حجر بن عدي الكندي

السيد-جعفر-البدري
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يتناول هذا الكتاب سيرة الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي (رضوان الله عليه)، ويهدف إلى بيان مكانته الدينية والتاريخية، ودوره في الدفاع عن الحق والولاء لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).

يعرض المؤلف حياة حجر بن عدي بوصفه نموذجًا للإنسان المؤمن الثابت على المبدأ، الذي لم يساوم على عقيدته حتى في أصعب الظروف، حيث واجه ضغوط السلطة الأموية بشجاعة، ورفض التبرؤ من الإمام علي (عليه السلام)، فكان ذلك سببًا في قتله ظلمًا.

أهم ما يطرحه الكتاب:

  • يبيّن أن حجر بن عدي كان من الصحابة المعروفين بالعبادة والزهد والصدق.
  • يوضح دوره في نصرة الإمام علي (عليه السلام) والدفاع عنه في زمن الفتن.
  • يشرح كيف واجه سياسة سبّ الإمام علي (عليه السلام) التي فرضها الحكم الأموي.
  • يرد على محاولات تشويه شخصيته أو التقليل من شأنه في بعض الروايات التاريخية.
  • يؤكد أن قتله كان جريمة سياسية تهدف إلى إسكات صوت الحق.
  • يبرز أن موقف حجر يمثل نموذجًا للثبات على المبدأ وعدم الخضوع للظلم.

منهج الكتاب:

  • عرض تاريخي مبسط يعتمد على الروايات والمصادر الإسلامية
  • تحليل الأحداث ضمن سياقها السياسي في العصر الأموي
  • لغة واضحة تناسب عامة القرّاء
  • تركيز على البعد القيمي والرسالي في شخصية حجر بن عدي

الكتاب يقدّم سيرة حجر بن عدي كرمزٍ للوفاء والولاء والجرأة في قول الحق، ويؤكد أن استشهاده لم يكن حادثة عابرة، بل موقفًا تاريخيًا يجسد الصراع بين الحق والباطل، ويعطي درسًا خالدًا في الثبات على المبادئ مهما كانت التضحيات.

فهرس المحتويات
ترقيم الصفحات موافق للكراس المنشور
  1. تقديم
  2. مقدمة المؤلف
  3. الفصل الأول النسب والانتساب
  4. الفصل الثاني عهد النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الثلاثة
  5. الفصل الثالث عهد أمير المؤمنين عليه السلام
  6. الفصل الرابع عهد الإمام الحسن عليه السلام
  7. الفصل الخامس عهد الإمام الحسين عليه السلام واستشهاد حجر  رضي الله عنه
  8. الفصل السادس مسند حجر بن عدي  رضي الله عنه
  9. الخاتمة
  10. المصادر والمراجع
صفحة 1
cover image
صفحة 2

اسم الكتاب : الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي

اسم المؤلف : السيد جعفر البدري

الطبعة : الأولى 1442ه‍/2021م

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

المطبعة  : دار الوارث للطباعة والنشر

صفحة 3

الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي

راهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلهوأول الشهداء من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

دراسة تأريخية تحليلية

السيد جعفر البدري

صفحة 4

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

صدق الله العلي العظيم

سورة الأحزاب: 23

صفحة 5

الإهداء:

إلى من أرضعتني أمي حبَّه وعلمني أبي الولاء له.

إلى من اكتمل به الدين وتمّت علينا به النعمة.

من علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم، يفتح له من كل باب ألف باب…

إلى من:

«هو كهفي من نوب الدنيا

وشفيعي في يوم المحشر»

إلى أمين الله في أرضه وحجته على عباده.

إلى معتمدي ورجاي في آخرتي ودنياي.

سيدي ومولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

سيدي ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَ﴾ بالتسديد والشفاعة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

أهدي إليك هذا الجهد المتواضع وما فيه من ثواب.

فـ«هل يمنعني وهو الساقي

أن اشرب من حوض الكوثر»

أم يطردني عن مائدة

وضعت للقانع والمعتر

خادمك المقصر جعفر

صفحة 6
صفحة 7

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

كان وقع الخبر على من قرأه في جريدة النهار اللبنانية يوم 02-05-2013 وكذا على وسائل التواصل الاجتماعي كوقع الصاعقة! عندما استفاق الناس على صور مسلحين قاموا بنبش قبر الصحابي الشهيد حجر بن عدي الكندي رحمه الله. وجلسوا على أكوام التراب على شفير قبره المنبوش! ليلتقطوا الصور وينشروها!

وأثار هذا التصرف أسئلة كثيرة؛ فقد تساءل قسم من الناس عن صاحب هذا القبر؛ فمن هو حجر بن عدي الكندي ؟ وما شأنه ؟ وما هي سيرته ؟ ولماذا تم نبش قبره بالذات دون غيره ؟ وهل ترمز هذه العملية لشيء خاص ؟

وأساسا كيف يفهم أصل عملية النبش من الناحية الدينية ‏نظرا لكون المسلحين ينتمون إلى اتجاهات يفترض أنها إسلامية؟

الحقيقة أن اختيار قبر حجر بن عدي لم يكن اعتباطيا ، فهذا الصحابي الجليل الذي فتح للإسلام مرج عذراء سنة 14 هـ ، وهو

صفحة 8

المكان الذي سيشهد فيما بعد شهادته ومقتله صبرا، بأمر معاوية بن أبي سفيان، سنة إحدى وخمسين، هو رمز للثمن الذي يقدمه أهل الولاء ثابتين على الانتماء لأمير المؤمنين علي عليه السلام بنفوس راضية، حيث قدم بين يديه ابنه ثم تبعه بنفسه وبقية أصحابه، فهو رمز يشير لقضايا متعددة ، منها ما ذكرنا ومنها يظل قبره معلما قائما يذكر بالظلم الأموي والاستئصال لأبطال الإسلام وصحابة رسول الله الذين أحسنوا الصحبة ولم يغيروا. فكل زائر له ينبغي أن يستذكر تلك الفترة التاريخية المظلمة التي تولى فيها على الأمة طغاتها فأذاقوا مؤمنيها الأمرّين.

كما سيستعيدون سيرة الصحابي الشهيد وصاحب التعبد والتنسك الذي قتله أهل التهتك، هو الذي تم نبش قبره من قبل أحفاد الخط الأموي ، وهو شخصية هذا الكتاب الماثل بين يديك.

تصفحته مستفيدا ومتأملا فوجدت آثار الجهد العلمي الجيد الذي بذله المؤلف زاد الله توفيقه، فهو تارة يكشف الغطاء عن كونه من صحابة النبي صلى الله عليه وآله، وإن كان لم يرو عنه وإنما كانت روايته عن إمامه أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وأخرى يسلط الضوء على أدواره أيام الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين عليه السلام لا سيما في حروبه المتعددة حيث شهدت ساحاتها صليل سيفه وعالي رجزه وشعره .

والأولى بالتأمل مما سبق هو في مناقشته ما اشتهر بين المؤرخين الرسميين، بل ونقله مؤلفو الإمامية ومنهم علماء بارزون ؛ من كون

صفحة 9

حجر بن عدي معارضا لصلح إمامه الحسن عليه السلام، فتتبع مصادرها تتبع الفاحص الناقد لينتهي إلى عدم وجود ما يدل على مصداقيتها حيث لا سند معتبر لها ، بل يحشد من القرائن ما يدل على خلافها. ولهذا فإنه لا يرتضي ما قدمته القراءة التقليدية لما نسب للشهيد حجر الكندي، ويرى أنها غير موفقة!

ولا ينسى وهو في هذه الحال أن يستفيد من نظرية والده المحقق البدري فيما يرتبط بصلح الإمام الحسن عليه السلام الذي رفض القراءة التقليدية التبريرية للصلح واشار إلى نظرية جديدة كتب بشأنها كتابا خاصا. وإذا كان لنا أن نتمثل هنا فإننا سنقول «هذا الشبل من ذاك الأسد».

فقد ذكر المؤلف زاده الله توفيقا مختصرا عن نظرية والده حفظه الله لارتباطها ببحثه عند التمهيد لدور الإمام الحسين بعد شهادة أخيه الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام حيث كانت شهادة حجر في أوائل أيام إمامة الحسين عليه السلام الفعلية .

وهكذا يسير المؤلف في دروب حياة هذا الثائر الشهيد، ليلتقي به في وجه زياد بن أبيه رافضا طريقته سواء في تأخير صلاة الناس مسمعا إياهم ما لا فائدة فيه لدين ولا دنيا، ومنكرا عليه قضاءه المخالف لكتاب الله وسنة نبيه ويتابع معه مسيرته إلى ساعة شهادته الدامية مع أصحابه المخلصين، بما تراه مفصلا في صفحات هذا الكتاب النافع.

أسأل الله سبحانه أن يزيد في توفيق السيد المؤلف، لخدمة الدين

صفحة 10

وتجلية صور العظمة لشخصيات الإسلام، وأن ينفع بما يكتب طلاب الوعي والمعرفة.. إنه على كل شيء قدير.

فوزي آل سيف ـ تاروت ـ القطيف
16/ 4 / 1442

صفحة 11

مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى الصادق الأمين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

وبعد… بين يديك أيها القارئ الكريم بحث مفصل عن سيرة الصحابي الجليل حجر بن عَدِيّ الكندي  رضي الله عنه الذي عُرف بإخلاصه وولائه لأمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلامع، وكانت حياته كغيره من أصحاب الأئمة عليهم السلام ثمن الإخلاص والولاء لأهل هذا البيت عليهم من الله أزكى تحية وسلام.

استغرق هذا البحث الذي بين يديك «أيها العزيز» قرابة ثلاث سنوات ونصف من العمل، ولم تكن المدة متواصلة بسبب الانشغال بالدراسة الأكاديمية والعمل.

لقد بدأت البحث عن هذه الشخصية منذ شهر كانون الثاني في سنة 2011م وكان عمري حينها 21 سنة(1)، حينما طلب مني أستاذ


(1) لقد تأخرت في الدراسة بسبب الترحال بين الجمهورية الإسلامية في إيران وبريطانيا ثم الرجوع الى إيران من أجل العودة إلى أرض الوطن الذي وُلدت بعيدا عنه بسبب ملاحقة النظام البائد للسيد الوالد الذي خرج منه عام 1973م وعاد إليه وعدنا معه بعد سقوط النظام البائد في تموز عام 2003م، ونتيجة تأخر الحصول على وثيقتي الدراسية من مدرستي العراقية في إيران لإكمال دراستي للمرحلة المتوسطة والاعدادية في بغداد ثم الدراسة الجامعية في النجف الأشرف.

صفحة 12

مادة مناهج البحث العلمي في كلية الشيخ الطوسي  رضي الله عنه خلال تلكم السنين د. خالد كاظم الحميداوي كتابة بحث لتطبيق ما أخذناه نظريا من دروس في هذه المادة، فكنت متحيرا عن أي موضوع أكتب وقد دارت في فكري عدة مواضيع منها أن ألخص رأي سماحة السيد الأستاذ الوالد العلامة المحقق السيد سامي البدري دامت إفاضاته في صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، فاخترته ووضعت خطة البحث وكان السيد الأستاذ الوالد في سفر ولما عاد أخبرته بالمطلوب مني وأنني أنوي أن ألخص رأيه في صلح الإمام الحسن عليه السلام وقد وضعت خطة البحث، فقال: «جهد مبذول ولا حاجة لتكراره» ولم أكن أعلم حينها أنه قد قام بذلك وهو في جملة مخطوطاته التي طبعت لاحقا، فسألته عمّا أكتب والحيرة واضحة على وجهي لأنني مطلع على تفاصيل رأيه في هذا الموضوع وهو من المواضيع المحببة إلى قلبي، فقال لي مبتسما بلهجتنا العراقية العذبة: «اكتب ترجمة لواحد من أصحاب الأئمة عليهم السلام، والترجمة مناسبة لعمرك» فقلت له بلهجتنا والحيرة واضحة عليَّ: «إلمن أترجم؟!» فسكت وهو ينظر إليّ ولم تتجاوز مدة سكوته دقيقة واحدة حتى قال: «حِجْر بن عَدِيّ الكندي رحمة الله عليه.. أي هذا خوش عنوان وخوش شخصية»

صفحة 13

وسرعان ما وضعت خطة أولية وعرضتها عليه وعدل بعض الشيء عليها وكان أخي واستاذي حجة الإسلام والمسلمين د. السيد حسين البدري حاضرا فأبدى رأيه أيضا، ومن هنا بدأت رحلتي مع حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه .

فشرعت من وقتها أقرأ وأبحث وأكتب عنه وسلمت ما كان عليّ تسليمه إلى الجامعة بعد مدة من البحث تقارب الثلاثة أو أربعة أشهر وكنت أعمل عليه قرابة 8 ساعات متواصلة يوميا.

ولم أترك البحث في هذا الموضوع لأنه صار قضيتي وشغلي الشاغل، فكنت كلما وجدت فرصة وفراغا اشتغلت فيه، فانتهيت من البحث بشكل مبدئي في شهر أيلول سنة 2012م ثم أعدتُ فيه النظر خلال شهر كانون الأول سنة 2012م، حتى انشغلت في المرحلة الثالثة من دراستي الأكاديمية بالتحضير لرسالتي في التخرج وهي تحت عنوان «سياسة خلفاء قريش تجاه سنة النبي صلى الله عليه وآله من سنة 11 إلى سنة 35 هجرية، دراسة على ضوء النص القرآني والتاريخي والروائي» أشرف عليها فضيلة د. الشيخ جون العتابي دامت توفيقاته والتي حازت على أعلى درجة تقييم بين رسائل التخرج في حينها.

ثم أعدت النظر في هذا البحث ثانيا خلال صيف 2014م في شهر شعبان المعظم لسنة 1435هـ وانتهيت منه في شهر ذي القعدة من نفس السنة ففتح الله تعالى عليَّ ببركات هذه الأشهر العظيمة خاصة في شهر رمضان المبارك بعض الأمور التي غابت عنّي فيما مضى مما فتحت آفاقا أوسع في البحث.

صفحة 14

ولم أعد النظر فيه منذ ذلك الحين حتى شهر شباط عام 2020م الموافق لشهر جمادى الآخرة من سنتنا هذه 1441هـ، فأعدت النظر فيه مفصلا للمرة الثالثة خلال فترة الإغلاق التام في البلاد بسبب جائحة كورونا وانتهيت منه في شهر ذي الحجة الحرام 1441هـ، فنظمته وأضفت إليه بعض المباحث التي لا غنى عنها من أجل اتضاح الصورة عند القارئ العزيز.

ويلزمني أن أتقدم بالامتنان والشكر الكثير إلى سيدي الأستاذ الوالد حفظه الله على نصيحته لي في الترجمة لهذه الشخصية، وعلى كل معلومة ونصيحة بذلها لي من أجل إتمام هذا البحث.

وقد أسميت البحث الذي بين يديك قارئي الكريم: «الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه ، راهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأول الشهداء من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، دراسة تأريخية تحليلية» مع أنه كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ثم من أصحاب الإمام الحسن عليه السلام إلا أن شهادته كانت في زمن معاوية وبأمر منه واقترنت بالموقف الذي تبناه الإمام الحسين عليه السلام في حياة معاوية بعد اغتيال الإمام الحسن عليه السلام بالسم وإعلانه لنقض شروط الصلح، وكان حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه الوجه البارز من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الذين واجهوا الأمويين في الكوفة وفقا لموقف الإمام الحسين عليه السلام كما ستعرف تفصيل ذلك في الكتاب الذي هو على ستة فصول وخاتمة، وفي كل فصل عدة مباحث حسب حاجة الفصل، وترتيبها:

صفحة 15

الفصل الأول: النسب والانتساب، وفيه:

النسب

الانتساب

إمارته على كندة في العراق

الولادة والوفاة

الفصل الثاني: عهد النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الثلاثة، وفيه:

إسلامه وصحبته للنبي صلى الله عليه وآله

على عهد الخلفاء القرشيين الثلاثة

الفصل الثالث: عهد أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه:

الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام

حرب الجمل

حربا صفين والنهروان

رده لغارة الضحاك بن قيس

الفصل الرابع: عهد الإمام الحسن عليه السلام، وفيه:

حجر  رضي الله عنه وصلح الامام الحسن عليه السلام

طرف من أيام الصلح

الفصل الخامس: عهد الإمام الحسين عليه السلام واستشهاد حجر  رضي الله عنه ، وفيه:

معاوية ونتائج الصلح

هدف معاوية وتخطيطه وتنفيذه

صفحة 16

معارضة سعد بن أبي وقاص وأم سلمة لمعاوية

موقف الإمام الحسين عليه السلام

نهضة حجر  رضي الله عنه في مواجهة سياسة معاوية

رواية لقاء زياد بحجر  رضي الله عنه ومناقشتها

الحركات التي لا تعجب ولاة الكوفة!

محنة حجر  رضي الله عنه وأصحابه 

أصداء الشهادة

الفصل السادس: مسند حجر بن عدي  رضي الله عنه ، وفيه:

الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله

الرواية عن علي عليه السلام

الرواية عن غير علي عليه السلام

الخاتمة.

أسال الله تعالى أن أكون قد وفقت فيما أردت إيصاله بموضوعية إلى القارئ الكريم عن حياة هذا الصحابي الجليل، وأسأله تعالى أن يكون مقبولا عنده، وأن يحشرنا مع محمد وآل محمد إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

السيد جعفر السيد سامي البدري

21 / صفر الخير / 1442هـ

8 / تشرين الاول / 2020م

النجف الأشرف

صفحة 17

الفصل الأول: النسب والانتساب

النسب:

أبو عبد الرحمن، هو حجر بن عديّ بن معاوية بن جبلة ابن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور(1) وهو كندة (بن عفير بن عديّ بن الحارث بن مرة ابن أدد بن زيد بن يشجب بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ)(2) ابن يشجب بن يعرب بن قحطان الكندي السِّبائي.

قال القمي رحمه الله: «حجر، بضم الحاء وسكون الجيم»(3)، وقال الحافظ ابن حجر مثل ذلك(4)، وهو المشهور بين علماء الرجال، وينقل نفس الرأي صاحب تاج العروس إلا أنه يرى أن كسر الحاء


(1) ابن الأثير، أسد الغابة: 1/461.

(2) ابن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير: 1/136 ـ 143، وابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: 6/235.

(3) القمي، الكنى والألقاب: 2/29.

(4) ابن حجر، الإصابة: 2/37 ر1631.

صفحة 18

أفصح (حِجر).(1)

سكن حجر بن عدي  رضي الله عنه الكوفة حينما هاجرت إليها كندة عند تمصيرها في العام السابع عشر للهجرة فعُدّ كوفي عراقي، وهو المعروف بـ(حجر الخير)، وقد لقب به تميزا له عن حجر بن يزيد الكندي المعروف بـ(حجر الشر) لأنه كان شريرا(2) الذي كان مع معاوية، وهو (ابن الأدبر وإنما قيل لأبيه عدي الأدبر لأنه طعن على إليته موليا فسمي الأدبر)(3)، ولم أجد عند المؤرخين في حدود تتبعي تسمية الواقعة التي طُعن فيها والد حجر على إليته ليطلق عليه لقب الأدبر، وقد يكون أول من نادى حجرا بابن الادبر نبزا به هو أحد الرجلين؛ معاوية أو زياد.

الانتساب:

ينتسب حجر بن عدي  رضي الله عنه إلى القبائل اليمنية من سلالة سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان كما بينا، وكل من ينتسب إلى القبائل السبئية يلقب بالسَّبَئي أو السِّبائي مثل: يمني ويماني.

يقول العلامة السيد مرتضى العسكري رحمه الله: «قب بالسبئية عدد


(1) الزبيدي، تاج العروس: مادة حجر.

(2) هو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة بن حجر ابن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي، ورغم اتفاق المؤرخين على تسمية هذا الرجل بـ(حجر الشر) إلا أن ابن كثير لقبه بحجر الشرف!، راجع ابن كثير، البداية والنهاية: 8/54.

(3) ابن الاثير، اسد الغابة: 1/461.

صفحة 19

كبير من رواة الحديث في الصحاح واشتهروا بها في بلاد المغرب واليمن إلى أواسط القرن الثالث) وقد عدّ رحمه الله جملة منهم في كتابه الموسوم (عبد الله بن سبأ وأساطير أخر».

أيضا هو حال جملة من الصحابة والتابعين مثل:

1. عمار بن ياسر العنسي.

2. مالك الأشتر وكميل بن زياد النخعيين وأفراد قبيلتهما.

3. حجر بن عديّ الكندي وأفراد قبيلته وأصحابه وتلاميذه.

4. عدي بن حاتم الطائي وأفراد قبيلته.

5. قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي ومعه الخزرجيين من الأنصار.

6. خزيمة بن ثابت وعثمان بن حنيف الأوسيين ومعهم الأوسيين من الأنصار.

7. عمرو بن الحمق وسليمان بن صرد الخزاعيين وقبيلتهما.

كل هؤلاء من المنتسبين لقبيلة سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان.(1)

لذلك فهم يلقبون بـ(السبائية) نسبًا، وفيما بعد أصبح هذا اللقب ـ السبئيون ـ يُنبز به شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأصحاب المختار  رضي الله عنه .


(1) راجع: الصحاري، الأنساب: 1/69، وابن حزم، جمهرة أنساب العرب: 2/484ـ485، والقرطبي الحنفي، التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب: 1/49 و50 و55.

صفحة 20

وليس كما يزعم البعض لارتباط هؤلاء بشخصية (عبد الله بن وهب) المعروف بعبد الله بن سبأ، هذا لو صح وجود هذه الشخصية فضلا عن أن الصحيح فيها أنها من مختلقات سيف بن عمر(1)، وكتب العلامة السيد مرتضى العسكري رحمه الله في هذا كتابه المذكور.

وبعد اختلاق سيف لهذه الشخصية رواها عنه الطبري ومنه أخذ المؤرخون، ثم تطورت أسطورة ابن سبأ حتى أخذها أصحاب كتب الملل والنحل، حتى اشتهرت في نهاية الأمر (السبئية) في الفرق المذهبية، ونُسيت دلالتها على الانتساب إلى قبائل سبأ والمنسوبين لها.

علق زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف السيد الخوئي رحمه الله على جهد العلامة العسكري رحمه الله بخصوص عبد الله بن سبأ ومختلقات سيف بن عمر قائلا: «وقد أغنانا العلامة الجليل والباحث المحقق السيد مرتضى العسكري في ما قدم من دراسات عميقة دقيقة عن هذه القصص الخرافية وعن سيف وموضوعاته في مجلدين ضخمين طبعا باسم عبد الله بن سبأ وفي كتابه الاخر خمسون ومائة صحابي مختلق».(2)


(1) سيف بن عمر، صاحب كتاب الفتوح، وكتاب الردة وغيرها، ضعيف، يروي الموضوعات، كذاب متهم بالزندقة، ساقط في رواية الحديث وضّاع، بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة. راجع: الذهبي، تاريخ الإسلام: 11/162، وابن حجر، تهذيب التهذيب: 4/259ـ260.

(2) الخوئي، معجم رجال الحديث: 11/207.

صفحة 21

إمارته على كندة في العراق:

إن من الجد الخامس لحجر  رضي الله عنه ـ معاوية الاكرمين ـ بطون، منها: ربيعة(1)، وربيعة منه عدي ووهب، وعدي منه حجر وجبلة الذي هو الجد الثاني لحجر  رضي الله عنه .(2)

وقد اشتهر أن الاشعث بن قيس الكندي كان سيد بني جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الاكرمين، وعُدّ تارة زعيم بني معاوية الاكرمين، وثالثة قالوا إنه ملك كندة في الجاهلية وأميرها في الاسلام(3)، وكيف كان فإنه مات سنة اربعين للهجرة(4) وقيل اثنتين واربعين للهجرة(5)، ومحصل القولين أنه مات بعد استشهاد امير المؤمنين علي عليه السلام، واشتهر عن حجر بن عدي  رضي الله عنه انه كان سيد قومه في عهد امير المؤمنين عليه السلام كما سنعرف!


(1) لا يتوهم القارئ ان المقصود هنا هو الذي تنتسب إليه قبيلة ربيعة العدنانية، بل ذاك ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

(2) راجع: ابن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير: 1/135ـ143، وغيره من كتب الانساب التي تناولت انساب القبائل العربية بالتفصيل.

(3) اسمه (معد يكرب او معدي كرب) واشتهر بالأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الاكرمين، الذهبي، سير اعلام النبلاء: 2/37، كذلك راجع اخبار اختلاف كندة في الملك بعد وفاة الملك الشاعر امرؤ القيس بن حجر الكندي من بطن آكل المرار من بني معاوية الاكرمين وكيف أصبح معد يكرب جد الاشعث ملكا بعد امرؤ القيس في الصحاري، الانساب: 1/231.

(4) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 2/42، وابن حجر، الاصابة: 1/240 ر205، وهذا هو القول المشهور.

(5) ابن عبد البر، الاستيعاب: 1/134، وابن الاثير، اسد الغابة: 1/99.

صفحة 22

فلو سلمنا أن الأشعث كان أمير كندة في الاسلام أو زعيم بني معاوية الاكرمين بطن عظيم من بطون كندة سواء في الكوفة والعراق أو في كل البلاد الاسلامية وهذا هو المشهور، إلا أنه محط تأمل ونظر خاصة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام حتى موت الأشعث، وذلك لأمور:

1. إن الاشعث متهم بالرّدة، قال الذهبي: «قال ابراهيم النخعي: ارتد الاشعث في ناس من كندة، فحوصر، وأخذ بالأمان، فأخذ الامان لسبعين، ولم يأخذ لنفسه، فأُتي به الصديق ـ يعني ابي بكر ـ فقال: إنّا قاتلوك، لا أمان لك، فقال: تمن علي وأسلم؟ قال: ففعل، وزوجه اخته»!(1)

2. روى البلاذري أن الاشعث بن قيس كان قد وُلّيَ أذربيجان في عهد الخليفة الثالث ثم عزله أمير المؤمنين عليه السلام أو أقره يسيرا ثم عزله وأرسل اليه ليُحاسبه على أموالها، فغضب الاشعث وكاتب معاوية.(2)

3. عُرف الأشعث بنفاقه في عهد أمير المؤمنين عليه السلام وانحرافه عنه عليه السلام.(3)

فلست أدري مع هذه المعطيات وغيرها، هل كندة الساكنة في الكوفة والعراق التي عُرفت غالبيتها بالولاء لأمير المؤمنين عليه السلام


(1) الذهبي، سير اعلام النبلاء: 2/39.

(2) راجع تفصيل القصة عند البلاذري، انساب الأشراف: 2/296

(3) راجع: الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: 20.

صفحة 23

ترضى بإمارة الاشعث عليها! وهو متهم باختلاس الأموال في أذربيجان، ومتهم بالاشتراك في تدبير عملية اغتيال أمير المؤمنين عليه السلام كما يروى ذلك عن حجر  رضي الله عنه في حديث مفصل؟!(1)

كيفما كان، لا نشك أن الامارة والزعامة بعد موت الأشعث بن قيس صارت لحجر  رضي الله عنه وذلك لأربعة أمور:

1. عدم وجود رجل من هذه القبيلة مؤهل للزعامة غيره لما يمتلكه من تاريخ مشرف كما سنعرف، ولو كان لبان.

2. إن حجرا  رضي الله عنه لما خطب معربا عن نصرته لأمير المؤمنين عليه السلام في إحدى المعارك وسأله علي عليه السلام قائلا: «أكل قومك على مثل رأيك» فأجابه حجر: «ما يظهرون إلا حسنا، وهذه يدي على قومي بحسن الطاعة والإجابة»(2) فلغة السؤال والجواب تدل على أنه كان سيد قومه في الكوفة وضواحيها مع وجود الأشعث، أو على أقل تقدير أنه كان ذو مكانة سامية بينهم.

3. تأميره في الحروب على قبيلته تارة واخرى على أغلب القبائل اليمانية كما في الجمل وصفين.(3)

4. صريح قول الذهبي بأنه: «كان شريفا، أميرا مطاعا».(4)


(1) راجع: المسعودي، مروج الذهب: 2/413، والمفيد، الارشاد: 1/20.

(2) الأسكافي، المعيار والموازنة: 130.

(3) راجع: نصر بن مزاحم، وقعة صفين: 205، والبلاذري، انساب الأشراف: 2/235، وسيأتي بيان ذلك في الفصول القادمة.

(4) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 3/463.

صفحة 24

5. ومما يعضد هذا الرأي ما رُثي به حجر  رضي الله عنه بعد شهادته وما في ذلك الرثاء من صفات الزعماء والامراء والاعيان كما سنعرف لاحقا، ولا يبعد أنه كان زعيما لقومه قبل موت الأشعث.

الولادة والشهادة:

لم تحدد المصادر تاريخا محددا لولادته، إلا أن وجود بعض الكلمات التي يمكن اعتبارها مفتاحية في عبارات المحدثين والرجاليين تعين الباحث في تعيين احتمالات في سنة ولادته.

قال ابن سعد: «كان حجر بن عدي جاهليا إسلاميا»(1)، ونقلها عنه كثير ممن ترجم لحجر  رضي الله عنه ، وهي عبارة صريحة بأنه عاصر الجاهلية.

وقال الحاكم النيسابوري: «سمعت أبا علي الحافظ يقول: سمعت ابن قتيبة يقول: سمعت إبراهيم بن يعقوب يقول: قد أدرك حجر بن عدي الجاهلية وأكل الدم فيها»(2)، وهذا يدل على أن حجرًا قد وعى الجاهلية وعاصرها ومارس بعض ظواهرها، فقوله «أكل الدم فيها» تحتمل وجهين:

الأول: المعنى اللفظي: ولم ترد أخبار أن الجاهلية كانت تشترط سِنًا معيّنا لهذه الظاهرة التي حرمها الإسلام لكنها من أبرز ظواهرها، كما


(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/217.

(2) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين: 3/534 ر5983.

صفحة 25

لم نُخبر أنهم كانوا يمكنون الصبية من هذا الفعل، ولا يبعد تمكينهم منه.

الثاني: المعنى المجازي: وهو سفك الدم والمقدرة على القتال كقول أحد الشعراء هاجيا زوجته:

أكلت دما إن لم أرعك بضرة

بعيدة مهوى القرط طيبة النشر(1)

والحق أن كل كلماتهم تدل على جوهر واحد، خاصة وإن حجر بن عدي  رضي الله عنه قُتل وهو مسن او شيخ على المشهور، فيكون سنه قد قارب الستين أو زاد عليها.

فتكون سنة ولادته بين أربعة احتمالات:

1. إن أخذنا قول الحاكم «وأكل الدم فيها» على المعنى المجازي الثاني وهو «المقدرة على القتال» يكون مولده على الأقل بعشر سنوات قبل البعثة أي أنه استشهد وعمره أكثر من سبعين سنة.

2. إن قُتل وهو ابن الخامسة والستين يكون مولده بسنتين قبل البعثة لأنه قتل في عام احدى وخمسين للهجرة على المشهور، اي بعد ثلاث وستين سنة من البعثة.

3. إن قُتل وهو ابن الستين يكون مولده في السنة الثالثة بعد البعثة.


(1) ينسب البيت لأنيف بن قترة الكلبي، شاعر إسلامي ينتسب إلى كلب بن وبرة بن تغلب من بني قضاعة، كانت له زوجة سيئة الخلق وكان يرجو لها الموت ولما أصاب دمشق وباء قال فيها: »دمشق خذيها وأعلمي أن ليلة .. تمر بعودي نعشها ليلة القدر… الخ القصيدة»، راجع: ياقوت الحموي، معجم الأدباء، والزركلي، الإعلام.

صفحة 26

4. إن قُتل وهو ابن الخامسة والخمسين فيكون مولده في السنة الثامنة من البعثة.

5. وحسبنا أحد الاحتمالين الاولين فهما أوفق من الثالث والرابع، وحقيقة يصعب الترجيح بين الاحتمالين المرجحين ايضا لعدم وجود المعلومات والقرائن الكافية.

واختلفوا في سنة قتله:

قال ابن الأثير، وابن عساكر، والمزي، واللفظ للثاني: «سنة إحدى وخمسين فيها قتلَ معاويةُ حجرَ بن عدي ومن معه».(1)

وقال ابن حبان، وابن قتيبة، والمسعودي، واللفظ للثالث: في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي.(2)

وقال الحاكم النيسابوري بإسناده: «وقُتِلَ حجر سنة ثلاث وخمسين»، وفي رواية أخرى «سنة إحدى وخمسين».(3)

والمشهور في سنة قتله إحدى وخمسين للهجرة وهو الصحيح لأنه لو كان حيا حتى سنة ثلاث وخمسين للهجرة لناله التهجير الذي قام به معاوية ـ وهو أمر متسالم عليه تأريخيا ـ لخمسة وعشرين ألفا من الكوفة وخمسة وعشرين ألفا من البصرة بعوائلهم وقتل بعيدا عن هذه البلاد.


(1) ابن الأثير، أسد الغابة: /462، وابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: 6/242، والمزي، تهذيب الكمال: 9/79.

(2) ابن قتيبة، المعارف: 334، والمسعودي، مروج الذهب: 3/3، وابن حِبان، مشاهير علماء الأمصار: 144.

(3) الحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/468ـ469.

صفحة 27

الفصل الثاني: عهد النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الثلاثة

إسلامه وصحبته للنبي صلى الله عليه وآله:

اتفق المؤرخون والرجاليون على أن حجر بن عدي  رضي الله عنه قد أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وآله، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وآله مع أخيه هانئ بن عدي في السنة التاسعة للهجرة المعروفة بعام الوفود في وفد كندة، وذهب اغلب الرجاليين إلى أن حجرا  رضي الله عنه لم يروِ عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا وكانت روايته عنه بواسطة، واختص في الرواية عن علي عليه السلام وسمع من بعض الصحابة.

انما اختص حجر برواية الفقه والسنن عن أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره، وروى عن غيره من الصحابة فضائله عليه السلام كما سيتضح لاحقا.

ولم يحدَدْ سِنُه عند لقياه النبي صلى الله عليه وآله إلا أن هناك بعض الكلمات في عبارات الرجاليين فيها الإلماع إلى سنه حين ذاك:

قال ابن سعد، وعنه الذهبي: «كان حجر بن عدي جاهليا

صفحة 28

إسلاميا، وذكر بعض رواة العلم أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ بن عدي»، وزاد الذهبي: «ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا».(1)

قال الزركلي: «صحابي شجاع، من المقدمين، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان من أصحاب علي».(2)

قال الصفدي: «وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع عليا وعمارا وشراحيل ابن مرة ويقال شرحبيل».(3)

قال الحاكم النيسابوري: «سمعت أبا علي الحافظ يقول: سمعت ابن قتيبة يقول: سمعت إبراهيم بن يعقوب يقول: قد أدرك حجر بن عدي الجاهلية وأكل الدم فيها ثم صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه».(4)

لم يحدد أحد سنّه حينما لقي النبي صلى الله عليه وآله وأسلم، إلا أنه وفقا للاحتمالات المتقدمة في الفصل السابق، يكون سِنّه في حينها بين العشرين والثلاثين.

قال الحاكم النيسابوري: «هو راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله».(5)


(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/217، والذهبي، تاريخ الإسلام: 4/193.

(2) الزركلي، الأعلام: 2/169.

(3) الصفدي، الوافي بالوفيات: 11/247، ولعل الصحيح هو شراحيل، راجع ابن حجر، الإصابة: 3/325.

(4) الحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/534 ر5983.

(5) المصدر نفسه: 531.

صفحة 29

روى ابو العرب التميمي، والصفدي، كلاهما عن أبي معشر واللفظ للثاني: «كان حجر بن عدي رجلاً من كندة، وكان عابداً، قال: ولم يحدِث قطّ إلا توضأ ولم يهرق ماء إلا توضّأ وما توضأ إلاّ صلى».(1)

قال القمي رحمه الله: «كان معروفا بالزهد وكثرة العبادة والصلاة، روي أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة».(2)

وقال ابن عبد البر: «كان حجر من فضلاء الصحابة وصَغُرَ سِنّهُ عن كبارهم».(3)

قد يُتَوَهم أن ثمة تعارض بين كلام ابن عبد البر وابن سعد والحاكم، بل إن جوهر الكلام واحد، وهو أن في الصحابة ـ بشكل عام ـ جماعة كبار في السن، فمقارنة بهم يكون حجر  رضي الله عنه أصغر في السن، وقد يكون عنى أن سنه أصغر من سن وجهاء الصحابة كسلمان  رضي الله عنه ونظرائه.

قال الذهبي: «كان شريفا، أميرا مطاعا، أمّارا بالمعروف، مقدما على الإنكار، من شيعة علي رضي الله عنهما، شهد صفين أميرا، وكان ذا صلاح وتعبد».(4)

ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الإصابة الضوابط التي اعتمدها


(1) ابو العرب التميمي، المحن: 137، والصفدي، الوافي بالوفيات: 4/94.

(2) القمي، الكنى والألقاب: 1/304.

(3) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 1/97.

(4) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 3/463.

صفحة 30

في معرفة الصحابي عن غيره بعد ذكره خمسة أدلة على معرفتهم قال: «في الفتوح كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة» فيكون ذلك إحدى الدلائل على صحبة حجر  رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه كان معروفا أو مميزا في المجتمع الإسلامي بأنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ليؤمَّر على الجيش الذي فتح مرج عذراء كما سيأتي لاحقا.

فيتضح للقارئ الكريم بأن تعداد حجر بن عدي  رضي الله عنه ضمن التابعين كما فعل البخاري وفق الضوابط المعتمدة عند القوم بعيد عن الصحة، فمما لا شك فيه أن حجرا  رضي الله عنه له صحبة بل هو من أجلاء فضلاء الصحابة، لكن صحبته لم تكن طويلة على ما يظهر، فلم تصل إلينا معلومات كافية عن وضعه في ذلك الوقت، ولعل هذا التعتيم مقصود لأسباب سياسة وعقائدية، فتارة تراهم يتتبعون اخبار بعض الصحابة في الجاهلية والاسلام وينقلونها بوضوح، وتارة لا يذكرون الا ما لا يقدرون عن التغافل عنه فيُعد مثلبة في حقهم ونقصا في مصنفاتهم، فلنتأمل!

ولم تبين لنا المصادر حال حجر  رضي الله عنه بعد أن لقي النبي صلى الله عليه وآله، فهل استقر في المدينة المنورة أم أقام فيها لمدة معينة ثم عاد إلى اليمن، وبعد ذاك عاد إلى المدينة مرة أخرى ومنها إلى العراق، أم أنه مباشرة من اليمن جاء إلى العراق، حتى صار عداده في العراقيين؟

العبارة التي يكررها الرجاليون في تراجمهم لحجر  رضي الله عنه حيث أنه وافد على رسول الله صلى الله عليه وآله تجعلنا أمام الاحتمال الآتي: أنه لما لقي

صفحة 31

النبي صلى الله عليه وآله أقام في المدينة مدة معينة مع الوفد للاستفادة والاستزادة من النبي صلى الله عليه وآله ثم عاد الى اليمن وبعد مدة يسيرة نزل الكوفة عندما هاجرت قبيلته إليها حين تمصيرها.

ويجدر التفكّر ـ ههنا ـ بأمر: هل يُعقل أن النبي صلى الله عليه وآله يلتقي بكذا إنسان أسلم، صاحب شخصية كشخصية حجر  رضي الله عنه مؤهلة بمعطياتها ومواريثها التربوية والنسبية للقيادة والسيادة والريادة التي ظهرت في مستقبله، ولا يأمر بتعليمه شيئا من القرآن الكريم ولا يحدثه بأحاديث ليحدث بها قومه ـ يحمله رسالة يؤديها ـ ولا يعطيه التعاليم الدينية كي يعمل بها وقومه في اليمن! وسيأتي الحديث عن روايته عن النبي صلى الله عليه وآله في الفصل السادس.

بل يفترض أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد أعده إعدادا متكاملا سواء على الصعيد العَقَدي أو الفقهي أو الروحي وغير ذلك(1) حتى انكشف أثر ذلك الإعداد في مستقبل حجر  رضي الله عنه ، وكانت هذه سجية رسول الله صلى الله عليه وآله مع كل الوافدين عليه.

أما حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله صلى الله عليه وآله وجاء المسلمون فيها من كل حدب وصوب، لا يبعد أنه حضر فيها، إلا انه لم تتوفر بين أيدينا معلومة عن ذلك.


(1) نعم، إن هذا التصرف هو من سلوك النبي صلى الله عليه وآله، كان صلى الله عليه وآله يحب الشباب ويهتم بهم ويبعث روح العزم والإيمان فيهم، وبتقديرنا أن حجرا  رضي الله عنه لما التقى النبي صلى الله عليه وآله كان في سن الشباب.

صفحة 32

على عهد الخلفاء القرشيين الثلاثة:

لا تتوفر بين أيدينا معلومات عن أحوال حجر بن عدي  رضي الله عنه بشكل تفصيلي كما قد يكون لغيره من الصحابة، فأخباره في عهد الخلفاء القرشيين الثلاثة قليلة، فكيف سارت الأحداث وساقه الزمن حتى اُمّرَ في بعض الأحيان على الجيش؟!

في الحقيقة هذا يجعلنا نصوب الرأي القائل بأن هناك جزء من أخباره  رضي الله عنه قد عتم عليها وهذا حال العديد من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وذلك لأسباب سياسية تارة وعَقَدية أخرى!

إن أول المواقف التي برز فيها حجر  رضي الله عنه بعد ذلك الغياب هي فتح مرج عذراء، ويتفق المؤرخون على أن فاتحها هو حجر  رضي الله عنه وفتْحُها كان في خلافة عمر بن الخطاب قبيل فتح دمشق في السنة الرابعة عشرة من الهجرة وكان حجر  رضي الله عنه أمير الجيش الذي فتحها(1)، وشهد القادسية(2)، إذ كانت هذه المعركة بعد فتح دمشق بشهر واحد(3)، وشهد موقعة جلولاء، وذكر الدينوري أنه كان على الميمنة(4)، وقال ابن أعثم أنه كان على الميسرة.(5)

وكان حجر  رضي الله عنه من الرجال الذين شهدوا موت أبي ذر


(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/217، وابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/210.

(2) المصدر نفسه، وابن حجر، الإصابة: 2/32.

(3) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: 2/145، والطبري، تاريخ الطبري: 3/52.

(4) الدينوري، الاخبار الطوال: 128.

(5) انظر: ابن أعثم الكوفي، الفتوح: 1/211.

صفحة 33

الغفاري  رضي الله عنه بالربذة ودفنه بها(1) وكان ذلك في سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، حينما نفى الخليفة عثمان بن عفان أبا ذر  رضي الله عنه للربذة عندما استنكر أبو ذر  رضي الله عنه على عثمان بن عفان تصرفاته وتصرفات عماله وولاته في البلاد، وكان يجهر ويهتف بفضائل أمير المؤمنين عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نُفي عن حرم الله ورسوله إلى الربذة(2)

كما كان حجر  رضي الله عنه من جملة وجهاء الكوفة وقرائها ونساكها الذين حملهم الحرص على الإسلام والاهتمام بشؤون الأمة على كتابة رسالة إلى الخليفة عثمان بن عفان في تصرفات واليه في الكوفة سعيد بن العاص، وعابوا عليه تقريب بني أمية ـ بني أبيه ـ وتسليطهم على رقاب المسلمين وخيراتهم.

عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني قال: «كتب ناس من وجوه أهل الكوفة ونساكهم، منهم معقل بن قيس الرياحي، ومالك بن حبيب، وعبد الله بن الطفيل العامري، وزياد بن حفص التميمي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النهدي إلى عثمان ولم يسم أحد نفسه في الكتاب إلا كعب:

أن سعيد بن العاص كثر عندك على قوم من أهل الفضل والدين


(1) انظر: ابن سعد، الطبقات: 4/334، وأبو نعيم، حلية الأولياء: 1/170، وابن حجر، الإصابة: 2/32.

(2) للاطلاع على قصة أبي ذر الغفاري  رضي الله عنه جندب بن جنادة، انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث: 5/ ر2393.

صفحة 34

فحملك من أمرهم على ما لا يحل، وإنا نذكرك الله في أمة محمد فإنك قد بسطت يدك فيها، وحملت بني أبيك على رقابها، وقد خفنا أن يكون فساد هذه الأمة على يديك، فإن لك ناصرا ظالما، وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم ونصرك الظالم، تباين الفريقان، واختلفت الكلمة، ونحن نشهد عليك الله وكفى به شهيدا، فإنك أميرنا ما أطعت الله واستقمت، ولن تجد دون الله ملتحدا ولا عنه منتقذا».(1)

إن إحدى الأسباب التي جعلت الأمويين وأتباعهم ومن سار على نهجم بل حتى محبيهم ينقمون على حجر  رضي الله عنه هو هذا الموقف الذي عرَّفه وميَّزه عمن سواه، وتوالت مواقفه المشرفة كما سيأتي حتى تتبعه معاوية وقتله في سنة إحدى وخمسين للهجرة، وذلك بعد أن اغتال معاوية الإمام الحسن عليه السلام بالسم سنة خمسين للهجرة.


(1) ابن شبة، تاريخ المدينة: 3/1142، والأميني، الغدير: 9/47.

صفحة 35

الفصل الثالث: عهد أمير المؤمنين عليه السلام

عُرف حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه كأحد أبرز أصحاب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حتى أنه بذل حياته في ذلك، وكان له العديد من المواقف المهمة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام وقد خصصنا هذا الفصل من الكتاب لتسليط الضوء عليها وابرازها للقرّاء الكرام.

الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام:

قال الحاكم: «شهد [حجر] مع علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل وصفين وقُتِل في موالاة علي».(1)

قال ابن العديم، والذهبي، واللفظ للثاني: «[حجر] من شيعة علي شهد صفين أميرا، وكان ذا صلاح وتعبد»، وزاد ابن العديم إمارته يوم صفين على قضاعة وحضرموت ومهرة إضافة الى كندة.(2)


(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/534 ر5983.

(2) ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 5/2105، والذهبي، سير أعلام النبلاء: 3/463.

صفحة 36

قال ابن قتيبة، وابن حجر، واللفظ للثاني: «شهد الجمل وصفين وصحب عليا فكان من شيعته».(1)

قال ابن سعد، وابن عبد البر، وابن الأثير، واللفظ للأخير: «كان من فضلاء الصحابة وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان وشهد الجمل أيضا مع علي وكان من أعيان أصحابه».(2)

حرب الجمل:

كان لحجر  رضي الله عنه في هذه الحرب الموقف المشرف حيث أنه:

1. وقف في صف جيش أمير المؤمنين عليه السلام.

2. كان ممن يستنهض الناس لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام.

قبل حرب الجمل أرسل أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الإمام الحسن عليه السلام الى الكوفة مع عمار بن ياسر  رضي الله عنه وحجر بن عدي  رضي الله عنه وزيد بن صوحان  رضي الله عنه لاستنهاض الناس للنصرة والذب عن الحق.

فخطب عمار  رضي الله عنه في الكوفة يحث الناس على نصرة أمير المؤمنين عليه السلام والالتحاق به وقبل الناس كلامه، ثم خطب الإمام الحسن عليه السلام يحث الناس على الجهاد في سبيل الله ونصرة أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قام زيد بن صوحان  رضي الله عنه وذكر بعض فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ونصح الناس وحثهم على الالتحاق به والائتمار بأمره، ثم قام حجر بن


(1) ابن قتيبة، المعارف: 334، وابن حجر، الإصابة: 2/32.

(2) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/218، وابن عبد البر، الاستيعاب: 1/329، وابن الأثير، أسد الغابة: 1/385.

صفحة 37

عدي  رضي الله عنه وذكر طرفا من فضائل الإمام الحسن عليه السلام وحث الناس على نصرته ونصرة أبيه والجهاد تحت لوائهم.

قال أبو جعفر الأسكافي: «ثم قام حجر بن عدي فقال: أيها الناس هذا الحسن بن علي أحد أبويه رسول الله صلى الله عليه وآله، والآخر من ليس له عديل من أمة محمد ولا شبيه، هذا سيد شباب أهل الجنة، سيد شباب العرب والعجم في الدنيا والآخرة، وهو رسول أبيه إليكم يدعوكم إلى الحق والنصر لدين الله، فالسعيد من وازره، والشقي من تخلف عنه، فانفروا رحمكم الله خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم لعلكم تفلحون. فتهيأ الناس للمسير وأجابوا مسارعين والحمد لله رب العالمين».(1)

خطبة تنبئ عن مدى تعلق هذا الرجل بأهل البيت عليهم السلام وبأبيهم أمير المؤمنين عليه السلام وجدهم النبي صلى الله عليه وآله وانقياده لهم، عن علم ومعرفة بعظيم مقامهم عند الله تعالى، فيصف أمير المؤمنين عليه السلام بـ«من ليس له عديل من أمة محمد ولا شبيه» وهو وصف من يعرف عليا عليه السلام بما عرَّفه به رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث المنزلة، فمن سمع بهذه الفضيلة من فضائله عليه السلام وعرف مقامه في ذلك الظرف، يُستبعد عدم معرفته لغيرها!

ثم يصف الإمام الحسن عليه السلام بما وصفه به النبي صلى الله عليه وآله في قوله: «هذا سيد شباب أهل الجنة، سيد شباب العرب والعجم في الدنيا


(1) الأسكافي، المعيار والموازنة: 121.

صفحة 38

والآخرة».

ونعتقد أن حجر  رضي الله عنه كان قد سمع هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث في فضل علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام من الصحابة الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام في أواخر خلافة عثمان بن عفان لما نهض أبو ذر الغفاري  رضي الله عنه يجهر بفضائل أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام في مختلف الأماكن من البلاد، تلك النهضة التي كان انطلاقُها من موسم الحج في حملةٍ لكسر الطوق الذي وضعته الخلافة القرشية منذ يومها الأول على رواية الحديث النبوي في فضل أهل بيته عليهم السلام، او تفسير ما نزل من القرآن في فضلهم، وكان نظراء أبي ذر  رضي الله عنه من الصحابة الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام مثل عمار  رضي الله عنه ومالك  رضي الله عنه وشراحيل بن مرة  رضي الله عنه وغيرهم يعملون هذا العمل الثقافي العقائدي سرا لئلا تطالهم العقوبة التي طالت الغفاري  رضي الله عنه ، ويرى سماحة السيد الأستاذ الوالد العلامة البدري أن هذا العمل كان بقيادة أمير المؤمنين عليه السلام.

كان حجر  رضي الله عنه يوم الجمل على الرجالة(1)، قال ابن اعثم: «ثم جعل علي على كل قبيلة من قبائل العرب سيدا من ساداتهم يرجعون إليه [في] امورهم».(2)

قال الدينوري، والبلاذري، واللفظ للأول: «وعقد الألوية


(1) ابن أعثم، الفتوح: 2/468.

(2) المصدر نفسه.

صفحة 39

والرايات، وجعلها سبع رايات.

قال: وعقد لكندة وحضرموت وقضاعة ومهرة راية وولّى عليهم حجر بن عدي الكندي».(1)

ومن سلوك العرب ارتجال الأراجيز في المناسبات أو الوقائع ونحو ذلك، فيقوم بذلك عادة سيد القوم أو شاعرهم أو أمير مجموعة في الجيش قبل اشتعال الحرب أو أثنائها أو بعدها، فيبين قوته وقسوته في القتال أو قوة وقسوة قومه، أو يفخر بنفسه وبقبيلته، أو يتوعد عدوه في ساحة الحرب أو يطلب المبارزة ونحو ذلك، وتارة يرتجلون أراجيزَ لبيان معتقدهم وهو نادر.

فارتجل حجر  رضي الله عنه بعض الأبيات في يوم الجمل ـ يظهر أنها قبل بدأ الحرب ـ يبين فيها عمق عقيدته بأمير المؤمنين عليه السلام وذلك في جملة من ارتجزوا، قال:

يا ربنا سلم لنا عليا

سلم لنا المبارك المضيا

المؤمن الموحد التقيا

لا خطل الرأي ولا غويا

بل هاديا موفقا مهديا

واحفظه ربى واحفظ النبيا

فيه فقد كان له وليا

ثم ارتضاه بعده وصيا(2)

ويدل عليه هذا الرجز إلى جانب دلالته على عمق ولاء حجر  رضي الله عنه لعلي عليه السلام ومحبته واخلاصه له، يدل على أنه سمع تفسير قوله تعالى


(1) الدينوري، الاخبار الطوال: 146، والبلاذري، انساب الأشراف: 2/235.

(2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 1/145.

صفحة 40

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾(1) حيث روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت هذه الآية وضع يده الكريمة على صدره الشريف وقال: «أنا المنذر» وأومأ بيده إلى منكب عليّ وقال: «أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بَعْدي»(2)، كما يدل على سماعه لحديث الغدير.

قال ابن حاتم العاملي: قال عبد الرحمن الكندي يمتدح حجرا:

قد حمل الراية خير كندة

حجر وحجر لعلي عدة

متوج في قومه بالنجدة

قد قاتل الشرك وأهل الردة(3)

قال ابن حاتم العاملي: «خرج رجل من الأزد من أصحاب الجمل يضرب بسيفه بين الصفين ويقول:

أقتلهم ولا أرى أبا الحسن

ضربته بصارم مثل اللبن

ذاك الذي في الحادثات قد قرن

ذاك الذي يطلب فينا بالإحن

فحمل عليه حجر بن عدي [  رضي الله عنه ] وهو يقول:

يا أيها السائل ما علي

أثبت فأنت رجل شقي

هذا علي وهو الوصي

آخاه يوم الحرة النبي

وقال هذا بعدي الولي

وعاه واع ونسي الشقي

ثم شد عليه حجر بن عدي [  رضي الله عنه ] فضربه ضربة خر منها


(1) سورة الرعد: 7.

(2) الطبري، تفسير الطبري: 13/142.

(3) ابن حاتم العاملي، الدر النظيم: 352، ولم أجد الأبيات عنده غيره، مع ملاحظة أن الصحيح في حروب الردة ما أثبته العلامة العسكري  رضي الله عنه في كتابه عبد الله بن سبأ ومائة وخمسون صحابي مختلق بأنها من مختلقات سيف بن عمر.

صفحة 41

منكسا»(1)، ومما يدل عليه هذا الرجز معرفته بالمؤاخاة بين النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام.

حربا صفين والنهروان:

يقول نصر بن مزاحم إن الأبيات السابقة الذكر أنشأها حجر  رضي الله عنه في معركة صفين مع الاختلاف في بعض الأبيات وتنظيمها:

يا ربنا سلم لنا عليا

سلم لنا المهذب النقيا

المؤمن المسترشد المرضيا

واجعله هادي أمة مهديا

لا أخطل الرأي ولا غبيا

واحفظه ربي حفظك النبيا

فإنه كان له وليا

ثم ارتضاه بعده وصيا(2)

يقول ابن أعثم أن حجرا  رضي الله عنه قال هذه الأبيات في حملة أهل العراق:

(ثم حملت أهل العراق كما كانوا يحملون من قبل واختلطوا، وثار العجاج فلم يبصر أحد أحدا من شدة الغبرة، وجعل حجر بن عدي يقاتل في تلك الغبرة وهو يقول: يا ربنا سلم لنا عليا (3) الخ الأبيات.

وهي كما يرويها نصر بن مزاحم، ولا مانع من أنه كان قد أنشأ هذه الأبيات في حرب الجمل وأعادها في صفين.

قال نصر بن مزاحم: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق،


(1) المصدر نفسه.

(2) نصر بن مزاحم، وقعة صفين: 381.

(3) ابن اعثم، الفتوح: 3/146ـ147.

صفحة 42

يظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي: أن كفا عما يبلغني عنكما.

فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقين؟ قال: بلى.

قالا: أَوَ ليسوا مبطلين؟ قال: بلى.

قالا: فلِمَ منعتنا من شتمهم؟

قال: كرهت لكم ان تكونوا لعانين شتامين، تشتمون وتتبرؤون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، ولو قلتم مكان لعنكم اياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دمائنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي وخيرا لكم.

فقالا: يا امير المؤمنين، نقبل عظتك ونتأدب بأدبك

قال:

ثم قام حجر فقال: يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها(1)، ولنا أعوان ذوو صلاح، وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب وبأس محمود، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه.


(1) ضارست الامور: جربتها وعرفتها، ابن منظور، لسان العرب: مادة ضرس.

صفحة 43

فقال علي: أكل قومك يرى مثل رأيك؟

قال: ما رأيت منهم الا حسنا، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة، وبحسن الإجابة. فقال له علي خيرا).(1)

قال نصر بن مزاحم: «وعقد [علي عليه السلام] ألوية القبائل فأعطاها قوما منهم بأعيانهم جعلهم رؤساءهم وأمراءهم، وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عباس، وعلى كندة حجر بن عدي».(2)

قال ابن العديم: «خرج رجل من أصحاب معاوية أيضا يقال له الأدهم بن لام القضاعي وهو يرتجز ويقول:

قد علمت ذات القرون الميل

أني بنصل السيف خن شليل

أحمي وأرمي أول الرعيل

بصارم ليس له فلول

فخرج إليه حجر بن عدي الكندي وهو يرتجر ويقول:

إن كنت تحمي أول الرعيل

ولم تكن بالهلع الكليل

فاثبت لوقع الصارم الصقيل

فأنت لا شك أخو قتيل

ثم حمل عليه حجر بن عدي فقتله».(3)

أما في يوم النهروان، قال ابن قتيبة، وابن الدمشقي، واللفظ للثاني: «سار الإمام علي عليه السلام إليهم حتى أشرف عليهم، فلما وقعت


(1) نصر بن مزاحم، وقعة صفين: 103ـ104، هكذا كان يؤدب أمير المؤمنين عليه السلام اصحابه ورعيته.

(2) المصدر نفسه: 205.

(3) ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 1/468.

صفحة 44

العين في العين عبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي».(1)

رده لغارة الضحاك بن قيس:

بعد معركة صفين عقدت هدنة بين أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية، إلا أن الأخير خرقها وكان يرسل الغارات على بعض المناطق التي هي تحت حكومته عليه السلام لزعزعة الأمن فيها وكان حجر بن عدي  رضي الله عنه من القادة الأبطال والمخلصين الذين أرسلهم أمير المؤمنين عليه السلام لرد بعض تلك الغارات.

قال ابن هلال الثقفي، واليعقوبي، والطبري، وابن اعثم واللفظ للأخير:

«جاء معاوية برجل يقال له الضحاك بن قيس الفهري، وهو صاحب شرطة معاوية، فضم إليه خيلا عظيمة من خيل أهل الشام، ووجه به نحو أهل العراق وأمره أن يأخذ على طريق السماوة من بلاد بني كلب بن وبرة حتى ينقض على الكوفة وسوادها فيغير على ما قدر عليه، فأقبل الضحاك في خيل أهل الشام حتى نزل الثعلبية، ثم صار منها إلى القطقطانة، وبلغ ذلك عليا عليه السلام، فدعا برجل من أصحابه يقال له حجر بن عدي الكندي، فضم إليه ألف فارس وأمره بالمسير إلى الضحاك بن قيس.(2)


(1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: 1/128، وابن الدمشقي، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام: 2/74.

(2) قال البلاذري: «فسرح لطلبه حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف أعطاهم خمسين درهما خمسين درهما»، انساب الأشراف: 2/438، وقال ابن هلال: «ثم دعا حجر بن عدي الكندي من خيله، فعقد له راية على أربعة آلاف ثم سرحه»، الغارات: 2/425.

صفحة 45

فسار حجر بن عدي يريد الضحاك، والضحاك في وقته ذلك قد أغار على البلاد وقتل رجلا من خيار أصحاب علي عليه السلام يقال له عمرو بن مسعود العلائي وقد كان مقيما بالثعلبية، فقتله الضحاك بن قيس، فلما بلغه أن حجر بن عدي قد توجه إلى ما قبله أقبل على أصحابه، فقال:

إنكم قد قتلتم رئيسا وقد نزلتم قريبا من بلادهم وديارهم، فارتحلوا عنهم، فإن تبعوكم وأصبتم منه عشرة فذاك الذي تريدون، وإن تكن الأخرى ولم يتبعوكم رجعتم إلى بلادكم سالمين.

قال: فسار القوم راجعين يريدون الشام، وأتبعهم حجر بن عدي في خيل أهل الكوفة، فلحقهم في بلاد كلب، فقاتلهم فقتل من أهل الكوفة أربعة نفر وقتل من أهل الشام سبعة نفر، وانكشفوا منهزمين،(1) فلم يتبعهم حجر لكنه رجع إلى علي بالكوفة فأخبره ذلك، ورجع الضحاك بن قيس إلى معاوية مغلولا مهزوما».(2)


(1) قال البلاذري: «فسار حجر حتى لحق الضحاك نحو تدمر فقاتله فأصاب من أصحابه تسعة عشر رجلاً ـ ويقال: سبعة عشر رجلاً ـ وقتل من أصحاب علي رجلان. وحجز الليل بينهم فهرب الضحاك في الليل، وأقام حجر يوماً أو يومين فلم يلق أحداً فانصرف»، انساب الاشراف: 2/438.

(2) ابن هلال، الغارات: 3/63، واليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: 1/185، والطبري، تاريخ الطبري: 3/150، وابن اعثم، الفتوح: 4/219ـ220، وافاد الطبري ان هذه الغارة كانت في السنة التاسعة والثلاثين.

صفحة 46
صفحة 47

الفصل الرابع: عهد الإمام الحسن عليه السلام

حجر  رضي الله عنه وصلح الإمام الحسن عليه السلام:

عن أبرز حدث في عهد الإمام الحسن عليه السلام والأهم من بين كل الأحداث في الدولة الإسلامية آنذاك هو صلحه عليه السلام مع معاوية بن أبي سفيان، وذلك للنتائج التي حققها هذا الصلح، وعلّق الإمام الباقر عليه السلام على صلح جده الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، قال عليه السلام: «والله، للذي صنعه الحسن بن علي عليهما السلام كان خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليها الشمس»(1) قال السيد الأستاذ الوالد معلقا: «إن هذه الصيغة من الكلام تشير إلى أن: نتائج الصلح هي من سنخ الهداية التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: «وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك ما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه


(1) الكليني، الكافي: 8/330.

صفحة 48

يا علي»(1)».(2)

من أمثال حجر  رضي الله عنه يجب أن يكون لهم موقف واضح من هذا الحدث المهم سلبا أو ايجابا، كونه من الشخصيات التي لها ثقلها في المجتمع لما له من تاريخ عرفناه فيما مضى من الكتاب، وقد اتهم حجر  رضي الله عنه بمعارضته للصلح وبالتجاوز على ثاني أئمة أهل البيت عليهم السلام سبط النبي صلى الله عليه وآله الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

توهم بعض الفضلاء من أهل العلم بصحة صدور هذا التجاوز منه فأخذوا يبررون له تبريرات لا تنفع ولا تشفع لأمثاله من العارفين بالمقامات العظيمة لأهل البيت عليهم السلام، وبمنزلتهم الرفيعة عند الله.

هذه التجاوزات تتمثل بصورة واحدة، هي: التعليق بحضور الإمام الحسن عليه السلام على صلحه مع معاوية، وهي بنحو كلمات تنسب إليه.

الكلمة الأولى: قوله  رضي الله عنه للإمام الحسن عليه السلام: «السلام عليك يا مذل المؤمنين».

ويظهر من النصوص أن قائلها شخص آخر، إما سفيان بن أبي ليلى الهمداني(3)


(1) المصدر نفسه: 5/28.

(2) راجع: البدري، الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي.

(3) راجع: الطبري، دلائل الإمامة: 166، والمفيد، الاختصاص: 82، وابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة: 16/16 و44، ويرى السيد الخوئي رحمه الله عدم صحة نسبة القول إلى حجر  رضي الله عنه راجع معجم رجال الحديث: 9/156ـ157.

صفحة 49

أو سفيان بن الليل البهمي.(1)

الكلمة الثانية: قوله  رضي الله عنه للإمام الحسن عليه السلام: «يابن رسول الله! لوددت أني مت قبل ما رأيت! أخرجتنا من العدل إلى الجور! فتركنا الحق الذي كنا عليه! ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه! وأعطينا الدنية في أنفسنا! وقبلنا الخسيسة التي لم تلق بنا»!(2)

وبلفظ آخر: «أما والله لقد وددت أنك مت في ذلك ومتنا معك ثم لم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما احبوا»!(3)

فيظهر للقارئ الكريم أن هذه النصوص التي تشتمل على تجاوز كبير على الإمام الحسن عليه السلام واستنكار من قائلها للصلح، فعُدّ من المعارضين للصلح، كما أن هذه النصوص تظهر لنا أن حجرا  رضي الله عنه كان يرى أن صلاح الأمور بالسيف لا بالسلم، وفي ذلك تأييدا لأطروحة معاوية حول أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم التي عرضهم بها للشاميين وما كان تحت إمرته من بلاد المسلمين.

وذهب بعض الأفاضل من أهل العلم والعمل الى صحة صدور هذه المعارضة والإساءة من حجر  رضي الله عنه للإمام الحسن عليه السلام بمحضره الشريف وقاموا بتبرير ذلك الفعل، غافلين ـ من فرط حبهم


(1) ابن اعثم، الفتوح: 4/295، والحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/175.

(2) الدينوري، الاخبار الطوال: 220.

(3) ابن اعثم، الفتوح: 4/295، وراجع ابن شهر اشوب، مناقب آل ابي طالب: 3/233، وابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة: 16/15، وغيرهم.

صفحة 50

واحترامهم له ـ عمّا تظهره هذه النصوص من المعاني التي أشرنا إليها والتي لم نُشر لها! ولعل عذرهم في ذلك شياع هذا الأمر واشتهاره وربَّ مشهور لا أصل له! ولضيق أوقاتهم ما أطالوا النظر في ذلك.

قال العلامة السيد الأمين رحمه الله: «ولا شك ان هذا الكلام فيه سوء أدب من حجر مع الحسن عليه السلام، ولكنه دعاه إليه شدة الحب وزيادة الغيظ مما كان».(1)

يظهر أن قصد العلامة السيد الأمين رحمه الله في قوله «مما كان» هو الرؤية السائدة بخصوص الأحداث التي حصلت قبيل الصلح؛ من خيانة قائد الجيش عبيد الله بن العباس(2)، وانشقاق الجيش واقتتاله، ونهب فسطاط الإمام الحسن عليه السلام وتهديده بالقتل وطعنه ونحو ذلك مما لا يثبت أمام النقد والتحقيق من الخرافات التي بثها الإعلام العباسي في كتب التاريخ.

وقد صرف السيد الأستاذ الوالد من عمره ثلاثا وعشرين سنة يبحث ويحقق في قضية صلح الإمام الحسن عليه السلام فخرج برؤية جديدة مخالفة للمشهور في كتابه الموسوم بـ«الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي» وهي دراسة توضح العديد من الحقائق


(1) الأمين، أعيان الشيعة: 4/574.

(2) كتب د. السيد حسين الموسوي الصافي بحثا بعنوان: «براءة عبيد الله بن العباس من قضبان التأريخ» ناقش فيه بموضوعية الروايات التي نقلت خبر خيانة عبيد الله بن العباس للإمام الحسن عليه السلام وفندها، للاطلاع على البحث راجع: مجلة فجر عاشوراء العدد المزدوج 6 و 7: ص54.

صفحة 51

والملابسات والافتراءات في هذا الموضوع.

سأل أبو سعيد عقيصا الإمام الحسن عليه السلام عن علة صلحه مع معاوية فأجابه عليه السلام: «علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل»(1)، علّق السيد الأستاذ الوالد في مقدمة كتابه على هذا الحديث بقوله: «ومعنى ذلك أن السبب الموجب للصلحين واحد، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجب له ثم وحدة الموقف ازاءه ثم وحدة النتائج المترتبة» ونرجع القارئ الكريم إلى كتاب السيد الأستاذ الوالد للاطلاع تفصيلا على رؤيته وتحقيقه في هذا الأمر.

وقال العلامة التستري رحمه الله مبررا: «لعله لفرط أسفه من تسلط معاوية لم يفهم ما قال».(2)

ويظهر من كلامه رحمه الله أنه يقصد بأن حجرا  رضي الله عنه كان يعرف بأن معاوية سيغدر بالإمام عليه السلام وينقض الصلح في المستقبل، فأسف لذلك!

والحق أنه تبرير ليس في محله أيضا، فلو فرضنا أن حجرا  رضي الله عنه كان على علم بغدر معاوية مستقبلا، كان الأولى أن نفرض علمه بنتائج


(1) الصدوق، علل الشرائع: 1/211.

(2) التستري، قاموس الرجال: 3/131.

صفحة 52

الصلح المبهرة، فهداية الناس وكشف الحقائق ألا تستحق الصبر على أنواع الجور والعذاب الذي لاقاه الشيعة ـ خاصة الكوفة ـ بعد سنة خمسين هجرية؟

سُئل السيد الخوئي رحمه الله عن صحة الروايات التي تنسب لحجر  رضي الله عنه تلك الكلمات التي تشتمل على موقفه من الصلح وإساءته للإمام الحسن عليه السلام، قال السائل: «ما رأيكم في الروايات الواردة عن حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه أنه دخل على الإمام الحسن عليه السلام وقال له: أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم و متنا معك ولم نر هذا اليوم؟»

فأجاب رحمه الله: «ما وجدنا لذلك سندا معتبرا، والله العالم».(1)

فالكلمات المنسوبة لحجر  رضي الله عنه والتي تشتمل على موقفه من الصلح لم تثبت لا من خلال السند ولا من خلال واقع الأحداث والمعطيات بحسب الدراسة الجديدة عن الصلح التي قام بها السيد الأستاذ الوالد.

كما أن الإمام الحسن عليه السلام شهد لمن معه بطاعتهم له، قال عليه السلام: «قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت»(2) فسادات العرب وأشرافهم كانوا طوع أمره عليه السلام، ومن البعيد جدا أن يكون قد صدر هذا الكلام من الإمام الحسن عليه السلام مجاملة.


(1) الخوئي، صراط النجاة: 2/451.

(2) البلاذري، أنساب الأشراف: 3/ 49، والصدوق، علل الشرائع: 1/220، وعنه المجلسي، بحار الأنوار: 44/15، والحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/170، وابن عساكر، تاريخ دمشق: 13/280،

صفحة 53

وإن تلك الكلمات والموقف المعارض لقرار الإمام الحسن عليه السلام من قبل شخصية كحجر بن عدي  رضي الله عنه لا تنسجم مع المعطيات التأريخية له والتي لم يُعرف أنه تغير عنها لحظة! فلنستذكر ونقرأ ثانية خطبته في الكوفة قبل حرب الجمل بحضور الإمام الحسن عليه السلام حينما أرسلهم أمير المؤمنين عليه السلام لاستنهاض الناس لنصرته والجهاد تحت لوائه، قال حجر  رضي الله عنه :

«أيها الناس هذا الحسن بن علي أحد أبويه رسول الله صلى الله عليه وآله، والآخر من ليس له عديل من أمة محمد ولا شبيه، هذا سيد شباب أهل الجنة، سيد شباب العرب والعجم في الدنيا والآخرة، وهو رسول أبيه إليكم يدعوكم إلى الحق والنصر لدين الله، فالسعيد من وازره، والشقي من تخلف عنه …».(1)

نعم! فالسعيد من آزر الحسن بن علي عليهما السلام على ما يدعو إليه والشقي من تخلف عن ذلك، فإنه يعرف ويدرك تماما من هو الإمام الحسن عليه السلام وما هي مقاماته العظيمة ومنزلته الرفيعة، وبعد خمس سنوات يقوم الإمام الحسن عليه السلام بعمل لا شك أن فيه صلاح الإسلام والمسلمين، فيسجل حجر  رضي الله عنه الاعتراض عليه وبسوء أدب!!

ولا شك في سماعه قول النبي صلى الله عليه وآله في الحسنين عليهما السلام: إنهما إمامان قاما أو قعدا(2)، فقد استشهد بنظير هذا الحديث في خطبته بالكوفة


(1) الأسكافي، المعيار والموازنة: 121.

(2) راجع: المجلسي، بحار الأنوار: 36/289.

صفحة 54

والذي هو من أشهر فضائلهما عليهما السلام: »الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، فأنى له الاعتراض على فعل الإمام وأحد سادة الأنام وهو العالم بما له من مقام؟!

ترى الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه يعرف ما يقول مرتجلا في خطبته، ويعرف ما يقول مرتجلا من شعر ينبئ عن عقيدته في سوح القتال في مقام تزهق فيه الأرواح وتتساقط فيه الرؤوس، ولا يعرف كيف يبدي رأيه بمحضر سيده ومولاه الحسن عليه السلام وذلك بعد أن كبر سنه وتربى على يد أمير المؤمنين عليه السلام وصار من خاصته! إنه أمر غير معقول..!

قال الأصفهاني وعنه المفيد: (وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلما بلغ جسر منبج(1) تحرك الحسن عليه السلام، وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد).(2)

ويستفاد من هذا الخبر أن حجرا  رضي الله عنه كان موضع ثقة الإمام الحسن عليه السلام كما كان موضع ثقة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام من قبل، بل إنه معروف بصدق لسانه ولهجته وعدم حياده عن تعاليمهم سواء أكانت أوامر أم نواهي وفي جميع المجالات.

الكلمة الثالثة: قال البلاذري: «قالوا: وكان حجر بن عدي أول من ذم الحسن على الصلح، وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا


(1) مَنْبِج، مدينة قديمة تابعة اليوم لحلب، الحموي، معجم البلدان: 5/205ـ206.

(2) الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 39، والمفيد، الإرشاد: 2/10.

صفحة 55

من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة وطلب القوم أمرًا، وطلبنا أمرًا، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين.

فقال له [الحسن]: يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت.

وأتى [حجر] الحسين فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العز بالذل، وقبلتم القليل بترك الكثير، أطعني اليوم واعصني سائر الدهر! دع رأي الحسن واجمع شيعتك، ثم ادع قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال، وأخرج أنا في الخيل فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين».(1)

يظهر هذا النص كسابقيه سوء الأدب والتجاوز من حجر  رضي الله عنه على الحسنين عليهما السلام، لكنه جُعل ههنا في دور إضافي وهو التحريض، فيدعو الحسين عليه السلام إلى الخروج على رأي أخيه الحسن عليه السلام ويجمع الجموع ويقودهم للحرب!

ونشير إلى أن القول المنسوب للإمام الحسن عليه السلام في هذه الرواية: «يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت» غير صحيح، وعلى ذلك


(1) البلاذري، أنساب الأشراف: 3/151.

صفحة 56

شواهد(1)، منها:

1. أنه عليه السلام لما خرج من الكوفة وصار بالحيرة نظر إلى الكوفة وقال:

ولا عن قلى فارقت دار معاشري

هم المانعون حوزتي وذماري.(2)

2. ما رواه أبو الفرج الأصفهاني قال: (نسخت من كتاب يحيى بن حازم حدثنا علي بن صالح صاحب المصلى قال حدثنا ابن دأب قال: قال معاوية لعبد الله بن الزبير وهو عنده بالمدينة في أناس: يا بن الزبير ألا تعذرني في حسن بن علي(3) ما رأيته مذ قدمت المدينة إلَّا مرّة، قال: دع عنك حسنا فأنت والله وهو كما قال الشمّاخ:

أجامل أقواما حياء وقد أرى

صدورهم تغلي عليّ مراضها

واللَّه لو يشاء حسنٌ أن يضربك بمائة ألف سيف ضربك(4) واللَّه لأهل العراق أرأم له من أم الحوار لحوارها «وفي رواية هشام بن السائب الكلبي: أبر به، وفي رواية ابن حمدون: به أرأف)، فقال معاوية: أردت أن تغريني به! واللَّه لأصلنّ رحمه ولأقبلنّ عليه».(5)


(1) استفدنا هذه الشواهد من كتاب السيد الأستاذ الوالد «الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي».

(2) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة: 16/16.

(3) وفي رواية المدائني بنقل البلاذري: «ألا تعجب من الحسن وتثاقله عني؟»، البلاذري، أنساب الأشراف: 5/37.

(4) وفي رواية المدائني بنقل البلاذري: «ولو شاء أن يطلق عليك عقال حرب زبون لفعل»، البلاذري، أنساب الأشراف: 5/38.

(5) الأصفهاني، الأغاني: 9/119، ابن حمدون، التذكرة الحمدونية: 5/191، قال السيد الأستاذ الوالد: «وقول معاوية «والله لأصلن رحمه ولأقبلن عليه» هي المجاملة حياء والتي استشهد ببيت الشعر لأجلها، وهي من أجل أن يعبر مرحلة فرضها عليه الحسن عليه السلام لمعالجة الانشقاق وفتح الشام لأخبار علي عليه السلام، وقد انتقم معاوية بعد ذلك من الحسن عليه السلام بدس السم له ومن شيعته بتشريدهم وقتلهم»، البدري، الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي.

صفحة 57

3. ما رواه البلاذري عن عوانة بن الحكم: أن عليا عليه السلام كتب إلى قيس ابن سعد بن عبادة وهو عامله على آذربيجان: «أما بعد فاستعمل على عملك عبيد الله بن شبيل الأحمسي وأقبل فإنه قد اجتمع ملأ المسلمين وحسنت طاعتهم، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث، فإنا جادّون معدّون، ونحن شاخصون إلى المحلين، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا إن شاء الله والسلام.

قال عوانة: وقال عمرو بن العاص حين بلغه ما عليه علي من الشخوص إلى الشام وأن أهل الكوفة قد انقادوا له:

لا تحسبني يا عليّ غافلا

لأوردن الكوفة القبائلا

ستين ألفا فارسا وراجلا

فقال عليّ:

لأبلغن العاصي بن العاصي

ستين ألفا عاقدي النواصي

مستحقين حلق الدلاص»(1)

وهذه شهادة من أمير المؤمنين عليه السلام على طاعة القوم وانقيادهم له، بل وانقيادهم لأهل البيت عليهم السلام وينقل شاهد ذلك ابن حجر:


(1) البلاذري، أنساب الأشراف: 2/480.

صفحة 58

«وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة».(1)

4. قول الإمام الحسن عليه السلام الذي مر بنا سابقا: «قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت».(2)

على أي حال فبطلان هذه الدعوى والتهمة معلوم الحال، وهذا الموقف وما فيه لا يليق بحجر  رضي الله عنه لما عرفناه من مقامه وسيرته.

طرف من أيام الصلح:

ولابد من الإشارة إلى أنه بصلح الإمام الحسن عليه السلام عاشت البلاد الإسلامية عشر سنوات من الأمان والحرية التامين في العبادة والتعبير عن الرأي، ونتائج الصلح كانت واضحة في الأفق منذ يومها الأول وهو ما يتوقع لها، وذلك بفضل البنود التي فرضها الامام عليه السلام على معاوية.(3)


(1) ابن حجر، فتح الباري: 13/53.

(2) المصدر السابق: 3/ 49، والصدوق، علل الشرائع: 1/220 وعنه المجلسي، بحار الأنوار: 44/15، والحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/170، وابن عساكر، تاريخ دمشق: 13/280،

(3) كما أن نتائج صلح الحديبية كانت معلومة منذ بدايتها، وهي كشف زيف دعوى مشركي قريش في حراستها وخدمتها للبيت الحرام وأن محمدا صلى الله عليه وآله يريد إهانته ودعوات اُخرى هدفها تشويه سمعة النبي صلى الله عليه وآله عند العرب، وبيان الحقيقة في شخصيته صلى الله عليه وآله وأن كل ما نسبه إليه مشركو قريش إنما هي تهم اُلصقت به وهو بريء من كل ذلك، وهو ظاهر قوله تعالى في سورة الفتح: )إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر( فما قيل في حقه صار له كالذنب في عين العرب حينها، وبالصلح انكشفت الحقيقة في طهارته وقدسيته صلى الله عليه وآله، والحسن عليه السلام كونه ثاني أوصياء النبي صلى الله عليه وآله وأول أوصياء علي عليه السلام بلا شك فهو عالم بتفاصيل التجربة بدقة، وكان قوله في علة المصالحة دقيقا في وحدة سبب الصلحين ووحدة النتيجة، وقد جرى لأمير المؤمنين عليه السلام مع معاوية نظير ما جرى للنبي صلى الله عليه وآله مع مشركي قريش من تشويه سمعة ونحوها في القسم الغربي من البلاد الاسلامية، فكشف الله بصلح الحسن عليه السلام الحقيقة عن شخصية علي عليه السلام ومشروعه في احياء السنة النبوية.

صفحة 59

كان شيعة أمير المؤمنين عليه السلام يروون فضائله وفضائل أهل بيته عليهم السلام بكل حرية وأمان طيلة سنوات الصلح، فقد بلغ الأمان أعلى درجاته، وإليك طرف من أيام الصلح والحوارات بين معاوية وبين شيعة علي عليه السلام.

روى ابن طيفور وابن بكار الضبي وابن عبد ربه أن معاوية بن أبي سفيان لما حج في احدى سنييه(1) أرسل إلى دارمية الحجونية(2) فجيء بها (فلما رآها قال لها: كيف حالك يا بنت حام؟ قالت: بخير، ولست لحام، ولكني ابنة أبيك(3)، ولن يضر المرء نسب أمه.

قال: صدقت، فهل تعلمين لِمَ بعثتُ إليك؟


(1) لعلها سنة 44 هـ، فهي السنة الوحيدة التي حج بها معاوية بعد عام الصلح كما يرى ذلك السيد الأستاذ الوالد، وإن محاورة كهذه لا يمكن أن تكون إلا في أجواء الصلح.

(2) نسبة إلى داروم قلعة بعد غزة للقاص إلى مصر على ساحل البحر نزل بها بنو حام كما يظهر من قول معاوية يا بنت حام والحجون مكان معروف بمكة، كانت دارمية تنزل بها فنسبت إليها. هامش الغدير: ٢/٤١٥.

(3) يعني من بني أبيك.

صفحة 60

قالت: يا سبحان الله العظيم، لا يعلم الغيب إلا الله.

قال: بعثت إليك أسألك علام أحببت علياً وأبغضتني، وعلام واليته وعاديتني؟

قالت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين من ذلك؟!

قال: ما كنت بفاعل، ولا أعفيك!

قالت: أما إذا أبيتَ عليَّ:

فإني أحببت عليّاً على عدله في الرعية وقسمته بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك، وواليت علياً على حبه المساكين وإعطائه أهل السبيل وفقهه في الدين وبذله الحق من نفسه، وما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله من الولاية، وعاديتك على إرادتك الدنيا، وسفكك الدماء، وشقك العصا…

ثم قال لها معاوية: هل رأيتِ علياً قط؟

قالت: إي والله لقد رأيتُه.

قال: كيف رأيتِه؟

قالت: رأيته شَثِنَ القدم والكف، لم يعبَ بالملك، ولم تشغله النعمة.

قال: فهل سمعتِ كلا

مه؟

قالت: نعم.

قال: كيف سمعتِه؟

صفحة 61

قالت: كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ.

قالت: صدقت، هل لك من حاجة؟

قالت: أو تفعل ذلك إذا سألتك؟

قال: نعم.

قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء، وألف راعية من رواعي فحولها وغلمانها.

قال لها معاوية: ما تصنعين بها؟

قالت: اغذوا بألبانها الصغار، وأُتحِف بها الكبار، وأُصلح بها بين العرب.

قال: فإن أعطيتِك هل أحلُّ منكِ محلَّ علي بن أبي طالب عليه السلام؟

قالت: يا سبحان الله! أو دونه قليلاً؟

فأنشأ معاوية يقول:

إذا لم اجُدْ بالحلم مني عليكم

فمن ذا الذي بعدي يؤمَّل للحلم

خذيها هنيئاً، واذكري فعل ماجد

حباكِ على حين العداوةِ بالسلم

ثم قال لها: والله لو كان علياً ما أعطاكِ شيئاً.

قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين يعطيني.

ثم أمر لها بما سألت، وردها إلى منزلها مكرمة).(1)


(1) ابن طيفور، بلاغات النساء: 76، وابن بكار الضبي، اخبار الوافدات من النساء على معاوية بن ابي سفيان: ٤٠، وابن عبد ربه، العقد الفريد: ١/٢٢٢ ـ 223.

صفحة 62

وروى ابن عبد البر: كتب معاوية إلى عامله بالكوفة أن يوفد إليه الزرقاء بنت عدي الهمدانية مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها… فلما دخلت على معاوية قال: مرحبا وأهلا! قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟

قالت: بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لك النعمة، قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا، قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟

قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؟ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر والواقفة بين الصفين [يوم صفين] تحضين على القتال وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعد الأمر.

قال لها معاوية: [صدقتِ] أتحفظين كلامك؟ [يوم صفين] قالت: لا والله! لا أحفظه، ولقد أنسيته.

قال: لكني أحفظه، لله أبوك! حين تقولين:

أيها الناس! ارعووا وارجعوا… إن المصباح لا يضئ في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين [والأنصار] على الغصص، ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال

صفحة 63

الدماء، ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، إيها في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين.

ثم قال لها: والله يا زرقاء! لقد شركت عليا في كل دم سفكه.

قالت: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك! فمثلك بشر بخير وسر جليسه، قال لها: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله لقد سررت بالخير، فأنى لي بتصديق الفعل؟

فضحك معاوية، وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له 1في حياته!

اذكري حاجتك.

قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد من غير طلبة.

قال: صدقت! وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكُسا.(1)

أيضا روى ابن عبد البر وابن عساكر قصة وصف ضرار لعلي عليه السلام في مجلس معاوية: قال معاوية لضرار بن ضمرة: يا ضرار صف لي علياً.

قال: أعفني يا أمير.

قال: لتصفنه.

قال: أما إذ لابد من وصفه فكان والله: بعيد المدى شديد القوى،


(1) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ١/٢٢٠، وابن طيفور، بلاغات النساء: 37، وتممنا ما أورده ابن عبر البر من ابن طيفور، وانظر ايضا التستري، قاموس الرجال: ١٢/٢٥٩ ـ ٢٦٠، وابن بكار الضبي، اخبار الوافدات من النساء: ٦٣، وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق:٧٣/١٢٤.

صفحة 64

يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.

كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبةً له.

يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله.

أشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري ألي تعرضتِ أم إليّ تشوقتِ! هيهات! هيهات! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك قليل، آهٍ من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فما تسكن حرارتها ولا ترقى دمعتها.(1)

وهنالك الكثير من أمثال هذه القصص يحكيها لنا التاريخ، ويضاف إلى ذلك أنني سمعت السيد الأستاذ الوالد في أكثر من


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 24/401ـ402.

صفحة 65

مناسبة يقول: «تتبعت العديد من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام الموجودة في كتب العامة تجد أنها تنتهي إلى راوي شامي التقى في سنوات صلح الحسن عليه السلام إما براوي عراقي أو صحابي في عداد العراقيين وروى الحديث عنه»، أقول: ولما كان الأمر كذلك فما الداعي لصدور الاعتراض من رجل كحجر  رضي الله عنه من أكابر أصحاب علي عليه السلام افترض أنه سيكون على علم بنتائج الصلح؟!

صفحة 66
صفحة 67

الفصل الخامس: عهد الإمام الحسين عليه السلام واستشهاد حجر  رضي الله عنه

وللدخول في هذا الفصل ولمعرفة الحال الذي صارت فيه الأمة الإسلامية عامة وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام خاصة في الفترة التي تلت استشهاد الإمام الحسن عليه السلام لابد من تسليط الضوء على موقف معاوية من نتائج صلحه مع الامام الحسن عليه السلام ثم تخطيطه وهدفه، فقد سأل عمر بن بشير الهمداني أبي إسحاق السبيعي قال: «متى ذل الناس؟

قال: حين مات الحسن عليه السلام، ودعي زيادا، وقتل حجر بن عدي».(1)

معاوية ونتائج الصلح:

لقد حقق الإمام الحسن عليه السلام بصلحه نتائج مهمة يمكن اجمالها في


(1) الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 50، وهذا الرأي معروف عن أبي اسحاق السبيعي.

صفحة 68

خمسة نقاط:(1)

1. انتشار تفسير ما نزل من القرآن في حق أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حقهم بين المسلمين عامة وأهل الشام خاصة تلك التي تؤسس لإمامتهم الإلهية، كآية الولاية وآية التطهير وآية اكمال الدين وآية المباهلة وآية المودة وآية النجوى وغيرها، ومن الأحاديث كحديث الغدير وحديث المنزلة وحديث الدار وغيرها، وبذلك انكشف منزلة ومقام أمير المؤمنين عليه السلام لدى أهل الشام خاصة والأمة عامة.

2. انكشاف تاريخ بني أمية في محاربة النبي صلى الله عليه وآله وأنهم الطلقاء يوم فتح مكة حيث لا يستوي الطليق مع من له من النبي صلى الله عليه وآله منزلة هارون من موسى عليهما السلام، ثم انتشار تفسير ما نزل من القرآن الكريم فيهم كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾(2) وغيرها.

3. اتضاح مخالفات الخلفاء الثلاثة من قريش المسلمة لسنة


(1) يراجع للمزيد في تفصيل ذلك كتاب السيد الأستاذ الوالد، الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الإنشقاق الأموي.

(2) سورة الإسراء: 60، فقد ورد في تفسير الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، راجع: الثعلبي، الكشف والبيان: 6/111، القرطبي، الجامع لأحكام القران: 10/283، أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط: 6/53، وقد نقل الطبري الحديث ولم يسمِّ بني أمية بل قال: (بني فلان)! الطبري، تفسير الطبري: 15/141.

صفحة 69

النبي صلى الله عليه وآله، كالمنع من رواية الحديث النبوي إلا بموافقتهم والمنع من تفسير القرآن الكريم والسؤال عنه وموارد صرف الخمس وتحريم المتعتين والتكتف في الصلاة والوضوء وغيرها.

4. تأسيس المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة، وذلك لما اشترط على معاوية العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وأن الدولة لا تفرض على المسلمين اتباع طريقة معينة في العبادة والمعاملة فللمسلم الحرية في اختيار طريقة علي عليه السلام أو طريقة الخلفاء.

5. عودة الأمان في البلاد الإسلامية كلها، وذلك لأن الصلح وضع حدا لغارات معاوية التي كانت السبب الرئيس في زعزعة الأمن في البلاد، وفرغ الصلحُ السلطةَ إلى متابعة تحركات الخوارج وردعها إضافة إلى دفع الخطر الخارجي عنها.

هدف معاوية وتخطيطه وتنفيذه:

لم ترُق لمعاوية النتائج الأربعة الأولى التي حققها الصلح لأنها أعادت المسار الثقافي للأمة إلى موقعه الصحيح، فقرر أن يدفن كل ذلك ورفع شعاره «لا والله إلا دفنا دفنا»، ووضع خطته التي تحقق له أعلى درجات الانتقام كما أنها تحقق له هدفان أساسيان:

1. تأسيس تاريخ جديد يُنتحل فيه لمعاوية وأهل بيته وخلفاء قريش الثلاثة ما كان لأمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام من سابقة في الإسلام فيتم تسويغ ولايتهم على الأمة وتقمصهم لموقع (خليفة

صفحة 70

رسول الله صلى الله عليه وآله) ويترحمون عليهم وبهذا فإنهم يُعرَضون في الأمة بصفتهم أئمة هداة وشفعاء إلى الله تعالى بدلا من علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام، وهذا كفيل بتغيير عقيدة الأمة وليس فقط تاريخها.

2. الافتراء على علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام لتسويغ لعنهم والبراءة منهم ومعاداتهم في كل الأمة لا خصوص الشام، فيصيرهم أئمة ضلال.

قال المسعودي: «وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين نادى منادي المأمون: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وتكلم في أشياء من التلاوة إنها مخلوقة، وغير ذلك، وتنازع الناس في السبب الذي من أجله أَمر بالنداء في أمر معاوية، فقيل في ذلك أقاويل: منها أن بعض سُمّاره حدّث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروفة بالموفقيات التي صنفها للموفق، وهو ابن الزبير، قال: سمعت المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة:

وَفَدْتُ مع أبي المغيرة الى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتما، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتما منذ الليلة؟

صفحة 71

قال [المغيرة]: يا بني! إني جئت من عند أخبث الناس.

قلت له: وما ذاك؟

قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدْلًا وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه.

فقال لي [معاوية]: هيهات هيهات!! مَلكَ أخو تيمٍ فعدل وفعل ما فعل، فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عَدِيٍّ فاجتهد وشمر عشر سنين فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجلٌ لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعمل به فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعلَ به، وإن أخا هاشم يُصْرَخُ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عمل يبقى مع هذا؟ لا أمَّ لك! والله إلا دفنا دفنا.

وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا، وانشئت الكتب الى الآفاق بلعنه على المنابر، فأعظَم الناسُ ذلك وأكبروه، واضطربت العامة منه فأشير عليه بترك ذلك، فأعرض عما كان هَمَّ به».(1)

لكنه كان أمام حاجز يحول دون تحقيق مراده، وهذا الحاجز


(1) المسعودي، مروج الذهب: 3/454.

صفحة 72

يتمثل بوجود الإمام الحسن عليه السلام ومحبة الناس له، ووجود الشيعة الذين يروون في كل مكان تاريخه فضائله وفضائل أبيه وأخيه عليهم السلام، ويفسرون للمسلمين ما نزل من القرآن الكريم في حقهم وفي حق أعدائهم، فارتكزت خطة معاوية على أربعة بنود ليس من شأنها تغيير ثقافة الأمة الإسلامية وتحقيق مبتغاه فحسب بل ستغير عقيدتها:

البند الأول: اغتيال الإمام الحسن عليه السلام بالسم، والاعلان عن نقض شروط الصلح.

ويمثل هذا البند مفتاح الخطة، فدسّ معاوية السم للإمام الحسن عليه السلام(1) في سنة خمسين للهجرة، وهذه طريقة معاوية في التخلص من أعدائه وخصومه(2)، وتجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ الوالد يرى أن معاوية قد أعلن عن نقض شروط الصلح بعد تنفيذ عملية الاغتيال للإمام الحسن عليه السلام ولم يكن بمقدوره أن يفعل ذلك والحسن عليه السلام حي يرزق.

ومن الشواهد على رأيه ما رواه الجاحظ والبلاذري وابن حمدون وابن عساكر وابن كثير: أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها (سنة 44 هجرية) بعد عام الصلح، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها.


(1) قال ابن عبد البر: »سُمّ الحسن بن علي، سمته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها»، الاستيعاب: 1/389.

(2) من شواهد ذلك اغتياله مالك الأشتر  رضي الله عنه ، واغتيال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وغيرهما.

صفحة 73

فقال معاوية: يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا؟

وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين أحب إلي من أن تكوني أمة من إماء المسلمين(1)، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك.(2)

فالرواية صريحة بأن معاوية كان ملتزم بشروط الإمام الحسن عليه السلام إلى سنة هذه الحادثة التي قدرها السيد الأستاذ الوالد بسنة 44 للهجرة، فهذا وغيره من الشواهد تدل على أنه لم يُعلن عن نقضه لشروط الصلح إلا بعد استشهاد الامام الحسن عليه السلام بسم الغدر.

البند الثاني: المنع من رواية فضائل أهل البيت عليهم السلام، ولعن علي عليه السلام وسبه على منابر المسلمين.(3)


(1) وفي رواية البلاذري وغيره: »وأن تكوني ابنة عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين»، البلاذري، أنساب الأشراف: 5/125.

(2) الجاحظ، البيان والتبيين: 529، البلاذري، أنساب الأشراف: 5/125، ابن حمدون، التذكرة الحمدونية: 7/173، ابن عساكر، تاريخ دمشق: 59/155، ابن كثير، البداية والنهاية: 8/141.

(3) قال ابن أبي الحديد: إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب علي عليه السلام والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام. وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك، وصد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، وصار ذلك سُنّة في أيام بني أمية، إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4/56ـ57.

صفحة 74

البند الثالث: استضعاف وتهجير وقتل شيعة علي عليه السلام وتتبع وجوههم ممن له ثقل في المجتمع لأنهم سيقفون معارضين له.(1)

البند الرابع: وضع أحاديث في فضل معاوية والخلفاء القرشيين الثلاثة، ووضع أحاديث تطعن في علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام وتشوِّه سيرتَهم.

وتفصيلها فيما حكاه المدائني مع التحفظ على بعض الموارد، قال: (كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبى تراب وأهل بيته(2)، فقامت الخطباء في


(1) قال السيد الأستاذ الوالد: »إننا حين تتبعنا تاريخ من قتلهم زياد بأمر معاوية أو دفنهم أحياء أو نفاهم أو شردهم من شيعة علي عليه السلام في الكوفة كحجر وأصحابه وعبد الرحمن بن حسان الذي دفنه حيا وعمرو بن الحمق الخزاعي وزوجته آمنة بنت الشريد وصعصعة بن صوحان وتسيير خمسين ألف من الكوفة والبصرة بعيالاتهم وجدنا ذلك كله بعد وفاة الحسن عليه السلام أي في سنة إحدى وخمسين وهو اكتشاف تاريخي لم يسبق أن انتبه إليه الباحثون»، البدري، الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي.

(2) قال سليم بن قيس: «وكان معاوية يومئذ بالمدينة، فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى جميع البلدان إلى عماله: ألا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي بن أبي طالب أو فضائل أهل بيته وقد أحل بنفسه العقوبة، سليم». كتاب سليم بن قيس: 314، وينبغي الالتفات إلى أنه لا يمكن صدور هذا الأمر من معاوية في زيارته الأولى للمدينة بعد الصلح والتي كانت في سنة 44 للهجرة لتعارضها مع موقفه مع عائشة بنت عثمان والذي يصرح فيه بالتزامه بجميع شروط الصلح وقد مر بنا ذكره، بل كان ذلك بعد استشهاد الحسن عليه السلام وزيارة معاوية للمدينة ثم موت سعد بن أبي وقاص كونه رفض لعن علي عليه السلام لما سأله معاوية عن رأييه في ذلك لأنه أراد أن يبدأ تنفيذ مشروعه من المسجد النبوي الشريف كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا.

صفحة 75

كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألّا يجيزوا لأحد من شيعة علي عليه السلام وأهل بيته شهادة.

وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا.

صفحة 76

ثم كتب [معاوية] إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إليَّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجة أبى تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقى إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا عليه السلام وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء

صفحة 77

المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها.

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلّا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض).

والتحفظ المشار إليه هو في مسألتين علق عليهما السيد الأستاذ الوالد في كتابه «صلح الامام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي»:

الأولى: في قوله «بعد عام الجماعة» قال: «إن المدائني لم يكن معنيا في روايته بأن يشخّص بدقة وقت نقض الشروط بل ذكر على الاجمال أن ذلك كان بعد عام الجماعة أما متى فلم يكن معنيا به».

الثانية: قال البدري: «يشير [المدائني] إلى أن ملاحقة الشيعة قد اشتدت حينما استعمل [معاوية] زيادا على الكوفة وذلك في قوله «وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي  عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة…» وقوله: «فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام فازداد

صفحة 78

البلاء والفتنة» في هذا المكان تحريف للرواية وذلك لأن معاوية كان قد ولّى زيادا الكوفة بعد وفاة المغيرة بن شعبة في شعبان سنة إحدى وخمسين للهجرة وقد استشهد الحسن عليه السلام في صفر سنة خمسين للهجرة، أي قبل وفاة المغيرة بن شعبة، فالموضع الطبيعي لهذه العبارة هو قبل أن يكتب معاوية لعماله، على أن نفس هذا التحريف قد أصاب رواية سليم بن قيس أيضا».

معارضة سعد بن أبي وقاص وأم سلمة لمعاوية:

ولما أراد معاوية أن يلعن أمير المؤمنين عليه السلام واجهته معارضة أبرز وجوهها هم: سعد بن ابي وقاص، وأم المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها، وحجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه .

قال ابن عبد ربه: «لما مات الحسن بن علي [ عليهما السلام] حج معاوية، فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا [ عليه السلام] على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقيل له: إن ههنا سعد بن أبي وقاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال [سعد]: إن فعلت لأخرجن من المسجد، ثم لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا.

فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن

صفحة 79

أحبه، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله، فلم يلتفت إلى كلامها».(1)

قال الامام مسلم: «حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عباد، وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا حاتم وهو ابن إسمعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟

فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآلهفلن أسبه، لئن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهيقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾(2) دعا رسول الله صلى الله عليه وآلهعليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي».(3)

وبجمع ما رواه ابن عبد ربه إلى ما رواه الإمام مسلم يظهر لنا أن الحادثة كانت في سنة خمسين وهي نفس السنة التي استشهد فيها


(1) ابن عبد ربه، العقد الفريد: 4/366.

(2) آل عمران: 61.

(3) مسلم النيسابوري، صحيح مسلم: 7/ باب من فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام:120.

صفحة 80

الامام الحسن عليه السلام وتوفي فيها سعد بن أبي وقاص، ومن الطبيعي أن يستنكر معاوية على سعد بن أبي وقاص امتناعه عن سب أو لعن أمير المؤمنين عليه السلام بل وروايته لفضائله، ودسَّ إليه السم بعد ذلك.

قال الأصفهاني: «حدثني أحمد بن عبيد الله قال: حدثني عيسى بن مهران قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: توفي الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سقاهما سماً».(1)

وليس من شك أن معاوية كان قد خشي وقوف سعد بوجه أمره علنا ويروي على رؤوس الأشهاد ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام وينهى عن سبه، ولهذا الموقف نتيجتان؛ فإما أن تتكرر تجربة أبي ذر الغفاري  رضي الله عنه ، أو أن يتكرر انشقاق نظير الذي حصل مع عثمان فأدى إلى قتله.

موقف الإمام الحسين عليه السلام:

ومن أجل أن نفهم موقف حجر  رضي الله عنه في هذه الأوضاع ودوره في مواجهة ومعارضة السياسة الأموية الجديدة التي تهدف الى تفريغ الإسلام من محتواه الحقيقي وتأسيس محتوى جديد وتزوير تاريخ جديد له مبني على الكذب كما مر بيان ذلك، علينا أن نعرف موقف


(1) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: 48.

صفحة 81

الإمام الحسين عليه السلام بصفته ثالث أوصياء النبي صلى الله عليه وآله وثاني أوصياء أبيه علي عليه السلام في مشروع إحياء السنة النبوية.

قال السيد الأستاذ الوالد إن الإمام الحسين عليه السلام كان بين موقفين تجاه معاوية:

«الموقف الأول: أن يتعامل مع معاوية في ضوء معرفته الخاصة ومعرفة خلص أصحابه بتخطيط معاوية ونواياه وبخاصة بعد أن دسّ السم للحسن عليه السلام، فيبادر إلى الكوفة مركز شيعة أبيه ويعلن عن تمرد عسكري، ثم يخوض معركة الجهاد ضد معاوية.

وهذا الموقف سابق لحينه وتواجهه مشكلات كثيرة، وذلك لعدم وضوح مبرر هذا الفعل لدى الأمة ككل، وقدرة معاوية على احتوائه، سواء انتهى بقتله عليه السلام أو بانتصاره المحدود وتأسيسه لدولته في الكوفة.

إن انتهى بالقتل سيكون مشابها للخوارج الذين تكرر خروجهم في السنوات العشر الأولى خاصة من حكم معاوية والتي انتهت بقتل قادتها، ويستطيع معاوية في هذا الحال معالجة كون المقتول الحسين عليه السلام حفيد النبي صلى الله عليه وآله بوضع أحاديث كذب تبرر لمعاوية قتله.

أما لو انتهى بالانتصار المحدود فإن هذا الانتصار له حالتان معقولتان:

الأولى: انتصار يملك مقومات استمرار دولة الكوفة إلى جنب دولة الشام، وهذا سوف يعيد لأرض الواقع الخطر الذي دفعه الإمام

صفحة 82

الحسن عليه السلام بصلحه وهو: خطر انشقاق الأمة إلى أمتين ودولتين ثم إلى قبلتين وكتابين، ولا يترقب من الإمام الحسين عليه السلام أن يرضى بذلك.

الثانية: انتصار مؤقت ينتهي بقتل الحسين عليه السلام على يد معاوية، كما قتل ابن الزبير على يد عبد الملك بعد سبع سنوات من الحكم.

الموقف الثاني: أن يؤجل الحسين عليه السلام قيامه إلى ما بعد وفاة معاوية، ويكتفي بقيام وجوه شيعة أبيه بالمواجهة والإنكار اللساني على السياسة الاموية وممارسة الولاة لها، ثم ممارسة التبليغ الفكري سرا.

وكما هو معلوم أن هذا الموقف هو الذي اختاره الحسين عليه السلام وأمر به غالبية أصحابه حين قال لهم: «ليكن كل أمرئ منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حياً، فإن يهلك [ونحن] وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا فإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»(1)، فموقفه عليه السلام يتكون من مرحلتين:

الاولى: تسجيل الإنكار اللساني من قبل وجوه شيعة علي عليه السلام ومواصلة التبليغ الفكري والعَقَدي سرا.

الثاني: المواجهة الفكرية والسياسية المعلنة من الحسين عليه السلام بعد موت معاوية وطلب النصرة من المسلمين لحمايته حتى يواصل تبليغه


(1) البلاذري، أنساب الأشراف: 3/150.

صفحة 83

والاطاحة بسلطة بني أمية، كما صنع جده النبي الأعظم صلى الله عليه وآله مع قريش».(1)

نهضة حجر  رضي الله عنه في مواجهة سياسة معاوية:

وليس بالظن الصحيح أن يتصرف حجر بن عدي  رضي الله عنه من تلقاء نفسه قبل الاطلاع على خطة الإمام الحسين عليه السلام لمواجهة اطروحة معاوية وضلالته، وهو في حينه أبرز وجوه الشيعة في الكوفة، فكان ينكر على والي الكوفة المغيرة بن شعبة نيله من أمير المؤمنين عليه السلام وترحمه على الخليفة الثالث ومن ثم أنكر ذلك على زياد أيضا.

قال الصفدي: «كان سبب قتله ـ اي حجر بن عدي ـ أنه كان من أصحاب علي فكانت تصدر منه حركات لا تعجب ولاة الكوفة!

فقال له زياد بن أبيه: إني أحذِّرك أن تركب أعجاز أمورٍ قد هلك من ركب صدورها!

فلم ينتهِ، فنفذ زياد إلى معاوية: إن كان لك بالعراق حاجةٌ فاكفني حجراً وأصحابه! فأمر بهم معاوية فقتلوا نصفهم بعذراء سنة إحدى وخمسين».(2)

رواية لقاء زياد بحجر  رضي الله عنه ومناقشتها:

إن عددا من المؤرخين قد ذكروا خبر لقاء زياد بحجر  رضي الله عنه مع


(1) البدري، الامام الحسين عليه السلام في مواجهة الضلال الاموي: 143.

(2) الصفدي، الوافي بالوفيات: 11/247.

صفحة 84

زيادات وأكاذيب تتعارض مع الواقع التاريخي والمعلومات التي اطلع عليها القارئ العزيز والتي سيطلع عليها لاحقا، كما أن هذا الخبر وأمثاله يمثل المصدر الذي انتشرت عنه خرافة تشيع زياد ثم انقلابه لموالاة معاوية، وقد نسجت هذه الاخبار وفقا لخطة العباسيين في مواجهة الشيعة وأئمتهم وتزيف تاريخهم وإلصاق العديد من التهم بهم، وللاطلاع على تفصيل خطة أبي جعفر المنصور الدوانيقي يراجع القارئ كتاب السيد الأستاذ الوالد الموسوم «الامام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي».

إن لهذه الرواية عدة طرق، اختلفت في زيادة أو نقيصة في متن الخبر لكنها لا تؤثر على أصل الموضوع، وسنكتفي بإيراد نص واحد منها ونذكر بعض الطرق الأخرى مع المناقشة.

الطريق الأول:

قال البلاذري: «وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، حدثنا محمّد بن الزبير الحنظلي، عن فيل مولى زياد قال:

لمّا قدم زياد الكوفة أميرا أكرم حجر بن الأدبر وأدناه وشفّعه، فلمّا أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال له: يا حجر انّك قد رأيت ما صنعت بك، وإنّي أريد البصرة فأحبّ أن تشخص معي، فإنّي أكره أن تتخلَّف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئا فيقع في نفسي، وإذا كنت معي لم يقع في نفسي منك شيء، فقد علمت رأيك في عليّ بن أبي

صفحة 85

طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل ذلك، فلمّا رأيت الله صرف الأمر عنه إلى معاوية لم اتّهم قضاء الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإنّي أحذرك أن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها.

فقال له حجر: انّي مريض ولا أستطيع الشخوص.

قال [زياد]: صدقت والله انّك لمريض الدين والقلب مريض العقل، وأيم الله لئن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرصنّ على قتلك، فانظر أو دع.

فخرج زياد فلحق بالبصرة، واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل لا ينفذ لعامل زياد معهم أمر، ولا يريد شيئا إلَّا منعوه إيّاه، فكتب إلى زياد: إنّي والله ما انا في شيء مع حجر وأصحابه، وأنت أعلم، فركب زياد بغاله حتّى اقتحم الكوفة، فلمّا قدمها تغيّب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا زياد جالس يوما وأصحاب الكراسي حوله فيهم محمّد بن الأشعث بن قيس إذ أتى ابن الأشعث ابنه فناجاه وأخبره انّ حجرا قد لجأ إلى منزله.

فقال له زياد: ما قال ابنك؟

قال: لا شيء.

قال: والله لتخبرنّي ما قال لك حتّى أعلم أنّك قد صدقتني، أو لا تبرح مجلسك حتّى أقتلك.

فلمّا عرف ابن الأشعث رأيه أخبره، فقال لرجل من أشراف أهل

صفحة 86

الكوفة: قم فأتني به.

قال: أعفني أصلحك الله من ذلك وابعث غيري.

فقال: لعنة الله عليك مخبث خبيث، والله لتأتينّي به أو لأقتلنّك.

فخرج الرجل فدخل عليه حتّى أخبره وقال له: ابعث إلى جرير بن عبد الله ليكلَّمه فيك، فإنّي أخاف أن يعجل عليك.

فدخل جرير على زياد فكلَّمه فيه، فقال: هو آمن [مِنْ] أن أقتله، ولكنّي أخرجه إلى معاوية.

فجاء به على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطا معه، وكتب إلى معاوية أن أغن عنّي حجرا إن كان لك بما قبلي حاجة، فبعث معاوية إليه فلتقي بالعذراء فقتل هو وأصحابه».(1)

إن متن الخبر فيه العديد من الموارد التي تخالف وتعارض الحقائق التاريخية التي أشرنا إليها فيما مضى أو التي سنذكرها لاحقا، ومن أهمها:

1. إن اسرة الأشعث بن قيس الكندي لم تكن على وفاق مع حجر  رضي الله عنه على الاطلاق حتى يلوذ بهم، بل إن محمد وقيس ولدا الأشعث بن قيس قد شاركا في شهادة الزور ضد حجر  رضي الله عنه كما ستعرف لاحقا، ولو دخل بيت محمد بن الأشعث لسلمه إلى زياد دون أي تردد.

2. إن جرير بن عبد الله المذكور هو البجلي المنحرف عن علي عليه السلام،


(1) البلاذري، أنساب الأشراف: 5/270 ـ 271.

صفحة 87

ولم يكن في تلك الفترة موجودا بالكوفة، بل تركها منذ زمن أمير المؤمنين عليه السلام ولم يعد إليها ومات في قرقيسياء ودفن فيها.

3. إن هذا الخبر مروي عن طريق وهب بن جرير بن حازم المتوفي سنة 206 للهجرة، عن أبيه جرير بن حازم المتوفي سنة 170 للهجرة.

قال ابن ابي حاتم الرازي في وهب بن جرير عن عمرو بن علي الصيرفي قال: «سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول لعبد الله: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة يعني عن مجالد، قال: تكتب كذبا كثيرا! لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل».(1)

قال العقيلي: «وهب بن جرير بن حازم أبو الحسن الأزدي، حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: ها هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عند شعبة، قلت: مَن تعني بهذا؟ قال: وهب بن جرير، قال: أبي ما رؤي وهب عند شعبة قط، ولكن وهب كان صاحب سنة»!(2)

الطريق الثاني:

قال البلاذري أيضا: «وقال الهيثم بن عديّ عن أبيه وعن مجالد عن الشعبي وعن أبي جناب الكلبي قالوا: الخبر…»(3)، وفيه:


(1) الرازي، الجرح والتعديل: 8/361.

(2) العقيلي، الضعفاء: 4/324.

(3) البلاذري، انساب الاشراف: 5/248.

صفحة 88

1. الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي المتوفي سنة 206 للهجرة.

كان الهيثم أديبا ومؤرخا وله مصنفات ونقل عنه كثيرون، إلا أنه متهم بالكذب وضعيف، وذكر الزركلي أنه كان مجالسا للمنصور والمهدي والهادي والرشيد(1)، وحكى الأصفهاني أنه من العلماء والفقهاء الذين أحضرهم السندي ابن شاهك وأشهدهم على أن الإمام الكاظم عليه السلام قد مات حتف أنفه وشهدوا على ذلك(2)، وحكى ابن قتيبة أنه كان يرى رأي الخوارج(3)، وذكره الذهبي في الضعفاء تحت رقم 6807(4)، كما ذكره ابن حجر في طبقات المدلسين تحت رقم 151.(5)

قال العقيلي: «حدثني محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد ذاكروا أبا عبد الله بحديث وأنا حاضر فقال:

من يرى ذا كذب؟ فقال له رجل: الهيثم بن عدي عن مجالد، فتبسم أبو عبد الله متعجبا من ذلك، وأظنه قد قال في هذا الموضع كذب.

حدثنا محمد قال: حدثنا عباس قال: سمعت يحيى [بن معين]


(1) الزركلي، الأعلام: 8/104.

(2) الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 336.

(3) ابن قتيبة، المعارف: 538.

(4) الذهبي، المغني في الضعفاء: 2/422.

(5) ابن حجر، طبقات المدلسين: 57.

صفحة 89

قال: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب».(1)

وقال الخطيب البغدادي: «أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن أحمد قال: قرئ على العباس بن محمد قال: سمعت بعض أصحابنا يقول:

قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلى، فإذا أصبح جلس يكذب.

قال ميمون بن هارون: أنشدنا أبو شبل لأبي نواس في الهيثم تمام هذه الأبيات:

الهيثم بن عدي في تلونه

في كل يوم له رحل على خشب

فما يزال أخا حل ومرتحل

إلى الموالي وأحيانا إلى العرب

له لسان يزجيه ليهجوهم

كأنه لم يزل يعدي على قشب

لله أنت فما قربى تهم بها

إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب

ذا نسبت عديا في بني ثعل

فقدم الدال قبل العين في النسب

فعاد إليه الهيثم حين بلغته الأبيات، فقال: يا سبحان الله أليس قد لقيتني وجعلت لي عهدا أن لا تهجوني؟ فقال: وإنهم يقولون ما لا يفعلون».(2)

2. مجالد بن سعيد فلا يخفى حاله على ذي علم.

3. أبو جناب الكلبي يحيى بن حي المعروف ابن أبي حية فقد


(1) العقيلي، الضعفاء: 4/352.

(2) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 14/53.

صفحة 90

تكلم علماء الجرح والتعديل في وثاقته وضعفه واتهموه بالتدليس.(1)

الطريق الثالث:

قال ابن عساكر: «أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد البلخي، أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عدي بن علي بن محمد بن فهد العلاف، أنبأنا علي بن أحمد بن عمر الحمامي، أنبأنا القاسم بن سالم، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، نبأنا حجاج بن محمد، حدثني أبو معشر: الخبر…»(2)، وفيه:

1. حجاج بن محمد الأعور المتوفي في 206 للهجرة.

كان أبو محمد الأعور مولى سليمان بن مجالد مولى المنصور العباسي(3) وأحد ولاته وأخوه في الرضاعة(4)، وكان مؤدبا له(5)، وكان يغير بالإسناد لحسين بن داود المعروف بسنيد بطلب منه.(6)

حاول ابن حجر بأن يبرر للحجاج فذكر أن ذلك بدر منه في أواخر عمره حينما خلط(7)، وللإمام أحمد تصريح يظهر منه أنه كان يعلم بأن للحجاج أخبار غير صحيحة، قال ابن ابي حاتم الرازي:


(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/360، أحمد، العلل: 3/114، العقيلي، الضعفاء: 4/398.

(2) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/214.

(3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 8/231.

(4) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 22/365.

(5) أحمد، العلل: 2/312.

(6) ابن حجر، تهذيب التهذيب: 4/214.

(7) المصدر نفسه.

صفحة 91

«حدثنا عبد الرحمن، انا علي بن أبي طاهر فيما كتب إليّ قال: انا الأثرم قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: قد كان سنيد يلزم حجاجا، وربما رأيت حجاجا يملي عليه من كتابه وأرجو أن لا يكون حدث الا بالصدق»!(1)

2. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني المتوفي سنة 170 للهجرة، وهو من شيوخ حجاج الأعور.

وقد تكلم فيه علماء الجرح والتعديل وضعفوه حتى قيل فيه أكذب من في السماء والأرض(2)، وكان أبو معشر من الموالين للعباسيين حيث اشترت الخيزران بنت العطاء زوجة المهدي وأم موسى الهادي العباسيين ولاءه، واستقدمه المهدي العباسي معه إلى بغداد سنة 160 أو 161 للهجرة وأمر له بألف دينار وقال له: «تكون بحضرتنا فتفقه من حولنا»!(3)

وبعد اتضاح ما مر نصل إلى نتيجة: أن الأخبار التي ذكرت أن سبب قتل حجر  رضي الله عنه هو قيامه بجمع الجموع في الكوفة ثم إعلانه عن التمرد العسكري ثم قضاء زياد على ذلك التمرد والتي تذكر أيضا تشيع زياد، أنها غير صحيحة وقد نسجت على غرار خطة العباسيين في مواجهة الشيعة وأئمتهم، وما يؤيد ذلك أن ابن سيرين قال: «لو


(1) الرازي، الجرح والتعديل: 4/326.

(2) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 13/431.

(3) المصدر نفسه: 430، الذهبي، تذكرة الحفاظ: 13/234.

صفحة 92

مال [حجر] لمال أهل الكوفة معه ولكن كان رجلا ورعا».(1)

الحركات التي لا تعجب ولاة الكوفة:

إذن ما هي تلك الحركات التي كانت لا تعجب ولاة الكوفة؟!

قال الطبري: كان المغيرة بن شعبة لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال بل إياكم فذمم الله ولعن ثم قام فقال إن الله عز وجل يقول ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم، فيقول له المغيرة يا حجر لقد رُمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك اتق السلطان اتق غضبه وسطوته فإنّ غضب السلطان أحيانا مما يهلك امثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح.(2)

أقول: وهذا الكف والصفح من المغيرة لم يكن باجتهاده ورأيه بل كان بأمر معاوية، فقد روى البلاذري: «أنّ المغيرة لما شتم عليا وقام إليه حجر بن عدي قال له: والله لئن عدت لمثلها لأضربن بسيفي


(1) ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 5/2119، مع تحفظات على موارد عديدة من هذه الرواية.

(2) الطبري، تاريخ الطبري: 4/188، قال ابن خلدون: «كان حجر بن عدي إذا سمعه [يعني المغيرة] يقول: بل إيّاكم قد أضل الله ولعن، ثم يقول: أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أحق بالذم»، ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون: 3/11.

صفحة 93

هذا ما ثبت قائمه في يدي، فكتب المغيرة بذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إنك لست من رجاله فداره».(1)

وعبارة «لأضربن بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي» لا تصدر من حجر  رضي الله عنه بل إنه كان يرد عليهم بمثل قوله في كل مرة، ولم يهدد برفع سيفه لما عرفناه من اتباعه لموقف الامام الحسين عليه السلام.

ولم يكن حجر وحيدا، قال اليعقوبي: «كان حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن أبي طالب إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية وهم يلعنون عليا على المنبر يقومون فيردون اللعن عليهم ويتكلمون في ذلك».(2)

ولم يترك المغيرة سياسته كما أنه التزم بتوجيه معاوية له، قال الطبري: «فلم يزل [المغيرة] حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وآله جمع كلمتنا وحقن دماءنا وقُتل مظلوما، اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه، ويدعو على قتلته.

فقام حجر بن عدي فنعر نعرة بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هَرَمِك، أيها الإنسان مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنّك قد حبستها عنا، وليس ذلك


(1) البلاذري، انساب الاشراف: 5/252.

(2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: 2/230.

صفحة 94

لك ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين [علي] وتقريظ المجرمين.

فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنّا لا ننتفع بقولك هذا ولا يُجدي علينا شيئا».(1)

فتلك الحركات التي كانت تصدر من حجر  رضي الله عنه ولا تعجب ولاة الكوفة، إنما هي مواجهته اللسانية لسياسة معاوية في لعن أمير المؤمنين عليه السلام وهذا هو الموقف الذي اختاره الإمام الحسين عليه السلام وصار حجر  رضي الله عنه أبرز رجال الشيعة في الكوفة آنذاك رمزه، وكان هذا الحال في أواخر أيام ولاية المغيرة بن شعبة الذي مات سنة إحدى وخمسين.

ولما تولى الكوفة زياد بن عبيد الذي قيل له زياد بن أبيه حينما ادعى معاوية أنه ابن أبي سفيان من الزنا، واستمر حجر  رضي الله عنه بموقفه الذي كان عليه في أيام المغيرة من المواجهة اللسانية.

قال ابن عساكر: «أخبرنا أبو عبد الله الفراوي، أنبأنا أبو بكر البيهقي حينئذ، واخبرنا أبو محمد السلمي، أنبأنا أبو بكر الخطيب، واخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنبأنا أبو بكر بن الطبري، قالوا:

أنبأنا أبو الحسين بن الفضل، أنبأنا عبد الله بن جعفر، نبأنا يعقوب بن سفيان، قال: قال أبو نعيم: ذكر زياد بن سمية علي بن أبي طالب


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/188ـ189.

صفحة 95

على المنبر فقبض حجر على الحصباء ثم ارسلها، وحصب مَن حوله زياد».(1)

ولم يكتفِ حجر  رضي الله عنه في عهد زياد بالمواجهة اللسانية معه حينما ينال من أمير المؤمنين عليه السلام في الخطب على المنبر، بل كانت له مواقف في أمور أخرى حتى في مجلس زياد، وهي من ضمن الحركات التي كانت لا تعجب ولاة الكوفة بحسب وصف الصفدي.

قال الطبري: «عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى زياد ذلك نزل».(2)

قال ابن عساكر: «أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون قال: أخبرني محمد بن علي بن الحسين أبو عبد الله المعروف بابن عبد الرحمن، نبأنا أبو القاسم علي بن محمد بن الفضل الدهقان، نبأنا محمد بن علي بن السمين، نبأنا محمد بن زيد الرطاب، نبأنا إبراهيم بن محمد الثقفي، أخبرنا المسعودي، نبأنا معاوية بن هشام، عن عطا بن مسلم، عن عمرو بن قيس قال:

والله لحدثنيه بعض أصحابنا أن حجر بن عدي كان عند زياد وهو


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/217.

(2) الطبري، تاريخ الطبري: 4/190.

صفحة 96

يومئذ على الكوفة إذ جاءه قوم قد قتل منهم رجل فجاء أولياء القتيل وأولياء المقتول فقالوا: هذا قتل صاحبنا.

فقال أولياء القاتل: صدقوا، ولكن هذا نبطي وصاحبنا عربي ولا يقتل عربي بنبطي.

فقال زياد: صدقتم، ولكن أعطوهم الدية، فقالوا: لا حاجة لنا بالدية، إنما كنا نرى أن الناس فيه سواء.

فقام حجر بن عدي فقال: تعطيل كتاب الله وخلاف سنة نبيه صلى الله عليه وآله وأنا حي! لتقتلنه أو لأضربن بسيفي حتى أموت والإسلام عزيز. قال: فوالله ما برح حتى وضع السكين على حلقه».(1)

ويختلف ما رواه ابن عساكر عما رواه البلاذري، قال: «كان رجل من بني أسد قتل رجلاً، كان من أهل الذمة فأسلم، فقال زياد: لا أقتل عربياً بنبطي.

وأمر القاتل أن يعطي أولياء المقتول الدية فلم يقبلوها، وقالوا: كنا نخبر أن دماء المسلمين تتكافا، وأن لا فضل لعربي على غيره.

فقام حجر وأصحابه، فقال حجر: يقول الله عز وجل (النفس بالنفس) وتقول أنت غير ذلك، والله لتقيدنه أو لأضربنك بسيفي، فما برح حتى قتل الأسدي».(2)

ولا يتنافى هذا الموقف من حجر  رضي الله عنه وموقف الامام الحسين عليه السلام


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/220 ـ 221.

(2) البلاذري، انساب الاشراف: 5/253.

صفحة 97

في المواجهة اللسانية فهو يواجه قرار زياد بتعطيل أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وبيان مخالفات بني أمية وولاتهم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، مع التحفظ على عبارة «لأضربن بسيفي ما برح حتى وضع السكين على حلقه» في رواية ابن عساكر وعلى عبارة «لأضربنك بسيفي» في رواية البلاذري فهي تهديد صريح بالمواجهة المسلحة التي هي خارجة عن موقف المواجهة اللسانية الذي تبناه الإمام الحسين عليه السلام في هذه المدة.

كما يلاحظ: أن ابن عساكر لم يذكر أن القاتل كان من بني أسد ونسب القول بعدم قتل مسلم بنبطي إلى أولياء المقتول، ولكن البلاذري صرح أنه قول زياد.

إن هذه المواقف وأمثالها كشفت لمعاوية عن موقف الإمام الحسين عليه السلام إزاء مخططه، كما كشفت لزياد ومعاوية عن موقع حجر  رضي الله عنه وأهمية دوره، فكتب زياد إلى معاوية: «إن كان لك بالعراق حاجة فاكفني حجرا واصحابه» (1)، ولكن يبدو أن شيئا من التعصب قد سيطر على قلم الصفدي وغيره فلم يرووا ما كان من جواب معاوية له وتقديرنا أن جوابه كان من سنخ الرواية الآتية.

روى البلاذري: «وكان زياد قد كتب إلى معاوية في حجر: إنه وأصحابه يردون أحكامي وقضاياي، وكتب يستأذنه في قتله، فكتب إليه: ترفق حتى تجد عليه حجة»!!(2)


(1) الصفدي، الوافي بالوفيات: 11/247.

(2) البلاذري، أنساب الأشراف: 5/253.

صفحة 98

فالصحيح في تسلسل الأحداث هو الآتي:

1. اغتيال الإمام الحسن عليه السلام بالسم والاعلان عن منع الرواية في فضائل علي عليه السلام، والاعلان عن سياسة لعنه والبراءة منه.

2. بدأ المغيرة بن شعبة بتنفيذ أمر معاوية في الكوفة فأخذ ينال من أمير المؤمنين عليه السلام بعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام في أواخر ولايته على الكوفة في مجالسه وخطبه ويطري الخليفة الثالث.

3. تبنى حجر بن عدي  رضي الله عنه موقف الإمام الحسين عليه السلام في المواجهة اللسانية فكان ينكر على المغيرة نيله من أمير المؤمنين عليه السلام واطراء الخليفة الثالث، وحذره المغيرة من عواقب هذا الموقف ولم يبالي حجر  رضي الله عنه بتحذيره، حتى كتب المغيرة إلى معاوية في أمر حجر  رضي الله عنه فأجابه معاوية بمداراته وعدم التعرض له حاليا، حتى انكشف لمعاوية موقف الإمام الحسين عليه السلام من مخططه وسياسته.

4. بعد موت المغيرة، جمع معاوية العراقَين لزياد الذي كان واليا على البصرة، واستمرار زياد في النيل من أمير المؤمنين عليه السلام والتعريض به في خطبه بالكوفة، واستمر حجر  رضي الله عنه على موقفه يرده، فحذره زياد بلهجة شديدة من ذلك وطلب منه أن يترك ذلك، وكتب لمعاوية قائلا: «إن كان لك بالعراق حاجة فاكفني حجرا واصحابه»، وبطبيعة الامر فإن معاوية قد رد عليه الجواب آمرا اياه بالتريث.

5. استمرار حجر  رضي الله عنه بالإنكار على زياد حينما ينال من أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه، وأضاف إلى ذلك انكاره على زياد القضاء

صفحة 99

المخالف لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله، وتصحيح القضاء وفقا لهما، فكتب زياد الى معاوية يستأذنه في قتل حجر  رضي الله عنه ادراكا منه لخطورة ما يقوم به حجر  رضي الله عنه ، فرد عليه معاوية بالتريث حتى ايجاد الحجة ـ المبرر ـ لذلك.

تريث معاوية والتماسه الحجة لقتل رجل من أصحاب علي عليه السلام لئلا يكون قتله حجة وورقة ضد الدولة! انما يكشف هذا الأمر عن مدى علو الموقع الذي فيه هذا الرجل اجتماعيا ومدى تأثيره فيه.

قال الطبري: «قال هشام بن محمد عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبي، وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: أن حجرا لما قُفّيَ به من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس»!(1) فما الذي جعل حجرا  رضي الله عنه يقر ببيعته؟

محنة حجر  رضي الله عنه وأصحابه :

قال البلاذري: فكتب زياد إلى معاوية: «إني قد وجدت على حجر بن عدي أعظم الحجة: خلعك وشهد الناس عليه بذلك».(2)

من هنا بدأت محنة حجر بن عدي  رضي الله عنه وأصحابه الذين قتلوا ظلما.


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/197.

(2) البلاذري، انساب الاشراف: 5/253.

صفحة 100

ونشير إلى أنه قد كثرت الأقاويل والخرافات من قبل الاعلام الأموي والاعلام العباسي بخصوص الموقف الذي اعتقل فيه حجر  رضي الله عنه أو السبب المؤدي إلى ذلك، فحينما قدم شرطة زياد لاعتقال حجر  رضي الله عنه من الطبيعي أن تحاول عشيرته أن تمنع من ذلك كونه زعيم كندة وسيدها في العراق أو في الكوفة، بل ووجه شيعة علي عليه السلام في العراق، ثم فإنه لم يقترف ذنبا يوجب اعتقاله، فمن الطبيعي أن يحصل شجار من أجل الدفاع عنه والحيلولة دون وقوعه بيد جلاوزة بني أمية، فلو رفع اثنان او ثلاثة سيفا وهددوا به أو تضاربوا، لا يعني وقوع ثورة ومواجهة مسلحة عنيفة يقتل فيها العشرات!

وحقيقة ما جرى لا يعدو ذلك، ويشهد لمذهبنا ما رواه الطبري بهذا الشأن من طريق محمد بن سيرين، قال: «كتب [زياد] إلى معاوية في امره [يعني حجرا  رضي الله عنه ] وكثّر عليه، فكتب إليه معاوية أن: شده في الحديد ثم احمله إليّ، فلما أن جاء كتاب معاوية، اراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال [حجر]: لا! ولكن سمع وطاعة، فشد في الحديد ثم حمل الى معاوية».(1)

لو اطلعنا على الروايات الاخرى التي تظهر حصول مواجهة وسقوط قتلى ونحو ذلك، لوجدنا فيما بينها تعارض، فتارة أصحاب حجر  رضي الله عنه هم من بادروا شرطة زياد بالمواجهة، وتارة المبادرون


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/190.

صفحة 101

شرطة زياد، ثم انسحاب أحد الطرفين بعد تهريب حجر  رضي الله عنه من بين الجموع، ثم تخفيه مدة في البيوت، حتى تفرقت الجموع عنه، إلى أن رأى نفسه في موقف لا خيار امامه سوى تسليم نفسه لزياد وجلاوزته(1)، وفي صورة اخرى فإنه حمل السلاح وخرج في ثلاثة آلاف نفر مسلحين ومرة خرج من الكوفة واُخرى انه كان فيها ثم تورّع! أو بدا له في الامر! وقعد عن ذلك حتى اخذه زياد(2)، وغير ذلك من السيناريوات الملفقة التي ترنو الى تشويه حركة حجر  رضي الله عنه وموقفه السلمي في مواجهة سياسة معاوية الرامية إلى إبراز علي عليه السلام كرمز للضلالة بعد النبي صلى الله عليه وآله، ومعاوية كهادٍ من الهداة، ثم تشويه سيرة حجر  رضي الله عنه وشخصيته واظهاره بمظهر الخوارج من لون آخر! وإن لم يصرحوا بذلك، وبمظهر الشخصية الطالبة للملك والتي ترنو الوصول اليه بأي صورة، وهذا ما لا يبرره غير سياق الأحداث بالصورة التي صوروها، ومبدأ هذه الخرافة والسيناريوات المختلفة


(1) راجع تفصيل هذه الاخبار في كتب التأريخ، منها: الطبري، تاريخ الطبري: 4/ في احداث سنة احدى وخمسين.

(2) راجع: الذهبي، تاريخ الاسلام: 4/193، وسير أعلام النبلاء: 3/463، وقد عبر الذهبي في الاول بـ(تورَّع) من الوَرَع، وفي الثاني (بدا) من البداء! أما الاولى: فصريحة في كون الذهبي يرى ان حجرا  رضي الله عنه قد ارتكب ذنبا عظيما في هذا الشأن، فمن لم يكن وَرعا ثم تورّع فعليه التوبة والإنابة! وعبارته الثانية قد تكون أهون! في كونه قد أخطأ بالتشخيص في بادئ الأمر! ثم بدا له خطأ تشخصيه! فألمع الذهبي إلى قولهم المشهور: اجتهد فأخطأ! إلا أنه هل نوى الذهبي أن يؤجر حجرا  رضي الله عنه على اجتهاده هذا؟ كلا! وذاك بكلمته الاولى! ولو قال قائل انه تنازل عن الاولى، قلت: لو تنازل عن الاولى لغيرها كي لا تثبت عليه.

صفحة 102

هو ما دبره زياد بأمر معاوية من شهادة زور يسوغ بها قتل حجر  رضي الله عنه وأصحابه.

فبعد أن اعتقل زياد حجرا  رضي الله عنه وتتبع اصحابه  واعتقلهم، أمر زياد وجوه شيعة بني أمية في الكوفة أن يكتبوا شهادتهم عليهم، فشهدوا أن حجرا  رضي الله عنه وأصحابه شتموا عثمان ومعاوية وبرئوا منهما، فقال زياد: ما هذه بقاطعة، فقام أبو بردة بن أبي موسى فقال:

هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين!! شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعاً يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، فكفر بالله كفرة صلعاء، وأتى معصية شنعاء.(1)

فقال زياد: اشهدوا على مثل شهادته، فشهد رؤساء الأرباع على مثل شهادته، وحينما بُدئ بكتابة اسماء الشهود، قال الطبري: «قال زياد: ابدؤوا بأسامي قريش ثم اكتبوا اسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة»!(2)

فشهد سبعون رجلا ممن يعرفهم معاوية وزياد بالنصيحة والاستقامة! ابرزهم: عمر بن سعد بن أبي وقاص، شبث بن ربعي، شمر بن ذي الجوشن، حجار بن أبجر، محمد بن الأشعث الكندي، قيس بن الاشعث الكندي، عمرو بن الحجاج، اسحاق بن طلحة بن


(1) وشهادة الزور هذه يرويها الكثير، منهم: الطبري، تاريخ الطبري: 4/200.

(2) المصدر نفسه.

صفحة 103

عبيد الله، موسى بن طلحة بن عبيد الله، إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، المنذر بن الزبير بن العوام، ووائل بن حجر، وكثير بن شهاب بن الحصين، عمرو بن حريث المخزومي، زحر بن قيس، وشريح بن هانئ.(1)

والأخير كتب كتابا إلى معاوية يخرج فيه نفسه من شهادة الزور على حجر  رضي الله عنه ، أرسله مع وائل بن حجر الحضرمي، ويأتي نصه لاحقا.

وأما أصحاب حجر رضوان الله تعالى عليهم الذين اعتقلوا وبعثوا معه الى معاوية، فهم:

1. الأرقم بن عبد الله الكندي.

2. شريك بن شداد الحضرمي.

3. صيفي بن فسيل الشيباني.

4. قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي.

5. كريم بن عفيف الخثعمي.

6. عاصم بن عوف البجلي.

7. ورقاء بن سمي البجلي.

8. وكدام بن حيان العنزي من بني هميم.

9. عبد الرحمن بن حيان العنزي من بني هميم أيضا.

10. ومحرز بن شهاب المنقري.


(1) البلاذري، أنساب الاشراف: 5/254، المصدر السابق.

صفحة 104

11. وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم.(1)

وبعث زياد حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه وأصحابه مع وائل بن حجر وكثير بن شهاب وعندهما كتابه إلى معاوية وفيه شهادة الزور.

قال الطبري: «عن أبي اسحاق: ان حجرا لما قُفّيَ به من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس».(2)

حينما اُسري به  رضي الله عنه إلى معاوية، قال المؤرخون رثت امرأة شيعية اسمها هند حجرَاً  رضي الله عنه في قصيدة رائعة، قالت:

ترفع أيها القمر المنير

ترفع هل ترى حجرا يسير

يسير إلى معاوية بن حرب

ليقتله كما زعم الخبير

ويَصْلبه على بابي دمشق

وتأكل من محاسنه النسور(3)

تجبرت الجبابر بعد حجر

وطاب لها الخورنق والسدير

وأصبحت البلاد له محولا

كأن لم يحيها يوما مطير

ألا يا حجر حجر بني عدي

تلقتك السلامة والسرور

أخاف عليك ما أردى عديا(4)

وشيخا في دمشق له زئير

ألا يا ليت حجراً مات موتاً

ولم ينحر كما نحر البعير(5)


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/202.

(2) المصدر نفسه: 197.

(3) هذا البيت غير موجود عند ابن سعد، ونقلناه عن المسعودي، مروج الذهب: 3/3.

(4) عند المسعودي: «أخاف عليك ما أرى عليا»، المصدر نفسه.

(5) هذا البيت غير موجود عند ابن سعد، ونقلناه عن المسعودي، المصدر نفسه: 4، وعلى هذا الأساس تكون القصيدة منظومة بعد استشهاده  رضي الله عنه .

صفحة 105

فإن تهلك فكل عميد قوم

إلى هلك من الدنيا يصير(1)

واختلفوا فيها: فعند ابن سعد هي «هند بنت زيد بن مخربة الأنصارية»(2)، وعند الطبري «هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية»(3)، ويرى ابن العديم انها «هند بنت زيد بن مجرية الأنصارية»(4)، وقد يكون الاختلاف في قولهم «مخربة أو مخرمة أو مجرية» انما ناتج عن التصحيف ولعل الصحيح في ذلك ما أثبته الطبري.

وعند ابن قتيبة الدينوري أنها أمّه(5)، وعند المسعودي أنها ابنة حجر(6)، وذهب ابن عساكر بسنده عن أبي بكر بن عياش إلى أنها اخته.(7)

والمشهور أنها هند بنت زيد بن مخرمة الانصارية، قال ابن عساكر: «قال نوح: قال ابو بكر بن عياش: قاتلها الله ما اشعرها»!

قال الطبري: «جاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب، فأخرج القوم عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى اخرجهم من الكوفة، فلما انتهوا الى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي الى داره وهي في


(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/220.

(2) المصدر نفسه.

(3) الطبري، تاريخ الطبري: 3/232.

(4) ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 2/308.

(5) الدينوري، الاخبار الطوال: 223.

(6) المسعودي، مروج الذهب: 3/3.

(7) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/221.

صفحة 106

جبانة عرزم، فإذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: ائذن لي فأوصي أهلي، فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة، ثم قال: اسكتن، فسكتن، فقال: اتقين الله عز وجل، واصبرن فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين؛ إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت، ارجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن، ثم انصرف».(1)

فحبس حجر  رضي الله عنه وأصحابه بمرج عذراء، واتبعهم زياد برجلين هما: عتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني، فتموا أربعة عشر رجلا.(2)

وأذن معاوية لرسولي زياد بالدخول فدفعا إليه كتابه، وجاء فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان.

أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه، إن طواغيت من هذه الترابية السبئية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السن والدين منهم


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/201.

(2) المصدر نفسه: 202، والاصفهاني، الاغاني: 17/99.

صفحة 107

فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا».

قال الطبري: «فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود على من عنده من أهل الشام، قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون؟

فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها».(1)

اتبع معاوية في هذا الموقف أسلوب الاستشارة ليظهر فيه أنه يستشير الوجهاء الحاضرين عنده فيما يرد عليه من مسائل مهمة وهذا من سمات عدله! ولكنه مصمم على قتل حجر  رضي الله عنه كما عرفنا.

ثم دفع وائل بن حجر الحضرمي كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية، فإذا فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانئ.

أما بعد، فإنه بلغني أن زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه».

فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير بن شهاب فقال معاوية: «ما


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/202 ـ 203.

صفحة 108

أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم».(1)

لو كانت الدعوة ضد حجر واصحابه  صحيحة، لماذا تحير الناس وتساءلوا؟ ولماذا كتب شريح بن هانئ لمعاوية يخرج نفسه من الشهود على تلك الدعوى؟

قال ابن حجر: روى ابن الجنيد في كتاب الأولياء بسند منقطع أن حجر بن عدي  رضي الله عنه أصابته جنابة، فقال للموكل به: أعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدا شيئا.

فقال: أخاف أن تموت عطشا، فيقتلني معاوية.

فدعا حجر  رضي الله عنه الله فانسكبت له سحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه.

فقال له أصحابه: ادع الله أن يخلصنا.

فقال حجر  رضي الله عنه : اللهم خر لنا، فقتل هو وطائفة.(2)

هذه الرواية تبين لنا مدى ثقة حجر  رضي الله عنه وتسلميه لقضاء الله وقدره واختياره، مع أنه كان مستجاب الدعوة لم يدعُ الله أن يخلصه، بل فوض الأمر كله إلى الله، ولا مانع من صحة الرواية مع انقطاع السند، فقد نصوا على أنه كان مستجاب الدعوة.(3)

لِمَ لا يبلغ هذا المقام من بلغ في بر أمه أنه يلمس فراشها قبل أن


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/203.

(2) انظر: ابن حجر، الإصابة: 2/33.

(3) ابن عبد البر، الاستيعاب: 1/331، وابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 5/2111.

صفحة 109

يضجعها عليه، فقد روى ابن أبي الدنيا وابن عساكر بسندهما، عن عبد الكريم بن رشيد قال: «إن حجر بن عدي بن الادبر كان يلمس فراش أمه بيده، فيتهم غليظ يده، فينقلب على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء اضجعها».(1)

بعد أن قرأ معاوية كتاب زياد وشريح كتب معاوية إلى زياد:

«أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة من قبلك عليهم، فنظرت في ذلك؛ فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام».

فكتب إليه زياد:

«أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلي».(2)

مما مر سابقا من النصوص يتضح أن هذه المراسلة بين معاوية وزياد إنما هي لتبرئة معاوية من دم حجر  رضي الله عنه بأي وسيلة ممكنة والقائه على عاتق زياد، والحقيقة كلاهما شريك فيه.

ولعلنا نجانب الصواب إن قلنا لا صحة لها على أرض الواقع جملة وتفصيلا، فمعاوية مسبقا ـ كما عرفنا ـ أمر زياد بترتيب حجة


(1) ابن أبي الدنيا، مكارم الأخلاق: 76، وابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/212.

(2) الطبري، تاريخ الطبري: 4/203.

صفحة 110

ضد حجر لقتله، فضلا عن أن المؤرخين السابقين للطبري ـ ناقل هذه المراسلة ـ كالبلاذري واليعقوبي وغيرهما لم يذكروها، وهل معاوية يتحير في قتل أحد من شيعة علي عليه السلام؟ فكيف بخواصه!!

أقبل يزيد بن حجية حتى مر بحجر  رضي الله عنه ومن معه بعذراء فقال: «يا هؤلاء، أما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح، فمروني بما أحببتم مما ترون إنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به.

فقال حجر: أبلغ معاوية أنّا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء».(1)

إن التزَمْنا بعدم صحة المراسلة الأخيرة بين معاوية وزياد، يكون مرور يزيد بن حجية ـ لو صح ـ فبأمر من معاوية لمعرفة قول حجر  رضي الله عنه وأصحابه وهم في هذه الحال.

قدم يزيد بالكتاب إلى معاوية، فقرأه وبلغه يزيد مقالة حجر  رضي الله عنه فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر.

فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، ويقال عثمان بن عمير الثقفي: جذاذها جذاذها.

فقال له معاوية: لا تعن أبرا.

فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وصاحبه، فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم، فقال النعمان: قتل


(1) الطبري، تاريخ الطبري: 4/203.

صفحة 111

القوم.(1)

يبدو أن عبد الرحمن بن أم الحكم وهو ابن اخت معاوية هو من خاطب معاوية بتلك العبارة وليس عثمان بن عمير الثقفي.

قال البلاذري: «حدثني عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن عوانة، عن أبيه، قال: دعا معاوية عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري، فقال: اذهب فاقتل حجراً وأصحابه.

فقال [عبد الرحمن]: أما وجدت رجلاً أجهل بالله وأعمى عن أمره مني؟!

فدعا [معاوية] هدبه بن الفياض الأعور فأعطاه سيفاً، وسرح معه عدة وأمره أن يعرضهم على البراءة من علي، فإن فعلوا وإلا قتلهم…».(2)

جاء هدبة بن فياض الأعور، رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية:

إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك، فابرؤوا من هذا الرجل نخل سبيلكم.

قالوا: اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك.


(1) المصدر نفسه.

(2) البلاذري، أنساب الأشراف: 5/260.

صفحة 112

فأمر بقبورهم فحفرت، وأدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون.

فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟

قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق.(1)

فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم.

ثم قاموا إليهم، فقالوا: تبرؤون من هذا الرجل؟ [يعني علي عليه السلام]

قالوا: بل نتولاه، ونتبرأ ممن تبرأ منه.

ثم إن حجرا  رضي الله عنه قال لهم: دعوني أتوضأ.

قالوا له: توضأ.

فلما توضأ قال لهم: دعوني أصلي ركعتين، فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين.

قالوا: لتصل.


(1) لعل القائل هو حجر بن عدي  رضي الله عنه وذلك لأمرين:الأول: أنه وجههم وزعيمهم.الثاني: لأنه كان ممن كتب إلى عثمان منددين بتصرفاته وتصرف ولاته.مع الإشارة إلى أن عبارة «هو أول من جار في الحكم وعمل بخير الحق» لا تتفق والثابت التاريخي من أن أصحاب الأئمة عليهم السلام وعلى وجه الخصوص أصحاب أمير المؤمنين  عليه السلام وخواصه ومنهم حجر  رضي الله عنه كانوا على معرفة بمخالفات الأول والثاني لسنة النبي صلى الله عليه وآله وهم قد سبقوا الثالث في أفعالهم وأعمالهم، كما أننا نستبعد عدم سماع حجر  رضي الله عنه لخطبة أمير المؤمنين عليه السلام الشقشقية وأمثالها من كلماته في هذا الموضوع.

صفحة 113

فصلى ثم انصرف، فقال  رضي الله عنه : والله ما صليت صلاة قط أقصر منها، ولو لا أن تروا أن ما بي جزع من الموت، لأحببت أن أستكثر منها.

ثم قال  رضي الله عنه : أما والله لئن قتلتموني بها ـ يعني مرج عذراء ـ فإني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها (وفي رواية أبي الفرج: سلك في واديها(1)، وفي رواية ابن الأثير: هلل في واديها)(2) وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها(3)، ثم أتي بي اليوم إليها مصفودا.(4)

فمشى إليه هدبة بن فياض الأعور بالسيف فأرعدت خصائله(5)، فقال الأعور: كلا! زعمت أنك لا تجزع من الموت؟ فأنا أدعك فابرأ من صاحبك.

فقال حجر  رضي الله عنه : مالي لا أجزع! وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا، وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب.(6)


(1) الأصفهاني، الأغاني: 17/101.

(2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 3/485.

(3) الطبري، تاريخ الطبري: 4/205.

(4) ابن سعد، الطبقات: 6/219.

(5) الخصيلة: القطعة من اللحم صغرت أو عظمت، أو لحم الفخذين والعضدين والذراعين والساقين والساعدين، أو كل عصبة فيها لحم غليظ، والجمع خصائل. راجع الزبيدي، تاج العروس: مادة خصل.

(6) الطبري، تاريخ الطبري: 4/205ـ206.

صفحة 114

فقيل لحجر  رضي الله عنه : مد عنقك.(1)

فقال  رضي الله عنه : إن ذاك لدم، ما كنت لأعين عليه.(2)

فقدم حجر  رضي الله عنه وقال: لا تطلقوا عنى حديدا ولا تغسلوا عنى دما فإني ألاقي معاوية غدا على الجادة(3)، وقتله هدبة بن فياض الاعور، وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا.

قال البلاذري: فقتلوا وذبح حجر ذبحًا، وبلغ ذلك أمه فشهقت وماتت.(4)

نعم هكذا انتهت مسيرة راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي  رضي الله عنه فداءً للإسلام ولولاية أمير المؤمنين عليه السلام ونهجه.

أصداء الشهادة:

كانت لشهادة حجر  رضي الله عنه صدى في المجتمع الإسلامي نذكر بعضها، كما نفهم من النصوص السابقة أنه لم يكن بالحدث العابر في تاريخ الكوفة والعراق خاصة والأمة الإسلامية عامة.

قال الصفدي: «كان يقال: أول ذلٍّ دخل على أهل الكوفة قتل


(1) ولعل القائل هو هدبة بن فياض الاعور نفسه لأنه هو الذي مشى لحجر  رضي الله عنه وقتله.

(2) ابن سعد، الطبقات: 6/219.

(3) المصدر السابق: 190، قال ابن العديم: «قال أبو المغيرة: فكان ابن عباس لا يكاد يحدث بهذا الحديث إلا بكى بكاء شديدا»، ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 5/2127.

(4) البلاذري، أنساب الأشراف: 5/260.

صفحة 115

حجر بن عدي».(1)

وفي الأخبار الطوال: «لما قتل حجر بن عدي وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعا شديدا».(2)

قال أبو العرب التميمي: «حدثني عيسى بن مسكين وغيره، عن سحنون بن سعيد، عن ابن وهب قال: حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود قال: دخل معاوية بن أبي سفيان على عائشة أم المؤمنين، فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجر وأصحابه؟

فقال [معاوية]: يا أم المؤمنين، إني رأيت أن قتلهم صلاحا للأمة وأن بقائهم فساد للأمة.

فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول سيقتل بعذراء أناس تغضب لهم السماء».(3)

كما يروي ابن عساكر هذه الحادثة بطريق اخر الى ابن لَهيعة، قال: «اخبرناه أبو عبد الله البلخي، أنبأنا أبو القاسم بن العلاف، أنبأنا أبو الحسن الحمامي، أنبأنا القاسم بن سالم، نبأنا عبد الله بن احمد، حدثني محمد بن محمد، نبأنا احمد بن شبوية، حدثني سليمان بن صالح، حدثني عبد الله بن المبارك، عن ابن لَهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية حج فدخل على عائشة، فقالت:


(1) الصفدي، الوافي بالوفيات: 11/248.

(2) الدينوري، الأخبار الطوال: 224.

(3) ابو العرب التميمي، المحن: 140.

صفحة 116

يا معاوية قتلت حجر بن الادبر وأصحابه، أما والله لقد بلغني انه سيقتل بعذراء سبعة رجال يغضب الله تعالى لهم وأهل السماء».(1)

لا ينكرون لقاء معاوية مع أم المؤمنين عائشة بعد مقتل حجر  رضي الله عنه إلا أن عددا من المؤرخين والباحثين يعتمدون حوارا آخرا يرويه سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم، وهو ما رواه أبو العرب التميمي في المحن، قال: «وحدثني عيسى بن مسكين، قال: حدثنا محمد بن سنجر، قال: حدثنا عمر بن عاصم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة، فقالت:

يا معاوية قتلت حجر وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبئ لك رجلا يقتلك؟

قال [معاوية]: لا، إني في بيت أمان سمعت، رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن! كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟

قالت: صالح.

قال: فدعيني من حجر حتى نلتقي عند ربنا».(2)

وجمع الصفدي الروايتين مع حذف ما لا يراه ملائما من كلام


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/226.

(2) ابو العرب التميمي، المحن: 141.

صفحة 117

معاوية، قال: «وحجَّ معاوية فاستأذن على عائشة فحجبته، ثم أذنت له فقالت له: ما حملك على قتل أهل عذراء حجر وأصحابه؟

قال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم صلاحاً للأمَّة، وإن بقاءهم فساد للأمة.

فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سيقتل بعذراء أناسٌ يغضب الله لهم وأهل السماء، أما خشيت أن أخبئ لك رجلاً فيقتلك؟

فقال: لا، إني في بيت أمان».(1)

ضعف ابن كثير هذه الرواية ورد نبوءة النبي صلى الله عليه وآله في حجر وأصحابه لوجود عبد الله بن لَهيعة في السند، فهو ضعيف عنده(2)، وتضعيفه ليس في محله، لأنه حكم بضعفه مطلقا، وحاله على غير ذلك عند الرجاليين والمحدثين.

قال ابن حجر: «عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق من السابعة خلط بعد احتراق كتبه ورواية بن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما وله في مسلم بعض شيء مقرون مات سنة اربع وسبعين وقد ناف على الثمانين».(3)

قال ابن حبان: «كان أصحابنا يقولون: إن سماع من سمع منه


(1) الصفدي، الوافي بالوفيات: 11/248.

(2) ابن كثير، البداية والنهاية: 8/60.

(3) ابن حجر، تقريب التهذيب: 1/526.

صفحة 118

قبل احتراق كتبه مثل العبادلة فسماعهم صحيح، ومن سمع منه بعد احتراق كتبه فسماعه ليس بشيء، وكان ابن لَهيعة من الكتّابين للحديث والجمّاعين للعلم والرحالين فيه».(1)

وحري بنا أيضا في ظل هذا أن نذكر إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بمقتل حجر وأصحابه، قال ابن عساكر: «أنبأنا عبد الله، نبأنا سويد بن سعيد، نبأنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن زرير، عن علي بن أبي طالب قال: يا أهل الكوفة، سيقتل فيكم سبعة نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود».(2)

ضعف ابن كثير هذا الحديث أيضا، ويعزو السبب إلى ابن لَهيعة أيضا وقد بينا حاله.

ولو اعترض معترض على الحديث الآنف الذكر ففي أبي عبد الرحمن المقرئ، كون الشرط كما بيناه من قول ابن حجر في صحة أحاديث ابن لَهيعة أن يرويه إما ابن المبارك أو ابن وهب والرواية هنا عن أبي عبد الرحمن المقرئ وهو أحد العبادلة، وهذا الاشكال مردود أيضا لأن المقرئ من كبار شيوخ البخاري(3)، وقد صرح ابن حبان أن نقل العبادلة عن ابن لَهيعة صحيح.


(1) المجروحين، ابن حبان: 2/11، وهذا القول منسوب لأبي زرعة الدمشقي، راجع الذهبي، تذكرة الحفاظ: 1/239.

(2) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/227.

(3) ابن حجر، تقريب التهذيب: 1/548.

صفحة 119

والنتيجة أن التضعيف المطلق من ابن كثير لابن لَهيعة غير صحيح، وتضعيفه لنبوءة النبي صلى الله عليه وآله التي روتها عنه أم المؤمنين عائشة ليس في محله لأنه جاء وفقا للضوابط.

عود على بدء، ومن جملة آثار مقتل حجر  رضي الله عنه غضب الربيع بن زياد لذلك اذ أدى إلى موته وكان والي معاوية على خراسان، قال الذهبي: «قال أبو أحمد الحاكم في الكنى: لما بلغ الربيع بن زياد مقتل حجر بن عدي، دعا فقال: اللهم إن

كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل، فزعموا إنه لم يبرح من مجلسه حتى مات».(1)

قال أبو الفرج الأصفهاني: «حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا فضل المصري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هشام، عن عمر بن بشير الهمداني قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟

قال: حين مات الحسن عليه السلام، وادعى زياد، وقتل حجر بن


(1) الذهبي، تاريخ الإسلام: 4/206، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين أي بعد سنتين من مقتل حجر  رضي الله عنه ، الطبري، تاريخ الطبري: 4/216ـ217، ابن الاثير، الكامل في التاريخ: 3/495، واتفق كلام المؤرخين على أن سبب موته هو غضبه لقتل حجر  رضي الله عنه ، وقد يقول قائل بأن هذا قرينة على أن شهادة حجر كانت في سنة 53 للهجرة، قلنا لا مانع من تأخر وصول الخبر للأوضاع التي عاشتها الأمة آنذاك ولبعد المسافة بين موقع إقامة الربيع بن زياد ومكان الحادثة، وأحتمل قويا أنه سمع الخبر من الشيعة الذين هجرهم زياد من العراق قسرا بأمر معاوية بعد سنة 51 للهجرة.

صفحة 120

عدي».(1)

قال ابن كثير: «روي عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء: قتاله عليا، وقتله حجر بن عدي، واستلحاقه زياد بن أبيه، ومبايعته ليزيد ابنه».(2)

قال الحاكم: «حدثنا علي بن حمشاد العدل، ثنا معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري، حدثني أبي، ثنا أبي، عن ابن عون، عن نافع قال: لما كان ليالي بعث حجر إلى معاوية جعل الناس يتحيرون ويقولون: ما فعل حجر؟ فأتى خبره ابن عمر وهو مختبئ في السوق، فأطلق حبوته ووثب وانطلق، فجعلت أسمع نحيبه وهو مول».(3)

ورثاه عبد الله بن خليفة الطائي في قصيدة طويلة، منها:

(أقول ولا والله أنسى فعالهم

سجيس الليالي(4) أو أموت فأقبرا

على أهل عذرا السلام مضاعف

من الله يسقيها السحاب الكهورا(5)


(1) الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 50، وهذا الرأي معروف عن أبي اسحاق السبيعي.

(2) ابن كثير، البداية والنهاية: 8/139.

(3) الحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/532 ر5975.

(4) لا آتيك سجيس الدهر، وسجيس الليالي، أي: طوال الدهر، لسان العرب مادة (سجس).

(5) أقول: وفي تاج العروس مادة كهر أنها تطلق على الرجل العبوس أو على النهار الشديد الحر وغير ذلك، وفي حدود تتبعي لم أجد أن العرب قد أطلقت على السحاب (كهور) إلا إذا قلنا بأن الشاعر ومن خلال هذا التعبير أراد أن يعبر عن غضب السماء كما ورد ذلك في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام، ومن الممكن أن يكون تعبير «السحاب الكهورا» في هذا البيت تصحيف عن «السحاب الكَنَهورا» بمعنى قِطَعٌ كالجبال وهذا أجود.

صفحة 121

ولاقى بها حجر من الله رحمة

فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا

فيا حجر من للخيل تدمى نحورها

أو الملك العادي إذا ما تغشمرا(1)

ومن صادع بالحق بعدك ناطق

بتقوى، ومن إن قيل بالجور غبرا

فنعم أخو الإسلام كنت، وإنني

لأطمع أن تعطى الخلود وتجبرا

وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه

وتعرف معروفا وتنكر منكرا(2)

ورثاه قيس بن فهدان الكندي في قصيدة رائعة، قال:

يا حجر يا ذا الخير والحِجر

يا ذا الفعال ونابه الذكر

كنت المدافع عن ظلامتنا

عند الطلوع ومانع الثغر

أما قفلت فأنت خيرهم

في العسر وذي العيصاء(3) واليسر

يا عين ابكي خير ذي يمن

وزعيمها في العرف والنكر

فلأبكين عليه مكتئباً

فلنعم ذو القربى وذو الصهر

يا حجر من للمعتفين إذا

لزم الشتاء وقلّ من يقري

من لليتامى والأرامل إن

حقب الربيع وضن بالوفر

أم من لنا في الحرب إن بعثت

مستبسلا يفري كما يفري

فسعدت ملتمس التقى وسقى

جدثاً أجنك مسبل القطر

كانت حياتك إذ حييت لنا

عزاً وموتك قاصم الظهر

وترثينا في كل نازلة

نزلت بساحتنا ولا تبري


(1) الغشمرة: التهضُّم والظلم، ابن منطور: لسان العرب: مادة غشمر.

(2) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/232، وابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: 5/2131.

(3) العيصاء أو العوصاء من عوص وهو الشدة، الزبيدي، تاج العروس: مادة عوص.

صفحة 122

يا طول مكتأبي لقتلهم حجراً

وطول حرارة الصدر

قد كنت أصعق جهرة أسفاً

وأموت من جزع على حجر

فلقد جدلت وقد قتلت

ومن لم تستعبه حوادث الدهر

فلذاك قلبي مشعر كمداً

ولذاك دمعي ليس بالنزر

ولذاك نسوتنا حواسر

يستبكين بالإشراق والظهر

ولذاك رهطي كلهم أسف

جم التأوه دمعه يجري(1)

قال الطبري: قال ابن سيرين: بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول يومى منك يا حجر يوم طويل.(2)

لقد حج معاوية في سنة 56 للهجرة وفي هذه السنة عزم على نقل منبر النبي صلى الله عليه وآله من المدينة للشام ولم يقدر، ثم أعلن عن خلافة ولده يزيد له ناقضا بذلك بشكل عملي آخر شرط من شروط الصلح بينه وبين الامام الحسن عليه السلام فقد عمل ستة سنوات متواصلة ليكتمل انقلابه على جميع شروط الصلح، ففي هذه السنة بدأت العقوبة الإلهية لمعاوية وخرجت منه ذلك التصريح الذي لم يروِ الطبري منه إلا ما ذكرناه، وقد نقل ابن اعثم القصة بصورة أشمل من غيره من المؤرخين: «ثم رحل معاوية [عن مكة] فلما صار بالأبواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته فاطلع في بئر الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه فأصبح لما به، فدخل عليه


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/232ـ233.

(2) الطبري، تاريخ الطبري: 4/191.

صفحة 123

الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به.

فقال [معاوية]: أيها الناس! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر، وإن ابتليت فقد ابتلى الصالحون من قبلي، وأنا أرجو أن أكون منهم، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر، ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني لأني اليوم ابن بضع وسبعين، فرحم الله عبدا نظر إلي فدعا لي بالعافية، فإني وإن كنت غنيا عن خاصتكم لقد كنت فقيرا إلى عامتكم، فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده.

وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به، فقال له مروان بن الحكم: أجزعا يا أمير المؤمنين؟

فقال [معاوية]: لا يا مروان! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي.

ثم رحل معاوية عن ذلك المكان حتى صار إلى الشام، فدخل إلى منزله واشتد عليه مرضه، وكان في مرضة يرى أشياء لا تسره حتى كأنه ليهذي هذيان المدنف وهو يقول: اسقوني اسقوني! فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى.

وكان ربما غشي عليه اليوم واليومين، فإذا أفاق من غشوته ينادي

صفحة 124

بأعلى صوته:

ما لي ومالك يا حجر بن عدي!

ما لي ومالك يا عمرو بن الحمق!

مالي ومالك يا بن أبي طالب !».(1)


(1) ابن اعثم، الفتوح: 4/344.

صفحة 125

الفصل السادس: مسند حجر بن عدي  رضي الله عنه

الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله:

لا شك ولا ريب بأن حجر بن عدي  رضي الله عنه كان من الصحابة، لكنه هل روى عن النبي صلى الله عليه وآله؟

الجواب: إن حال روايته عن النبي صلى الله عليه وآله بين اثنتين لا ثالث لهما:

الحالة الأولى: إن حجرا  رضي الله عنه لم يروي ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله مطلقا، وذاك لأمرين:

أ. إنه لم يكن مهتما في أن يسجل لرصيده رواية عنه صلى الله عليه وآله ولم يكن هذا الأمر يشغل حيزا من تفكيره، ولم يكن مهتما بنشر العلم عن النبي صلى الله عليه وآله، وهذا أمر مستبعد.

ب. إنه امتنع عن الرواية لِمَا صدر من أمر المنع بهذا الشأن في عموم البلاد الاسلامية من قبل السلطة القرشية الحاكمة، وإن عقوبة قوية كانت بانتظار من يخالف أمرها، وخالف بعضهم الأوامر

صفحة 126

فنالتهم العقوبة بين اقامة جبرية أو ضرب ونحو ذلك(1)، ولما بويع أمير المؤمنين علي عليه السلام، اختص في الرواية عنه بعدما اقتنع بأنه خليفة النبي صلى الله عليه وآله الشرعي، إلا أن هذا الحال لا يمنع أيضا من رواية ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله فروايته عن أمير المؤمنين عليه السلام ليس حالها أفضل من حال روايته عن النبي صلى الله عليه وآله كما سيأتي.

الحالة الثانية: إن من دوَّنَ الحديث لم يروِ لنا ما حدّث به حجر بن عدي  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله إلا كهمل النعم بل دون ذلك والباقي إما حذف عمدا، أو حذف اسمه ارسل الراوية الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله، أو ذهب أدراج الرياح ونُسي نتيجة للظروف التي لاقاها المجتمع الإسلامي من منع رواية الحديث النبوي إلا بموافقة السلطة على ذلك، وحرق ما كان مكتوبا عند كثير من الصحابة في عهد الشيخين(2)، حتى أن هذا الامر نال تفسير القرآن الكريم فقد مُنع تفسيره والسؤال عنه(3)، وإن كان هذا المنع قد ارتفع بمقدار


(1) نشير إلى أن أبرز المعاقَبين بهذا الشأن من قبل السلطة القرشية هم: عبد الله بن مسعود الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية، وصبيغ التميمي العراقي الذي أدماه الخليفة الثاني من كثرة ضربه بجريد النخل، وأبو ذر الغفاري جندب بن جنادة الذي نفاه الخليفة الثالث إلى الربذة، وغيرهم، وكتب الحديث والتراجم والتاريخ قد تحدثت عن ذلك.

(2) إن الخليفة الاول حرق خمسمائة من حديث النبي صلى الله عليه وآله انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ: 1/10، وإن الخليفة الثاني جمع الأحاديث المكتوبة من الناس وحرقها وأمر ولاته بمثل ذلك، راجع الخطيب البغدادي، تقييد العلم: 52، فلا يبعد أن ما كتبه حجر عن النبي صلى الله عليه وآله حُرق في أحد هذين العهدين لو كان كاتبا لما سمعه منه صلى الله عليه وآله، والله العالم.

(3) إن هذه القضية هي من القضايا المتسالم عليها تاريخيا، ويحسبه علماء مدرسة الصحابة من محاسن ومناقب الخليفة الثاني، ويلتمس ناصرو هذه السياسة عذرين أساسيين هما:الاول: إنه كان بصدد حث المسلمين على التشاغل بالقرآن الكريم دون حديث النبي صلى الله عليه وآله ودون تفسيره، لأنه يريد الحفاظ على النص القرآني.الثاني: إنه من حرص الخلفاء على القرآن الكريم، فهم يخشون اختلاط القرآن الكريم بالحديث الشريف!لست أدري هل التشويق الذي يحدثه كلام الخالق في النفوس يُقارن بكلام المخلوقين؟ من ثم: كيف يمكن لعاقل أن يفكر بوقوع الاختلاط بين كلام الله وحديث النبي صلى الله عليه وآله؟ فمن جهة المقارنة لا يمكن أن يحدث تقارب أو تماثل بين كلام الخالق تبارك اسمه وكلام المخلوق لا من حيث الاسلوب ولا البلاغة ولا التشويق الذي يحدثه في النفس سيما أن كلام الله تعالى له طلاوة وحلاوة خاصة به تميّزه عن غيره، ومن جهة اُخرى: إن العرب كانوا يفتخرون بقوة الحفظ، فكانوا يحفظون القصائد الطوال على أوزان وقوافٍ متشابهة أو مختلفة من دون حصول اختلاط، ولو حصل الاختلاط فسرعان ما يُنبّه مَن خلط الى خلطه! كما أن العرب كانوا يفتخرون على غيرهم بحفظ أنسابهم الطوال بتفرعاتها وبطونها عن أصولها دون حصول الاختلاط أيضا ولو خلط عربي في نسبه كان مثلبة في حقه ويعيّر بذلك، فهل ساءت في عصر الإسلام هذه المواهب فخُشيَ أن يختلط القرآن الكريم بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله عندهم مع ما بينهما من تمايز واختلاف كبيرين؟! فلنتأمل في وهن الاعذار المساقة في محاولة تصويب تلكم الاخطاء!!

صفحة 127

خمسة عشرة سنة، وذلك من بيعة أمير المؤمنين عليه السلام حتى استشهاد الحسن عليه السلام، ثم سار معاوية على سيرة مشابهة لسيرة الشيخين مع شيء من التعديل عليها بما يناسب خطته ومرحلته، فدُرست على اثر ذلك أحاديثه ورواياته عن النبي صلى الله عليه وآله بل وحتى عن علي عليه السلام.

والحالة الثانية أرجح من الأولى، قال ابن حجر: «روى بن قانع في ترجمته ـ ترجمة حجر ـ من طريق شعيب بن حرب، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن حجر بن عدي رجل من أصحاب النبي

صفحة 128

صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن قوما يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها».(1)

لقد راجعت معجم ابن قانع المطبوع ولم أجد فيه هذه الرواية، بل ولم أجد فيه ترجمة حجر  رضي الله عنه ، ورواية الحافظ ابن حجر عنه تدل على أن يد التحريف قد امتدت إليه، فحُذف منه الذي حذف!

وهذه الرواية يرويها غير الحافظ ابن حجر إلا أنها مرسلة مرة، واُخرى مسندة الى آخرين.

قال الإمام أحمد: «حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة ومحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بكر بن


(1) ابن حجر، الإصابة: 2/33.قال الحاكم النيسابوري: «حدثنا أبو علي الحافظ، أنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، ثنا محمد بن مسكين اليمامي، ثنا عباد بن عمرو، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا مخشى بن حجر بن عدي، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام، قال: فأي شهر؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، المستدرك: 3/533 ر5982.وروى الطبراني بسنده عن: (عكرمة بن عمار، حدثني مخشي بن حجير: حدثني أبي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع… نفس النص)، المعجم الكبير: 4/34 ر3572، ثمة اشتباه او تصحيف حصل عند أحدهما، فإما أن مخشى يروي الحديث تارة عن حجر بن عدي وتارة عن ابيه فيكون حجر قد حضر حجة الوداع وفقا لهذا القول وما نص احد على هذا مع امكانه، أو أن مخشى يرويه عن ابيه ولم يروه عن حجر بن عدي اطلاقا، والمشهور ما رواه الطبراني، سيما أن المصادر لم تذكر ان لحجر ولدا باسم مخشى.

صفحة 129

حفص قال: سمعت ابن محيريز يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها».(1)

كما يرويها الإمام النسائي بطريقه الى أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله.(2)

ويروي ابن ماجة هذه الرواية مسندة الى ثابت بن السمط(3) عن عبادة بن الصامت، من طريق أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز.(4)

فلو جمعنا هذا الإرسال إلى ما رواه الحافظ ابن حجر، ظهر لنا أن عبارة «رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله» عند الإمامين أحمد والنسائي إنما يحتمل قويا أن يكون المقصود بها هو حجر بن عدي  رضي الله عنه ، لأن ابن محيريز لا صحبة له(5) كي يسند إليه الكلام، وصريح النص أنه يُحدِّث عن صحابي معين، ونحتمل قويا أنه لقي حجر  رضي الله عنه وسمع منه في سنوات الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية لما اختلط أهل


(1) أحمد، المسند: 4/237، واسندها في موضع آخر بلفظ آخر بطريق آخر الى أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت: 5/318.

(2) انظر: النسائي، السنن الكبرى: 3/227 ر5168.

(3) عند ابن حبان هو أخو شرحبيل بن السمط الكندي، من بني جبلة بن عدي الكندي، ويظهر أنهما في عداد أهل الشام، ابن حبان، الثقات: 4/91.

(4) ابن ماجه، السنن: 2/1123.

(5) قال ابن عبد البر في ترجمته: «أما أن تكون له صحبة فلا، ولا يشكل أمره على أحد من العلماء»، الاستيعاب: 3/984، وقال ابن حجر: «عبد الله بن محيريز الجمحي تابعي مشهور»، الاصابة: 5/159ـ160 ر6650.

صفحة 130

الشام بأهل الكوفة وسمعوا منهم.

ولو قيل: يحتمل أن المقصود بهذه العبارة هو ابن السمط، قلت ضعيف، فابن السمط لم أعثر على من قال بصحت.

وإن قيل: يحتمل أن المقصود هو عبادة، قلت ضعيف أيضا، فعبادة مات في السنة الرابعة والثلاثين بعد الهجرة، ولا يحتمل اللقاء بينهما، لأن ابن محيريز قد مات إما في ولاية الوليد بن عبد الملك أو في ولاية عمر بن عبد العزيز(1)، أي بعد أكثر من نيف وستين سنة من موت عبادة، هذا ولم تتوفر عندنا معلومات عن تاريخ ولادته.

ولو كان الإرسال عن غير حجر  رضي الله عنه من الصحابة لذكر ابن محيريز اسمه دون أي تردد وقد صرح بأن بعض أحاديثه يمكن أن تقتله! قال الذهبي: «قال يحيى السيباني: قال لنا ابن محيريز: إني أحدثكم، فلا تقولوا: حدثنا ابن محيريز، إني أخشى أن يصرعني ذلك القول مصرعا يسوئني»!(2)

فيبقى الاحتمال القوي على أساس ما مر إضافة إلى ما مر من سيرة حجر  رضي الله عنه هو ما ذكرناه من أن الارسال هنا عن حجر  رضي الله عنه .

وقد يكون أبو بكر بن حفص قد سمعه مباشرة منه ـ كما في رواية


(1) قال الذهبي: «مات في دولة الوليد»، سير أعلام النبلاء: 4/496، وذهب في تاريخ الإسلام الى أنه مات في سنة مائة: 6/409، وقال ابن كثير: «قال بعضهم: توفي أيام الوليد، وقال خليفة بن خياط: توفي أيام عمر بن عبد العزيز»، البداية والنهاية: 9/210.

(2) سير أعلام النبلاء: 4/496.

صفحة 131

ابن قانع ـ أو قد سمعه بواسطة ابن محيريز، والأخير لم يصرح باسمه، كما أحتمل سقوط ابن محيريز من السند في رواية ابن قانع سهوا أو عمدا لسبب أو آخر، وهو ما نحتمل أن ابن حجر لم ينتبه إليه أو لم يكن بصدد نقد الاسناد، كيفما كان فإنه لم يشر إلى هذا، فالأجود هو وقوع ابن محيريز بين أبي بكر بن حفص وحجر  رضي الله عنه ، فلُقيا أبو بكر بن حفص لحجر  رضي الله عنه محط اشكال.

أيضا قال الإمام احمد: «حدثنا وكيع، حدثنا أبي، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن القاسم بن مخيمرة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما».(1)

قال أبو نعيم: «حدثنا محمد بن علي، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمد بن أبي السري، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، قال: سألت القاسم بن مخيمرة، عن وقت الجمعة، فقال: حدثني بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الجمعة والشمس على حاجبه الأيمن».(2)


(1) احمد، المسند: 4/237، كما يرويه النسائي أيضا عن منصور عن هلال بن يساف عن القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، ويرويه مرة أخرى بلفظ آخر وبطريق آخر مسند إلى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله النسائي، سنن النسائي: 8/25.

(2) ابو نعيم، معرفة الصحابة: 6/ ر7280.

صفحة 132

كما هو معلوم أن القاسم أرسل الحديثين في هذين الموضعين، وعادته أنه يذكر اسم الذي يحدثه عن النبي صلى الله عليه وآله، فيا ترى لماذا الارسال في هذين الموردين؟

كأنه يوحي أن الارسال في الموضعين عن رجل واحد، وهذا الواحد يُخشى من ذكر اسمه، ومن يروي عن هذا الرجل في تلك الفترة معرض لعقوبة معينة، إما السجن أو القتل.

يُحتمل قويا أن يكون الارسال في الموضعين أيضا عن حجر بن عدي  رضي الله عنه ، لأننا نحتمل قويا أن القاسم قد التقى به حينما كان بالكوفة، فيقول الذهبي في ترجمة القاسم: «الامام القدوة الحافظ أبو عروة الهمداني الكوفي، نزيل دمشق، حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة الباهلي، وعن علقمة بن قيس، وعبد الله بن عكيم، وشريح بن هانئ، ووراد كاتب المغيرة، وأبي عمار الهمداني، وسليمان بن بريدة، وأبي بردة بن أبي موسى، وأبي مريم الازدي، وطائفة، وليس هو بالمكثر.

ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، قال: وكان ثقة، وله أحاديث.

وروى عباس عن يحيى بن معين، قال: هو كوفي، وذهب إلى الشام.

وقال يحيى وأبو حاتم والعجلي: ثقة.

وقال أبو حاتم: ثقة صدوق كوفي، كان معلما بالكوفة ثم سكن

صفحة 133

الشام».(1)

وكما هي سجية القاسم حينما يُحدّث يذكر اسم الذي يُحدث عنه، كما هو حال الذين ذُكروا في ترجمة الذهبي له، فجميعهم يُسند إليهم مروياته عن النبي صلى الله عليه وآله فلماذا أرسل في هذين الموردين؟

لقد مر بنا شاهدان من سيرة حجر  رضي الله عنه في الفصول السابقة وهما خلافه مع زياد في قضية الذمي وموقفه منه في تأخير الصلاة تجعل احتمالية الارسال عنه في الموضعين السابقين أقوى.

ولو ثبت ذلك ـ والعلم عند الله ـ يثبت أن هناك كَمًّا من المرسلات عن رسول الله صلى الله عليه وآله يرسلها بعض الرواة الذين عاشوا في تلك الحقبة إنما هي لحجر  رضي الله عنه ، فحذفوا اسمه لأسباب سياسية او عَقَديّة.

الرواية عن علي عليه السلام:

إن من علائم إخلاص حجر بن عدي  رضي الله عنه في الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام هو اختصاصه برواية الفقه عنه عليه السلام وقد عُرف بذلك ولم يروِ عن غيره إلا فضائله عليه السلام، حتى أنه  رضي الله عنه كانت له صحيفة دوّن فيها العديد من الأحاديث التي سمعها من أمير المؤمنين عليه السلام، إلا أن تلك الصحيفة لم تصل إلينا كما لا تتوفر عندنا معلومات عنها هل أوصى بها لأحد قبل أن يأخذوه أسيرا لمعاوية، أو حرقت وتلفت لما هدموا داره بعد قتله وهو الأرجح!


(1) الذهبي، سير اعلام النبلاء: 5/201ـ202.

صفحة 134

قال ابن عساكر: «اخبرنا أبو سعد البغدادي، أنبأنا أبو الفضل المطهر بن عبد الواحد، أنبأنا أبو عمر عبد الله بن محمد بن احمد، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد الزهري، نبأنا عمي، نبأنا أبو داود، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي قال:

دخلنا على حجر بن عدي الكندي فقلنا له أن ابنك خرج بالغائط ولم يرفع بالوضوء رأسا، فقال له: يا جارية ناوليني الصحيفة من الكوة، فناولته، فقرأ فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما حدثني علي بن أبي طالب: أن الطهور نصف الإيمان».(1)

وقال ابن سعد: «أخبرنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا عمير بن قميم، قال: حدثني غلام لحجر بن عدي الكندي، قال:

قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ، قال: ناولني الصحيفة من الكوة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر: أن الطهور نصف الإيمان».(2)

هكذا كان يدون  رضي الله عنه ما يسمعه من أمير المؤمنين عليه السلام، وهي نموذج من اختصاصه  رضي الله عنه برواية الفقه والسنن عنه عليه السلام.


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/209.

(2) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 6/220.

صفحة 135

الرواية عن غير علي عليه السلام

لقد أشرنا إلى أن حجرا  رضي الله عنه كان قد روى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، ونموذج ذلك ما رواه ابن عساكر قائلا: «أنبأنا خيثمة بن سليمان، نبأنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، نبأنا محول بن إبراهيم، عن عمر بن شمر، عن أبي طوق، عن جابر الجعفي وذكر عن محمد بن بشر، قال:

قام حجر بن عدي يخطب على شاطئ الفرات حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: اشهد أني سمعت شراحيل بن مرة يزعم انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبشر يا علي حياتك وموتك معي».(1)

وقال أبو نعيم: «حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين محمد بن الحسين بن حبيب الوداعي، وحدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قالا: ثنا عبادة بن زياد، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي البختري، عن حجر بن عدي، قال:

سمعت شراحيل بن مرة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي عليه السلام: أبشر يا علي حياتك وموتك معي».(2)

فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيا.


(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 12/208.

(2) ـ أبو نعيم، معرفة الصحابة: 3/ 1472 ر3730.

صفحة 136

الخاتمة

الصحابي الجليل حجر بن عَدِيّ الكندي  رضي الله عنه إحدى الشخصيات المهمة في الصدر الأول من التاريخ الإسلامي، أسلم عام الوفود حين جاء للمدينة المنورة للقاء النبي صلى الله عليه وآله مع وفد كندة، وقد اُعفي على كل رواياته عن النبي صلى الله عليه وآله ما خلا رواية واحدة، وقد روى عنه بعض التابعين دون ذكر اسمه خوفا من سطوة الدولة الأموية، والبحث في هذا المجال يحتاج إلى تحقيق وتدقيق وتأمل واسع للوقوف عليها.

عُرف  رضي الله عنه بولائه لأمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام حتى قُتل في ذلك، واختص في رواية الفقه والسنن به عليه السلام دون غيره، وروى عن غيره فضائله، ولم يردنا من مجموع ما رواه حجر إلا أقل القليل، ويصعب على الباحث تشخيص الوقت الذي تعرّف فيه حجر  رضي الله عنه على شخصية علي عليه السلام، فهل عرفه لما أرسل النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن؟ أم عرفه حينما جاء في وفد كندة إلى النبي صلى الله عليه وآله؟ أم عرفه في نهضته عليه السلام لإحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله في حج سنة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين للهجرة وذلك بعد اشتداد الخلاف بين الحزب القرشي الحاكم، ونهض في تلك السنة خلال موسم الحج أبو ذر

صفحة 137

الغفاري  رضي الله عنه يجهر بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام كما يجهر بضلالة مخالفيه وفساد ولاتهم وجال البلاد الإسلامية، فانكسر طوق المنع من الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله المفروض من قبل السلطة فكان بعض شيعة علي عليه السلام كعمار بن ياسر  رضي الله عنه ومالك الأشتر  رضي الله عنه وغيرهم يتحدثون عن فضائله عليه السلام وفساد الولاة وضلالتهم وكان ذلك في تقدير السيد الأستاذ الوالد بقيادة وتخطيط من أمير المؤمنين عليه السلام، فوجد حجر  رضي الله عنه في علي عليه السلام ضالته فتعلق به وأخلص له بعدما سمع الأحاديث النبوية في حقه عليه السلام وتفسير عدد من الآيات القرآنية النازلة في حقه عليه السلام.

كان حجر بن عَدِيّ  رضي الله عنه سيدا شريفا أميرا مطاعا في قومه، معروفا بالتقوى والورع والزهد والإيمان وكثرة العبادة، حتى عُرف بحجر الخير، وراهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، ولا يبعد أنه كان أبرز وجوه الشيعة بعد مالك الأشتر  رضي الله عنه ، فقد كان له تقريض على خطبة الإمام الحسن عليه السلام في الكوفة لما أرسله إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليستنهض الناس لنصرته في حربه مع أصحاب الجمل خطبة أنبأت عن عمق عقيدته في علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام عن علم ودراية.

وللصفات التي تميز بها حجر  رضي الله عنه من البطولة والشهامة والصلاح والتقوى والعلم والمعرفة وروح القيادة أمّره أمير المؤمنين عليه السلام على الرجالة في يوم الجمل فكانت كل من كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة في لواء واحد وولّى عليهم أمير المؤمنين عليه السلام حجرا  رضي الله عنه

صفحة 138

يرجعون إليه في أمورهم، وفي صفين كان على كندة، وفي النهروان على الميمنة، وقد أبلى في كل حروبه بلاءً حسنا، كما أرسله أمير المؤمنين عليه السلام على رأس أربعة آلاف من المقاتلين لما أغار الضحاك بن قيس على البلاد الإسلامية ووصل إلى منطقة الطقطقانة فرده حجر  رضي الله عنه وألحق به هزيمة نكراء، وكانت له أراجيز في الحروب يمدح بها عليا عليه السلام ويذكر فيها فضائله، كما كانت له صحيفة كتب فيها الأحاديث التي سمعها من أمير المؤمنين علي عليه السلام ولا نعرف مصيرها، وقد أعده أمير المؤمنين عليه السلام إعداد متكاملا للمرحلة القادمة.

بتقديرنا أن حجرا  رضي الله عنه قد ساد كندة وأصبح زعيمها وأميرها في العراق بعد موت الأشعث بن قيس بشكل كامل، وكانت أَمَارات هذه الزعامة واضحة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام من خلال مكانته الاجتماعية وتأمير أمير المؤمنين عليه السلام له في الحرب على قبيلته وعلى قبائل اُخرى كما في حربي الجمل وصفين، فقد قام  رضي الله عنه في صفين بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وقال: «يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها، ولنا أعوان ذوو صلاح، وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب وبأس محمود، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه»، فسأله علي عليه السلام: «أكل قومك يرى مثل رأيك؟» فأجاب  رضي الله عنه : «ما رأيت منهم إلا حسنا، وهذه يدي عنهم

صفحة 139

بالسمع والطاعة، وبحسن الإجابة»، فما لحن السؤال والجواب إلا دليل على الزعامة والسيادة في قومه، كذلك الصفات التي ذكرت له في رثائه بعد شهادته، كلها تدل على زعامته لكندة وسيادته عليها على أقل تقدير بعد موت الأشعث بن قيس الكندي، وإن كنا نميل إلى أنها قد ظهرت منذ عهد أمير المؤمنين عليه السلام.

اتهم  رضي الله عنه زورا وبهتانا من قبل الاعلام العباسي بتجاوزه على الإمام الحسن عليه السلام وذلك في ظل إعلامهم المتوجه نحو تشويه سيرة الإمام الحسن عليه السلام وصلحه مع معاوية ذلك الفتح المبين في القسم الغربي من البلاد الإسلامية لمشروع إحياء السنة النبوية الذي نهض به أمير المؤمنين عليه السلام في القسم الشرقي منها، كل ذلك من أجل تطويق ثورة الحسنيين ضد العباسيين كما يرى السيد الأستاذ الوالد، وقد حاول بعض الفضلاء من أهل العلم والعمل تبرير هذا التجاوز وسوء الأدب المنسوب له  رضي الله عنه بمحضر الإمام الحسن عليه السلام، إلا أن التبرير لم يكن في محله ولا يشفع لشخص كحجر  رضي الله عنه العارف بحق أهل البيت عليهم السلام ومقامهم وقد أوضحنا في البحث مفصلا بطلان هذه التهمة فليس لها اسناد معتبر على حد قول السيد الخوئي  رضي الله عنه ولا هي متناسبة مع مواقفه السابقة ولا مع حسن خاتمته.

المحطة المهمة في حياته  رضي الله عنه كانت بعد غدر معاوية بالإمام الحسن عليه السلام واغتياله بالسم سنة خمسين للهجرة، حيث نهض حجر  رضي الله عنه ولم يكن نهوضه بمعزل عن خطة وموقف الإمام الحسين عليه السلام الذي تبنى

صفحة 140

المواجهة اللسانية أو الانكار اللساني دون المواجهة المسلحة في هذه المرحلة، وهي أولى مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فكان حجر  رضي الله عنه ينكر على المغيرة بن شعبة تعريضه بعلي عليه السلام ولعنه وشتمه له ومديحه ودعائه للخليفة الثالث، فكان  رضي الله عنه يقول: «بل إيّاكم قد أضل الله ولعن، أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أحق بالذم»، فأمر معاوية المغيرة بن شعبة لمّا شكاه إليه بمداراته حتى انكشف لمعاوية موقف الامام الحسين عليه السلام وسياسته ومات المغيرة وجمع معاوية العراقَين ـ الكوفة والبصرة ـ لزياد وقدم الكوفة وقام بما كان يقوم به المغيرة وكان يرد عليه حجر  رضي الله عنه ويحصبه، ويحصبه جمع كبير ممن في المسجد، وحذره زياد وخوفه بالقتل فلم يعبأ له، كما كان يرد القضاء الباطل لزياد حتى شكاه لمعاوية قائلا: «إن كان لك بالعراق حاجة فاكفني حجرا وأصحابه»، فأمره معاوية بأن: «ترفق حتى تجد عليه الحجة» فلمّا اجتمع زياد بوجوه شيعة بني أمية وعرض عليهم الأمر واستشارهم قام أبو بردة بن أبي موسى وشهد زورا على أن حجرا  رضي الله عنه قد «خلع الطاعة وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعاً يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، فكفر بالله كفرة صلعاء، وأتى معصية شنعاء» ففرح زياد بهذه المكيدة وأمر من حضر عنده بأن يشهدوا على مثلها وأن يُقدّم مَن يعرفه معاوية وزياد بصلاح الحال! كعمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن

صفحة 141

ربعي، وحجار بن أبجر، والمنذر بن الزبير بن العوام، ومحمد بن الأشعث وأخوه قيس وغيرهم.

اعتقل جلاوزة بني أمية بعد أن حاول أفراد من قومه المنع من ذلك ولم يسقط قتيل في هذه الحادثة، وقد اختلق الإعلام الأموي والعباسي خرافات رواها المؤرخون بشأن هذه الحادثة والسبب الذي من أجله اعتقلت الدولة حجرا  رضي الله عنه ، كما اعتقلوا على ثلاثة عشر رجلا من أصحابه، وقيّدوهم بالحديد وساروا بهم إلى معاوية ليقتلهم، فكان حجر  رضي الله عنه يقول بأعلى صوته لما سيروهم من الكوفة إلى الشام: «اللهم إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس» لأنه علم بالمكيدة التي دبّروها له وكيف سيجعلونه واحدا من الخوارج، وجعل الناس يتساءلون مستغربين عمّا فعله حجر  رضي الله عنه ليقيّد بالحديد ويسيّر إلى معاوية!! ولما وصل إلى الشام شاءت الأقدار أن ينزل ومن معه مرج عذراء تلك المنطقة التي فتحها وكان أول مسلم تنبحه كلابها.

لما أتى معاويةَ الخبرُ أمر بأن تعرض عليهم البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام ولعنه ليُفرج عنهم وإن أبَوا ذلك قُتلوا، وقد استوهب بعض الرجال أبناء قبائلهم ممن كانوا في جملة المعتقلين الأربعة عشر وعددهم ستة من أصل أربعة عشر رجال، فبقي حجر  رضي الله عنه ومعه سبعة من أصحابه، فلما عرضوا عليهم ما أمر معاوية به رفضوا ذلك وتهيأوا للشهادة، فقتلوا وذبح حجر  رضي الله عنه ذبحا، وذلك في سنة

صفحة 142

إحدى وخمسين للهجرة، ولما بلغ ذلك أمه التي كان يبرها كثيرا ماتت من ساعتها.

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله بمقتله كما في رواية أم المؤمنين عائشة، وأيضا أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام، وأن قتلهم يغضب له الله تعالى ويغضب له أهل السماء ومثلهم كمثل أصحاب الأخدود، وضعّف ابن كثير هذه الأخبار لسبب نرى أنه عَقَدِيّ لا علمي وقد أوضحنا عدم صحة تضعيفه للخبر.

عندما شاع خبر شهادته  رضي الله عنه استفظع أهل العراق ذلك، كما استنكرته أم المؤمنين أم سلمة وأم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عمر والربيع بن زياد الذي مات لشدة أسفه عليه سنة ثلاث وخمسين للهجرة، واعتبر أبو إسحاق السبيعي مقتل حجر  رضي الله عنه جزءًا من أول ذل دخل الكوفة إلى جنب اغتيال الامام الحسن عليه السلام واستلحاق زياد، فقد توالت الويلات بعد ذلك على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام أينما كانوا خاصة في الكوفة لأنها لكثرة من بها من الشيعة، ورثاه بعض محبيه أشجى رثاء.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

***

صفحة 143

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

  1. ابن الأثير، علي بن محمد، ت630هـ، اسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق محمد ابراهيم البنا وآخرون، د.ط، د.ت، دار كتاب الشعب، القاهرة / مصر.
  2. ابن الأثير، علي بن محمد، ت630هـ، الكامل في التاريخ، د.ط، 1386هـ 1966م، دار صادر للطباعة والنشر، ودار بيروت للطباعة والنشر، بيروت / لبنان.
  3. احمد، احمد بن محمد بن حنبل، ت241هـ، العلل، تحقيق وتخريج د. وصي الله بن محمد عباس، ط. الأولى، 1408هـ 1988م، المكتب الإسلامي، بيروت / لبنان.
  4. احمد، احمد بن محمد بن حنبل، ت241هـ، المسند (مسند احمد)، د.ط، د.ت، دار صادر، بيروت / لبنان.
  5. الأسكافي، محمد بن عبد الله، ت220هـ، المعيار والموازنة، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، ط. الاولى، 1402هـ 1981م.
  6. الأصفهاني، ابو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن احمد، ت356هـ، الأغاني، د.ط، د.ت، دار إحياء التراث العربي.
  7. الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن احمد، ت356هـ، مقاتل الطالبيين، تحقيق وتقديم كاظم المظفر، ط. الثانية، 1385هـ 1965م، المكتبة الحيدرية، النجف الاشرف، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم المشرفة / ايران.
  8. ابن أعثم، أحمد بن أعثم الكوفي، ت314هـ، الفتوح، تحقيق علي شيري، ط. الأولى، 1411هـ، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان.
  9. الأمين، محسن بن عبد الكريم بن علي العاملي، ت1371هـ، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين ت2002م، د.ط، د.ت، دار التعارف للمطبوعات، بيروت / لبنان.
  10. الأميني، عبد الحسين بن أحمد، ت1390هـ، الغدير، الطبعة الرابعة، 1397هـ 1977م، دار الكتاب العربي، بيروت / لبنان.
  11. البدري، سامي بن جابر، معاصر، الإمام الحسين (ع) في مواجهة الضلال الاموي، ط. الثانية، 1430هـ 2009م، مؤسسة طور سنين للأبحاث الدينية والتاريخية، دار الفقه للطباعة والنشر، قم المشرفة / ايران.
  12. البدري، سامي بن جابر، معاصر، الإمام الحسن (ع) في مواجهة الإنشقاق الأموي، ط. الأولى، 1433هـ 2012م، مؤسسة تراث النجف الحضاري والديني، دار الفقه للطباعة والنشر، قم المشرفة / ايران.
  13. ابن بكار، العباس بن بكار الضبي، ت222هـ، أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان، تحقيق سكينة الشهباني، ط. الأولى، 1403هـ 1983م، بيروت / لبنان.
  14. البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، ت279هـ ، أنساب الأشراف، تحقيق د. محمد حميد الله، د.ط، 1959م، معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالاشتراك مع دار المعارف بمصر.
  15. التستري، محمد تقي بن محمد كاظم بن محمد علي، ت1415هـ، قاموس الرجال، تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي، نشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة / ايران.
  16. ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد بن ادريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، ت327هـ، الجرح والتعديل، ط. الأولى، 1372هـ 1953م، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن / الهند، دار احياء التراث العربي ـ بيروت / لبنان.
  17. ابن حاتم العاملي، يوسف بن حاتم بن فوز بن مهند الشامي المشغري العاملي، ت664هـ، الدر النظيم، د.ط، د.ت، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة / ايران.
  18. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله النيسابوري، ت405هـ، المستدرك على الصحيحين، ط. الاولى، 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  19. ابن حبان، محمد بن حبان بن احمد التميمي، ت354هـ، الثقات، ط. الاولى، 1393هـ، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن / الهند.
  20. ابن حبان، محمد بن حبان بن احمد التميمي، ت354هـ، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق محمود ابراهيم، د.ط، د.ت، دار الباز للنشر والتوزيع، مكة.
  21. ابن حبان، محمد بن حبان بن احمد التميمي، ت354هـ، مشاهير علماء الأمصار، تحقيق مرزوق علي ابراهيم، ط. الاولى، 1411هـ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة / مصر.
  22. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق ودراسة وتعليق الشيخ عادل احمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، تقديم أ.د. محمد عبد المنعم البري وآخرون، ط. الاولى، 1415هـ، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  23. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، تقريب التهذيب، تحقيق ودراسة مصطفى عبد القادر عطا، ط. الثانية، 1415هـ 1995م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  24. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، تهذيب التهذيب، ط. الاولى، 1404هـ 1984م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان.
  25. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، طبقات المدلسين، تحقيق د. عاصم بن عبد الله القريوني، ط. الأولى، د.ت، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان / الأردن.
  26. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، فتح الباري، ط. الأخيرة، 1959م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
  27. ابن أبي الحديد، عز الدين بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المعتزلي، ت656هـ، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، ط. الأولى، 1378هـ 1959م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
  28. ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، ت456هـ، جمهرة أنساب العرب، ط. الثالثة، 1424هـ 2003م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  29. ابن حمدون، محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون البغدادي، ت562هـ، التذكرة الحمدونية، تحقيق احسان عباس وبكر عباس، ط. الأولى، 1996م، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت / لبنان.
  30. الحموي، ياقوت بن عبد الله، ت626هـ، معجم البلدان، د.ط، 1399هـ 1979م، دار إحياء التراث العربي.
  31. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، ت463هـ، تقييد العلم، تحقيق يوسف العش، ط. الثانية، 1974م، دار إحياء السنة النبوية.
  32. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، ت463هـ، تاريخ بغداد، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط. الأولى، 1417هـ 1997م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  33. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي، ت808هـ، تاريخ ابن خلدون (مقدمة ابن خلدون / كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، د.ط، د.ت، دار احياء التراث العرابي، بيروت / لبنان.
  34. خليفة بن خياط العصفري، ت240هـ، الطبقات، تحقيق د. أكريم ضياء العمري، ط. الثانية، ت1402هـ 1982م، دار طيبة، الرياض / السعودية.
  35. الخوئي، أبو القاسم بن علي أكبر بن هاشم، ت1413هـ، معجم رجال الحديث، ط. الخامسة، 1413هـ 1992م.
  36. الخوئي، أبو القاسم، بن علي اكبر بن هاشم، ت1413هـ، صراط النجاة، تعليق آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي ت1427هـ، ط. الاولى، 1417هـ، دار الاعتصام للطباعة والنشر.
  37. ابن الدمشقي، محمد بن أحمد الباعوني الشافعي، ت871هـ، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، ط. الأولى، 1416هـ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم المشرفة / ايران.
  38. ابن أبي الدنيا، ابو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي الأموي، ت281هـ، مكارم الأخلاق، تحقيق وتعليق مجدي السيد ابراهيم، د.ط، د.ت، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع.
  39. الدينوري، احمد بن داوود، ت282هـ، الاخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، ط. الاولى، 1960م، دار احياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، منشورات الشريف الرضي.
  40. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ت748هـ، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري، ط. الأولى، 1407هـ، 1987م، دار الكتاب العربي، بيروت / لبنان.
  41. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ت748هـ، تذكرة الحفاظ، تحقيق زكريا عميرات، ط، الأولى، 1419هـ 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  42. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ت748هـ، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وآخرون، ط. الثالثة، 1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت / لبنان.
  43. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ت748هـ، المغني في الضعفاء، ط. الأولى، 1418هـ 1997م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  44. الزبيدي، محمد مرتضى بن محمد الحسيني الزبيدي ت1205هـ، تاج العروس، تحقيق علي شيري، د.ط، 1414هـ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان / بيروت.
  45. الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي، ت1410هـ، الأعلام، ط. الخامسة، 1980م، دار العلم للملايين، بيروت / لبنان.
  46. ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، ت230هـ، الطبقات الكبرى، د.ط، د.ت، دار صادر، بيروت / لبنان.
  47. ابن شبة، عمر بن شبة النميري، ت262هـ، تاريخ المدينة المنورة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، د.ط، 1410هـ، نشر دار الفكر، مطبعة قدس، قم المشرفة / ايران.
  48. ابن شهر آشوب، محمد بن علي بن شهر آشوب بن أبي نصر السوري المازندراني، ت588هـ، مناقب آل آبي طالب، تحقيق وتصحيح وشرح لجنة من أساتذة النجف الأشرف، د.ط، 1376هـ 1956م، المكتبة الحيدرية، النجف الاشرف / العراق.
  49. الصافي، حسين، معاصر، براءة عبد الله بن العباس من قضبان التأريخ، مجلة فجر عاشوراء، العدد المزدوج 6 و7، مركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية المقدسة، 2019م، مطبعة دار الوارث، كربلاء المقدسة / العراق.
  50. الصحاري، سلمة بن مسلم بن ابراهيم العوتبي، ق. الخامس هـ، الأنساب، د.ط، د.ت.
  51. الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، ت381هـ، علل الشرائع، تحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم ت1400هـ، د.ط، 1385هـ 1966م، المكتبة الحيدرية، النجف الاشرف / العراق.
  52. الصفدي، خليل بن أيبك بن عبد الله، ت764هـ، الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، د.ط، د.ت، 1420هـ 2000م، دار إحياء التراث، بيروت / لبنان.
  53. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب، ت360هـ، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط. الثانية، 1404هـ 1983م، مكتبة العلوم والحكم، الموصل / العراق.
  54. الطبري الشيعي، محمد بن جرير بن رستم الآملي الصغير، ق. الخامس هـ، دلائل الامامة، تحقيق قسم الدراسات الاسلامية، ط. الاولى، 1413هـ، مؤسسة البعثة، قم المشرفة / ايران.
  55. الطبري، محمد بن جرير، ت310هـ، تاريخ الطبري، تحقيق وتصحيح ومراجعة وضبط نخبة من العلماء، ط. الرابعة، 1403هـ 1983م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت / لبنان.
  56. ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر طيفور الماروزي، ت280هـ، بلاغات النساء، صححه وشرحه أحمد الألفي د.ط، 1326هـ 1908م، مطبعة مدرسة والدة عباس الأول، القاهرة / مصر.
  57. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي، ت463هـ، الاستيعاب في معرفة الاصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، ط. الاولى، 1412هـ 1992م، دار الجيل، بيروت / لبنان.
  58. ابن عبد ربه، احمد بن محمد بن عبد ربه الاندلسي القرطبي، ت328هـ، العقد الفريد، د.ط، د.ت.
  59. ابن العديم، عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي، ت660هـ، بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقيق وتقديم، د. سهيل زكار، د.ط، 1408هـ 1988م، مؤسسة البلاغ، بيروت / لبنان.
  60. ابو العرب، محمد بن أحمد التميمي، ت333هـ، المحن، تحقيق د. عمر سليمان العقيلي، د.ط، 1404هـ 1984م، دار العلوم، الرياض / السعودية.
  61. ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، ت571هـ، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، د.ط، 1415هـ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان.
  62. العسكري، مرتضى بن محمد اسماعيل بن محمد شريف، ت1428هـ، عبد الله بن سبأ وأساطير اخرى، ط. السادسة، 1413هـ 1992م.
  63. العقيلي، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي، ت322هـ، الضعفاء، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، ط. الثانية، 1418هـ ـ 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  64. العيني، محمود بن أحمد، ت855هـ، عمدة القاري، د.ط، د.ت، دار إحياء التراث العربي.
  65. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ت276هـ، الإمامة والسياسة، تحقيق طه محمد الزيني، د.ط، د.ت، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.
  66. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ت276هـ، المعارف، تحقيق د. ثروت عكاشة، د.ط، د.ت، دار المعارف، القاهرة / مصر.
  67. القرطبي الحنفي، أحمد بن محمد بن ابراهيم اليمني القرطبي، ت550هـ، التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب، د.ط، د.ت.
  68. القمي، عباس بن محمد رضا، ت1359هـ، الكنى والألقاب، تقديم: محمد هادي الاميني، د.ط، د.ت، مكتبة الصدر، طهران / ايران.
  69. ابن كثير، اسماعيل بن كثير الدمشقي، ت774هـ، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، ط. الأولى، 1408هـ، 1988م، دار إحياء التراث العربي.
  70. ابن الكلبي، هشام بن محمد بن السائب، ت204هـ، نسب معد واليمن الكبير، تحقيق د. ناجي حسن، ط. الاولى، 1408هـ 1988م، مكتبة النهضة العربية.
  71. الكليني، محمد بن يعقوب بن اسحاق، ت328هـ أو 329هـ، تحقيق وتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط. الخامسة، د.ت ، دار الكتب الإسلامية، طهران / ايران.
  72. المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، ت1111هـ، بحار الأنوار، تحقيق يحيى العابدي، ط. الثانية، 1403هـ 1983م، مؤسسة الوفاء، بيروت / لبنان.
  73. المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، 742هـ، تهذيب الكمال، تحقيق د. بشار عواد معروف، ط. الثانية، 1413هـ 1992م، مؤسسة الرسالة، بيروت / لبنان.
  74. المسعودي، علي بن الحسين بن علي، ت346هـ، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط. الأولى، 1385هـ 1965م، دار الأندلس.
  75. مسلم، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ت261هـ، الجامع والصحيح (صحيح مسلم)، د.ط، د.ت، دار الفكر، بيروت / لبنان.
  76. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، ت413هـ، الاختصاص، تحقيق وتعليق وتصحيح علي أكبر الغفاري، ط. الثانية، 1414هـ 1993م، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان.
  77. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، ت413هـ، الارشاد، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لتحقيق التراث، د.ط، 1414هـ 1993م، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان.
  78. ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور، ت711هـ، لسان العرب، د.ط، 1405هـ، نشر أدب الحوزة، قم المشرفة / ايران.
  79. ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور، ت711هـ، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق محمد مطيع الحافظ وآخرون، ط. الاولى، 1404هـ 1984م، دار الفكر.
  80. النسائي، احمد بن شعيب بن علي، ت303هـ، السنن الكبرى، تحقيق د. عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، ط. الاولى، 1411هـ 1991م، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان.
  81. نصر، نصر بن مزاحم المنقري، ت212هـ، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط. الثانية، 1382هـ، المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة / مصر.
  82. أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، ت430هـ، حلية الأولياء، ط. الرابعة، 1405هـ، دار الكتاب العربي، بيروت / لبنان.
  83. أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، ت430هـ، معرفة الصحابة، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، ط. الأولى، 1419هـ 1998م، دار الوطن، الرياض / السعودية.
  84. ابن هلال، ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي الكوفي، ت283هـ، الغارات، تحقيق السيد جلال الدين الحسيني، د.ط، د.ت، مطبعة بهمن.
  85. اليعقوبي، أحمد بن اسحاق (أبي يعقوب) بن جعفر، ت284هـ، تاريخ اليعقوبي، د.ط، د.ت، دار صادر، بيروت / لبنان.

تم بحمد الله

One تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين