رد الاباطيل عن نهضة الحسين (ع)

المحتويات

«صفحة 1»

 

 

 

رد الأباطيل عن نهضة الحسين (عليه السلام)

مناقشة علمية لثلاثة عشر من شبهات الفكر السلفي

 

 

 

 

 

 

الشيخ عبد الله دشتي

 

 

«صفحة 2»

اسم الكتاب : رد الأباطيل عن نهضة الحسين (عليه السلام)

اسم المؤلف : الشيخ عبد الله دشتي

إعداد ومراجعة : د. السيد حسين البدري

الطبعة : الأولى للناشر 1442ه‍/2020م

الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي

المطبعة : دار الوارث للطباعة والنشر

ترقيم الصفحات موافق للمطبوع

 

«صفحة 3»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

ان أحلك صفحات الأمة الإسلامية ظلاما حينما أصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبطه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ارتكبت بنو أمية أسوأ جرائم التاريخ في حقه (عليه السلام) وحق أهل بيته وكوكبة أصحابه الذين قل نظيرهم على هذه الأرض، وسجل لنا التاريخ ذلك ونقله إلينا المؤرخون والمحدثون بما يندى له الجبين!

لكن للأسف بقي حرب الحسين (عليه السلام) وقتاله وعلى مدى التاريخ مذهبا للذين اتخذوا الأمويين أئمة وسلفا يقتدون بهم، في قبال من اتخذ الحسين (عليه السلام) وأهل بيته أئمة وسلفا يهتدون بهديهم. بل بات هؤلاء يترصدون لشيعة الحسين (عليه السلام) وأهل البيت ومحبيهم ويسفكون دماءهم ويحبسونهم ليمنعوهم حتى من إظهار الحزن.

فهم يرددون مقولة بني أمية بأن الحسين (عليه السلام) خرج شاقا لعصا المسلمين، وإن إحياء ذكرى الحسين (عليه السلام) شقاق بين المسلمين، إنها تهمة بني أمية نفسها التي رد عليها الحسين (عليه السلام) بقوله: «لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين» ونحن نقول لهؤلاء لم يشاقق من دعا بدعوة الحسين (عليه السلام) وأسلم معه لله عز وجل.

 

 

 

«صفحة 4»

 

«صفحة 5»

 

مقدمة المركز

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.

من يسبرُ بطون كتب التاريخ الإسلامي حول واقعة الطف الأليمة يقف على حقيقة دور الجهاز الإعلامي للدولة الأُموية ورجالاتُها لتغيير قناعات المسلمين تجاه اعظم جريمة ارتكبت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) ألا وهي إراقة دم سبطه الحسين بن علي (عليهما السلام) وانتهاك حرمته وحرمة أهل بيته وأصحابه وتسير نسائه سبايا مع الرؤوس إلى الشام والى بلاط يزيد بن معاوية.

فإن حرمة الحسين (عليه السلام) ثابتة بأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) التي بيَّنها للامة:

 

«صفحة 6»

1. «حُسَينٌ مِنِّي وأنا مِن حُسين، أحَبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسَيناً، حُسينٌ سِبْطُ مِن الأسْباط» .(1)

2. «مَن أحَبَّ الحسنَ والحُسَينَ فقدْ أحَبَّني ومَن أبغَضَهُما فقدْ أبغَضَني» (2)

وفي لفظ آخر: «الحسن والحسين ابناي، من أحبَّهما أحبَّني، ومن أحبَّني أحبَّه اللهُ، وَمَن أحبَّه الله أدخله الجنة، ومن أبغضَهُمَا أبغضَني، ومن أبغضَني أبغضَه الله، وَمَن أبغضه الله أدخلَه النَّار عَلى وجَهه» .

3. « الحسنُ والحُسينُ سيِّدَا شبابِ أهلِ الجنةِ» .(3)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الترمذي (3775)، وابن ماجه (144)، وأحمد (17795) باختلاف يسير، وصحح الألباني.

(2) أخرجه النسائي في (السنن الكبرى) (8168)، وابن ماجه (143) واللفظ له، وأحمد (7876) وغيرهم بأسانيد قوية وحسنة.

(3) رواه الترمذي (3768)، وأحمد (3/3) (11012)، والحاكم (3/182)، والطبراني (3/38). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/204): رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح.

«صفحة 7»

وفي لفظ آخر عن حذيفة بن اليمان: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب ثم قام يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج فاتبعته فقال: «عرَض لي ملَكٌ استأذَن ربَّه أنْ يُسلِّمَ علَيَّ وبشَّرني أنَّ الحسَنَ والحُسَيْنَ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ» .

إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة فيه (عليه السلام) بصفةٍ خاصة أو عامة.(1)

أما جهودُ الجهاز الإعلامي للأمويين بعد واقعة الطف فقد تمثلت في عدة جوانب، نذكر منها ثلاثة:

الأول: نَسَبوا (زورا) جريمة قتل الحسين (عليه السلام) وإراقة دمه الطاهر إلى الله تعالى وان ذلك لنصرة الخلفاء الأمويين. وهذه النسبة جاءت تحت إطار العقيدة الجبرية التي أشاعها معاوية بن أبي سفيان حينما أخذ البيعة لابنه يزيد(2). والهدف منها تصويبُ الجريمةِ التي ارتكبوها بحق الحسين (عليه السلام) وأهل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) جمع الكثير منها السيد مرتضى الحسيني الفيروز آبادي في كتابه: فضائل الخمسة من الصحاح السّته.

(2) راجع السيد محمد الكثيري، السلفية بين أهل السنة والإمامية،الصفحة ٢٠١، وسامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1 ص231.

«صفحة 8»

بيته وأصحابه وشيعته وتَخطِئة خروجه (عليه السلام) وشجبه ضمن مفهوم عقائدي.(1)

الثاني: عمدت الدولة الأموية بقيادة يزيد بن معاوية بعد القتل إلى المبالغة في إهانة الجثمان الطاهر وجثامين أصحابه وحمل الرؤوس على الرماح وتسير نساء الحسين (عليه السلام) وعياله سبايا إلى الشام مع إظهار الفرح والسرور(2). والهدف من

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) وانظر حوار السيدة زينب العقيلة مع عبيد الله بن زياد حين ادخل عليه السبايا والرؤوس وأذن أذانا عاما حيث قال للسيد زينب: «الحمد لله الّذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم» فأجابته: «إنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا». فقال ابن زياد: «كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟» فقالت: «ما رأيت إلّا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر لـمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمّك يا بن مرجانة». السيد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص94 طبعة أنوار الهدى ـ قم، وقد روى الحادثة الطبري وغيره. وواضح ان السؤال من ابن زياد ليس للاستفهام بل لبيان عقيدته في واقعة الطف. وينقل صاحب كتاب تذكرة الخواص ص63 عن الغزالي قول يزيد للإمام السجاد (عليه السلام) حينما أدخل عليه: «أنت ابن الذي قتله الله؟!» فقال عليه السلام: «أنا علي، ابن من قتلته أنت. قرأ: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾»، وغيرها من النصوص التاريخية.

(2) قال التفتازاني: «الحق إن رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه..»، راجع: شذرات الذهب ج1 ص68 و69 وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص188.

«صفحة 9»

ذلك تطويق وإزالة الحرمة التي بناها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأمة لأهل بيته (عليهم السلام) بصفة عامة ولسبطه الحسين (عليه السلام) بصفة خاصة وان رعايتها هي اجر الرسالة.

الثالث: اتخذوا من يوم عاشوراء يوم عيدٍ وبركة وابتدعوا فيه شعائر الفرح والسرور والصيام ووضعوا أحاديثَ على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وان الله تعالى احدث في يوم عاشوراء للأنبياء من النجاة والنصر ما احدث(1)، وكان من اهدف ذلك:

1. دعم العقيدة المُحدَثة والزائفة في بني أمية وان الله اختارهم للخلافة وانه نصرهم في يوم عاشوراء موافقة لنصرة أنبياءه وان من يخرج عليهم ينال النكال والوبال والفضح منه (العقيدة الجبرية)(2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) كما سوف يتعرض لذلك المؤلف في الموضع الثالث عشر.

(2) من الكلمات الباقية التي تشهد على ذلك ما كتب الوليد بن يزيد الأموي في إحدى رسائله التي نقلها الطبري في تاريخه ج5 ص529: «فتتابع خلفاء الله (أي بنو أمية) على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه الله ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه وسلطهم عليه وجعله نكالا وموعظة لغيره وكذلك صنع الله ممن فارق».

«صفحة 10»

2. البناء النفسي والروحي والثقافي للجيل الصاعد من الشباب وتربيتهم على بغض أهل البيت (عليهم السلام) والبراءة منهم بصفتهم ملحدين ومبتدعين في الدين خارجين عنه وعن الطاعة ومفارقين للجماعة وشاقّين عصا الأمة، وذلك خلافا للمودة التي أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل بها القرآن الكريم.

وقد ترسَّخَت جوانبُ من هذه الشعائر الأموية منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا عند بعض المسلمين لما يقومون به من عادات إظهار الفرح في اليوم عاشوراء بالرغم من فتاوى علماء المسلمين بعدم صحتها.(1)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قال أبو ريحان البيروني من أعلام القرن الخامس: «واليوم العاشر منه (أي المحرم) ، يسمّى «عاشوراء » … وكانوا يعظّمون هذا اليوم ، إلى أن اتّفق فيه : قتل الحسين بن علىّ بن أبي طالب بالطفّ ، مع أهل بيت رسول اللّه ، من آل أبى طالب عليهم السلام أجمعين؛ وفعل به وبهم ، ما لم يفعل في جميع الأمم بأشرار الخلق، من القتل بالعطش والسيف والإحراق بالنّار، وصلب الرؤوس ، وإجراء الخيول على الأجساد المؤرّبة، وهتك الستر بسبي النساء والأطفال، وحملهم مشهرين على الجمال، فتشاءموا به.

فامّا بنو أميّة، فقد لبسوا فيه ما تجدّد، وتزيّنوا، واكتحلوا، وعيّدوا، وأقاموا الولائم والضيافات، وطعموا الحلاوى والطّيّبات؛ وجرى الرسم في «العامّة»، على ذلك ايّام ملكهم ، وبقي فيهم بعد زواله عنهم.

وامّا الشيعة، فانّهم ينوحون، ويبكون أسفا لقتل سيّد الشهداء فيه؛ ويظهرون ذلك بمدينة السلام، وأمثالها من المدن والبلاد؛ ويزورون فيه التربة المسعودة بكربلا، ولذلك كره فيه فعل «العامّة»، من تجديد الأواني والأثاث». أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ص ٤٦٠.

«صفحة 11»

والمتابع لبعض الكتابات المعاصرة يَلمس بوضوح آثار الإعلام الأموي ضد نهضة سيد الشهداء (عليه السلام)، فليست قليلة هي الكلمات التي تُخطِّأ خروج الحسين (عليه السلام) وتلتمس التبريرات ليزيد في جرائمه، بل يصح القول أنها شكلت تيارا مناهضا لمن يصوب النهضة ويحي شعائر الحزن على سبط الرسول (صلى الله عليه وآله).

فهذا الخضري يقول: «وعلى الجملة فإن الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأمة وبالَ الفُرقة والاختلاف وزعزع عماد إلفتِها إلى يومنا هذا… غاية الأمر

 

«صفحة 12»

أن الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له ولم يعد له عدته، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه»(1)

وذكر أحمد العسيري نظير هذا الكلام ثم ختمه بكلام الدكتور أحمد شلبي ولم ينسبه إليه قائلاً: «وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها أنها وسعت باب الفرقة والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين ولا يزال بابها مفتوحاً حتى كتابة هذه السطور».(2)

وقال عثمان الخميس: «لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، ولذلك نهاه أكابر الصحابة في ذلك الوقت.. وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده. ولكن أمر الله تبارك وتعالى، ما قدّر الله

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الدولة الأموية الشيخ محمد الخضري /327، دار المعرفة بيروت 1418هجرية. والكتاب محاضرات في تاريخ الإسلام ألقيت على طلاب الجامعة المصرية بطلب من مجلس إدارة الجامعة المصرية ورأت إدارة الجامعة ان تجمع وتطبع.

(2) موجز التاريخ الإسلامي، احمد محمود العسيري، 152 ط1، الدمام 1417هجرية.

«صفحة 13»

تبارك وتعالى كان ولو لم يشأ الناس».(1)

وهذه الكلمات وأمثالها ما هي إلا اجترار وتكرار لكلمات الأجيال الذين رباهم بنو أمية وسقاهم المأجورون من علماء السلطان واتباعهم جيلا بعد جيل(2)، فنسجت أخبار بواطيل تتلوها كلمات أباطيل تُعاد كل سنة من اجل تطويق من يرفع ويحي ذكر الحسين (عليه السلام) ويبكي عليه متأسيا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأولاده المعصومين الذين ارسوا شعائر الحزن والبكاء على المصاب في يوم عاشوراء واتبعهم شيعتهم جيلا بعد جيل وكان لذلك الأثر الكبير في مواجهة شعائر الأمويين وعيدهم الذي كادوا به تحريف الإسلام المحمدي وإطفاء مشعله وإعفاء رسومه إلى أبد الدهر.

فقد ورد في أدب الزيارة كما عن أبي حمزة الثمالي، قال الإمام

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) عثمان الخميس، حقبة من التاريخ، ص 116. وسوف يأتي رد المؤلف على هذه العبارة في الرد رقم1.

(2) يعرف هذه التيار بالعامة وهم الذين قاموا بجرائم ضد بعض المحدثين والعلماء في الشام وبغداد، انظر: السيد سامي البدري، رسائل جامعية في مواجهة التشيع، مقال منشور في مجله رسالة الثقلين ـ العدد 8 ـ السنة 1414 ـ 1994.

«صفحة 14»

الصادق (عليه السلام): «قل إذا زرت الحسين (عليه السلام): اللهم إني أَشهَدُ أن هذا قبرُ ابنِ حبيبِك وصَفوتِك من خلقِك ، وأنه الفائزُ بكرامتِك ، أكرمتَه بكتابِك ، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك ، وأعطيتَه مواريثَ الأنبياء ، وجعلته حجة على خلقِك ، فأعذرَ في الدعاء وبذَل مُهجتَه فيك ، ليستنقذ عبادَك من الضلالة والجهالة والعَمى والشك والارتياب إلى باب الهدى». (1)

والكراس الذي بين يديك أيها القارئ الكريم هو ما كتبه سماحة العلامة الشيخ عبد الله دشتي تحت عنوان «رد الأباطيل عن نهضة الحسين (عليه السلام) » وهو رد على أباطيل وشبهات عثمان الخميس، وقد طبع في الكويت سنة 1429/2008، وقد أوردنا النص دون تغير وحسب الملف الإلكتروني الذي تم إرساله من قبل المؤلف، وكانت من خصائص هذا الكراس:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) رواه ابن قولويه في كتابه كامل ‏الزيارات (ص:223) قال حدثني أبوعبد الرحمن محمد بن أحمد بن الحسين العسكري ومحمد بن الحسن جميعا عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه علي بن مهزيار عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن مروان.

«صفحة 15»

1. الرد بإتقان واختصار على اهم الشبهات والأباطيل عن نهضة الأمام الحسين (عليه السلام).

2. اللغة السهلة والميسرة مع الحفاظ على العمق والدقة العلمية.

3. الاهتمام بذكر مصادر النصوص والأقوال.

4. العناية بتصحيح ما ينقل من الأحاديث والأخبار وتحري وثاقة الأسانيد والناقلين او نقل تصحيحات العلماء.

5. الاشتقاق الموضوعي للعناوين.

6. الاقتصار على قدر الحاجة من التعليق وترك الإطناب.

7. الدقة والأمانة في النقل (للأقوال الأباطيل) وتحري الموضوعية في تناولها.

8. الابتعاد عن الاستطراد والتركيز على محورية البحث والموضوع.

9. تصدير البحث بمقدمة وافية يشرح فيها المؤلف دوافعه لكتابة بحثه وكذلك إنهاءه بخاتمة.

10. التحلي بروح الاحترام وغَرسها في نفس القارئ؛ فان هذا الكراس وان كان ردا على أباطيل طائفة متعصبة من

 

«صفحة 16»

المسلمين إلا أن القارئ يجد في المقدمة والخاتمة تصريحا بان حبَّ أهل البيت (عليهم السلام) والتفجعَ لما أصابهم ليس خاصا أو حِكرا على الشيعة دون غيرهم.

تلك عشرة كاملة وصدق الشاعر حيث يقول:

أتتكَ القوافي ما لها عنكَ مذهب

فأنت بها برٌ وأنت لها أب

وإني لأجد ختم هذه السطور دون سرد أبيات من تائية «دعبل»الصادقة والمدوّية في سماء الشعر المناصر لأهل البيت (عليهم السلام) بتراء، وصدق حيث يقول:

أأسبلتَ دمَع العين بالعبَراتِ

وبتَّ تقاسي شِدَّة الزفراتِ؟

وتبكي على أثار آل محمدٍ

وقد ضاق منك الصَّدرُ بالحَسَراتِ

ألا فابكِهم حقاً وأجر علَيهمُ

عُيوناً لريب الدَّهر مُنسَكِباتِ

ولا تنسَ في يوم الطفو ف مُصابَهُم

بداهيةٍ مِن أعظم الَّنكباتِ

 

«صفحة 17»

 

سَقى اللهُ أجداثاً على طف كربلا

مَرابعَ أمطارٍ من المُزُناتِ

وصلى على رُوح الحَسين وجسمهِ

طريحاً لدى النَّهرين بالفَلوَاتِ

أأنسَى وهذا النَّهر يطفحُ ظامئاً

قتيلاً ومظلوماً بغير تراتِ

فقل لاُبن سعدٍ أبعد اللهُ سَعدهُ

ستلقى عَذاب النار واللعناتِ

سأقنتُ طول الدهر ما هَبت الصَّبا

وأقنتُ بالأصال والغدُواتِ

على مَعشرٍ ضلَّوا جميعاً وضيَّعوا

مَقال رسول الله بالشُبّهاتِ

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

د. السيد حسين البدري

مسؤول وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة

1محرم الحرام 1442 هجرية

الموافق لـ 21/8/2020 قم المشرفة

 

«صفحة 18»

 

 

 

مقدمة المؤلف

لقد أنعم الله عز وجل على أمة النبي الخاتم بنعم هي أكبر من نعمه على الأمم السابقة… فقد حظيت هذه الأمة بمقومات تجعلها خير الأمم، فدينها خاتم الأديان وشريعتها أتم الشرائع، وقرآنها نور لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ورسولها الكريم أكرم خلق الله عنده تبارك وتعالى، ولم يتركهم الله حتى أتم عليهم النعمة بولاية خير البرية بعد المصطفى (صلى الله عليه وآله) والأطهار من ذريته، ولكن…

وعلى رغم تلك النعم الإلهية المباركة فإن تاريخ هذه الأمة يصدم قارئه بما يحويه بين دفتيه من الظلم والقتل والسبي والتشريد الذي تعرض لها قوى الخير فيها وخاصة من أمروا بمودتهم، أسطر سوداء تملأ صفحات من تاريخنا.

بل رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه لم يسلم من الأذى والتكذيب عليه، وأما آله فقد سامهم بعض من ادعى الإسلام ألوان العذاب

 

«صفحة 19»

والاضطهاد، حتى كأن الله قد أوصى الأمة بقتلهم لا بمودتهم واتباعهم.

وأحلك تلك الصفحات ظلاما حينما أصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبطه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ارتكبت بنو أمية أسوأ جرائم التاريخ في حقه (عليه السلام) وحق أهل بيته وكوكبة أصحابه الذين قل نظيرهم على هذه الأرض، وسجل لنا التاريخ ذلك ونقله إلينا المؤرخون والمحدثون بما يندى له الجبين!

لقد اهتزت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها لقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، في عصره والعصور التالية وإلى يومنا وعلى اختلاف مذاهبها ومشاربها…

إن المترقب لواقعة كربلاء ينظر إليها على أنها جريمة من جرائم فراعنة التاريخ الذي لم يخل منهم زمن وجسدهم حكام بني أمية في وقتها… لكن للأسف بقي حرب الحسين (عليه السلام) وقتاله وعلى مدى التاريخ مذهبا للذين اتخذوا الأمويين أئمة وسلفا يقتدون بهم، في قبال من اتخذ الحسين (عليه السلام) وأهل بيته أئمة وسلفا يهتدون بهديهم.

 

«صفحة 20»

بل بات هؤلاء يترصدون لشيعة الحسين (عليه السلام) وأهل البيت ومحبيهم ويسفكون دماءهم ويحبسونهم ليمنعوهم حتى من إظهار الحزن، ولقد تكرر ذلك في أحداث دامية مرت بها مدينة السلام بغداد وفي أيام تسلطهم، وقد نقل ابن كثير وغيره العديد من تلك الحوادث.

وكنا نتخيل أنها جرائم عهود متخلفة ومظلمة من التاريخ المليء بالجهل والتخلف، ولكن سرعان ما برز الحقد الأموي الدفين في نفوس ذريتهم من المتسلفة وذلك عندما ظهرت علامات لانتصار الحسين (عليه السلام) وعودة نهجه في عصرنا الحديث، وازداد المعاصرون من ذرية بني أمية فظاعة بسبب الأسلحة الفتاكة التي تميز زمننا المعاصر، فالكل سمع وشاهد المفخخات التي لا تفرق بين الصغير والشيخ ولا الرجل والمرأة، لقد عادوا يتلذذون بتقطيع أجساد شيعة الحسين كما تلذذ أسلافهم بتقطيع جسد الحسين (عليه السلام) وأهله وصحبه.

وليعلم الجميع أن هؤلاء لا ينتمون إلى إخواننا من أهل السنة بل هم خوارج القرن الحادي والعشرين، وأما أهل السنة فلم

 

«صفحة 21»

نجد منهم إلا التعاون الجميل والتعاطف النبيل مع إخوانهم الشيعة في أيام العزاء، بل إن بعضهم ليشارك ويحترم تلك الأيام كما شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

في كثير من بقاع الأرض لا تجد الجرائم الفظيعة التي تمارس بيد ذرية بني أمية، ولكن سمومهم وأحقادهم توجد حيث يتواجد هؤلاء، فحقدهم على الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأتباعه باد على أفواههم وإعلامهم ومناشيرهم وكما قال عز وجل ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ، وبوادر الشيطان تظهر مع مطلع السنة الهجرية وعودة محرم بذكرياتها الأليمة، فتعود تلك الشرذمة للظهور، فتظهر القلوب القاسية والعقول الخاوية تريد النيل من الألفة التي تتحقق بين المسلمين في الحزن على أحد ساداتها الحسين (عليه السلام) وتفريق صدور الأمة الإسلامية المؤتلفة على محبة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ديدن النواصب أنى كانوا، فلا غرابة…

ولكن الواجب يقتضي توعية الجميع تجاه سمومهم التي ينشرونها باسم الدين وهي ضد الدين وخاصة نهضة سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)، لذا كانت هذه السطور.

 

«صفحة 22»

 

 

 

الهدف من هذه الرسالة

 

قد أثبتت الأيام بأن كثيرا من أهل السنة يتعاطفون مع مصاب أهل البيت كما الشيعة، بل ويتوسلون بهم، فهؤلاء هم يحيطون بمراقد أهل البيت في المدينة المنورة والعراق ومصر وخراسان، متوسلين متبركين باكين مما أوغر صدورا خصبة يرتع فيها الشيطان، فجاء أولئك الجهلة وقد اختلط عليهم الأمر ليهدموا تلك العلاقة بين المسلمين وأهل البيت المطهرين.

إنا نعتقد جازمين بأن المنصفين من أهل السنة لا يقيمون وزنا لأمثال أولئك المتعصبين الذين يتقنون رسم النصوص دون أن يعوها، وحمل الأسفار دون أن يفهموها.

حيث يلاحظ الجميع تلك المنشورات الخبيثة التي توزع في أيام عزاء سيد الشهداء وإحياء ذكرى مصابه، منددة بمثل

 

«صفحة 23»

هذه الشعائر الإسلامية مفرقة بيننا كمسلمين. يستغل أصحابها اختلافنا في الاجتهادات، غافلين عن اجتماعنا على محبة أهل البيت الذين نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم.

من الذي يفرق بين المسلمين؟

إننا لنعجب من ينشر أوراقا صفراء يعنونها بقوله «لماذا يزرع الشقاق بين المسلمين سنويا» فيعتبر إقامة مراسيم الحزن على سيد الشهداء وفاجعة كربلاء زرعا للشقاق بين المسلمين، وأنت إذا التفت حولك لن تجد زارعا للفرقة والشقاق غيره وغير منشوراته السوداء بما تحويه من أغاليط وأكاذيب، فيا عجبا لهذا الجهل الذي يعتبر إقامة مظاهر الحزن على الحسين (عليه السلام) زرعا للشقاق بين المسلمين، ويغفل عن أنه غارق في إيذاء المسلمين وتفريقهم بنشر أكاذيبه في كل سنة.

والمتابع يلاحظ أن الشيعة منذ زمن طويل يقيمون الشعائر والمراسم الحسينية في الحسينيات العامرة بجوار إخوانهم السنة وفي قلب مناطقهم بكل رحابة صدر، فأي شقاق تحقق لولا بروز تلك المنشورات الشاذة؟

 

«صفحة 24»

 

أيها القارئ العزيز لا يثقل عليك وصف هؤلاء بالأمويين، فهم يرددون مقولة بني أمية بأن الحسين (عليه السلام) خرج شاقا لعصا المسلمين، وهؤلاء يقولون اليوم إن إحياء ذكرى الحسين (عليه السلام) شقاق بين المسلمين، إنها تهمة بني أمية نفسها التي رد عليها الحسين (عليه السلام) بقوله: «لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين» ونحن نقول لهؤلاء لم يشاقق من دعا بدعوة الحسين (عليه السلام) وأسلم معه لله عز وجل.

المنشور الأسود:

لقد تناولت الشرذمة المتسلفة في منشورها قصة مقتل الحسين (عليه السلام)، وأظهرت قراطيسها بمظهر البحث العلمي في عرض ذلك الحدث الأليم، ولكن من خلال الأسطر التالية التي نكتبها سيتبين لك أيها القارئ مدى الجهل الذي يعيشونه في معرفة التاريخ الإسلامي وانقيادهم لبعض مشايخهم المتعصبين دون دراسة أو تمحيص لمصادر التاريخ ومجرياته، وسيتبين لك من خلال هذه المناقشة أنهم انتقائيون في قراءتهم التاريخ قائدهم الهوى، فلا أصول علمية عندهم ولا هم يحزنون!

 

«صفحة 25»

 

ونحن الشيعة يكفينا ما ورد في مصادرنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في بيان قصة نهضة الحسين (عليه السلام) وأهدافها وملابساتها وما حصل قبلها وبعدها وما هو من شعائر هذه النهضة المباركة، وإنما نذكر الروايات الواردة من غير طرق الشيعة وأقوال علماء غير الشيعة إتماما للحجة وإفحاما للخصم وبيانا لزيف بعض المزاعم حتى من تلك المصادر.

إليك أيها القارئ العزيز نماذج لمزاعم وأباطيل وردت في بعض تلك المنشورات مع ردود تفضح التعصب والنصب والجهل، والله المستعان.

 

«صفحة 26»

 

 

 

(1)ابن تيمة وأفراخه يقيِّمون النهضة الحسينية!!

 

قال مرددا لكلمات إمامه ابن تيمية: لم يكن في خروج الحسين (عليه السلام) مصلحة لا في دين ولا دنيا ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه وهو قد هم بالرجوع لولا أولاد مسلم.

وقال كذلك: «وكان في خروجه من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدر الله كان ولو لم يشأ الناس».

 

نقول:

أما قوله: قد هم بالرجوع… سنبين كذبه فيه فيما يلي، وأما في الخروج مفسدة فنترككم وعبارة ابن العماد الحنبلي ليرد

 

«صفحة 27»

على هذا إذ قال: «والعلماء مجمعون على تصويب قتال علي لمخالفيه لأنه الإمام الحق ونقل الاتفاق أيضا على تحسين خروج الحسين » (1).

فتحسين خروجه مورد اتفاق العلماء، والقول بعدم وجود مصلحة هو وقاحة وجرأة من الكاتب ونبيهم المزعوم ابن تيمية على مقام الحسين (عليه السلام)، هلا لاحظتم أنه صحابي ممن تقدسون، فهم يرفعون شعار الدفاع عن الصحابة، ولكن النصب يقتضي أن يبرر أعمال يزيد وهو من ثمار الشجرة الملعونة في القرآن، ويبلغ من جرأته أنه يخطئ الحسين (عليه السلام) المطهر بنص القرآن وسيد شباب أهل الجنة بنص جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)!!

كل ذلك حفاظا على قداسة أئمته من حكام بني أمية الشجرة الملعونة، فهم مقدمون في نظره وأمثاله على أهل بيت النبوة الذين صرح القرآن بطهارتهم!!

نعم كما قلنا مع أهل البيت (عليهم السلام) يختل الميزان، وتظهر جرأة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) شذرات الذهب ج1 ص 68.

«صفحة 28»

النواصب، وكأن أهل البيت ليسوا صحابة، وأنا لم أجد تبريرا إلا النصب الذي ورثوه من أسيادهم بني أمية.

خروج الحسين (عليه السلام)في النصوص الصحيحة

ولله الحمد فإن النصوص النبوية المباركة تحدثت عن خروجه الحسين (عليه السلام) فكان ينبغي لمسلم مثله يؤمن بنبوة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) أن يرجع إلى كلماته (صلى الله عليه وآله) وسننه لا إلى كلمات بعض ذيول بني أمية.

فقد روى الحاكم بعدة طرق عن أبي نعيم: ثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنه)قال:

«أوحى الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا».

قال الحاكم: هذا لفظ حديث الشافعي ـ أحد مشايخه الذين روى عنه الخبر ـ وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل: «إني قتلت على دم يحيى بن زكريا وإني قاتل على دم ابن ابنتك» .

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

 

«صفحة 29»

قال الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم (1).

وهذا الحديث له دلالة عظيمة جدا بمكانة الإمام الحسين (عليه السلام) عند الله تعالى، لا ينالها إلا صاحب حق، وإلا فهل يدعي الكاتب أن المخطئ الذي كان في خروجه مفسدة… يقارنه الله بنبيه يحيى (عليه السلام)، بل يغضب للحسين (عليه السلام)غضبا يفوق غضبه وانتقامه لـيحيى (عليه السلام)؟ البصير يفهم.. وأما عمى القلب فمرض عضال.

وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخل علي أحد فانتظرت فدخل الحسين (رضي الله عنه) فسمعت نشيج رسول الله يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (صلى الله عليه وآله) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال: إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت قال: تحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم،قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأرها النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما أحيط بحسين حين

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 195.

«صفحة 30»

قتل، قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء قال: صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء» (1).

قال الهيثمي معلقا على سند الرواية: «رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات» (2).

فهل يبكي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على مفسد ولا ينهاه عن الخروج ـ كما نهى عائشة عن الخروج ونبأها بخبر كلاب الحوأب ـ وينتظر آراء ابن تيمية حتى يظهر فساد عمله للأمة.

وروى الحاكم أيضا عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم فقلت:يا نبي الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم، قال: فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل قبل ذلك بيوم».

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير ج3 ص 108.

(2) مجمع الزوائد ج9 ص 189.

«صفحة 31»

وقال الذهبي: على شرط مسلم (1).

فهل كان (صلى الله عليه وآله) أشعث أغبر يلتقط دم من خرج مفسدا لأمته (صلى الله عليه وآله) وشاقا لعصا المسلمين كما هي كلمات أسيادكم الأمويين التي تجترونها.

بل رسول الله يأمر بنصرته في الخبر الصحيح:

فقد روى ابن كثير قال: «وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن هارون أبو بكر ثنا إبراهيم بن محمد الرقي وعلي بن الحسن الرازي قالا ثنا سعيد بن عبدالملك أبو واقد الحراني ثنا عطاء بن مسلم ثنا أشعث بن سحيم عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول «إن ابني ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد منكم ذلك فلينصره ، قال: خرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين، قال: ولا أعلم رواه غيره» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين ج4 ص439.

(2) البداية والنهاية ج8 ص 217، وما في المطبوع من معجم الصحابة للبغوي قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين رحمة الله عليهما، ج1 ص 64، فعبارة رحمة الله عليهما تنبأك باعتماد البغوي على الخبر.

«صفحة 32»

قال ابن عبدالبر: «أنس بن الحارث روى عنه سليم والد أشعث بن سليم عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قتل الحسين وقتل مع الحسين (رضي الله عنه) » (1).

وذكره ابن الأثير في الصحابة (2)

ويصرح ابن حجر في ترجمة أنس بن الحارث بقبوله للرواية إذ قال: «وقال البخاري: أنس بن الحارث، قتل مع الحسين بن علي سمع النبي (صلى الله عليه وآله) ، قاله محمد عن سعيد بن عبد الملك الحراني عن عطاء بن مسلم حدثنا أشعث بن سحيم عن أبيه سمعت أنس بن الحارث، ورواه البغوي وابن السكن وغيرهما من هذا الوجه، ومتنه سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم فلينصره، قال فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين، قال البخاري: يتكلمون في سعيد يعني راويه، وقال البغوي: لا أعلم رواهغيره، وقال ابن السكن: ليس يروى إلا من هذا الوجه ولا يعرف لأنس غيره، قلت: وسيأتي ذكر

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج1 ص 201.

(2) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج1 ص 171.

«صفحة 33»

أبيه الحارث بن نبيه في مكانه، ووقع في التجريد للذهبي: لا صحبة له وحديثه مرسل وقال المزي: له صحبة فوهم، انتهى.

ولا يخفى وجه الرد عليه مما أسلفناه، وكيف يكون حديثه مرسلا وقد قال: سمعت، وقد ذكره في الصحابة البغوي وابن السكن وابن شاهين والدعولي وابن زير والباوردي وابن مندة وأبو نعيم وغيرهم». انتهى كلام ابن حجر (1).

فالبخاري عبر عن سعيد بقوله «يتكلمون في سعيد» وهي عبارة تفيد بأنه غير جازم بشيء ضده، وأما ابن حبان ذكره في كتابه الثقات (2).

فهل يأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنصرة شخص مخطئ مفسد، أم هو التقليد الأعمى لابن تيمية وكلماته، وهل بعد هذه الكلمات التي نقلت بأسانيد صحيحة مجال لترديد واجترار عبارات ابن تيمية بأن في خروج الحسين (عليه السلام) على يزيد مفسدة.

لقد رد الحسين (عليه السلام) على الترهات الأموية التي سعت لإظهار

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في معرفة الصحابة ج1 ص 68.

(2) الثقات ج8 ص 267.

«صفحة 34»

أن في حركة الحسين شقا لعصى المسلمين ـ التهمة التي ما زال ذيول ابن تيمية يطبلون لها ـ ، فقد روى ابن كثير قال: «وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين: إني أسألك الله إن يلهمك رشدك وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا، فأقبل إلي فلك عندي الأمان والبر والصلة، كتب إليه الحسين إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا، وقال: إني من المسلمين» (1).

فكلام الإمام الحسين (عليه السلام): «لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين» إنما هو رد من الحسين الصحابي على كلام الكاتب وسيده ابن تيمية، فهل يقبل به؟ لا أظن.

ثم نسأل المنصفين: هل الفساد هو أن تجهر بصوتك لإحقاق الحق والدين والوقوف بوجه الظلمة أم أن الفساد هو مداهنة الظلمة ومد يد الخنوع والخضوع ليزيد، ألم يرو النسائي في

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج 8 ص176.

«صفحة 35»

سننه عن ابن شهاب أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل، قال: كلمة حق عند سلطان جائر (1).

إن النصب والبغضاء هما اللذان يدفعان البعض ليتجرأ على أهل البيت (عليهم السلام)، ويمدح الذين ركعوا ليزيد، ولكن المشتكى إلى الله قاصم الظلمة والجبارين .

الحسين (عليه السلام)يعلم بما يحدث له :

نعم كان الحسين (عليه السلام) أدرى من غيره بما سيحدث له بإخبار مسبق من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وروايات الشيعة والسنة تؤكد ذلك، فهذه عمرة بنت عبدالرحمن ـ كما ذكر ابن كثير ـ ترسل إليه تطلب منه عدم الخروج وتقول: «أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «يقتل الحسين بأرض بابل»، فلما قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذا من مصرعي، ومضى» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ا لنسائي ج7 ص 161، وصحح الألباني الخبر.

(2) البداية والنهاية ج 8 ص176.

«صفحة 36»

وذكر أيضا أنه قال (عليه السلام)للفرزدق: «لو لم أعجل لأخذت» (1) .

وكذلك روى عن يزيد الرشك قوله (عليه السلام): «ولا أراهم إلا قاتليَّ».

وعن معاوية بن قرة قال الحسين (عليه السلام) : «والله لتعتدن عليّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت».

وعن جعفر الضبعي عنه (عليه السلام): «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»(2).

وروى ابن كثير قول الإمام الحسين لمن طلب منه الرجوع: «إنه ليس يخفي علي ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة» (3).

فالحسين (عليه السلام) كان بعلم بمقتلـه عند خروجه بل هو على علم بذلك منذ صغره، بل كان يعلم بالمكان والزمان أيضاً.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ج 8 ص 180.

(2) الكلمات الثلاث الأخيرة رواها ابن كثير في المصدر السابق ج8 ص 183.

(3) البداية والنهاية ج8 ص 185.

«صفحة 37»

إذا كان يعرف لماذا يخرج؟!

يخطئ من يصور أن سبب المعركة أن الحسين (عليه السلام) أراد أن يسقط حكومة يزيد ويغلبه ويحل محله في الحكم، وما الانتقادات الجاهلة التي توجه للنهضة الحسينية أحيانا إلا بسبب وضع هذه الفرضية الخاطئة، فالنتيجة الطبيعة التي يتوصل إليها ـ بناءا على تلك الفرضية ـ أن الخروج للكوفة كان خطأ واضحا وفق المعطيات والحسابات السياسية.

وحقيقة الأمر أن يزيد ومن معه من طغاة بني أمية أرادوا أن يقهروا الحسين (عليه السلام) على البيعة ليزيد ولم يقم الحسين (عليه السلام) في تلك المرحلة إلا برفض البيعة والامتناع عنها، روى الطبري في تاريخه أحداث سنة 60 هـ رسالة يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة وفيها: «أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام» (1).

فليس الحسين (عليه السلام) إلا المظلوم الذي أراد أن يعلم الأمة عدم

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الطبري ج4 ص250 ورواها ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص157.

«صفحة 38»

الخضوع لقهر حكام الجور، ولا يقتصر العلم بالشهادة في هذه المرحلة على إخبارات النبي (صلى الله عليه وآله) بل تتعدى كل من يعلم أن الظلمة من آل أبي سفيان يحصرونه بين خيارين بيعة يزيد الفاسق والسيف، وكما قال الحسين (عليه السلام): «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة…» (1).

وفي رواية ابن عساكر: «ألا وإن البغي قد ركن بين اثنتين بين المسألة والذلة وهيهات منا الدنية أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وبطون ظهرت وأنوف حمية ونفوس أبية أن تؤثر مصارع الكرام على ظئار اللئام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قل العدد وكثرة ا لعدو وخذلة الناصر» (2).

نعم كان بين خيارين لا ثالث لهما إما البيعة والذلة أو القتل والحسين (عليه السلام) يعلم ذلك، فيستحيل أن يطلب الذلة ووضع يده في يد يزيد كما زعم الإعلام الأموي ويطبل له أمويو التاريخ.

وأما بالنسبة للإمامين السابقين (عليهما السلام) لم تكن البيعة خطا

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس ـ ص 59.

(2) تاريخ دمشق ج14 ص 219.

«صفحة 39»

أحمر لأنهم كانوا يواجهون فرضية ليست هي من قبيل يزيد المتجاهر بالكفر والفسق، وأما بالنسبة للحسين (عليه السلام) فقد كانت بيعة المتجاهر بالفسق والفجور خطا أحمر كما قال (عليه السلام): «يزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، مثلي لا يبايع لمثله» (1)، نعم لو ترك وشأنه ولم يقصد الطاغية قهره على البيعة كان يمكن أن يسعى للإصلاح بطرق أخرى تبناها قبله أبوه وأخوه (عليهم السلام) ولكنه كما قلنا حصر بين خيارين.

نعم الحسين (عليه السلام) يجب أن يبذل الوسع لحفظ نفسه من قهر العدو، فيجب أن يستند إلى ظهر يلجأ إليه فكانت الكوفة أحسن الخيارات المتاحة، لا لأنها ستنقذه من القتل ـ إذ يعرف حقيقتها ـ بل لأنها البقعة التي ستجعل شهادته صرخة مدوية في التاريخ ونورا وشعلة لا يمكن أن يطفئها لا بنو أمية ولا ابن تيمية ولا ذيولهما بأفواههم، وإلا فقد قال (عليه السلام) وهو ماض لأرض الشهادة: «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي».

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الفتوح لابن أعثم ج5 ص 14.

«صفحة 40»

 

 

(2)لماذا لا يتخذ يوم وفاة النبي والأنبياء (عليهم السلام) مأتما؟

 

ردد الكاتب قول المؤرخ الأموي ابن كثير: «ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما».

 

نقول:

إن هذا القائل وأمثاله يتغافلون عن الحقيقة، فالشيعة يحيون ذكرى وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وغيره من الأئمة، بل لو حفظ تاريخ مقتل أحد الأنبياء لسابقين (عليه السلام) لما قصرنا في ذلك.

وإما إذا كان القصد هو التميز الموجود في إحياء ذكرى سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) فليعلم أن ذكرى شهادة الإمام

 

«صفحة 41»

الحسين (عليه السلام) هي ليست مجرد رحيل أحد أوتاد الدين والإنسانية، بل هي ذكرى فاجعة ومأساة تمثلت في الفظاعة في القتل والتمثيل بجسد هذا الإنسان العظيم، فقتله جريمة إنسانية لا إسلامية فقط نظهر موقفنا منها وبراءتنا ممن قتل سبط الرسول وحبيبه، ونعلن أننا نواليه وندين ما فعله أعداؤه.

وقد انطلق التركيز عليه من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه، فقد روى الطبراني عن أم سلمة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخل علي أحد فانتظرت فدخل الحسين (رضي الله عنه) فسمعت نشيج رسول الله يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (صلى الله عليه وآله) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال: إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت قال: تحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأرها النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما أحيط بحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء قال: صدق الله

 

«صفحة 42»

ورسوله أرض كرب وبلاء (1).

قال الهيثمي معلقا على سند الرواية: «رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات» (2).

فهل نحن إلا أتباع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في بكائه على الحسين (عليه السلام) لقتله في كربلاء على ذلك النحو الفظيع، إن زيارة خاطفة يقوم بها أي من المنصفين لهذه المجالس ودور العبادة والحسينيات المباركة، يجد أننا نبكي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبيبنا الأكبر لما حل به بمصابه بالحسين (عليه السلام)، إن فاجعة كربلاء فاجعة ألمت برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبدين الله ولذا تجد التشبيه الواضح في النصوص بين الفاجعة التي ألمت بنبي من أنبياء الله هو يحيى (عليه السلام) وفاجعة الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وهو ما ستقرؤه في الفقرة التالية.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير ج3 ص 108.

(2) مجمع الزوائد ج9 ص 189.

«صفحة 43»

 

 

 

(3)فاجعة الحسين (عليه السلام)وفاجعة يحيى (عليه السلام)؟

 

قال الكاتب: «مات الأنبياء قبله ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقتلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة».

نقول: أن هذا يبين جهل الكاتب، فإن الأحاديث والنصوص في كتب القوم لا في كتبنا ذكرت حدوث ظواهر كونية عند قتل بعض الأنبياء (عليهم السلام)، فيكذب من يقول أنه لم يتحقق في السابقين شيء من تلك الأمور، فهذا ابن كثير نفسه يقول في تفسيره:

«وقد روى ابن جرير .. عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا وكلما

 

«صفحة 44»

ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن، وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور» (1) .

فهل غليان الدم إلا ظاهرة استثنائية من ظواهر الكون ظهرت لمقتل نبي من الأنبياء (عليهم السلام).

وقال في (قصص الأنبياء) :

«وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام عن سعيد بن المسيب قال: قدم بختنصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن، وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وإن قصة بختنصر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم.

ثم روى قصة مقتل يحيى عن ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية ثم قال:

«قال سعيد بن عبدالعزيز: وهي دم كل نبي، ولم يزل يفور

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير ابن كثير ج3 ص 28.

«صفحة 45»

حتى وقف عنده أرميا (عليه السلام) فقال: أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله فسكن» (1) .

إن الروايات الصحيحة الواردة في مصادر السنة تقارن بين جريمة قتل يحيى (عليه السلام) ـ التي وقعت بسببها ظواهر استثنائية في الكون ـ وقتل الحسين (عليه السلام) فقد نقلنا رواية الحاكم عن ابن عباس (رضي الله عنه)قال: «أوحى الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا »، وقد مر ذكر الحديث فيما سبق.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قصص الأنبياء ص 416.

«صفحة 46»

 

 

(4)هل الشيعة هم قتلة الحسين (عليه السلام)؟!

 

قال مدعيا أنه ينقل قصة مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) كما أثبتها الثقات من أهل العلم: «بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 60هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة وذلك أنهم لا يريدون يزيد ولا أباه ولا عثمان ولا عمر ولا أبا بكر إنهم لا يريدون إلا عليا وأولاده».

 

نقول:

حاول الكاتب أن يظهر أن قتلة الحسين (عليه السلام) هم من الشيعة الذين يرفضون أبا بكر وعمر وعثمان وأنهم لا يريدون إلا علياً وأولاده.

والجواب: أنهم لم يكونوا إلا شيعة آل أبي سفيان كما خاطبهم

 

«صفحة 47»

الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه بعض النصوص التي تبين مذهب أهل الكوفة في ذلك الزمن: فقد قال صاحب كتاب (المنتقى من منهاج الاعتدال):

«وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن جدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه فجلسنا إليه فتحدثوا فقال أبو إسحـاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون ولا والله ما أدري ما يقولون» (1) .

وقال محب الدين الخطيب في حاشية المنتقى: «هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين وعمّر حتى توفي سنة 127هـ وكان طفلا في خلافة أمير المؤمنين علي …».

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتقى من منهاج الاعتدال ج1 ص 360، والكتاب هو اختصار لمنهاج السنة لابن تيمية والمقطع نقله ابن تيمية في منهاجه ج6 ص136.

«صفحة 48»

إذاً، فأبو إسحاق شيخ الكوفة وعالمها كان يبلغ من العمر ثمان وعشرين عاما في سنة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ومنه نفهم بأن الناس في الكوفة ـ في تلك الحقبة ـ كانوا على حسب قوله: «ليس منهم أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما»، وبناءا على ذلك فالذين كاتبوا الإمام الحسين (عليه السلام) ثم خانوه وقتلوه لم يكونوا شيعة يقدمون علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أبي بكر وعمر، وبعبارة أخرى إنهم لم يطلبوا الحسين (عليه السلام) ليقدم إليهم على أساس أنه إمام مفترض الطاعة وإنما على أساس ما رأوه من الظلم الفظيع من يزيد وعماله وأرادوا الخلاص منه بواسطة الحسين (عليه السلام) لعلمهم بنزاهته ولياقته وفوق رؤيتهم للخلافة.

وقد ذكر التاريخ أن عبيد الله بن زياد قد سجن الشيعة المخلصين للإمام الحسين (عليه السلام)، حتى امتلأت سجونه منهم.. فهذه السجون كانت موطن الشيعة في ذلك الوقت!

ولذا قال الذهبي في ميزانه: «التشيع بلا غلو ولا تحرف فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة

 

«صفحة 49»

بينة»(1)، هذا ما ذكر في مصادر أهل السنة.

وأما من نصوص الشيعة في ذلك :

فمنها خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)رواها الكليني في الكافي عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال:

« قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ..، والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذا الأمة من الفرقة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ميزان الاعتدال ج1 ص5.

«صفحة 50»

وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار» (1).

وهذا يوضح للقارئ أن جيش علي (عليه السلام) كان في جله يقدم عمر ويقدس صلاة التراويح التي شرعها، وهؤلاء هم الذين راسلوا الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة، فمثل هؤلاء لم يكونوا ممن يرفضون أبا بكر وعمر وعثمان كما زعم الكاتب ولم يكونوا ممن يفضلون عليا (عليه السلام)، كيف ولم يقبلوا كلامه في الامتناع عن إتيان النافلة جماعة.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) روضة الكافي أي ج 8 ص 50، قال العلامة المجلسي في (مرآة العقول) ج25 ص131: «إن الخبر عندي معتبر لوجوه ذكرها محمد بن سليمان في كتاب منتخب البصائر».

«صفحة 51»

 

 

(5)الصحابة ونصيحتهم للحسين (عليه السلام)

 

قال: «وحاول منعه كثير من الصحابة ونصـحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي سعيد الخدري وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم».

 

نقول:

لو كانت هناك فطرة سليمة لقيل إنه يجب على الصحابة الذين ذكرت أسماؤهم نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)وطاعته، لا أنه يجب على الحسين (عليه السلام) طاعتهم والأخذ برأيهم كما يريد الكاتب!!

فنحن نعرف أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر المسلمين بأن أمته سوف تقتل ولده الحسين في كربلاء! وكان الحسين والصحابة يعلمون بذلك؟

 

«صفحة 52»

 

وأما نصائح من ذكرهم الكاتب وهي:

نصيحة ابن عباس للحسين (عليه السلام):

نقل ابن كثير عن ابن عباس قوله: «استشارني الحسين بن على في الخروج، فقلت لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب، فكان الذي رد على أن قال: لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة، قال: فكان هذا الذي سلى نفسي عنه» (1) .

إذاً، فقد استسلم ابن عباس لرأي الحسين (عليه السلام) عندما علم أن بني أمية قد عزموا على قتله أينما كان، وأن خروجه إنما هو لئلا يستحل بيت الله الحرام، وتفهّم ابن عباس موقف الحسين (عليه السلام)!

وبهذا يظهر لك زيف قول الكاتب إن ابن عباس نهاه ومنعه.

نصيحة ابن عمر المزعومة!

أما عبدالله بن عمر فقد كان معروفاً بمبدأ الخضوع للحاكم مهما كان، حيث بايع يزيد وهو يعلم أنه شارب الخمور

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) (1) البداية والنهاية ج8 ص 172.

«صفحة 53»

مرتكب الفجور.. ولم يتخلف عن هذا المبدأ إلا عند بيعة الأمة لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لا يجهل قدره (1)، وقد ندم على فعله! فالذي يندم على أفعاله، ويبايع يزيد مع أقل تهديد، كيف يمكن أن يعتد بنصحه؟!

كما أن ما ذكره من نصيحة أبي سعيد الخدري لو صحت فهي في هذا السياق الخانع للظلمة فالعبارة المنقولة عنه: «اتق الله في نفسك وألزم بيتك ولا تخرج على إمامك» (2)، فيفترض يزيد إماما؟!!.

المهم كما قلنا لو سلمنا بصدور تلك النصائح، فقد عرفت أن الإمام الحسين (عليه السلام) يعمل بأمر جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولا خيرة لأحد إذا قضى الله ورسوله أمرا.

نصيحة ابن الزبير المزعومة

وأما خلط الكاتب نصيحة ابن الزبير بجملة النصائح

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) (2) المصدر السابق ج7 ص 253.

(2) البداية والنهاية ج8 ص 176.

«صفحة 54»

فعجب من القول، لأن مصادر التاريخ تذكر عكس ذلك فقد كان ينصح الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخرج إلى العراق، وقد نقل ابن كثير قول ابن الزبير:

«أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها فلما خرج من عنده قال الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الأمر معي شيء وأن الناس لم يعدلوا بي غيري فود أني خرجت لتخلو له».

وقال في موضع آخر : «ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير إليه أن يقدم العراق ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك» (1) .

بل تجد في النصوص أن أبا سلمة بن عبد الرحمن ظن بأن الحسين (عليه السلام) خرج متأثراً بكلام ابن الزبير، فقد روى ابن كثير:

«وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ولكن شجعه على ذلك

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ج 8 ص 172، 175.

«صفحة 55»

ابن الزبير، وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير الحق بهم فإنهم ناصروك» (1) .

فلم يكن ابن الزبير يوما ما ناصحا للإمام الحسين (عليه السلام) بل قد أثبت ابن كثير في تاريخه قول ابن عباس لابن الزبير وهو غاضب:

«يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت قرت عينك هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز» (2) .

كما روى الذهبي قول ابن عباس للحسين (عليه السلام): «لولا أن يزري بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنك تقيم إذا لفعلت، ثم بكى وقال أقررت عين ابن الزبير، ثم قال بعد لابن الزبير: قد أتى ما أحببت أبو عبد الله يخرج إلى العراق ويتركك والحجاز

يا لك من قـنبرة بمعمر

خلا لك البر فبيضي واصفري

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 176.

(2) المصدر السابق ج8 ص 178.

«صفحة 56»

ونقري ما شئت أن تنقري

صيادك اليـوم قتيل فابشـري (1)

نعم روي قول ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك واخرجوا أخاك؟!… ولكن الزبير بن بكار الراوي يقول بعدها: قال عمي: وزعم بعض الناس أن عبدالله بن العباس هو الذي قال هذا(2).

نصيحة ابن عمرو المزعومة:

لم يذكر التاريخ أي لقاء تم بين الحسين (عليه السلام) وعبد الله بن عمرو، نعم نقل ابن كثير عن يحيى بن معين رأيه في خروج الحسين (عليه السلام)، ويصرح هناك بأنه لم يدرك الحسين (عليه السلام)، قال يحيى: حدثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال سمعت عبد الله بن عمرو: «عجل حسين قدره والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني» (3).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سير أعلام النبلاء ج3 ص 297.

(2) تاريخ دمشق ج14 ص 203.

(3) البداية والنهاية ج 8 ص 173، قال الكاتب: رواه يحيى بن معين بسند صحيح، لكن رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ج14 ص 202 عن يحيى بن معين نا أبو عبيدة نا سليم بن حيان قال الحراني: سليمان بن سعيد بن مينا قال سمعت عبدالله بن عمر يقول: «عجل حسين قدره … »، فكما ترى في بعض النسخ عن ابن عمر لا بن عمرو، نعم قال المحقق: بالأصل عمرو والمثبت عن الترجمة المطبوعة، والمهم هنا أن سليم ينقل عن سليمان بن سعيد لا أبيه سعيد بن مينا مما يوجب اضطرابا في السند.

«صفحة 57»

ويروى عنه خلاف ذلك، ففي طبقات ابن سعد عن الفرزدق قال:

لما خرج الحسين بن علي رحمه الله لقيت عبدالله بن عمرو فقلت له: إن هذا الرجل قد خرج فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه، فإنك إن أردت الدنيا أصبتها وإن أردت الآخرة أصبتها »(1)

نصيحة محمد بن الحنفية:

روى ابن عساكر: «وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينا بمكة وأعلمه أن الخروج ليس له برأي» (2) .

ولكن ما يرويه الطبري يختلف عن ذلك فقد ذكر أنه قال:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) القسم الخاص بترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) وقد طبع على حدة بتحقيق السيد الطباطبائي ص 63.

(2) تاريخ دمشق ج14 ص211.

«صفحة 58»

«تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك » (1).

وبهذا يتضح أن محمد بن الحنفية لم يخالفه في أصل الخروج ولكن اقترح خيارات وتفاصيل أخرى، فأجابه الحسين (عليه السلام): «يا أخي قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا».

هذا وللحسين جواب شامل لكل من عارضه على الخروج هو ما ذكره ابن كثير عنه في رده على عبد الله بن جعفر الذي كتب له كتابا يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم فكتب إليه الحسين:

«إني رأيت رؤيا ورأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني بأمر وأنا ماض له ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي» (2).

وفي رواية ابن الأعثم : «وأعلمك إني رأيت جدي رسول

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج4 ص253.

(2) البداية والنهاية ج 8 ص176.

«صفحة 59»

الله (صلى الله عليه وآله) في منامي فخبرني بأمر وأنا ماض له، لي كان أو علي والله يا ابن عمي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني ويقتلوني، والله يا ابن عمي ليعدين عليّ كما عدت اليهود على السبت، والسلام» (1).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الفتوح ج5 ص 74.

«صفحة 60»

 

 

 

(6)هل همَّ الحسينُ (عليه السلام) بالرجوع؟

 

قال: «وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الرسول الذي أرسله مسلم فهم الحسين بالرجوع فامتنع أبناء مسلم، وقالوا: لا ترجع حتى نأخذ بثأر أبينا، فنزل الحسين على رأيهم».

 

نقول:

أولاً: الرواية بهذه الزيادات ضعيفة السند إذ فيها خالد بن يزيد بن عبدالله القسري، وقد قال عنه الذهبي: «وكان صاحب حديث ومعرفة وليس بالمتقن ينفرد بالمناكير… قال أبو جعفر العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن عدي… وقال: أحاديثه لا يتابع عليها لا

 

«صفحة 61»

إسنادا ولا متنا»(1).

فعبارة «فهمّ بالرجوع» من منكرات خالد هذا .

ثانيا: استغل الكاتب خطأ في تاريخ ابن كثير، فسعى أن يوهم أنكلمة «لا ترجع» إنما هي أمر من أبناء مسلم بن عقيل للإمام الحسين (عليه السلام) فهم الذين أجبروه على الاستمرار.

ولكن بالرجوع إلى ما نقله الطبري وسائر المؤرخين، نرى أن المروي من قول أبنـاء مسلم هو: «والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل»، فقال الإمام (عليه السلام) بعدها: «لا خير في الحياة بعدكم» فسار (2).

ثالثا: وأما الحادثة وفق رواية الشيخ المفيد فخالية من تلك الزيادة، ففيها: «فنظر ـ أي الحسين (عليه السلام) ـ إلى بني عقيل، فقال: «ما ترون؟ فقد قتل مسلم»، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فأقبل علينا الحسين (عليه السلام) ، وقال:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سير أعلام النبلاء ج9 ص 410.

(2) رواه الطبري في تاريخه ج4 ص 292، وابن حجر في الإصابة ج2 ص16، والمزي في تهذيب الكمال ج6ص427، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3ص 308.

«صفحة 62»

«لا خير في العيش بعد هؤلاء» (1).

فمن الواضح أن كلام الحسين (عليه السلام) ليس إلا نوع من الاختبار لتصميم بني عقيل وثباتهم، وكيف ينتظر أن ينساق الحسين (عليه السلام) مع أبناء مسلم وهم أتباعه وتحت أمره ورأيه؟ بل كيف يتراجع وهو الذي عارض ناصحيه كما يقول الكاتب سابقا؟ وهل يرتاب الحسين بن علي (عليهما السلام) ويتزعزع عند أول مشكلة تواجهه بينما هو خارج للشهادة ويدرك أن المصيبة جسيمة؟

ولو أن الحسين (عليه السلام) كان من أولئك الذين تغلبهم العصبية البغيضة لانتقم لمقتل أخيه الإمام السبط الحسن (عليه السلام)، خصوصا مع ما حدث من منع بني أمية ومن معهم من دفنه عند جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وإثارة بني هاشم جميعا، لكنه آثر الصبر.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الإرشاد ج2 ص75، وكذلك الرواية عند الخوارزمي في (مقتل الحسين) ص 327.

«صفحة 63»

 

 

 

(7)فريةُ أن الحسينَ (عليه السلام) قال: «أضع يدي في يد يزيد»

 

قال الكاتب: فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام نحو يزيد فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمر بن سعد.

وقال: ولما رأى الحسين هذا الجيش العظيم علم أنه لا طاقة له بهم، وقال إني أخيركم بين أمرين: أن تدعوني أرجع أو تتركوني أذهب إلى يزيد في الشام ، فقال له عمر بن سعد أرسل إلى يزيد وأرسل أنا إلى عبيدالله فلم يرسل الحسين إلى يزيد».

انظر إلى محاولات التوهين والتنقيص من سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) بكلمات مفتراة مثل (انطلق الحسين يسير نحو طريق الشام)، وقوله (ولما رأى الحسين هذا الجيش العظيم علم أنه لا طاقة له بهم) فكأن الحسين ارتعد بسبب عظمة

 

«صفحة 64»

الجيش، وقوله (لم يرسل الحسين إلى يزيد)، فكيف لا يرسل وأنت تقول أنه ينطلق نحو طريق الشام طالبا أن يضع يده في يد يزيد؟! كلمات تتصبب منها الأحقاد الأموية على سيد الشهداء (عليه السلام).

كلها افتراءات ومن وحي قلم الجهالة، وتجد تكذيب ذلك كله فيما رواه الطبري: «عن حسان بن فائد بن بكر العبسي قال: أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل، فقال:كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم، ففعلت، فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم، فلما قرئ الكتاب على ابن زياد، قال: الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص» (1) .

وروى أيضا: «قال أبو مخنف: وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب ابن زهير الأزدي وغيرهما من المحدثين، فهو ما عليه جماعة من المحدثين،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج4 ص 311 أحداث سنة 60 هـ.

«صفحة 65»

قالوا إنه قال: اختاروا مني خصالا ثلاثا، إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم.

قال أبو مخنف: فأما عبدالرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال: صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير من أمر الناس» (1) .

فالطبري يروي الرواية التي تتحدث عن الخيارات

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج4 ص 313.

«صفحة 66»

الثلاثة عمن لم يعاصروا الحدث، ثم يروي عن عقبة بن سمعان ـ الذي كان شاهدا على الأحداث ـ إنكارا واضحا لما ذكر في الرواية السابقة أي ما تبناه كاتب المنشور.

هذا بالإضافة إلى أن من بديهيات التسلسل التاريخي للأحداث أن خروج الحسين (عليه السلام) من المدينة لم يكن له سبب إلا عدم مبايعة يزيد.

كما أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يصدر من مثل الحسين (عليه السلام)، فهو كذبا يصور الحسين (عليه السلام) نادما على خروجه أو خائفا من تلك الجموع، كيف وشجاعته واضحة في صفحات التاريخ، وهو الذي بشره رسول الله بهذا الموقف الإيماني العظيم، وقد قرأنا رسالة عمرة بنت عبد الرحمن قبل فقرات.

ولعل الحجة الأبلغ على الكاتب المحرف ما رواه إمامه ابن كثير فيتاريخه، قال: «ولكن طلب منهم أحد أمرين إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضـة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه» (1)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 190، ورواه ابن الأثير في الكامل ج3 ص165.

«صفحة 67»

بل إن ابن الجوزي ينقل عكس تلك الادعاءات إذ نقل رفض الحسين (عليه السلام) أن يضع يده بيد يزيد، قال: «فنادى ـ الحسين (عليه السلام) ـ يا شبث بن ربعي يا قيس بن الأشعث يا حجار ألم تكتبوا إلي قالوا لم نفعل فقال: فإذا كرهتموني دعوني انصرف عنكم، فقال له قيس: أولا تنزل على حكم ابن عمك ـ أي يزيد ـ فإنه لن يصل إليك منهم مكروه، فقال: لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل» (1) .

ويؤكد ذلك قول الحسين (عليه السلام) الذي رواه الذهبي: «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللـه، وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما» (2) .

هذه هي الحقيقة التي تتناسب مع شخصية سبط النبي (صلى الله عليه وآله) وابن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، الذي تربى تحت بارقة ذي

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتظم ج4 ص155، ورواه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص194.

(2) تاريخ الإسلام، الجزء المتعلق بأحداث سنة (61 ـ 80) من الهجرة ص12.

«صفحة 68»

الفقار، لا ما انتسجته الروح الأموية للكاتب بقصد التقليل من شأن الحسين (عليه السلام) ونهضته المباركة والرفع من شأن يزيد حفيد آكلة الأكباد.

 

 

«صفحة 69»

 

(8)زَعْمه أن الحسينَ لم يمنع من الماء

 

قال الكاتب: «وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشانا وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء».

 

لقد زاد هذا الكاتب في بغضه لأهل البيت (عليهم السلام)، وحبه لقاتليهم، على أسياده وأئمته، فاستعمل الكذب الصريح المخالف لقول إمامه ابن كثير!!

فابن كثير بدأ سرد احداث كربلاء بقوله: «وهذه صفة مقتله مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب» (1) ، فما يقوله ابن كثير هنا كما يزعم خال عن الكذب، وهو يرد كذب هذا الكاتب!

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 186.

«صفحة 70»

يقول عن عطش الحسين (عليه السلام): «فرد عليه ابن زياد: أن حل بينهم وبين الماء كما فعل بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين الماء» (1)، فالحديث عن منع الماء حديث أئمة هذا الشأن وليس حديث الشيعة كما زعم الكاتب!

وكذلك روى الطبري: «ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش، دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارسا ، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: من الرجل؟ فقال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: فاشرب هنيئا، قال: لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، وإنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم عن الماء » (2) .

وروى الطبري في تاريخه موقف حر بن يزيد قائلا: «ثم ضرب فرسه، فلحق بالحسين، فاعتذر إليه بما تقدم، ثم قال:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ج8 ص 189، ورواه الطبري في تاريخه ج4 ص 311.

(2) تاريخ الطبري ج4 ص312.

«صفحة 71»

يا أهل الكوفة لأمكم الهبل، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم، أسلمتموه ، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الذي يشرب منه الكلب والخنزيز، وقد صرعهم العطش؟» (1) .

ما الذي يجنيه هذا الكاتب من نفي العطش عن الحسين؟

هل يريد تقليل التعاطف مع الحسين (عليه السلام) ظانا بأن أصل هذا التعاطف هو مجرد العطش؟ فإن نفاه نفى مظلومية الحسين (عليه السلام)؟ أم يريد أن يكون جنديا في الجيش الأموي محاربا الحسين (عليه السلام) بقلمه إذ لم يسعفه الزمن أن يكون محاربا بيده مع إمامه يزيد؟

فالمتتبع يدرك أن عطش الحسين (عليه السلام) من مسلمات واقعة الطف الأليمة، روى ابن كثير: «وقد اشتد عطش الحسين، فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر، بل مانعوه، فخلص إلى شربة منه، فرماه رجل يقال له حصين بن تميم في حنكه، فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه، ففار الدم، فتلقاه بيديه، ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ج4 ص 195.

«صفحة 72»

ثم رمى به إلى السماء، وقال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الأرض منهم أحدا، ودعا عليهم دعاءا بليغا، قال: فو الله إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ، فجعل لا يروى إلى أن مات» (1) .

قال ابن كثير: «وقد أنشد الحاكم النيسابوري في ذلك:

جاءوا برأسك يا بن بنت محمد

متزملا بدمائه تزميلا

وكأن بـك يا بن بنــت محـمد

قتلوا جهارا عامدين رسولا

قتلوك عطشانا ولم يتـدبروا

في قتلك القرآن والتنزيلا

ويكـرون بأن قتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا (2)

لا تجد مصدرا من مصادر التاريخ لا يذكر قصة منع الماء

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 203.

(2) المصدر السابق ج 8 ص216.

«صفحة 73»

وعطش الحسين (عليه السلام) (1)، ومع ذلك يأتي هذا ليقول: (إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء)، نعوذ بالله من الخذلان والهوى!

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) وذكر قصة المنع من الماء ابن الأثير في (الكامل) ج3 ص181، وابن سعد في (الطبقات الكبرى) في ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ص74، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) ج14ص223، والمزي في(تهذيب الكمال) ج6ص430، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) ج3ص311، والدينوري في (الأخبار الطوال) ص251، وابن الجوزي في (المنتظم) ج4ص156، وابن أعثم في (الفتوح) ج5ص111.

«صفحة 74»

 

(9)يزيد البريء؟!!

قال: لم يكن ليزيد يدا في قتل الحسين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق.

 

نقول:

كيف والطبري نقل رسالة يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة «أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام» (1)، فماذا يعني (أخذه أخذا شديدا ليست فيه رخصة)، فقد أصدر هذا الأمر قبل أن يخرج الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة، فكيف تتخيل موقف يزيد عند خروجه (عليه السلام) باتجاه الكوفة.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج 4 ص 250، ونقل ذلك ابن كثير في البداية و النهاية ج8 ص 157.

«صفحة 75»

وروى ابن الجوزي عهد يزيد إلى عبيد الله الأمر بقتل مسلم بن عقيل: «ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكان عنده فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة وكتب إليه معه أما بعد فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام» (1).

روى ابن الجوزي عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي قال: «قدم رأس الحسين فلما وضع بين يدي يزيد ضربه بقضيب كان في يده ثم قال:

نفلق هاما من رجال أعزة

علينا وهم كانوا أعق واظلما».

وروى عن مجاهد قال: «جيء برأس الحسين بن علي فوضع بين يدي يزيد بن معاوية فتمثل بهذين البيتين يقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتظم ج4 ص142، وابن كثير في البداية والنهاية ج8ص164.

«صفحة 76»

فأهـلوا واستهـلوا فــرحا

ثم قالـوا لي: بقيــت لأتمثل

قال مجاهد: نافق فيها» (1).

فهل الذي يضرب رأس الحسين (عليه السلام) بقضيب لم يكن يقصد قتله؟! بل نقل الصفدي أن رأس الحسين (عليه السلام) علق بدمشق ثلاثة أيام (2)، فهل أراد يزيد أن يظهر براءته بذلك.

مشكلة أمثال هؤلاء أنه لا يقرأ لغير ابن تيمية، فلم يقرأ قول الذهبي: «قلت: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، وقتل الحسين وأخوته وآله، وشرب يزيد الخمر، وارتكب أشياء منكرة، بغضه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره» (3).

وقال أيضا: «قلت: وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا يتناول المسكر ويفعل المنكر افتتح دولته بمقتل الحسين الشهيد

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتظم ج4 ص 157 ـ 158.

(2) الوافي بالوفيات ج12 ص 426.

(3) تاريخ الإسلام الجزء الخاص لأحداث السنوات (61 ـ 80) ص 30.

«صفحة 77»

واختتمها بواقعة الحرة فمقته الناس» (1).

وقال ابن كثير: «وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام وهذا خطأ كبير فاحش مع ما أنضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيدالله بن زياد وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف» (2).

وقال السيوطي: «فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا» (3)، فما هو وجه اللعن من السيوطي ليزيد إذا لم يعتقد بأن يده ملطخة بدم الحسين (عليه السلام)؟

وسؤالنا هو: أليست هذه أقوال علماء السنة أم التاريخ السني خلا من علماء غير ابن تيمية؟!

وقال الكاتب: ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سير أعلام النبلاء ج4ص37.

(2) البداية والنهاية ج8 ص243.

(3) تاريخ الخلفاء ص207.

«صفحة 78»

ذلك وظهر البكاء في داره.

نعم، قد بالغ يزيد في الندم حتى صار ـ لعنه الله ـ بعد هذا البكاء المزعوم ينكت الرأس الشريف بقضيب بيده كما نقلنا، ثم يترنم بأشعار جاهلية، ثم ادعى في خبر سيأتي عند رد العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه أن بإمكانه أن يهدي ابنة الحسين (عليه السلام) جارية إلى بعض الحضور.

نعم قد يتظاهر هذا المجرم بالندم كما قال السيوطي: «ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه» (1).

فأنت ترى أيها القارئ أن صح فهو تظاهر بالندم، وتنادم سياسي بسبب العواقب الوخيمة والسيئة التي ترتبت على جريمته لا لأنه يرى قتل الحسين (عليه السلام) جريمة في نفسها .

وقال الكاتب مناصرا ليزيد: ولم يسب لهم حريما بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم.

وتتجلى مظاهر التكريم من يزيد لأهل بيت الحسين (عليه السلام)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء ص 208.

«صفحة 79»

الذي يدعيه الكاتب فيما نقله ابن كثير في تاريخه:

«فلما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه فأدخلن عليه والناس ينظرون، فقال لعلي بن الحسين يا علي أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت، فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب فقال يزيد لابنه خالد: أجبه، قال: فما درى خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ».

وذكر في الصفحة نفسها عن فاطمة بنت علي قولها:

«أن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه يعنيني وكنت جارية وضيئة فارتعدت فزعة من قوله وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب أختي زينب وكانت أكبر منى وأعقل وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز فقالت لذلك الرجل: كذبت والله ولؤمت وما ذلك لك وله، فغضب يزيد فقال لها: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك

 

«صفحة 80»

إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب بدين الله ودين أبى ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك قال كذبت يا عدوة الله قالت: أنت أمير المؤمنين مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك قالت: فو الله لكأنه استحى فسكت، ثم قام ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه، فقال له يزيد: أعزب وهب الله لك حتفا قاضيا» (1) .

وروى أيضا :

«فأوفده إلى يزيد بن معاوية فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ويقول:

يفلقن هاما من رجال أعزةعلينا وهم كانوا أعق وأظلما

فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك فو الله لربما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضعا فيه على فيه يلثمه» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 211.

(2) المصدر السابق ج 8 ص 215.

«صفحة 81»

 

ونحن نظن بأن كاتب المنشور لو كان متواجدا في ذاك المجلس لقال لأبي برزة: دع عنك هذا، فإن يزيد يكرمه بهذا.

وقال الكاتب: أن بني هاشم وبني أمية أبناء عمومة وذلك إن هاشم بن عبد مناف والد بني هاشم وبني عبد شمس بن عبد مناف والد بني أمية إخوان فالحسين ويزيد أبناء عمومة.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن العاقل هو التساؤل: ماذا يريد الكاتب من هذا الكلام؟ أيقول بأن أبناء العمومة يجوز لهم أن يقتلوا بعضهم ولاحق لكم بالتدخل؟ أم أنه يقول بأن أبناء العمومة لا يقتلون بعضهم وكل ما ينقل هو كذب؟

إننا نرى في تاريخ حكام المسلمين الأخ يقتل أخاه في سبيل الملك فكيف ببني العمومة؟!

نعم هناك قرابة ولكنها قرابة سوء كان يبغضها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد روى الحاكم عن أبي برزة الأسلمي قال: «كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف».

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

 

«صفحة 82»

 

وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم (1).

وربما كانت هذه العداوة نبعت من اصطفاء الله لبني هاشم دونهم كما يذكر ذلك مسلم عن واثلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» (2) .

وقال: لم يثبت أن رأس الحسين أرسل إلى يزيد بالشام بل الصحيح أن الحسين قتل في كربلاء ورأسه أخذ إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة.

هذا رأي الكاتب الذي يلغي من التاريخ الحوادث التي لا تتناسب مع أهواءه، أما ابن كثير فيقول: «وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا على قولين الأظهر منهما أنه سيره إليه وقد

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين ج4ص528، ورواه الطبراني في (المعجم الكبير) ج18 ص229 بإضافة قول عمران بن حصين: «اكتم علي حتى أموت».

(2) صحيح مسلم ج4 ص 1782.

«صفحة 83»

ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم » (1).

وقال: «وأما رأس الحسين (رض) فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومن الناس من أنكر ذلك وعندي أن الأول أشهر فالله أعلم» (2) .

ونقل عن مجاهد قوله: لما جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الأبيات:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج في وقع الأسل

فأهلوا واستهلوا فرحا

ثم قالوا لي هنيا لا تسل

حين حكت بفناء بركها

واستحر القتل في عبد الأسل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج 8 ص209.

(2) المصدر السابق ج 8 ص 222.

«صفحة 84»

قد قتلنا الضعف من أشرافكم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل (1)

وقد صرح السيوطي بإرسال الرأس إلى يزيد، فقال: «ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ج 8 ص 209.

(2) تاريخ الخلفاء ص 208.

«صفحة 85»

 

 

(10)التشكيك بقبر الحسين (عليه السلام)

 

قال: «ولا يعلم قبر الحسين ولا يعلم مكان رأسه عليه السلام».

 

نقول:

ولعل هذا آخر ما في كنانة الكاتب من أسهم الجهالة، فانظر إلى ما يقوله ابن كثير: «وأما قبر الحسين (رضي الله عنه) فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي بمكان من الطف عند نهر كربلاء فيقال إن ذلك المشهد مبنى على قبره، وذكر هشام بن الكلبى أن الماء لما أجرى على قبر الحسين ليمحى أثره نضب الماء بعد أربعين يوما فجاء أعرابى من بنى أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى، وقال: بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك تربتك ثم أنشأ يقول:

 

«صفحة 86»

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه

فطيب تراب القبر دل على القبر» (1)

ومما يدل على بقاء محله معروفا ما قاله ابن كثير: «ثم دخلت سنة ست وثلاثون ومائتين وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حوله من المنازل والدور» (2).

وذكر ذلك السيوطي ثم قال: «ذكر أن الخليفة المنتصر بالله الذي كان راغبا في الخير قليل الظلم محسنا إلى العلويين وصولا لهم أزال عن آل أبى طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك» (3).

بل كان القبر معروفا في عام 553 هـ، فقد روى ابن الجوزي: «ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة … وفي ربيع الآخر

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 221.

(2) (2) المصدر السابق ج10 ص315، ونقل ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء ج12ص35 معلقا: «وكان المتوكل فيه نصب وانحراف».

(3) تاريخ الخلفاء ج2 ص356.

«صفحة 87»

خرج أمير المؤمنين بقصد الأنبار وعبر الفرات وزار قبر الحسين (عليه السلام)»(1).

وأما الرأس الشريف :

فقد قال ابن كثير: «وأما رأس الحسين فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الذي دفن فيه الرأس، فروى محمد بن سعد: أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعبد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع، وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبدالرحمن عن محمد بن عمر بن صالح ـ وهما ضعيفان ـ أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي، فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق،قلت: ويعرف مكانه بمسد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني، وذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريا حاضنة يزيد بن معاوية أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعرى يعني قوله:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتظم ج10ص181.

«صفحة 88»

 

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح حتى كان زمن سليمان بن عبدالملك جيء به إليه وقد بقي عظما أبيض فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين فما جاءت المسودة ـ يعنى بنى العباس ـ نبشوه وأخذوه معهم» (1).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج8 ص 222.

«صفحة 89»

 

 

 

(11)الكرامات التي ظهرت

 

قال: «وأما ما روي من أن السماء صارت تمطر دما أو أن الجدر كان يكون عليها الدم أو ما يرفع حجر إلا ويوجد تحـته دم أو ما يذبحـون جزورا إلا صار كله دما فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة».

هل نقول: ما أعجله؟ أم ما أجهله؟

فقد تعجل الكاتب إرضاء لهواه بالجزم بأن هذه الروايات كلها ليست لها أسانيد صحيحة، بينما رواها الثقات من أهل العلم ـ عند أهل السنة ـ ، بل رواها ابن كثير على تعصبه، ولم يجزم بردها عند الحديث عن دلائل النبوة، إذ قال: «إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة وفي بعضها احتمال والله أعلم» (1) .

فإذا نفى بعضها ابن كثير المتعصب، فإن هذا قد تجاوزه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج6 ص 259.

«صفحة 90»

في التعصب أو النصب حتى نفاها كلها، وهذه المصادر السنية لتلك الكرامات:

كسوف الشمس:

وروى الهيثمي في عن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي (أي القيامة)، رواه الطبراني وإسناده حسن(1).

ونقل نحو ذلك السيوطي قال: «ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضا وكسفت شمس ذلك اليوم واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله» (2) .

وروى الذهبي عن ابن سيرين: «لم تبك السماء على أحد بعد يحيى (عليه السلام) إلا على الحسين» (3) .

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد ج9 ص 197.

(2) تاريخ الخلفاء ص 207.

(3) سير أعلام النبلاء ج3ص312، ونقله البيهقي في دلائل النبوة ج7 ص468، وأبو نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابة ج2ص662.

«صفحة 91»

وأعلم بأن ذلك لا يتعارض مع قوله (صلى الله عليه وآله): «أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته» (1)، حيث أن كسوف الشمس لم يحدث لمجرد الموت بل للجريمة الكبيرة التي مورست ضد السبط المطهّر الشهيد، فالأمر من قبيل قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الروم / 41، وهذا هو الحال في جريمة قتل الحسين وأهل بيته (عليهم السلام).

الدم الذي ظهر على الجدر

قال ابن جرير الطبري: «قال حصين: فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع» (2) .

ما رفع حجر إلا وجد تحته دم

روى الهيثمي «عن الزهري قال: قال لي عبد الملك أي واحد

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج2 ص 24، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس.

(2) تاريخ الطبري ج4 ص 296.

«صفحة 92»

أنت إن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين فقال قلت لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط فقال لي عبدالملك إني وإياك في هذا الحديث لقرينان »، رواه الطبراني ورجاله ثقات.

وعن الزهري قال: ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلا عن دم، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (1).

السماء صارت تمطر دما:

روى الهيثمي عن أم حكيم قالت: قتل الحسين وأنا يومئذ جويرية فمكثت السماء أياما مثل العلقة . ثم قال: رواه الطبراني ورجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح.

ذبحوا جزوراً فصار كله دماً :

قال الهيثمي: «عن دويد الجعفي عن أبيه قال: لما قتل الحسين انتهبت جزور من عسكره، فلما طبخت إذا هي دم»،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد ج9 ص 196، وروى ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص314، والبيهقي فيدلائل النبوة ج7 ص468، وأبو نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابة ج2ص667.

«صفحة 93»

رواه الطبراني ورجاله ثقات(1).

الفتن التي أصابت القتلة :

قال ابن كثير في تاريخه: «وأما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله، فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابه الجنون» (2) .

وقال أيضا: «وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي »، وهذا صحيح (3)، كما نقل الهيثمي الخبر الأخير، وقال عنه: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح»(4).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد ج9 ص 196، ورواه أبو نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابة ج2 ص 667.

(2) البداية والنهاية ج 8 ص 220.

(3) المصدر السابق ج6 ص 259.

(4) مجمع الزوائد ج9 ص 19.

«صفحة 94»

 

 

 

(12)العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) والبدعة

 

قال الكاتب: وما يذكر عن فضل البكاء في عاشوراء غير صحيح، إنما النياحة واللطم أمر من أمور الجاهلية التي نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عنها وأمر باجتنابها وليس هذا منطق أموي حتى يقف الشيعة منه موقف العداء بل هو منطق أهل البيت رضوان الله عليهم وهو مروي عنهم عند الشيعة كما هو مروي عنهم أيضا عند أهـل السنة، فقد روى ابن بابويه القمي في (من لا يحضره الفقيه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «النياحة من عمل الجاهلية …».

وقال: «لا يجوز لمن خاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك وما علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمد أو ابنه جعفر أو موسى

 

«صفحة 95»

بن جعفر ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا فهؤلاء هم قدوتنا…».

 

نقول:

الحزن على أئمة الهدى:

لابد أن نقرر في البدء بأن من مسلمات الشريعة جواز القيام بالأعمال التي تعد مصاديق للعناوين العامة المندوب إليها في الشريعة الإسلامية، وتلك العناوين العامة كإحياء أمر الدين وتوقير النبي (صلى الله عليه وآله) والدعوة إلى الله بكل السبل الممكنة والمباحة، لذلك ترى المسلمين قاطبة ـ إلا المتمسلفين ـ يدعون للاحتفال بالمولد النبوي الشريف ويوم الإسراء والمعراج وغيرها كمصاديق لإحياء أمر الدين.

ومن السيرة التي نراها على مر القرون عند المتشرعة الاعتماد على العرف السائد غير المردوع من قبل الشارع في تحدد الطريقة المناسبة لإحياء أمر الدين.

ولولا ذلك لما جاز تغيير وتطوير أساليب الدعوة كطباعة

 

«صفحة 96»

الكتب والتلفزيون والمذياع والندوات والمخيمات والمدارس الدينية، التي لم تكن في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا زمن الطبقة الأولى من المسلمين، ولكن مع تطور الزمن تطور أسلوب الدعوة.

وقد دعا القرآن الكريم إلى تذكر الحوادث التي ﴿ تذكر بالله وإحيائها في النفوس، فقال تعالىوَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ إبراهيم/ 5، وأيام الله هي الأيام العظيمة المهمة التي تنسب إليه سبحانه نحو انتساب كيوم القيامة ويوم ظهور نعمة أو يوم مصاب عظيم أو ما شابه، والآية تفيد أن التذكر يناسب كل حادثة عظيمة، وحادثة عاشوارء من أيام الله تعالى ويناسبها إظهار الحزن والعزاء في ذكراها.

علما بأن من العناوين العامة في الدين إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وتوقيرهم ومحبتهم والحزن لحزنهم والفرح لفرحهم، فإن الله تعالى قد أمر بمودة أهل البيت (عليهم السلام)، فهل تتصور المودة في الفرح لحزنهم والحزن لفرحهم؟

والمآتم الحسينية إنما هي مصداق من مصاديق تلك المودة

 

«صفحة 97»

المفروضة، وتلك المراسيم لم يرد فيها نهي ولا منع، لذا فهي جائزة أصالة، ويرجح كفة إقامتها لأنها إحياء لأمر الدين.

وأما بالنسبة لنا نحن الإمامية فقد وردت الروايات والنصوص عن الأئمة (عليه السلام) في الحث عليها، نعم إذا منع الدين وحرم الحزن على المؤمن عندها لنا أن نحتمل المنع من الحزن على الحسين سيد الشهداء (عليه السلام)؟ وإن لم يجز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) التأثر الشديد بمقتل حمزة،لم يجز لنا التأثر بمقتل الحسين (عليه السلام)، كيف والحسين (عليه السلام) أعز عند الله ورسوله من حمزة؟!

وسنذكر الأدلة الخاصة التي تدل على فضل البكاء والنوح على سيد الشهداء (عليه السلام) فيما يلي.

مشروعية البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام):

إن إشكال القوم على الشيعة فيما يخص مراسيم إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام محصورة في النقاط التالية:

أ ـ حرمة البكاء على الميت:

واستدلوا على ذلك «بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (1)،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم ج2 ص 638.

«صفحة 98»

وقد رواه ابن عمر ، وهو باطل جزما لعدة وجوه:

أولا : لا شك ببطلان ذلك، فقد روى البخاري عن أنس عندما كان إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجود بنفسه: «فجعلت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف (رضي الله عنه) وأنت يا رسول الله؟! فقال: يا ابن عوف إنها الرحمة، ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (1).

بل القرآن يتحدث عن بكاء نبي من أنبياء الله على فقد ابنه وهو حي غائب فكيف نمنع من البكاء على المفقود الميت، قال تعالى وهو يتحدث عن بكاء يعقوب على ابنه يوسف عليهما السلام ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ يوسف/84.

ثانيا : إن عائشة ردت الخبر وبينت بطلانه، وصرحت بأن ابن عمر أخطأ ولم يحفظ الرواية بصورة صحيحة وأن قوله هذا مخالف لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فاطر/18،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج2 ص 105.

«صفحة 99»

روى ذلك مسلم في كتاب الجنائز (1).

ب ـ الإشكال على تكرار البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وإعادة ذكر مصيبته في كل سنة.

أولا : يردّ هذا الأمر بأن يعقوب (عليه السلام) قد أشكل عليه أبناؤه كما نقل عنهم القرآن فقالوا ﴿تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ ، فقوله تفتأ دليل على تكراره ذلك الأمر، وقد قلنا إن مصيبة الموت أولى من مصيبة غياب المفجوع عليه، كما بينا الدعوة إلى التذكير بأيام الله المنصوص عليه في قوله تعالى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ﴾ .

ومكانة الحسين لا ينكرها إلا معاند، فشأنه عند الله تعالى يتجلى بما سبق ذكره من العلامات التي ظهرت في الكون وعبرت عن الغضب الإلهي على قتلته (عليه السلام)، وكذلك في الحديث الذي مر ذكره من أن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) بأنه عز وجل إذا كان قد انتقم لدم يحيى (عليه السلام) بقتل سبعين ألف فسوف ينتقم لدم الحسين (عليه السلام) بسبعين ألف وسبعين ألف.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج2 ص 642.

«صفحة 100»

ثانيا : وقد أجاب الإمام زين العابدين (عليه السلام) بما دل من القرآن على استمرار حزن يعقوب عند رده على من أشكل عليه باستمرار حزنه على أبيه كما أورده أبو نعيم الأصفهاني عن علي بن الحسين (عليهما السلام) عندما عوتب على كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطا من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي في غزاة واحدة، أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟ »(1).

وهذا الإشكال ممن يدعي التمسك بمنهج السلف هو نفس الإشكال على إحياء ذكرى المولد النبوي من التكرار السنوي للذكرى، فالأمر محبب عند الشرع، وهو مثل تكرار دراسة الفقه أو الحديث أو القرآن الكريم.

ج ـ النياحة:

وقد أورد نصا من كتب الشيعة يصف النياحة بأنها من عمل الجاهلية، ويرد عليه:

أولا : أن هذه الرواية موجودة في مصادر السنة قبل الشيعة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) حلية الأولياء ج3 ص 162.

«صفحة 101»

ومع ذلك فإن من علماء السنة من أجاز النياحة ولم يعتبر هذا النص مانعا من جوازها، وقد أقر ابن حجر بهذا الخلاف عند شرحه لعنوان الباب الذي وضعه البخاري في صحيحه (باب ما يكره من النياحة على الميت):

«قال الزين بن المنير: ما موصولة ومن لبيان الجنس فالتقدير الذي يكره من جنس البكاء وهو النياحة، والمراد بالكراهة كراهة التحريم لما تقدم من الوعيد عليه انتهى.

ويحتمل أن تكون ما مصدرية ومن تبعيضة والتقدير كراهية بعض النياحة أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره ونقل ابن قدامة عن أحمد رواية أن النياحة لا تحرم وفيه نظر، وكأنه أخذه من كونه (صلى الله عليه وآله) لمن ينه عمة جابر لما ناحت عليه فدل على أن النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعل من ضرب خد أو شق جيب، وفيه نظر » (1) .

وكذلك بحث الأمر ابن القيم وذكر الخلاف حول ذلك، قال: في الباب الثامن عشر في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب… ثم قال :«وأما الندب والنياحة فنص أحمد

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري ج3 ص 161.

«صفحة 102»

على تحريمها، قال في رواية حنبل: النياحة معصية، وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام، وقال ابن عبدالبر أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء.

وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: يكره تنزيها، وهذا لفظ أبي الخطاب في الهداية قال: ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجبوب والتحفي، والصواب القول بالتحريم…

وقال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له: روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل أنهما كانا يسمعها النوح ويسكتان.

قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية لما نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها فقالت: فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها، قالت: فما قال لها شيئا فذهبت فانطلقت ثم رجعت فبايعها.

قالوا: وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه تنزيه لا تحريم ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعا

 

«صفحة 103»

بين الأدلة» (1) . انتهي المنقول من كلام ابن القيم.

والقصد من إيراده أن هناك من علماء السنة من قال بجواز النياحة مع وجود الروايات الناهية عندهم كرواية «النياحة على الميت من أمر الجاهلية» (2) فما هو جوابكم عن هذا، أفلا تسمع للفقه الشيعي أن يقول بالجواز مع ورود الرواية المذكورة في مصادره، مع أن النص الذي أورده الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) نص مرسل لا سند له (3).

ثانيا : أن علماء الطائفة لم يخف عليهم أمر الرواية، وكما كان لعلماء السنة آراء واجتهادات في فهم النص، كذلك كانت لعلمائنا رضوان الله تعالى عليهم، فينبغي للعاقل أن يطلع على آراء علماء الطائفة وموقفهم تجاه هذا النص.

ويكفي للقاريء ملاحظة ما ورد في كتاب (العروة الوثقى) وهو كتاب يحشد آراء مجموعة من علماء الشيعة الفقهية في حقبة من الزمان، حيث تجد في كتاب الطهارة تحت عنوان

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) عدة الصابرين ج1 ص83.

(2) سنن ابن ماجة ج1 ص 504.

(3) من لا يحضره الفقيه ج4 ص 376.

«صفحة 104»

مكروهات الدفن حديثا مفصلا حول تلك الأمور فيقول السيد اليزدي (رحمه الله) :

(1 مسألة) يجوز البكاء على الميت ولو كان مع الصوت بل قد يكون راجحا كما إذا كان مسكنا للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافيا للرضا بقضاء الله، ولا فرق بين الرحم وغيره، بل قد مر استحباب البكاء على المؤمن، بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضال والخبر الذي ينقل من أن الميت يعذب ببكاء أهله ضعيف مناف لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء الله نعم يوجب حبط الأجر ولا يبعد كراهته.

(2 مسألة) يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يتضمن الكذب ولم يكن مشتملا على الويل والثبور، لكن يكره في الليل ويجوز أخذ الأجرة عليه إذا لم يكن بالباطل، لكن الأولى أن لا يشترط أولا.

(3 مسألة) لا يجوز اللطم والخدش وجز الشعر بل والصراخ الخارج عن حد الاعتدال على الأحوط وكذا لا يجوز شق

 

«صفحة 105»

الثوب على غير الأب والأخ والأحوط تركه فيهما أيضا (1).

ولا بد من أن نعرف أن هذه الفتاوى بكراهة الجزع أو النياحة ناظرة إلى الأصل، وأما بالنسبة لمصاب أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) أرواحنا له الفداء فقد وردت روايات خاصة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) التي تصرح باستثنائه واعتباره مصابا مميزا عن غيره لا تشمله بعض تلك الأحكام وأهمها الجزع الذي استثني بالنسبة لمصاب الحسين (عليه السلام) في الروايات بل صرحت الروايات باستحبابه .

ثالثا : تعددت الروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) والتي تذكر مصاب الحسين (عليه السلام)، فقد روى الطوسي في أماليه عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن أبي محمد الأنصاري عن معاوية بن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام) » (2) .

والسند تام فكل الرواة ثقات عدا أبو محمد الأنصاري،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى، ج1 ص 447.

(2) بحار الأنوار ج44 ص 280.

«صفحة 106»

وقد قال عنه السيد الخوئي بعد أن نقل رواية الكليني عن محمد بن عبدالجبار عن أبي محمد الأنصاري قال وكان خيرا: «أبو محمد الأنصاري هذا يعتد بقوله لقول محمد بن عبدالجبار في رواية الكافي المتقدمة أنه خير. .. وأما قول نصر بن الصباح من أنه مجهول لا يعرف فلا يعتنى به لأن نصر بن الصباح ضعيف» (1).

ورواه ابن قولويه في (كامل الزيارات) مثل الرواية السابقة عن أبي عن سعد عن الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) سمعته يقول : «إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء على الحسين بن علي عليهما السلام فإنه فيه مأجور» (2) .

فهذه الرواية صريحة في أن المكروه السابق لا يشمل الحزن على سيد الشهداء الحسين (عليه السلام).

هذا وقد أشبع الحديث عن ذلك العلامة الحلي في المنتهى، قال المجلسي: «قال العلامة قدس الله روحه في المنتهى:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحديث ج22 ص36.

(2) كامل الزيارات ص 202.

«صفحة 107»

البكاء على الميت جائز غير مكروه إجماعا قبل خروج الروح وبعده إلا الشافعي فإنه كره بعد الخروج والنياحة بالباطل محرمة إجماعا أما بالحق فجائزة إجماعا ويحرم ضرب الخدود ونتف الشعر وشق الثوب إلا في موت الأب والأخ فقد سوغ فيهما شق الثوب للرجل وكذا يكره الدعاء بالويل والثبور» (1) .

ثم قال العلامة المجلسي: «وقال الشهيد نور الله ضريحه في (الذكرى): يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعا قاله في المبسوط لما فيه من السخط لقضاء الله واستثنى الأصحاب إلا ابن إدريس شق الثوب على موت الأب والأخ لفعل العسكري على الهادي (عليه السلام) وفعل الفاطميات على الحسين (عليه السلام) وسئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة فقال: لا بأس قد نيح على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي آخر لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا … وروى أبو حمزة عن الباقر (عليه السلام) مات ابن المغيرة فسألت أم سلمة النبي (صلى الله عليه وآله) أن يأذن لها في

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج82 ص 104.

«صفحة 108»

المضي إلى مناحته فأذن لها وكان ابن عمها ـ ثم رثته بأبيات ـ وفي تمام الحديث فما عاب عليها النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك ولا قال شيئا…».

ثم قال قدس سره: «يجوز الوقف على النوائح لأنه فعل مباح فجاز صرف المال إليه ولخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) قف من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى، والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها ليقتدى بها…

والشيخ في المبسوط وابن حمزة حرما النوح، وادعى الشيخ الإجماع، والظاهر أنهما أرادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرم كما قيده في (النهاية) وفي (التهذيب) جعل كسبهما مكروها بعد روايته أحاديث النوح.

ثم أوّل الشهيد (رحمه الله) أحاديث المانع المروية من طرق المخالفين بالحمل على ما كان مشتملا على الباطل أو المحرم لأن نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا، ثم قال: «المراثي المنظومة

 

«صفحة 109»

جائزة عندنا وقد سمع الأئمة (عليهم السلام) المراثي ولم ينكروها» (1) ، انتهى المنقول من كلام العلامة المجلسي.

البكاء على الميت مستحب عند أهل السنة!

هذا وقد ورد في مصادر العامة ما يدل على أن البكاء على الميت سنة سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد روى إسحاق بن راهويه قال:

أخبرنا النضر بن شميل نا محمد بن عمرو حدثني محمد بن إبراهيم عن عائشة قالت: مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين انصرف على بني الأشهل فإذا نسائهم يبكين على قتلاهم وكان استمر القتل فيهم يومئذ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لكن حمزة لا بواكي له قال فأمر سعد بن معاذ نساء بني ساعدة أن يبكين عند باب المسجد على حمزة فجعلت عائشة تبكي معهن فنام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستيقظ عند المغرب فصلى المغرب ثم نام ونحن نبكي فاستيقظ رسول الله لعشاء الآخرة فصلى العشاء ثم نام ونحن نبكي فاستيقظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن نبكي فقال: ألا أراهن يبكين حتى الآن مروهن فليرجعن ثم دعا لهن

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج82 ص 105 ـ 108.

«صفحة 110»

ولأزواجهن ولأولادهن (1) .

والرواية حسنة على الأقل لوثاقة الكل إلا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي قال ابن حجر: «صدوق له الأوهام»(2).

ورواه أحمد في مسند ابن عمر قال:

«حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن زيد حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رجع من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «ولكن حمزة لا بواكي له «قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: فهن اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة» (3) .

وقد بين الحاكم الأمر الأخير بقوله : «وهو أشهر حديث بالمدينة فإن نساء المدينة لا يندبن موتاهن حتى يندبن حمزة وإلى يومنا هذا» (4).

ولعلك تلاحظ في هذه الرواية أنها لا تدل على جواز البكاء

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مسند اسحاق بن راهويه ج2 ص 599.

(2) تقريب التهذيب ج2 ص 119.

(3) مسند أحمد ج9 ص 38.

(4) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 381.

«صفحة 111»

على الميت وندبه فحسب، بل إنها تدل على مشروعية تحويل البكاء إلى عادة مستمرة لقرون طويلة.

وقد ورد فيما روي عن طريق أسامة بن زيد الليثي زيادة تدل بظاهرها على نسخ الجواز وهي زيادة: «مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» (1).

قال الكناني: «هذا إسناد ضعيف لضعف أسامة بن زيد» (2) ، وقال الشوكاني: «ورجال إسناد حديث ابن عمر ثقات إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه مقال» (3).

ولكن حتى من لم يرفض هذه الزيادة من حيث السند، فإنه رفض كونها ناسخة كما صرح بذلك ابن القيم قال: «وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح إذ معناه لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد،ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد منها حديث أبي هريرة إذ إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد ج9 ص 398.

(2) مصباح الزجاجة ج2 ص47.

(3) نيل الأوطار ج4 ص 253.

«صفحة 112»

جعفر وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها في السنة الثامنة أيضا ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ومنها البكاء عند قبر أمه وكان عام الفتح في السنة الثامنة» (1) .

البكاء على الحسين سنة سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله):

فقد كان (صلى الله عليه وآله) أول من أخبر بواقعة شهادة الحسين وأول الباكين عليه عند ولادته (عليه السلام): روى ابن حبان عن أنس قال: «استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي (صلى الله عليه وآله) فأذن له فكان في يوم أم سلمة فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي فظفر فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثب على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل النبي يتلثمه ويقبله فقال له الملك: أتحبه؟ قال: نعم قال: أما إن أمتك ستقتله إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه؟ قال: نعم فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأراه إياه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) عدة الصابرين ج1 ص 82.

«صفحة 113»

في ثوبها» (1) .

وأما بكاء (صلى الله عليه وآله) عليه فقد روى أحمد في مسنده عن نجي : «أنه سار مع علي وكان صاحب مطهرته فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي: اصبر أبا عبدالله اصبر أبا عبدالله بشط الفرات قلت: وما ذا؟ قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وعيناه تفيضان؟

قال: «بل قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات» قال: فقال: «هل لك إلى أن أشمك من تربته؟» قال: قلت: نعم فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا» (2) .

قال الهيثمي معلقا على الرواية: «رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجي بهذا» (3) .

وروى الطبراني عن أم سلمة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخل علي أحد فانتظرت فدخل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح ابن حبان ج6 ص 203.

(2) مسند أحمد ج2 ص78.

(3) مجمع الزائد ج9 ص 187.

«صفحة 114»

الحسين (رضي الله عنه) فسمعت نشيج رسول الله يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (صلى الله عليه وآله) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال: إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت قال: تحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأرها النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلما أحيط بحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء قال: صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء» (1) .

قال الهيثمي معلقا على سند الرواية: «رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات» (2).

وروى الحاكم عن أم الفضل بنت الحارث : أنها دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة قال: ما هو قالت إنه شديد قال: ما هو قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : رأيت خيرا تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير ج3 ص 108.

(2) مجمع الزوائد ج9 ص189.

«صفحة 115»

في حجرك، فولدت فاطمة الحسن فكان في حجري كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت يوما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع قالت:فقلت يا نبي الله بأبي وأمي مالك؟ قال: «أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا فقلت: هذا فقال: نعم وأتاني بتربة من تربته حمراء» (1) .

هذه روايات صريحة في أن البكاء على الحسين هي سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والشيعة يتبعون سنته (صلى الله عليه وآله) في البكاء على سيد الشهداء الحسين (عليه السلام).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص176.

«صفحة 116»

 

 

 

(13)صوم يوم عاشوراء!

 

قال: مما ورد من روايات في فضل صيام هذا اليوم من روايات الشيعة ما رواه الطوسي في الاستبصار…

وما لا أكاد أفهمهم تجاهل علماء الشيعة للروايات الواضحة في بيان فضل صيام عاشوراء».

 

نقول:

لم يكن لصوم يوم العاشر من المحرم صدى كما نسمعه اليوم، ولا تركيز من قبل البعض كما يفعلون اليوم، مما يعطي شعورا بأن المقصود التغطية على شناعة فعل يزيد في ذلك اليوم ودفاعا عن بني أمية.

أما عند الشيعة فقد اختلفت آراء فقهاء الشيعة تبعا لاختلاف الروايات وتعارضها في مسألة صوم عاشوراء.

 

«صفحة 117»

إذ يبدو أن القدماء منهم قد حكموا باستحباب صوم يوم العاشر من محرم إن كان على وجه الحزن (1)، وحمل الشهيد الثاني معنى الصوم على الامتناع عن المفطرات إلى العصر لا على المعنى الشرعي للصـوم (2).

وأما المحقق يوسف البحراني صاحب الحدائق ـ وهو من المتأخرين ـ فقد حكم بالحرمة (3).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قال الشيخ الطوسي في المبسوط ج 1 ص 282 عن الصوم المستحب: «أما المسنون: فجميع أيام السنة إلا الأيام التي يحرم فيها الصوم غير أن فيها ما هو أشد تأكيدا وأكثر ثوابا مثل ثلاثة أيام من كل شهر أول خميس في العشر الأول، وأول أربعا في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير…، وصوم يوم عاشورا على وجه المصيبة والحزن».

(2) ففي المسالك ج2 ص 78 تعليقا على قول المحقق الحلي: «والندب من الصوم لا يختص وقتا… وقد يختص وقتا والمؤكد منه أربعة عشر قسما:… وصوم عاشوراء على وجه الحزن «قال الشهيد الثاني: «أشار بقوله (على وجه الحزن) إلى أن صومه ليس صوما معتبرا شرعا بل هو إمساك بدون نية الصوم، لأن صومه متروك كما وردت به الرواية، ونبه على ذلك قول الصادق (عليه السلام): صمه من غير تبيتوأفطره من غير تشميت وليكن فطرك بعد العصر، فهو عبارة عن ترك المفطرات اشتغالا عنها بالحزن والمصيبة…».

(3) قال في الحدائق الناضرة ج13 ص 376: «وبالجملة فإن دلالة هذه الأخبار على التحريم مطلقا أظهر ظاهر ولكن العذر لأصحابنا فيما ذكروه من حيث عدم تتبع الأخبار كملا والتأمل فيها».

«صفحة 118»

ويفهم من السيد الطباطبائي في (الرياض) الاستحباب العام لا بالعنوان الخاص المؤكد عليه بالشريعة (1)، ورأى صاحب (الجواهر) جواز صومه على الوجه الذي ذكره القدماء (2)، نعم ظاهر السيد الخوئي رحمه الله في كتابه (المستند) ترجيح الاستحباب الخاص (3).

فالقول بأن علماء الشيعة تجاهلوا الروايات الدالة على فضل صيام عاشوراء يكشف عن جهل الكاتب الشديد، بل هو توغل في الجهالة.

نعم هناك ذم لصوم يوم عاشوراء إن كان بعنوان التبرك والشكر واعتباره يوم فرح كما يظهر من بعض النصوص الواردة في مصادر السنة، فذاك موطن التشنيع والرفض من قبل الشيعة.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) رياض المسائل ج5 ص 462.

(2) جواهر الكلام ج17 ص 109.

(3) قال في مستند العروة: «فالأقوى استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو… نعم لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمن والتبرك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بني أمية من غير حاجة إلى ورود نص أبدا، فإنه ينبئ عن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه».

«صفحة 119»

ولعل القاريء المنصف يفهم ذلك عندما يقرأ قول ابن تيمية: «فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال…، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح» (1).

وقال أيضا: «وكذلك حديث عاشوراء والذي صح في فضله هو صومه وأنه يكفر سنة وأن الله نجى فيه موسى من الغرق وقد بسطنا الكلام عليه في موضع آخر وبينا أن كل ما يفعل فيه سوى الصوم بدعة مكروهة لم يستحبها أحد من الأئمة مثل الاكتحال والخضاب وطبخ الحبوب وأكل لحم الأضحية والتوسيع في النفقة وغير ذلك وأصل هذا من ابتداع قتلة الحسين ونحوهم» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجموعة الفتاوى ج25 ص 166 .

(2) منهاج السنة ج 8 ص 151.

«صفحة 120»

وقد أقر ابن كثير في تاريخه بأن يوم عاشوراء يتخذ يوم سرور عند النواصب من أهل الشام فقال: «وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة ويظهرون السرور والفرح» (1).

وقال العيني في عمدة القارئ: «اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة، وليس بواجب، نعم اختلق أعداء أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث في استحباب التوسعة على العيال يوم عاشوراء والاغتسال والخضاب والاكتحال» (2) .

قال ابن الجوزي: «قد تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء ونحن براء من الفريقين، وقد صح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بصوم عاشوراء إذ قال: إنه كفارة سنة، فلم يقنعوا بذلك حتى أطالوا وأعرضوا وترقوا في الكذب» (3).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج 8 ص 220.

(2) عمدة القارئ ج 5 ص 347.

(3) الموضوعات ج2 ص 112.

«صفحة 121»

إذا فمورد الخلاف في الحقيقة يتوجه إلى ما صدر بعنوان السرور والفرح والزينة يوم عاشوراء.. وتجد بقاياه الى يومنا هذا!! بل تجد بعض روايات الصحاح تعطي مثل هذا الشعور كرواية البخاري عن ابن عباس قال: «قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه» (1).

وأسوأ منها ما رواه أحمد عن أبي هريرة قال: «مر النبي (صلى الله عليه وآله) بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فقال: ما هذا من الصوم؟ فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى شكرا لله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم» (2).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج3 ص57.

(2) مسند احمد ج14 ص 335.

«صفحة 122»

فاعتراضنا على من وضعوا الأحاديث التي تتخذ يوم عاشوراء يوم فرح! والتي منها ما عده ابن الجوزي عن عبدالله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته».

وكذلك روى ابن الجوزي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا» (1) .

فنكرر ونقول إن اعتراض الشيعة على هذه الأمور لا على مجرد الصيام، ويبدو من النصوص أن من ناقش مستحبات ذلك اليوم قد ربط ذكرها بالصيام، فغدا الصوم علامة على فرح ذلك اليوم، مما جعل الصيام شعارا للفرحين مع الأيام إضافة للاكتحال والزينة ولبس الحلي والتوسعة على العيال وغيرها، لذا ينبغي للصائم إذا أراد صوم هذا اليوم أن يكون صومه حزناً، ولا يفرح كما فرح أعداء الحسين (عليه السلام) وقاتلوه.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الموضوعات ج2 ص 115.

«صفحة 123»

 

 

 

ختام الكلام

 

نحن ـ كشيعة ـ نعلم يقينا بأن من أهل السنة من يحب أهل البيت (عليهم السلام)، فأهل البيت ليسوا حكرا على الشيعة، فقد أمر الله بمودتهم المسلمين جميعا، بل هناك من غير المسلمين من أحبهم وتأثر بهم فكتب عنهم!

ونحن نعلم أن هذه الفئة القليلة المتمسلفة فئة شاذة استخفهم طغاة وفراعنة بني أمية، لا يمثلون أهل السنة أبدا، وأنهم يكذبون لو ادعوا مودة أهل البيت النبوي، فمن يبرر جرائم ظالميهم وقاتليهم لا يمكن أن يكون إلا من زمرة هؤلاء المجرمين النواصب!!

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ الشعراء / 227.

نرجو أن نكون قد وفقنا في تحصيل رضى الله تعالى ورضا رسوله (صلى الله عليه وآله)،

 

«صفحة 124»

في الدفاع عن العترة الطاهرة، خاصة فلذة كبد الرسول (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام)، جعلنا الله من أنصاره وإن حال بيننا الزمن.

والحمد لله رب العالمين

عبدالله دشتي

جدد في غرة محرم 1429 من الهجرة المباركة

 

 

 

 

 

عدد الزوار: 676

معلومات الاصدار

الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *