدأ التأين… حيث تتحرر الايونات السالبة والموجبة ويطلي عمود الحديد بالفضة بفعل عملية التحلل الكهربائي التي تحدث داخل الخلية… وهنا نتسائل ماذا لو تمكن (بابلي) من البابليين من التوصل الى صنع مصباح كهربائي وربطه على طرفي عمود الحديد من جهة وإسطوانة النحاس في تلك الجرة من جهة اخرى فعندئذ سوف يتوهج سلك المصباح ويبعث نور ضوءه… ليشع في السماء البابلية…
لو حدث ذلك قبل خمسة الآف سنة… لكن اقتران اللام بالواو جعل عالمنا كما هو عليه الآن ويحول هذا الإقتران دون اكتشاف الكهرباء حتى زمن اليونانيون قبل 2000 سنة لتبدأ القصة من جديد… فلنتصفح بعض صفحاتها…
قبل 2600 عام وعندما قذفت مياه البحر الى اليابسة قطعا متناثرة من مادة صفراء اسماها العرب بالكهرمان واسماها اليونانيون بالألكترون وعرفت فيما بعد بمعدن (الأمبر) وهو من المعادن النادرة ذات الأصل العضوي يتكون من افرازات بعض الكائنات البحرية… في ذلك الزمان الغابر التقط رجل الحكمة اليوناني (ثاليسيوس) قطعة من ذلك المعدن ودرسه وحقق أول وأهم إكتشاف في عالم الكهرباء… لقد وجد (ثاليسيوس) أن مادة الكهرب عندما تدلك تنجذب إليها قطع من القش أو الريش… إنه شئ مثير في ذلك الوقت فاستوقفت ثاليسوس هذه الظاهرة ليتأملها ويوثقها لتكون منبعاً لمنهل جديد من مناهل العلم إسمه (الكهرباء)…
لكن هل حدث ذلك الاكتشاف تأثيرها على خواص قطعة
الكهرب؟ أم أن ذلك كان عرضياً وقد صادف حدوثه وجود قطع من القش المتناثر بالقرب من تلك القطع أثناء عملية الدلك فلاحظ ثاليسيوس ان ذلك القش قد اتجه نحو قطعة الكهرب التي كان يدلكها لكي ينظفها…
أو ربما ليستمتع بلمعانها… وحدث ما حدث…!
إن أغلب الظن يوحي بأن الصدفة كان لها حضور مع ثاليسيوس وقطعة الكهرب التي التقطها ولا نريد ان نمنح الصدفة شهادة تستند على أغلب الظن ولم نتأكد بأنها قد سعت إليه… ولكن مهما يكن من أمر فقد خلد التاريخ ثاليسيوس فكان رائداً من رواد علم الكهرباء وبقيت ملاحظته خواص الكهرب التي اكتشفها راقدة فترة طويلة جداً في سجل العلم امتدت الى الف عام دون ان يضاف الى ذلك الاكتشاف المثير اكتشاف مثير مهم اخر حتى جاء العام 1600 وهو العام الذي وضع فيه وليم كلبرت الفيزياوي الانكليزي كتابه الشهير والذي اسماه (حول المغناطيس) والذي احتوى على معلومات ومفاهيم واكتشافات جديدة عن المغناطيسية والكهربائية… وأهم ما ورد فيه عن الكهربائية… انه يمكن توليدها من بعض الأشياء غير الكهرب مثل دعك قضيب من الزجاج بقطعة من الحرير لمدة دقائق وكذلك مشط الراس حيث يبدو ساخاً ويجذب قطع صغيرة من الورق… لقد ناقش وليم كلبرت في كتابه القوى المغناطيسية والكهربائية والفرق بينهما وأهم ما ورد فيه هو وجود المجال المغناطيسي حول أي سلك كهربائي…
بعد كتاب وليم كلبرت عن الكهربائية والمغناطيسية انطلقت
بصورة اسرع مسيرة التقدم والتطور في علم الكهرباء وتم في العام 1662 صنع أول مولد كهرب بالإعتماد على مبدأ الإحتكاك الذي أشار إليه وليم كلبرت…
وإستمرت المسيرة… ففي العام 1709 استطاع فرانسيس هوكسبي من صنع أول مصباح كهربائي… وفي العام 1729 حدث تطور مهم جداً في عالم الكهرباء…حيث إكتشف الانكليزي ستيفن كري إن بعض المواد موصلة بصورة جيدة للكهربائية كما إن البعض الاخر رديئة التوصيل … وهنا فتحت باباَ جديداَ في عالم الكهرباء وهي باب التوصيل أي نقل الكربائية من جهاز توليد (المولد الكهربائي) الى حيث مطلوب استخدامها..
لقد استمر إهتمام العلماء في دراسة الكهرباء.. وكان من بينهم بنجامين فرانكلين الذي عمل لمدة طويلة في مجال الكهرباء واضعاً نظريات عدة في تفسير ماهية الكهرباء وتوصل الى استنتاج مهم وهو ان الإضاءة عبارة عن تفريغ ضخم للكهربائية وإنه بالمستطاع توجيه الشحنة الكهربائية بأي إتجاه مطلوب…
يبدو إن الصدفة كانت تراقب جهود العلماء وسعيهم لتطوير الكهرباء لذا قررت أن تسهم هي أيضاً في تلك الإنجازات… وكان حضورها معهم العام 1780 حضوراً ظريفاً ومثيراً ترتب عليه انجازاً علمياً وعملياً كبيراً استمر عطاءه الى يومنا هذا..
لقد اختارت الصدفة العالم الإيطالي (لويجي كلفاني) الذي كان يشرح ضفدعة لغرض دراستها حيث علق سيقانها بوساطة عقافات (كلاليب) من النحاس وعندما لمس عصب من ساق الضفدعة الميتة
بوساطة مشرط التشريح المصنوع من الحديد المقاوم للصدأ لاحظ أن الساق الميتة قد اهتزت… ماذا حدث؟ تسائل كلفاني الذي تخلد اسمه لاحقاً في عالم الكهرباء حيث اطلق اسمه على اسم جهاز قياس التيار الكهربائي الذي يسمى (كلفانوميتر)…
لم يستطع كلفاني أن يقدم تفسيراً لما حدث للضفدعة… وتناولت الأخبار ملاحظته تلك… وأطلع عليها عالم آخر هو (السندور فولتا) وقرر إعادة تجربة كلفاني وتأكدت لديه تلك الملاحظة واستنتج بأن تلك الظاهرة لا علاقة لها بساق الضفدعة ولكن لها علاقة بالمعدنين المختلفين (النحاس والحديد) اللذين لامسا العصير الموصل للضفدعة… وحدث ما حدث…! ولكي يبرهن نظريته وضع كومتين من معدن النحاس والخارصين يفصل بينهما قماش مشبع بماء مالح وعندما لمس الكومتين بوقت واحد شعر بصدمة كهربائية حادة وعندما وصل طرفي الكومتين ببعضها حدث شرارة… وبذلك حقق (فولتا) الذي خلد اسمه في عالم الكهرباء أيضاً وأطلق اسمه على وحدة قياس الجهد الكهربائي (فولت) اكتشافاً مهماً في عالم الكهرباء وحقق صنع أول بطارية كهربائية مولداً بذلك تيار كهربائياً دون استخدام المولد الكهربائي…
بعد ذلك تسارعت المسيرة في تعجيلها وبرز العالم (اندري أمبير) ثم (توماس اديسون) في العام 1883 الذي استطاع ان يصنع اول مصباح كهربائي بعد أن استخدم (البطارية) مصدراً للكهربائية في تجربته الشهيرة… واستطاع اديسون دون أن يدرك (أو يقصد) من صنع أول أنبوب الكتروني وتوالت بعد ذلك التطويرات لإستخدام
الكهرباء والتقدم في أساليب توليده ونقله وتوظيفه في خدمة الإنسان.
لنعد الى الضفدعة ونتوقف مع تجربة كلفاني:
دراسة في علم الأحياء… لا علاقة لها بالكهرباء
عالم يتفحص ضفدعة… لكونها مادة بحثه ودراسته
عضله ميته تحركت… ظاهرة أدهشت ذلك العالم
سمع (فولت) بتجربة (كلفاني) فأعادها ليتأكد
تمكن فولت من إيجاد تفسير لتلك الظاهرة ونجح في صنع أول بطارية في التاريخ الحديث لأن البطارية (الخلية) البابلية سبق أن اكتشفت قبل اربعة الآف سنة ولكن غبار الزمن قد حجب اكتشافها عن الإنسان لينطلق من فكرتها في صنع البطارية الحديثة وفي زمن قبل زمن (فولت) الذي تمكن من صنعها من وحي تشريح (كليفاني) لتلك الضفدعة.
فشكراً لتلك (الضفدعة)… بل شكراً لتلك (الصدفة) التي جمعت بين عالم اسمه (كليفاني) وضفدعة لم نعرف اسمها، وسكين من الحديد وعقافة (هوك) من النحاس وألحقت بهم عالماً آخر اسمه (فولت) فصنعوا لنا بطارية كهربائية… تعمل بوساطتها الآن سيارتنا ومصباحاً نحمله في أيديناً ونحن في طريق مظلم…
وبوساطتها نستطيع ان ننقل التيار الكهربائي إلى أي مكان نريد…
ولتستمر مسيرة العلم… لتستمر الحضارة… وقد تخلد الصدفة أخرى في سجلاتها…
ضفدعة أخرى أو عالم آخر…. في اكتشاف آخر! ويستمر تساؤلنا عن سر البطارية البابلية…؟
ألطين والنار – جمعتهما الصدفة في الفخار!
في عمق إمتداد التاريخ تنكمش مساحة تفاصيل الأحداث المدونة في سجلاته التي توارثناها… وليس ذلك بمستغرب فوسائل التدوين وأساليبه قد تطورت مع تطور حضارات الإنسان، وقد أدى إنعدام أو بدائية تلك الوسائل الى فقدان نقل الكثير من تفاصيل حضارة الإنسان القديمة مقارنة بما هو معروف وموثق لدينا عن حضارته في العصور الوسطى والحديثة عن اسماء وهويات من كانوا وراء السمات البارزة لها… فمثلاً لقد دوّنت سجلات التاريخ اسم جيمس واط الذي اكتشف المصباح الكهربائي كذلك اسم يوري كاكارين الروسي كأول أنسان انطلق الى الفضاء في العصر الحديث ودار حول الكرة الأرضية في مركبة فضائية وهو توثيق لعصر الفضاء الذي تميز به العصر الحديث من حضارة الإنسان اضافة لما تميز به من سمات اخرى… ولكن لم تدون لنا سجلات التاريخ تلك اسم أول من اكتشف طريقة لإشعال النار، وهو اكتشاف أو إنجاز لايقل أهمية عن ابتكارات واكتشافات كبيرة حققها الإنسان في مجمل مسيرته الحضارية.
إن اكتشاف (منشار النار) أو (مثقاب النار) اللذان يعدان من إبتكارات إنسان ما قبل الحضارات يمكن اعتبارهما انعطافة تقنية مهمة وأساسية في حياة الإنسان في تلك العصور وتعكس رقيه العلمي وتعبر عن قدراته في استثمار الطبيعة وتؤكد تميزه على سائر مخلوقات الله سبحانه وتعالى… ان فكرة عمل هذين الابتكارين تستند الى ظارهة توليد الحرارة عن الإحتكاك وتعمل الحرارة المتولدة على إشعال المواد الجافة مثل الأوراق اليابسة… فمنشار النار يتكون من قطعتين من الخشب احداهما مسننة تمر فوق أسنانها مجيئاً وذهاباً قطعة أخرى من الخشب وبذلك تتولد الحرارة عن احتكاك القطعتين… أما مثقاب النار فيتكون من قطعتين من الخشب حفر في وسطها ثقب تمر فيه قطعة خشبية أخرى ويتم الإحتكاك بينهما عندما تدور القطعة الخشبية في الثقب… فكرتان علميتان وعمليتان في آن واحد، يمكن إعتبارهما السطر الأول الذي خطه الإنسان في سجل إبتكارته التقنية… ولكن لا نعلم من كان وراء ابتكارهما كي نخلد انجازاته أو نشير إليه أو إليهم بالعرفان والتقدير كما يشار إلى رواد النهضه العلمية والتقنية ممن خلدوا في سجل تاريخ الإنسان.
بهذه المقدمة أردت أن أبرر عدم وجود أسماء في رواية قصة إكتشاف الإنسان للفخار… القصة قديمة وتعود إلى زمن حضارات الإنسان الأولى… وبتعبير أدق الى عصور ما قبل التاريخ… لقد كانت (النار) هاجس الإنسان في ذلك العصر وعندما استطاع أن يبتكر وسيلة لإيقادها… شده النجاح الذي حققه في ذلك… فالتف حولها… وكم تمنينا أن ينقل لنا التاريخ وصفاً لاحتفاء إنسان ذلك العصر بذاك
الحديث ويروي لنا ظروف حدوثه… ولن التاريخ اقتصر وصفه على مشهد من تلك المشاهد.
لقد أراد إنسان ذلك العصر حماية (النار)، باكورة انجازاته الحضارية. من أن تعصف بها الريح وتشتت ألسنتها وتطفئ جذوتها… ففكر بأن يحيط موقدها بسور دائري بناه من الأحجار والصخور ليقيها شرور الرياح… ففعل… ولكنه واجه اصرار الرياح على مهاجمة النار، ولم تكسر شوكتها تلك القطع الصخرية التي رتبها حولها فما زالت هناك ثغرات تنفذ منها الريح وتعبث في النار… وهكذا استمر صراع الإنسان مع الريح وأخذ يخطط لهزيمتها فاهتدى الى وسيلة (متى؟ ومن هو؟) يحصن بها سور النار الذي رصفه بالقطع الصخرية ويقطع الطريق أمام الريح كي لا تخترق ذلك السور من أية ثغرة فيه… فاهتدى الى خلط التراب والإطيان بالماء ليعمل منها عجينة يغلق بها تلك المنافذ والفتحات. ونجح في ذلك ولم تعد الريح قادرة على اختراق ذلك السور أو الحصن الذي حصن فيه الإنسان (النار) وعادت الريح ادراجها كما يقول المثل… فشمخ بنصره على الريح وهو ينظر الى النار وألسنتها وهي تتراقص وتهدي عواطفها اليه… دفئاً يقيه برد الشتاء ونوراً يضئ به ظلام الليل… وطاهية تنضج له الطعام… وشبحاً يلحق الهزيمة بالحيوانات المفترسة قبل أن تقترب منه… وأشياء أخرى من فيض عواطفها نحوه…
لقد تمسك الإنسان (بناره) تلك، وأصبحت جزءاً منه يقضي معظم أوقاته يتأمل فيها… حاله كحال من شدته الحبيبة فسلبت منه كل هوى سوى هوى الوصل والحب) وفي احدى تأملاته لها وعندما
كان يتفحص سورها وحسنها الذي بناه لها كي يطمئن على متانته، لاحظ أن الطين الذي عالجه بالماء وصنع منه عجينة يغلق بها ثغرات ذلك السور ويقوي رصف أحجاره وصخوره قد تغير لونه وتغيرت صلابته وأصبح قوامه كالصخر بعد أن كان ليناً في عريكته وكان ذلك تاريخاً (لأول قطعة فخار) صنعها الإنسان دون أن يقصد صنعها، فقد صنعتها له (الصدفة) بعد أن جمعت بينه وبين النار والطين…
لقد اصبح ذلك الحدث بداية لمسيرة طويلة سلكها الإنسان مع الفخار والخزف عبر العصور المتعاقبة وحتى يومنها هذا… ولم يتردد منذ اللحظة الأولى لإدراكه كيف فخرت النار ذلك الطين، من أن يستثمره ويتعامل معه ليطور به اسلوب حياته ونمط معيشته… فبادر الى صنع الأواني الفخارية البسيطة لإستخداماته اليومية… وكذلك صنع قطع من الحلي زينة لنسائه… والى صنع تشكيلات من المواد والأشكال للتعبير عن هواجسه وفنونه. واستمر تدفق التواصل بين الإنسان واللنار والطين لصنع الفخار.. فاستخدمه لأغراض وأشكال مختلفة تطورت مع تطور قدراته وهو ما نقله لنا التاريخ عبر سجلاته من وثائق وآثار لنماذج من فنون تلك الاستخدامات في العصور المختلفة المتعاقبة لحضارات الإنسان وهكذا نشأت صناعة الفخار كأحدى صناعات الإنسان وابدعت فيها بعض الشعوب والأمم مثل السومريين والبابليين الذين برعوا في صناعة واستخدام الفخار وخاصة في صنع الألواح الفخارية للكتابة. وكذلك الصينيين الذين امتهنوا هذه الصناعة وعرف أشهر أنواع الفخار والخزف بأسمهم (الخزف الصيني) منذ ثلاثة قرون قبل الميلاد… وتطورت صناعة
الفخار أو الخزف أو السيراميك حتى أصبحت اليوم من الصناعات الحديثة والمهمة وذات مديات واسعة الإستخدام تتراوح بين زهرية صغيرة جميلة الى جزء مهم وحيوي من أجزاء المركبات التي ترتاد الفضاء.
وهكذا صنعت الصدفة الفخار بعد ان جمعت بين الطين والنار.
خاصية التوصيل الفائق – للتيار الكهربائي كيف اكتشفتها الصدفة
صدر كتاب قبل حوالي ثلاثين عاماً بعنوان (بناء مجهول) لمؤلفته (أيرون ستامبلر). واستمتعت بقراءته، والذي حاولت فيه المؤلفة، وباسلوب شيق ومنسق، استعراض جهود العلماء وسعيهم في البحث وما حققوه من نجاحات عبر مراحل زمنية متعاقبة، وما توصلوا اليه من اكتشافات مختلفة حول طبيعة وخصائص المواد والعناصر وكيف وظفوا تلك الخصائص في خدمة الإنسان… وكيف كانت تلك الدراسات والإكتشافات حلقات متسلسلة ما أن أحاطت، تلك الحلقات، بهدفها أو اقتربت منه حتى رأينا فتحاً جديداً في عالم المعرفة قد شق طريقه، ثم أصبحت المواصلة والمتابعة في الاتجاه الجديد تتسارع سعياً وراء اكتشافات جديدة… ونجاحات جديدة… وهكذا تفرعت وتشابكت العلوم وروافد المعرفة حتى أصبحت نسيجاً لا يمكن فصل على سدتها كونها متلاحمة في الجذور والأغصان… هذا ما أبرزه ذلك الكتاب… سعي متواصل ودؤوب… ملاحقة بالبحث والاستقصاء لكل هاجس يوحي به العمل العلمي أو أية ملاحظة شاردة يفرزها
ذلك العمل أو تعميق لكل لون من ألوان المعرفة توصل التي إليها الإنسان…
لقد وجدت نفسي أمام كل ذلك مجيباً عن سؤال خطر في بالي بأن الأنسان قد يضحي بالقناعة كي تلغي من قاموسه، ولكنه لا يتنازل عن (السعي) كمفردة بارزة من مفردات قاموسه العلمي… هكذا أقنعني تأريخ الإنسان، المدونة وقائعه في سجلاته العلمية.
جمهرة من العلماء تبحث وتدرس وتجرب وتستقصي وتدون في عالم الكهرباء، وجمهرة أخرى تبحث وتدرس وتجرب وتستقصي وتستكشف عالم المادة… كيف تتأثر الفلزات أو سبائكها بارتفاع درجات الحرارة؟ ما الذي يترتب على ذلك من تغير أو تطور لخواصها؟.. هل تزداد صلابتها مثلاً… أم تكتسب خواص جديدة لها… كان ذلك ما يشغل العلماء في جانب من جوانب تقدم مسيرة العلم في دراسة المادة وخواصها…
يدرك العلماء بأن ذرات المادة تتحرك بسرعة أكبر عند إرتفاع درجات حرارتها ويترتب على لك حصول تغير في صفاتها ولكن ما الذي يترتب لو انخفضت بصورة كبيرة درجة حرارة المادة؟.. من هذا السؤال انطلق العلماء في بحوث ودراسات جديدة حول اثر الإنخفاض الكبير لدرجات الحرارة على خواص المادة… وقد حدث الفتح الكبير عندما كان العالم Kammeoligh Onnes في العام 1911 يجري تجاربه على الزئبق ليدرس خواصه في الدرجات الحرارية المنخفضة جداً، فلاحظ أن الزئبق عندما يكون تحت درجة حرارية منخفضة 269 (درجة مئوية تحت الصفر) فإن مقاومته الكهربائية
تختفي!! إنه اكتشاف غريب ومثير فمن المعروف ان تلك الخاصية (التوصيل الكهربائي) تختلف من مادة الى أخرى وتبعاً لذلك فقد قسمت المواد الى مواد مؤصلة للتيار الكهربائي كالنحاس والألمنيوم وكثير من الفلزات الأخرى، ومواد رديئة التوصيل (عازلة) للتيار الكهربائي مثل معادن الأطيان والبلاستك وأنواعه المختلفة. وعليه اختيرت بعض الفلزات لصناعة أسلاك الغرض منها نقل التيار الكهربائي وبجهد أعلى من جهد مقاومة السلك، ومن ثم يمر الجهد الفائض للتيار عبر السلك لإستخدامه في الإنارة أو تشغيل الأجهزة أو أية استخدامات أخرى مطلوبة…
وبذلك ما تحقق أن ما اكتشفه العالم onnes ليس مرتبطاً بالزئبق وحده وإنما يشمل أيضاً عناصر ومواد أخرى… فإن ذلك سيكون الفتح الأكبر في عالم الكهرباء…
لنتفحص مواد وعناصر أخرى ونستكشف خواصها بما يتعلق بمقاومتها للكهربائية عندما نتفحص درجة الحرارة الى مستويات واطئة جداً… هكذا تنادي علماء الكهرباء… وفعلاً تحقق لهم ما أرادوا فاكتشفوا أن بعض العناصر مثل الألمنيوم والقصدير والخارصين والفناديوم واليورانيوم والمولبدنيوم والزكونيوم تنعدم مقاومتها للتيار الكهربائي عند انخفاض درجة الحرارة الى مستويات واطئة جداً… وعليه تحقق الاكتشاف الكبير الذي وصفه العلماء في حينه بانه اكتشاف العصر لأنه يفتح آفاق مستقبلية مذهلة في عالم الكهرباء ويمكنه أن يحدث تطوراً جذرياً في التقنيات السائدة والمعتمدة على الطاقة الكهربائية… وما اكثر تلك التقنيات وهل يمكن لأحد أن يشير الى
شئ في حياتنا المعاصرة لا يعتمد عليه الكهرباء إعتماداً مباشراً أو غير مباشر…
إن التوصيل الفائق للتيار الكهربائي يعني عدم وجود مقاومه كهربائية في سلك التوصيل ويعني أن سريان التيار الكهربائي يستمر في سلك التوصيل دون الحاجة الى استمرار تغذيته للتغلب على مقاومة السلك وهذا يعني تغير في حجوم الأجهزة الكهربائية بسبب الإختزال في الدوائر الكهربائية وقدرات مصادر التغذية… فمثلاً نجحت الدراسات المختبرية في صنع عقل الكتروني مساحته عدة انجات مربعة تدخل في تركيبة مواد ذات توصيل فائق يقوم مقام عقل الكتروني بمساحة جدار غرفة كبيرة تدخل في صناعته مواد ذا توصيل عادي للتيار الكهربائي…
لنتصور مثلاً آخر، لو تحقق استخدام مواد ذات التوصيل الفائق في نقل الطاقة الكهربائية هل سنحتاج الى اسلاك تمتد وتتشابك في المدن لإيصال الكهرباء الى مرافئ استخدامها في البيوت والعمارات والمعامل كما هو عليه الآن… بل أن كل مرفأ يمكن أن يعتمد على مواد صغيرة جداً يلبي احتياجاته الكاملة للطاقة الكهربائية لأنه سوف لايوجد جهد كهربائي ضائع على امتداد الأسلاك الخارجية أوالداخلية ضمن تصميم الجهاز الكهربائي وبذالك سوف يتحقق أختزال كبير جـدا في انتاج الطاقة الكهربائية واختزال كبير في كلفة الكهرباء وما يترتب على ذلك من آثار على جوانب كبيرة في حياتنا المعاصرة.
هل سيحتفظ النفط أو الفحم الحجري بقيمته الحالية وهل سيستمر العالم بأزمة أو أزمات للطاقة… هل ستحرم بعض الشعوب
من الإستمتاع بالكهرباء نوراً أو وسيلة من وسائل رفاهيتها كما هي محرومة الآن لعدم قدرتها على دفع قائمة النفط أو بناء المحطات الكهربائية الكبيرة والتي يذهب معظم انتاجها مبدداً في التغلب على مقاومة اسلاك التوزيع… من الممكن حساب كل تلك الفروقات بطريقة بسيطة وذلك عند استخدام قانون أوم الذي ينظم العلاقة بين التيار الكهربائي والجهد والمقاومة… فإذا كانت المقاومة معدومة (صفر) فإن شدة التيار سوف تستمر الى مالا نهاية… هذا هو بداية الفتح العلمي العظيم الذي تحقق صدفة ويعمل العلماء على تطويره وبما يحقق اتساع تطبيقه الا أن هناك بعض المشاكل تحول دون ذلك ومن أهمها كيف يمكن عملياً صنع ثلاجة تحقق الإنخفاض المطلوب لدرجة الحرارة كي تفقد المادة مقاومتها الكهربائية…
هل سيحتاج العلماء لصدفة أخرى تهديهم الى ذلك ام أنهم سيتداركون الأمر وتتمكن بحوثهم ودراستهم من إيجاد حلول لهذه المشكلة أو المشاكل الأخرى التي تعترض التطبيق العملي لهذه الظاهرة والذي يقدر العلماء سنوات أو ربما عقود من الزمن لتحقيقها…
وما دام السعيُ باقياً كمفردة رئيسة في قاموس الإنسان فإن ذلك ضمان لتحقيقه وربما تكون الصدفة على موعد آخر معه في هذا الطريق ولكن تبقى القناعة مهذبة للنفس الإنسانية ومهدئة لعنفوانها وتصقلها من الشراهة لتزداد طمانينة ويهدأ روعها من التزاحم والتنافس غير المحدود مع اقرانها… ويبقى السعي أيضاً وراء العلم والمعرفة والإستفادة منها بما يحقق خير البشرية هاجس الإنسان وتتجلى فيه روعة الخالق في مخلوقاته.
صدف مثيرة… في قصة اكتشاف طريقة لاستخلاص فلز الألمنيوم!
الألمنيوم عنصر من الفلزات يوجد في الطبيعة بوفره لذلك يعد من العناصر المكونة للقشرة الأرضية وإذ لا يوجد حر في الطبيعة وإنما متحداً مع عناصر أخرى لذلك يتطلب معالجة خاماته عندما يراد فصله.
هذا العنصر لم ينصفه التاريخ كما انصف الحديد والنحاس واليورانيوم وحتى (الحجارة) فجعل من أسمائها مسميات الإنسان منذ فجر التاريخ وحتى الآن… فكان العصرالحجري (القديم والجديد)…. وعصر النحاس… ثم عصر البرونز (عنواناً لحضارة وادي الرافدين) وعصر الحديد وعصر الفحم ثم عصر اليورانيوم وهو عصر الطاقة الذرية الذي نعيشه… ولكن ماذا عن عصر الألمنيوم..؟ وهو العنصر الصلب الذي لا يصدأ كما يصدأ الحديد وهو العنصر المطاوع… الخفيف الوزن الرخيص الثمن… الوفير في الطبيعة… كل هذه الخصائص أدت لتطور تقنيات الإنسان المعاصر في صنع الطائرات والمركبات الفضائية والمعدات الحربية… وعلى ذكر المعدات الحربية… فإن أول من توجه
لإستخدام الألمنيوم في صنع السلاح هو نابليون الثالث الذي مول مشروعاً في العام 1969 لبناء مصنع صغير لتعدين خامات الألمنيوم التي تعرف (بالبوكسايت) وكانت طاقة المشروع (2) طن في السنة… فلماذا أغفل التاريخ هذا العنصر ولم يتخذه عنواناً لعصر من عصوره… لقد وضعت نفسيراً لذلك… أعود إليه فيما بعد… ولكن لنبدأ الرحلة مع الصدفة أو الصدف التي اكتنفت رحلة تصنيع الألمنيوم أو استخلاصه كعنصر… وما وجه الإثارة فيها… ولنبدأ من العام 1807 حين أعلن العالم الإنكليزي المشهور (سير همفري ديفي) أن المواد السيراميكية ربما تحتوي على فلز جديد ولكنه لم يستطيع فصله وتحضيره… وهكذا بقي تصور همفري ديفي عالقاً بين الحقيقة والخيال العلمي حتى العام 1825 حيث نحج العالم الدنماركي (اورستد) من تحضير فلز الألمنيوم من تفاعلات كيمياوية بين مادة الآلومينا النقية (وهي أوكسيد الألمنيوم) وكلوريد الألمنيوم اللآمائي وملغم البوتاسيوم واستطاع بذلك الحصول على راسب لفلز الألمنيوم بكمية قليلة جداً ولكن الأسلوب الذي اتبعه كان باهض الثمن وفي العام 1854 طور الباحث الفرنسي (ديفل) الطريقة باستخدام مملغم الصوديوم بدلا من البوتاسيوم ونجح في إنتاج قطعة كبيرة من فلز الألمنيوم عرضها في معرض باريس العام 1855 مما أثار دهشة الزوار… مادة براقة قوية… مطاوعة… لا تصدأ… وجلب ذلك اهتمام العلماء والصناعيين والمخترعين من مختلف الدول في التوجه لمشاريع صناعية لإنتاج هذا الفلز الجديد (الألمنيوم) ووضعت البرامج وأجريت التجارب وقد حصل على براءات اختراع ولكن نتائج كل تلك الجهود كانت غير مجدية لأن الطرق المقترحة كانت بطيئة وغير عملية
والأهم من ذلك كانت باهضة التكاليف… وأحاط صمت الإحباط بأروقة المختبرات وقاعات التصنيع… وأستمر لمدة أكثر من عقدين من الزمن… حتى تبدد في العام 1885 على يد اثنين من الشباب توصلاً (دون أن يعلم احدهم بالآخر) الى طريقة رخيصة وعملية لإستخلاص فلز الأمنيوم من مادة الآلومينا هي ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا… فمن هما؟ وما هي الصدف التي اكتنفت مسيرتهما.. والتي وصفت بانها اغرب من الخيال…!
شاب اسمه (مارتن هال) في مدينة صغيرة من منطقة أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية وعمره 22 عاماً تخرج حديثاً من كلية أوبرلي وفي سقيفة خشبية توصل الى طريقة عملية ورخيصة جداً لإنتاج فلز الألمنيوم الذي عجزت عنه المختبرات المجهزة بمعداتها وجمهرة الباحثين الذين عملوا فيها… وقد فكر (هال) أن أفضل طريقة لفصل الألمنيوم عن الأوكسجين في مركب الألومينا هي طريقة الفصل الكهربائي وفي السقيفة الخشبية بجانب مسكن (هال) أعد العدة لصنع فرن الكهربائي… وقد حقق صنع الفرن الكهربائي وبدأ يجرب ووضع مادة الألومينا وأدار مفتاح تشغيل الفرن… فلم يحدث شيئاً لأوكسيد الألمنيوم… أنه يرفض الإنصهار… انتظر أياماً… فلم يحدث شيئاً… ما هو الخطأ؟ هاجس شغل تفكير (هال) لعدة أيام… ووجد الحل بأن يستخدم الألومينا المذابة… بدلاً من الألومينا في حالتها الصلبة… ولكن كيف يمكن ان تذاب الألومينا… راجع كتب الكيمياء التي في حوزته… فلم يجد ما يصبوا اليه… وأخيراً في العام 1886 صادف ان شاهد معدن (كريولايت) وقد جلب من جزيرة (كرين لاند) وقرر ان يذيب قطعة منه
فذابت وأسقط فيها قطعة من الألومينا فكانت الدهشة بأنها ذابت ايضاً في صهير الكريولايت… وهنا تحقق ما كان يصبو إليه (هال) فاستمر في تجربته لفصل فلز الألمنيوم بطريقة الفرن الكهربائي… وصنعت اخته التي كانت تساعده جفنة من الطين لغرض اجراء التجربة… وقام بامرار التيار الكهربائي في الجفنة التي تحتوي الألومينا المذابة… ولم يتحقق شئ… لابد من وجود خطأ آخر ودائماً كان يردد (هال) أثناء تجربته… أنا متأكد بأنني على الطريق الصحيح… واستبدل الجفنة الطينية بجفنة من الكاربون وكان ذلك في الثالث والعشرين من شهر شباط العام 1886 عندما أجرى تجربته في الجفنة الجديدة… وانتظر حتى يبرد الصهير في الجفنة. واستخدم مطرقة لكسر المادة الناتجة. فكانت المفاجئة.. لقد وجد في داخلها قطعة من فلز الألمنيوم قد تكونت…؟ وكان ذلك التاريخ ميلاد صناعة فلز جديد… انه الألمنيوم… الذي اصبح عنصراً أساسياً في الصناعات المعاصرة… من صناعة مستلزمات الطبخ المنزلية الى صناعة المركبات الفضائية… ولكن التاريخ أغفله… ولم يمنحه وسام تسمية احد عصوره باسمه كما كان الامر مع الحديد والنحاس… وربما كان ذلك بتأثير الق الفتوحات العلمية والصناعية الكبيرة التي شهدها عصر النهضة العلمية واكسبت الطاقة ومصادر الحصول عليها (الفحم والبترول واليورانيوم) الهوية الحضارية للقرن العشرين… ولكن على الرغم من ذلك يبقى الألمنيوم أحد ملامح حضارتنا الحديثة فوسائل النقل الجوي واستكشاف الفضاء ما كان لها أن تتطور بهذا الشكل لولا مساهمة الألمنيوم وخواصه في ذلك لن أين الصدف المثيرة في ذلك…؟ لنتابع القصة… لنرى ما هو أغرب من الخيال؟
بينما كان (هال) بمفرده في سقيفته الخشبية وبمساعدة أخته يواصل تجاربه ويتعايش مع اخفاقاته ونجاحاته حتى توصل الى طريقة جديدة وبمسالك تقنية من اختراعه والتي اشرنا الى ملامحها في الفقرة السابقة… كان في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي… شاب آخر فرنسي وعمره 22 عاماً أيضاً (بعمر هال نفسه) واسمه (بول هارولت) يبحث ويجري تجارب لإستخلاص فلز الألمنيوم من دون أن يعلم بما يقوم به (هال) وتوصل الى المسالك التقنية نفسها التي توصل اليها (هال) وبصورة متزامنة أعلن كل منهما اكتشافه وتقدما بطلبين منفصلين وبوقت واحد للحصول على براءة اختراع طريقة لإستخلاص فلز الألمنيوم ودارت رحى معركة قانونية طويلة بينهما حول التمتع بامتيازات براءة الاختراع وفي نهاية الأمر تم تسوية الأمر بينهما… ومن غريب الصدف مات (هال) ومات (هارولت) في عام وهو العالم 1914 بعدما ولدا في عام واحد وهو العام 1863 وسلكا طريق العلم في وقت واحد من مرحلة الشباب عندما كان عمر كل منهما 22 عاماً وعملا على حل معضلة واحدة وهي استخلاص الألمنيوم وتوصلا في وقت واحد الى حلها بمسالك تقنية واحدة وأعلنا اكتشفهما بيوم واحد؟… انها صدف مثيرة ان تجتمع في عالمين… تخلد اسميهما في سجل تاريخ العلم… وبقيت طريقة (هال ـ هارولت) لإستخلاص الألمنيوم هكذا تكتب في الأدبيات العلمية من أكثر من قرن من الزمن ولحد الآن…. ونستذكر معها تلك الصدف والسقيفة الخشبية والإمكانات البسيطة والجد والإجتهاد وما توصلا إليه…
جائزة نوبل للكيمياء لعام 2000 – وتحويل المواد البلاستيكية العازلة للكهرباء الى مواد موصلة.. كيف حققته الصدفة من خطأ في الوزن..؟
استكمالا لقصة اختراع طريقة لإستخلاص فلز الألمنيوم والصدف الغريبة التي اكتنفت مسيرة العالمين (هال)و (هارلوت) والتي تعرضنا لها في فقرة سابقة من الكتاب… فان أول عمل قام به (هال) بعد نجاحه في التوصل الى طريقة عملية ورخيصة في انتاج فلز الألمنيوم… هو بناء مصنع لإنتاج الألمنيوم… وهذا المصنع الذي أنشأ في نهاية القرن التاسع عشر شكل الحجر الأساس لأكبر شركة عالمية لإنتاج الألمنيوم لا تزال تعمل حالياً وهي شركة (Alcoa) المعروفة… ومن الطريف في الأمر ان أول طلب عمل تسلمته الشركة المذكورة كان لتصنيع 2000 ابريق شاي من الألمنيوم… ومن هذه الاشارة اردت تقديم موضوع هذه الفقرة… فبعد عصور طويلة مرت على الإنسان في استخدامه مواد النحاس والبروز والحديد في صنع ادواته المنزلية… كان شغوفاً الى تقبل مادة جديدة تدخل في صناعة أدواته المنزلية ومتطلباته الحياتية الأخرى… لذلك كان الإستخدام الأول للألمنيوم بعد نجاح تصنيعه منزلياً اذا ما استثنى من ذلك توجهات نابليون الثالث وطموحه في
تجهيز جيوشه بمعدات حربية خفيفة الوزن والتي لم تتحقق على الرغم مما انفقه من اموال على دعم مشروع صناعي لانتاج الألمنيوم بطريقة غير الطريقة التي توصل اليها (هال وهارولت) والذي لم يكن مجدياً في تحقيق تلك الطموحات… لأن المسلك التقني لم يكن عملياً وذو كلفة باهضة جداً… ولو أدرك نابليون الثالث انشاء مصنع (هال) لأنتاج الألمنيوم لربما كان أول استخدام للألمنيوم عسكرياً وليس منزلياً…
ان الق صناعة الألمنيوم وطرح منتجات متنوعة من هذه المادة الجديدة لم يدم طويلا… فقد ولد هذا الإكتشاف وهذه الصناعة في خضم نشاط قوي في البحث العلمي وما ترتب عليه من تطور سريع للمعرفة وتحقيق اكتشافات متلاحقة في ميادين علمية وتقنية عديدة وكان من بينها اكتشاف البلوليمرات وصناعة المواد البلاستيكية (صناعة اللدائن)..؟ فكيف تطورت صناعة البلاستك…؟ ولماذا منحت جائزة نوبل للكيمياء العام 2000 لثلاثة من العلماء لإنجازاتهم المتميزة في تطوير هذه الصناعة…؟ وماهو دور الصدفة في ذلك…؟
اكتشف البلاستك في العام 1908 من قبل العالم (باكيلاند) باستخدامه عناصر طبيعة مثل الكاربون والهيدروجين والنيتروجين لصنع مادة كيميائية ذات مواصفات وخصائص فريدة حيث يمكن ترويضها وقولبتها وقطعها مختلفة بذلك عن بقية المواد الكيميائية فضلا عن كونها رخيصة الثمن… وكان ذلك فتحاً علمياً كبيرا وبزوغ أفق جديد في علم المواد والصناعة الكيميائية كان له شأناً كبيراً في اكتساب حضارة الإنسان المعاصر ألوان شتى من التصور يمكن ان نتلمسها في اية زاوية من زوايا عالمنا اليوم.
لقد سميت المادة التي اكتشفها (باكيلاند) باسمه (باكلايت) ولكن اصطلح عليها فيما بعد (بالبوليمر) وهو مصطلح لاتيني من مقطعين الأول (بولي) ويعني متعدد والثاني (مير) ويعني واحدة أو مجموعة متكاملة وبذلك يكون المعنى الوحدات المتعددة وقد خضع اكتشاف (باكيلاند) على صنع مقابض فرشاة الأسنان حتى ظن معظم الناس ان هذه المادة لا تصلح الا لصناعة مقابض فرشاة الأسنان وبعد ذلك تمكن العلماء من حل اشكاليات تصنيع هذه المادة وتوصلوا في العام 1938 الى صناعة مادة (النايلون) من قبل (دي بونت) ومواد بلاستيكية بأنواع اخرى وأفل افق مقابض فرشاة الأسنان حتى اصبح صناعة المواد البلاستيكية من اوسع صناعات العصر وامتدت الى صناعة المركبات الفضائية والصواريخ وتطورت بشكل مذهل ومن اوجه تلك الاستخدامات صناعة البلاستك القوي ذو القابلية الفائقة لتحمل الحرارة العالية جداً والذي حل محل سبائك الفلزات في صنع حاويات الوقود الصلب في الصواريخ حيث كانت تصنع من الحديد المقاوم للصدأ الذي يصعب تشكيله للشكل المطلوب فضلاً عن وزنه الثقيل وقد ادى ذلك الى تطورات مهمة في مجال اتساع مَدَيَات صناعة الصواريخ.
لقد امتدت طموحات العلماء في تطوير صناعة المواد البلاستيكية… الى تناول تغير الخاصية البارزة لهذه المواد وهي عدم قدرتها على توصيل التيار الكهربائي ومنشدين بذلك خلق استخدامات جديدة… بعد ان كانت المواد البلاستيكية تستخدم لتغليف الأسلاك الكهربائية لقدرتها على العزل الكهربائي… ذلك ان جزيئات البوليمر خاملة ولا توجد
فيها الكترونات متحركة لنقل الشحنات الكهربائية لذلك يتطلب تنشيط هذا الجمود او الخمول الألكتروني ان صح التعبير لجزيئات المادة البلاستيكية حتى تكون موصلة للتيار الكهربائي وقد تم ذلك على يد ثلاثة من العلماء المعاصرين… وقد شاركتهم الصدفة انجازهم هذا الذي أستحقوا عليه جائزة نوبل للكيمياء للعام 2000.
عالم ياباني (هايديكي شيرا كاوا) يعمل استاذا في معهد طوكيو للتكنولوجيا تهتم ابحاثه في تحضير مادة تدعى (بولي استيلين) وهي من المواد البلاستيكية وتتركب من وحدتين (ايزومير) تعرفان بـ(سز بولي استلين) و (ترانز بولي استيلين) واستهدف بحثه التحكم بنسب هاتين الوحدتين في مادة البولي استلين بحيث يمكن انتاج طيف واسع من المواد البلاستيكية ذات خواص متعددة وكان يستخدم في تجاربه لهذا الغرض مادة محفزة (عامل محفز) للتفاعلات الكيميائية بنسبة معينة وفي احدى تجاربه اضاف خطأ وزناً من العامل المحفز يزيد بألف مرة من الوزن المفروض لأغراض تلك التجربة وقد ادى هذا الخطأ الى تكون مادة ذات لمعان فضي غطت سطح دورق التجربة… وكانت هذه النتيجة مدهشة…!! فما هذه المادة؟ وأعاد التجربة بظروفها الجديدة (بالوزن الذي فرضته الصدفة) ولكن بدرجة حرارية مختلفة فتكونت مادة ذات لمعان نحاسي بدلا من المادة السوداء فما هي هذه المادة؟ تسائل مرة اخرى (شيراكاوا)… كان ذلك في بداية السبعينات من القرن الماضي.. وانشغلت هواجسه في تفسير ما حدث واستمرت الصدفة في ملاحقتها شيراكاوا ويبدو انها لم تستكمل وعدها له بان تمنحه جائزة نوبل للكيمياء… فضربت له موعداً مع عالمين آخرين هما
النيوزيلندي (ماكديماريد) و (هيغر) الأميركي اللذان كانا يبحثان في جامعة ينسلفانيا في مادة بوليمرية لا عضوية هي بولي نتريد الكبريت وكان ذلك الموعد في طوكيو لإلقاء محاضرة عن نتائج بحثهما.. فتعرف عليهما شيراكاوا وتبادلا المعرفة المكتسبة من نتائج ابحاثهم في البوليمرات وما توصل اليه (شيراكاوا) وبطريقة (الصدفة) من تحضير البولي استلين ذو اللمعان الفلزي وهنا تركتهم (الصدفة) ليتفقوا على المباشرة في تطوير هذه النتائج لصنع البولي استلين الموصل للتيار الكهربائي واجريت سلسلة من التجارب تمخضت بنجاح ولأول مرة في تاريخ علم البوليمرات عن صنع مادة بلاستيكية موصلة للتيار الكهربائي وكان لهذه المادة الجديدة أن تفتح افاقا تطبيقية عديدة فهذه المادة يمكن اضائتها بدون ان تولد حرارة أو تستهلك تيار كهربائي… ونشروا نتائج ابحاثهم في العام 1977 وتناولتها بالإهتمام البحث مختبرات العلماء لتطويرها واستحقوا بذلك في العام 2000 جائزة نوبل للكيمياء وقسمت بينهم ولم يكن للصدفة نصيب منها ولكن نصيبها الأكبر كان فرحتها الغامرة في حقل تسليم (شيراكاوا) جائزة نوبل.. وقد سمعت همس احدهم… لقد منحت الصدفة (شيراكاوا) هذه الجائزة وأكرمت زميلية بها أيضاً… هنا تقدمت الصدفة اليه لتهمس في اذنية… لقد منح (شيراكاوا) الصدفة فرصة لتخليد اسماها مرة اخرى في مسيرة العلم والعلماء… فشكراً لهم جميعاً فقد منحوني هذه الفرصة.
بانتظار صدفة اخرى…!
عندما كنت أقرأ كتاباً عن الكهرباء والإلكتورونيات اعجبني تشبيه مؤلفته (جيني ليدنك) الذي ورد في مقدمته عن تطور العلوم والإكتشافات على مدى التاريخ حيث شبهت العلوم وتحقيق الاكتشافات المهمة… بانها صورة كبيرة قطعت اوصالها بمنشار آلي قطع غير منتظمة بعثرت في غياهب الزمن والاصقاع… وما على الإنسان الا ان يعثر على تلك القطع ويعيد ترتيبها ليكتشف شكل الصورة أو على الأقل ملامح منها… وفي سبيل تحقيق ذلك يشترك آلاف من البشر الذي نسميهم بالعلماء والباحثين… وهؤلاء قد يعرف بعضهم البعض وقد لا يعرف بعضهم الآخر… وأن زمناً طويلا قد يفصل بينهم… ويثمر جهد هؤلاء فتنضج ملامح الصورة… الا ان زمنا طويلا يستغرق ذلك الجهد لجمع القطع كافة والتي تشكل تلك الصورة التي قطعت اوصالها.
ان هذا التشبيه هو ترجمة لجهود الإنسان في البحث والاستقصاء والسعي وراء المعرفة.
وفي غمار تلك الجهود تشفق الصدفة احياناً على الإنسان كما مر بنا سابقاً وهو مثابر في ميدان العلم لترشده الى ما يصبوا اليه… او تغازله لتستدرجه الى منهل آخر من مناهل العلم ويدلوا دلوه فيه لينمو نسيج المعرفة وتستمر ابوابه مشرعة… ويبقى الإنسان وفياً لهبة الله سبحانه وتعالى وهي العقل الذي منحه وميزه به عن بقية الكائنات الحية لينظر فيه اليها.
ان النجاحات التي حققها الانسان في ميدان العلم على امتداد مسيرته الحضرية بجده واجتهاده وسعيه وتواصل بحثه العلمي… وكل ما كان للصدفة من مساهمات مع الإنسان في تحقيق بعض تلك النجاحات كما اوردنا في هذا الكتاب من نماذج من تلك الاسهامات والتي كان قسماً منها جوهريا كما هو الحال بالنسبة لما توصل اليه انشتاين في النظرية النسبية الخاصة… وقسماً آخر منها تقنياً بارزاً كما هو الحال بالنسبة لإكتشاف البطارية الكهربائية… ولكنها في مجملها اسهامات غزيرة في نتائجها… وثرية في عبرها… تتطلب ان نستلهم دورها لنحصل على نتائجها ولكن يجب أن لا يساورنا أي وهم بان الصدفة تبحث عنا او يجب ان نبحث عنها لنقطف ثمار عطائها دون ان نسلك طريق العلم في البحث والاستقصاء والتجربة والتأمل وشحذ العقل الذي وهبه الله تعالى لنا والعمل بجد واجتهاد وصبر وتواصل ميدان العلم وعند ذلك قد تمنح الصدفة اطلالتها او الهداية افاضتها… وعلى اساس ذلك نتسائل… هل من صدفة اخرى بانتظارنا او بانتظارها لتميز القرن الواحد والعشرين كما ميزت القرن العشرين… وهل سيلتزم الواعدون من طلبة العلم بوعودهم معها في مختبرات البحوث
العلميةومراكز العلوم… فما دام الجهد دؤوب… سوف نكرر المثل القائل… رب صدفة خيرا من الف ميعاد…
المصادر
• سعيدان ، احمد سليم ، مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الاسلام (1988) ، سلسلة عالم المعرفة .
• مطلب ، محمد عبد المطلب ، تاريخ علوم الطبيعة (1978) السلسلة العلمية ، وزارة الثقافة والفنون ، العراق .
• مكاكاي ، الوين ، صناع العصر الذري ، ترجمة خلدون يوسف ، (1991) دار الشؤون الثقافية ، بغداد .
• Fermi L.C (1965) The Story of Atomic Energy Macfadden-Bartell BooK.
• Stambler I(1964)Bulid of the Unknown, Norton and Company , Inc.
تم بحمد الله
