هذا الكتاب هو مجموعة من تسع دراسات وبحوث كتبها العلامة السيد سامي البدري خلال نحو خمسين سنة من البحث العلمي، وتدور جميعها حول قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من زوايا متعددة.
لا يقتصر الكتاب على عرض الفكرة المهدوية بشكل تقليدي، بل يسعى إلى تقديمها ضمن رؤية قرآنية وتاريخية شاملة، تربط بين مسيرة الأنبياء (عليهم السلام) منذ بداية الخلق، وبين مشروع ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان.
أهم ما يطرحه الكتاب
1. المهدي ونهاية التاريخ : يبيّن أن فكرة ظهور القائد الموعود ليست خاصة بالمسلمين فقط، بل هي مشتركة بين الأديان، ويمكن أن تكون أساسًا للحوار بين المسلمين وأهل الكتاب، مع توضيح صفات هذا القائد ودولته العادلة.
2. المهدي في الكتب السماوية : يعرض نصوصًا من القرآن الكريم والتوراة والإنجيل تشير إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ويشرح أن القرآن يذكر الصفات والعلامات، بينما تبيّن السُّنة اسمه وتفاصيله.
3. التناظر مع تجارب الانبياء: يقدّم طرحًا مميزًا يربط بين الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وسنن إلهية ظهرت في تاريخ الأنبياء، مثل التشابه بينه وبين النبي نوح (عليه السلام) في بعض الخصائص كالعمر الطويل وبناء مرحلة جديدة للبشرية.
4. العلاقة بين المهدي ونهضة الحسين (عليه السلام): يؤكد أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الامتداد الحقيقي لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأنه سيظهر ليأخذ بثأره ويقيم العدل في مواجهة الظلم.
5. الرد على الشبهات المعاصرة : يناقش الكتاب شبهات تُثار حول وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وولادته، خاصة ما طرحه بعض الكتّاب المعاصرين (شبهات احمد الكاتب)، ويرد عليها بأسلوب علمي يعتمد على النصوص التاريخية والحديثية.
6. المهدي والعلم الحديث : يعالج إشكالية طول عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ويبيّن أن ذلك لا يتعارض مع العقل، بل يمكن فهمه في إطار القدرة الإلهية، خاصة مع تطور العلوم الحديثة.
7. الغيبة ودورها التربوي : يوضح أن غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) ليست غيابًا بلا هدف، بل هي مرحلة اختبار للمؤمنين، وفيها تبرز أدوار العلماء والفقهاء في حفظ الدين.
8. فجر الظهور : يطرح فكرة عميقة تربط بين أحداث عاشوراء ومسار الظهور، ويبيّن أن هناك سننًا تاريخية متكررة تمهّد لقيام دولة العدل الإلهي.
9. الاستشراف المهدوي: يقدّم منهجًا علميًا جديدًا لدراسة المستقبل المرتبط بالظهور، من خلال الربط بين عدة علوم (العقيدة، التاريخ، السياسة، الفتن)، لفهم مسار الأحداث القادمة.
منهج الكتاب:
- اعتماد القرآن الكريم أساسًا في التحليل
- الربط بين التاريخ الديني والواقع المعاصر
- استخدام مناهج علمية متعددة (تاريخية، عقدية، تحليلية)
- معالجة الشبهات بأسلوب علمي هادئ
- تقديم أفكار جديدة في فهم القضية المهدوية
- تأسيس علم الاستشراف المهدوي
الكتاب يقدّم رؤية متكاملة للفكر المهدوي، لا تقتصر على الجانب العقائدي، بل تمتد لتشمل التاريخ والواقع والمستقبل، ويؤكد أن قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي مشروع إلهي مستمر عبر التاريخ، ويمثل الأمل النهائي لإقامة العدل في العالم.
اسم الكتاب : بحوث في الفكرالمهدوي
مجموعة من بحوث ومقالات العلامة المحقق السيد سامي البدري
جمع وإعداد : د. السيد حسين البدري
الطبعة : الأولى 1445ه/2024م
تصحيح : الشيخ صفاء حسين جَودة السيلاوي الحلّي،
السيد قتاد الحسيني
الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي
المطبعة : دار الوارث للطباعة والنشر
بحوث في الفكرالمهدوي
مجموعة من بحوث ومقالات العلامة المحقق السيد سامي البدري
جمع واعداد السيد الدكتور حسين البدري
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾
صدق الله العلي العظيم
مقدمة المركز
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
إن تطلع الإنسان نحو يوم موعود ينتصف فيه المظلوم من الظالم ويسود فيه الحق والعدل؛ طموح فطري يعيشه الكثير من البشر في مختلف العصور، وقد جاء أنبياء الله العظام يؤكّدون هذا الطموح ويبشرون به كواقع حتمي سوف يقع في المستقبل، ويرسم نهاية التاريخ.
والقرآن الكريم ذكر تلك النهاية السعيدة لتاريخ الإنسانية في مواضع عدة، فمرة يصفها بأنه إتمام النور وإظهار الدين:﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ 8 هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 9﴾ الصف/8ـ9، عن أبي جعفر عليه السلام: «ان ذلك يكون عند خروج المهدي من ال محمد فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد».(1)
ومرة يسميها وراثة المستضعفين للأرض:﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ 5﴾ القصص/5، عن الباقرعليه السلام عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: «هم آل محمد يبعث الله مهديَّهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم».(1)
أو وراثة الصالحين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ 105 إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ 106﴾ الأنبياء/105ـ106، عن القمي قال: «الكتب كلها ذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، قال قال القائم عليه السلام وأصحابه قال والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعاء».(2)
ومرة يسميها الإيمان بالغيب:﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ 3﴾ البقرة/2ـ3، روى الصدوق بإسناده عن يحيي بن أبي القاسم قال: سألت الصادق عليه السلام عن هذه الآية؟ فقال: «المتقون شيعة علي عليه السلام وأما الغيب فهو الحجة الغائب وشاهد ذلك قوله تعالى:﴿وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ﴾ .
ان انتظار المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أمر غير جديد في الأديان السماوية بل هو من جملة الإيمان بالغيب الذي دُعي إليه المؤمنون منذ اقدم العصور فلا بد من مجيء ذلك اليوم الذي يظهر فيه المنقذ ليخلص الإنسانية من الأغلال
والقيود الفكرية والاجتماعية التي انحرفت بها عن طريق الهدى وصدتها عن ان تمضي قُدما في حركة تهذيب النفوس وإصلاح الأخلاق، فان الأشرار أهلكوا الحرث والنسل إلى حد ان لا يُولَد في بعض المجتمعات إلا فاجرٌ كفارٌ، وصدق عز وجل حيث يقول﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 41 قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ 42﴾ الروم/41ـ42.
قالوا: لا نظنُّ آت! فأجابهم التاريخ أفلم تنظروا إلى البشارة بمحمد صلى الله عليه وآله وبمبعثه من مكة بعد طول فترة ويأس: ﴿ يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المائدة/19.
قالوا: لا نظنه يستطيع! هل نسوا:﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ 17 حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 18 فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ 19﴾ النمل/17ـ19.
***
بين يدي القارئ الكريم تسع مقالات وأبحاث حول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كتبها العلامة المحقق السيد سامي البدري خلال خمسين سنة من حركته العلمية أي منذ سنة 1970م.
وقد تنوعت جوانب الدراسة عنده حول العقيدة المهدوية بتنوع الآفاق القرآنية التي توصل إليها حول حركة أنبياء الله العظام من آدم إلى الخاتم بالأخص نوح وإبراهيم عليهما السلام وخط الأصل (بنو إسماعيل) وخط النافلة (بنو إسرائيل) وخصائص المسار الزمني لهذين الخطين ومعالم الجغرافيا التاريخية التي كانت مسرحا لهذه الحركة، كما أن لانفتاح العلامة البدري على المناهج والأدوات العلمية الموسعة في دراسة المتون المقدسة ضمن بحثه عن الأنبياء السابقين والبشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام أثرا واضحا في بلورة جوانب عديدة وجديدة في مسار البحث في الموضوع المهدوي وتجديد آفاق البحث فيه.
ولقد كانت أبحاث العلامة البدري متناثرة على شكل مقالات وأبحاث في صحف أو مؤتمرات أو محاضرات جاءت فكرة جمع ما امكن جمعه في حلة واحدة ليَتيسَّر للباحثين والمتابعين والقراء الكرام.
وقد جمعنا في هذه المجموعة تسع أبحاث:
البحث الأول: «حول المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف والأطروحة الإلهية لآخر الزمان». ألقي قسم من هذا البحث في ندوة فكرية أقامتها مؤسسة الإمام الخوئي رحمه الله الخيرية في 14شعبان 1421هـ وألقي القسم الآخر منه في الملتقى الفكري الثاني عشر الذي أقامه المركز الإسلامي في انجلترا بتاريخ 22شعبان/1421هـ. ونشر هذا البحث في مجلة فجر عاشوراء الثقافي العدد المزدوج 4و5.
يعالج العلامة البدري في هذا البحث عنوان «آخر الزمان» أو «نهاية
التاريخ» الذي عُني به الكثير من المفكرين والفلاسفة؛ من وجهة نظر دينية، ويستعرض مقولات أهل الكتاب والمسلمين حول القائد المرتقب ظهوره في تلك المرحلة ذاكرا أقوال أربعة مقارنا فيما بينها مع تمييز القدر المتفق عليه عن القدر المختلف فيما بينهم، وكذلك يستعرض مناهج الاستدلال والأساس الموضوعي لتمييز الصادق عن المدعي ويستعرض أيضا خصائص دولة القائد الإلهي عجل الله تعالى فرجه الشريف المُرتقبة، وبالنهاية كانت إحدى أهم النتائج التي توصل إليها: إن فكرة نهاية التاريخ وانتظار القائد الموعود يمكن أن تتحول إلى مشروعٍ جادٍ للحوار بين أتباع الديانات من المسلمين وأهل الكتاب.
البحث الثاني: «المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن والتوراة والإنجيل»، ألقيت هذه المحاضرة في احتفال جماعة علماء المسلمين في أوربا في المركز الإسلامي في إنجلترا في ليلة 15شعبان سنة 1422هـ.
يستعرض هذا البحث جانبا من النصوص التي تذكر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الكتب المقدسة: القرآن والتوراة والإنجيل، مبيِّنا أن طريقة القرآن الكريم تعتمدُ التصريح بالحدث وذكر الصفات والعلامات والغاية ولكنها توكل ذكر الاسم إلى السنة المطهرة، وقد تناول البحث مقاطع قرآنية ستة مع بسط الكلام حول المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في سورة الأنبياء، أما المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في أسفار العهد القديم (التوراة) فقد ذكر الباحث نصا من سفر «المزامير» وكذلك نصا من سفر «ملاخي» مع ربطها بالمقطع القرآني (الآية 157-158) من سورة الأعراف، أما في العهد الجديد فقد
تناول العلامة البدري نصوصا من إنجيل مرقص وبعض رسائل بولوس مع ربطها بالمقطع القرآني (21ـ 26) من سورة السجدة. يُذكر أن العلامة البدري له بحوث متخصصة ومقارنة استمرت لأكثر من ثلاثين سنة في الكتب المقدسة ومصادر أهل الكتاب بلغاتها الأصلية، ويتم إعداد كتاب يشتمل على مجموعة مقالاته وأبحاثه في هذا العلم يصدر قريبا إن شاء الله تعالى.
البحث الثالث: «المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو التاسع من ذرية الحسين عليه السلام نظير نوح عليه السلام التاسع من ذرية آدم عليه السلام»، مقال نشر في مناسبة الزيارة الأربعينية سنة 2017.
يتناول هذا البحث الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بصفته أحد مفردات ظاهرة تكرر الخصوصيات التكوينية الرسالية في آدم والحسين عليه السلام بما أنها نحو من أنحاء الوراثة «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله»، هذه الوراثة التي شكلت اهتمامَ خالق الإنسان بهدايته، فإن آيات الله تعالى لا تقتصر على جانب التكوين بل هي شاملة أيضا لحركة تاريخ الإنسان منذ بدايتها إلى منتهاها وبشكل خاص في حركة الأنبياء وأوصيائهم، وقد أبدع المؤلف في هذا البحث الشيق حين تناول مفردات عدة في بلورة هذا التناظر، منها: العدد والأرض والعمر الطويل ومكان الاستقرار وبناء الحياة الجديدة.
البحث الرابع: «المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الطالب بدم الحسين عليه السلام»، نشر في كتاب بحوث في النهضة الحسينية سنة 2017.
يتناول هذا البحث مفهوم وحقيقة أن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو «الطالب بدم
المقتول بكربلاء» في آخر الزمان ومعناه ومصاديقه حسب الروايات التي جاءت عن أهل البيت عليهم السلام، وأن في آخر الزمان سيكون خطان، الأول: يتفجع لقتل الحسين عليه السلام ويعمل بفقه أبنائه التسعة المعصومين ومعهم المستضعفون من الشعوب الأخرى، والثاني: خط يقوده الطاغية السفياني الشامي ومن تحالف معه الذين سفكوا الدماء البريئة.
البحث الخامس: «المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والغرب»، محاضرة ألقيت في المجمع البحراني في قم المقدسة عام 1410هـ.
يتناول المؤلف في هذا البحث الطُّرق المتصوَّرة والقريبة من الواقع التي تنسجم مع طبيعة الأشياء التي يمكن أن يتخذها الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لإثبات عمره الطويل، وجاءت دراسة هذه الطرق بالنظر إلى أن الغرب قد تسلح بعلوم تمكنه من تقدير عمر الأشياء وذلك حين انفتح على علم الآثار وسائر العلوم المساعدة له وقدّم تفسيرا ماديا لنشأة الإنسان وحركة التاريخ مقطوع الصلة عن الصانع الحكيم، واتخذ من اكتشافه لتلك العلوم سبيلا للغلو في الابتعاد عن الدين وخط الأنبياء ونشر ذلك التفسير المادي للكون والحياة، وانطلاقا من هذا الواقع يأتي ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كآية هادية للناس ومُنقذة لهم من الضلال والانحراف الفكري المادي الناتج عن الانبهار بالعلم، باعتبار أن مظهره عجل الله تعالى فرجه الشريف حين الظهور سوف يخرق القوانين الطبيعية التي تعرَّف عليها البشر في علم الشيخوخة (Gerontology) وهي أن مرور الزمن على الإنسان يحدث فيه تغييرات في وظائف الجسم وأخرى نفسية سلوكية واجتماعية، فإن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على
الرغم من تجاوز عمره عشرات القرون ولكنه قد توقفت عن التأثير فيه عوامل الشيخوخة وذلك بإذن الله.
البحث السادس: «الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف»، نشر هذا البحث في كتاب شبهات وردود الحلقة الرابعة، سنة 1421هـ.
اعتمد العلامة البدري في هذا البحث المنهج التاريخي والنقدي في مناقشة ادعاءات وشبهات أحمد الكاتب مثل: ادعاؤه بأن الشيعة أصابتهم الحيرة في القرن الرابع حول ولادة ووجود المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والعقيدة به مما أدى إلى تفرقهم، وأن الدليل المعتمد عند الشيعة حول وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يستند إلى معطيات حسية بل هو دليل فلسفي بحت، وأن الدافع الرئيس للقول بوجود ولد للإمام الحسن العسكري عليه السلام وغيبته هو تصحيح ما اعتقد به الشيعة من قانون الوراثة العمودية في الإمامة، وأن روايات أهل ا لبيت عليهم السلام التي سبقت عصر الغيبة لا تتحدث عنها وغير ها من الشبهات.
وقد ناقش المؤلف حفظه الله هذه الشبهات بأسلوب علمي رصين مستندا إلى النصوص القديمة للعلماء الذين عاشوا في القرن الثالث والرابع والكتب التي ألفوها في تلك الفترة من الفريقين، وكذلك استند المؤلف في ردوده إلى عشرات النصوص الحديثية، والعديد من كلمات المتكلمين الشيعة الأوائل، كما أن المؤلف قد راعى إلى جانب الموضوعية في ردوده ومناقشاته أخلاقية البحث في أمرين، الأول: في نقل نصوص الشبهات بما تستوعب فكرة مدعيها، والثاني: الابتعاد عما هو غير علمي في التعابير
وأسلوب المناقشة، وقد نالت هذه الردود إعجاب و إكبار العلماء أذكر منهم آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم وآية الله العظمى الشيخ الصافي الكلبايكاني وآية الله العلامة السيد مرتضى العسكري وآية الله الشيخ مجتبى العراقي وآية الله السيد كاظم الحائري وآية الله الشيخ محمد هادي معرفت وغيرهم، وأيضا المؤسسات العلمية المهدوية مثل: مؤسسة انتظار نور ومؤسسة موعود و مؤسسة آینده روشن وغيرها، كما أنه قام بإعادة طبع كتاب شبهات وردود المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام، وأيضا أذكر أن جملة من أفاضل الحوزة العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة قاموا بتدريسه في بعض دروسهم.
البحث السابع: «موقع الخامس عشر من شعبان في المسيرة الإلهية». كتب في سنة 1980م وتم تعديله عدة مرات.
يتناول هذا البحث الوصفي التحليلي المختصر: هدف الغيبة الصغرى وما مُني به الشيعة من امتحان واختبار صعب، تجلي خصائص أربعة لهم في عصر الغيبة الكبرى، إنجازات الفقهاء في الغيبة الكبرى.
البحث الثامن: «فجرُ عاشوراءَ ظهورِ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف»، نشر في كتاب بحوث في النهضة الحسينية سنة 2017.
يتناول العلامة البدري في هذا البحث القرآني قضية مغمورة نادرا ما يتم الحديث عنها بهذا الوضوح وهي فجر عاشوراء في التاريخ، فانه يتبوأ موقعا إلهياً في تاريخ حركة النبوات، ينطلق هذا البحث من المقطع القرآني في أول سورة الفجر ويبحث فجر عاشوراء آل إبراهيم في ذي القعدة
وفجر عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله في محرم وفجر عاشوراء المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حين الظهور الذي سوف يشكل إيذاناً بالحرب على أئمة الضلال وأهل الجور والراضين بأفعالهم.
البحث التاسع: «خلاصة في علم الاستشراف المهدوي»، محاضرة ألقيت في مهرجان السفير مسجد الكوفة الأربعاء السادس من شوال 1434هـ الموافق14/8/2013م.
يُعد هذا البحث المختصر من أكثر الأبحاث ابتكارا عند العلامة البدري عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث يسلِّط الضوء فيه على منهجية استشراف عصر ا لظهور واعتماد معطيات خمسة علوم: علم العقائد وعلم المراحل المقدرة لمسيرة البشرية وعلم الملاحم والفتن وعلم التاريخ وعلم الاستشراف السياسي، ويكشف هذا البحث عن آلية الارتباط بين هذه العلوم، والغرض والفائدة من علم الاستشراف المهدوي، وخلاصة مكثفة بالمقولات الأساسية في هذا العلم ومن ثم مخطط مشروع البحث فيه.
وقد كان عملُنا في مجموعة الأبحاث هذه بعد جمعها تخريج الكثير من النصوص والتصحيح الإملائي وتقويم بعض العبارات.
والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
د. السيد حسين البدري
مسؤول وحدة الأبحاث والاصدارات
16شعبان 1442 هـ الموافق لـ 30/3/2021 النجف الأشرف
البحث الأول:حول المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف والأطروحة الإلهية لآخر الزمان(1)
ارتباط قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بنهاية حركة التاريخ:
آخر الزمان هو تعبير آخر عن المرحلة النهائية لحركة التاريخ، وقد عني بها الفلاسفة الوضعيون عموما والماركسيون خصوصا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وكان افضل ما قدمته الماركسية للفكر البشري هو تبنيها للحتمية التاريخية(2)ومحاولتها اكتشاف سنن التاريخ ومراحله
(1) ألقي قسم من هذا البحث في ندوة فكرية أقامتها مؤسسة الإمام الخوئي رحمه الله الخيرية في 14شعبان 1421هـ في انجلترا وألقي القسم الآخر منه في الملتقى الفكري الثاني عشر الذي أقامه المركز الإسلامي في انجلترا بتاريخ 22شعبان/1421هـ. ونشر هذا البحث في مجلة فجر عاشوراء الثقافي العدد المزدوج 4و5، و هو في هذا الكتاب مصحح ومنقح.
(2) هناك نوعان من الحتمية: أ. الحتميّة في الطبيعة: ويراد بها القول بوجود علاقات ضرورية ثابتة في الطبيعة توجب أن تكون كلّ ظاهرة من ظواهرها مشروطة بما يتقدّمها أو يصحبها من الظواهر الأخرى. ومعنى ذلك أنّ القول بالحتمية ضروريّ لتعميم نتائج الاستقراء العلمي، فلولا اعتقادنا أنّ ظواهر الطبيعة تجري وفق نظامٍ كلّيٍّ دائم لما استطعنا أن نعمّم نتائج الاستقراء. ب. الحتميّة التأريخيّة: ونريد بها الوقوع الضروري للحدث التأريخي، أو الاتجاه التأريخي، بمعنى أنّهما لو توفّرت الشروط التي توجب حدوثهما لحدثا اضطراراً.(المعجم الفلسفي، مصطلح الحتمية). ويوجد في الفكر البشري موقفان من الحتمية التأريخية: الأوّل: موقف ينادي بالحتمية التأريخية، ويدعو إلى استخلاص الأحكام الكلّية التي تمكنّ من التنبّؤ بما سيحدث في المستقبل. (اُنظر في فلسفة التأريخ، أحمد محمود صبحي: 36).الثاني: موقف ينكر الحتمية التأريخية ويرفضها، مدّعياً عدم إمكانية استخلاص قوانين كلّية للتأريخ، ومن ثمّ التنبّؤ بالحوادث التأريخيّة أو الاتجاه التأريخي على أساسها (انظر في فلسفة التأريخ، أحمد محمد صبحي: 41 – 55).
وتنبيهها إلى أهمية معرفة قوانين التاريخ في النبوءة باتجاه حركة التاريخ ونتائجها ودور هذه المعرفة في الارتقاء بوعي الإنسان وتفعيل حركته الإيجابية باتجاه المرحلة التاريخية التي يرتقبها، غير أن الماركسية كانت قد تورطت في خطأ قاتل حين أنكرت وجود الله تعالى وتعاملت مع حركة النبوات من خلال الصيغ المحرفة للدين الإلهي ومن ثم فشلت في اكتشاف المراحل العامة لحركة التاريخ واكتشاف السنن التي تنقل الواقع من مرحلة إلى أخرى ثم تقف به عند نهايته المحتومة.
ولئن انفتح الفكر البشري الوضعي من خلال الفكر الماركسي في القرن التاسع عشر الميلادي على إدراك الحتمية التاريخية ومن ثم العمل على اكتشاف مراحل التاريخ الحتمية والقوانين العامة للتاريخ ثم اخطأ في اكتشافها(1)، فإنّ الفكر النبوي منذ انطلاقته الأولى قبل آلاف السنين قد بنى تصوراته عن حركة المجتمع البشري على أساس هذه الحتمية وقدم فكرة واضحة عن سنن التاريخ و مراحله، وقد احتفظ التراث الديني لليهود
والنصارى والمسلمين بنصوص مشتركة حول ذلك، ويستطيع الباحث أن يقول إن هذه القضية هي إحدى أهم القضايا الأساسية المشتركة بين الأديان الثلاثة.
وهنا أود أن أؤكد أنَّ النصوص الدينية التي يحفل بها تراث الأديان الثلاثة يقدم بالإضافة إلى ذلك معلومات موحدة عن الشخوص التاريخيين الذين تتقوم بهم حركة التاريخ ونهايتها، فلسنا فقط أمام فكرة مشتركة حول نهاية حركة التاريخ بل أمام تصورات مشتركة عن بداية التاريخ وعن هوية أبطال كل مرحلة يمكن استفادتها من تلك النصوص.
نعم بلحاظ هذه النصوص التي تتحدث عن الأشخاص التاريخيين وجدت قراءات وتفسيرات مختلفة جعلتنا أمام مصاديق مختلفة للفكرة الواحدة والباب مفتوح لحوار علمي هادئ بين الأديان الثلاثة واتجاهاتها الداخلية لبحث سبل الوصول إلى القراءة الموحدة لتلك النصوص.
وفي ضوء هذه المقدمة نستطيع القول:
إن قضية المهدي الموعود الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام من ذرية الحسين المظلوم عليه السلام ترتبط أساسا بنهاية حركة التاريخ وسننها كما تقدمها الحركة النبوية ككل من خلال وثائقها الأساسية القرآن الكريم والتوراة والإنجيل.
وإن الحركة الشيعية تدعي من خلال تراثها المعتبر أن المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف بطل نهاية التاريخ الذي تشخصه النصوص الشيعية بمحمد بن الحسن العسكري عليهما السلام من ذرية الحسين المظلوم عليه السلام هو نفسه الذي تشخصه النصوص الدينية المسيحية واليهودية.
دليلنا على هذا التصور ما يؤكده القرآن الكريم من أن نهاية التاريخ المشرقة أمر حتمه الله تعالى وبينه في القرآن الكريم وفي كتبه التي أنزلها على الأنبياء السابقين، وتأكيد القران الكريم على أن خبر بعثة النبي المكي صلى الله عليه وآلهموجود في التوراة والإنجيل وتأكيد أهل البيت عليهم السلام في أخبارهم أن الكتب السابقة بشرت بمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وأن عليا والحسين والمهدي عليهم السلام قد ذُكروا في الكتب السابقة كما ذكر النبي صلى الله عليه وآله.
الأفق المتفق عليه بين أهل الديانات السماوية الثلاث حول نهاية التاريخ:
يتفق أتباع الديانات السماوية الثلاث المسلمون والنصارى واليهود على الإيمان بأن المستقبل النهائي لمسيرة الحياة على الأرض هي انتصار أطروحة الإيمان على أطروحة الكفر وسيادة الحق والعلم والعدل الاجتماعي وعبادة الله تعالى ووراثة الأرض من قبل الصالحين وانتهاء الخرافة والضلال والظلم وكل أشكال الانحراف.
ويتفقون أيضا على أن الشخص الذي سيحقق الله على يده العهد هو من ذرية إبراهيم عليه السلام.
وأن الشريعة التي يحكم بها هذا الشخص ليست هي شريعة موسى عليه السلام وانما هي شريعة النبي الذي سيبعثه الله تعالى إلى الأزمنة الأخيرة(1) هذا
النبـي الذي ينتظره الأميون.
ففي القرآن الكريم قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ 105 إِنَّ فِي هذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ106﴾ الأنبياء/105-106
وفي الكتاب المقدس المزمور السابع والثلاثين لداود:
«1 لاَ يُقْلِقْكَ أَمْرُ الأَشْرَارِ، وَلاَ تَحْسِدْ فَاعِلِي الإِثْمِ، 2. فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعاً يَذْوُونَ، وَكَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ. 3. تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ. اسْكُنْ فِي الأَرْضِ (مُطْمَئِنّاً) وَرَاعِ الأَمَانَةَ. 4. ابْتَهِجْ بِالرَّبِّ فَيَمْنَحَكَ بُغْيَةَ قَلْبِكَ. 5.سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فَيَتَوَلَّى أَمْرَكَ. 6.يُظْهِرُ بَرَاءَتَكَ كَالنُّورِ، وَحَقَّكَ ظَاهِراً كَشَمْسِ الظَّهِيرَةِ. 7. اسْكُنْ أَمَامَ الرَّبِّ وَانْتَظِرْهُ بِصَبْرٍ، وَلاَ تَغَرْ مِنَ الَّذِي يَنْجَحُ فِي مَسْعَاهُ، بِفَضْلِ مَكَائِدِهِ. 8.كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَانْبُذِ السَّخَطَ، وَلاَ تَتَهَوَّرْ لِئَلاَّ تَفْعَلَ الشَّرَّ. 9.لأَنَّ فَاعِلِي الشَّرِّ يُسْتَأْصَلُونَ. أَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ خَيْرَاتِ الأَرْضِ. 10فَعَمَّا قَلِيلٍ (يَنْقَرِضُ) الشِّرِّيرُ، إِذْ تَطْلُبُهُ وَلاَ تَجِدُهُ. 11أَمَّا. الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ خَيْرَاتِ الأَرْضِ وَيَتَمَتَّعُونَ بِفَيْضِ السَّلاَمِ…16. الْخَيْرُ الْقَلِيلُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الصِّدِّيقُ أَفْضَلُ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ، 17لأَنَّ سَوَاعِدَ الأَشْرَارِ سَتُكْسَرُ، أَمَّا الأَبْرَارُ فَالرَّبُّ يَسْنِدُهُمْ. 18الرَّبُّ عَلِيمٌ بِأَيَّامِ الْكَامِلِينَ، وَمِيرَاثُهُمْ يَدُومُ إِلَى الأَبَدِ….27حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ، فَتَسْكُنَ مُطْمَئِنّاً إِلَى الأَبَدِ. 28لأَنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ الْعَدْلَ، وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِيَائِهِ، بَلْ يَحْفَظُهُمْ إِلَى الأَبَدِ. أَمَّا ذُرِّيَّةُ الأَشْرَارِ فَتَفْنَى. 29الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ خَيْرَاتِ الأَرْضِ وَيَسْكُنُونَ فِيهَا إِلَى الأَبَدِ. 30فَمُ الصِّدِّيقِ يَنْطِقُ دَائِماً بِالْحِكْمَةِ، وَيَتَفَوَّهُ بِكَلاَمِ الْحَقِّ 31شَرِيعَةُ إِلَهِهِ ثَابِتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَلاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ. 32يَتَرَبَّصُ الشِّرِّيرُ بِالصِّدِّيقِ وَيَسْعَى إِلَى قَتْلِهِ. 33لَكِنَّ الرَّبَّ
لاَ يَدَعُهُ يَقَعُ فِي قَبْضَتِهِ، وَلاَ يَدِينُهُ عِنْدَ مُحَاكَمَتِهِ. 34انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاسْلُكْ دَائِماً فِي طَرِيقِهِ، فَيَرْفَعَكَ لِتَمْتَلِكَ الأَرْضَ، وَتَشْهَدَ انْقِرَاضَ الأَشْرَارِ.35قَدْ رَأَيْتُ الشِّرِّيرَ مُزْدَهِراً وَارِفاً كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي تُرْبَةِ مَوْطِنِهَا، 36ثُمَّ عَبَرَ وَمَضَى، لَمْ يُوجَدْ. فَتَّشْتُ عَنْهُ فَلَمْ أَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ. 37لاَحِظِ الْكَامِلَ وَانْظُرِ الْمُسْتَقِيمَ، فَإِنَّ نِهَايَةَ ذَلِكَ الإِنْسَانِ تَكُونُ سَلاَماً. 38أَمَّا الْعُصَاةُ فَيُبَادُونَ جَمِيعاً. وَنِهَايَةُ الأَشْرَارِ انْدِثَارُهُمْ، 39لَكِنَّ خَلاَصَ الأَبْرَارِ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، فَهُوَ حِصْنُهُمْ فِي زَمَانِ الضِّيقِ. 40يُعِينُهُمُ الرَّبُّ حَقّاً، وَيُنْقِذُهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ، وَيُخَلِّصُهُمْ لأَنَّهُمُ احْتَمَوْا بِهِ».
اختلاف المسلمين عن النصارى واليهود في هوية القائد الإلهي الموعود وكتابه:
ويختلف المسلمون عن اليهود والنصارى في هوية الشخص الذي يجري الله تعالى على يده هذا الحدث العظيم المرتقب وفي الأمة التي ينطلق منها ذلك القائد الإلهي الكبير وفي الشريعة الإلهية التي يعمل بها ويطبقها.
فيعتقد المسلمون جميعا بأنه من ذرية إسماعيل عليه السلام من ذرية محمد صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء من فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وآله. وأن أمة هذا القائد هي أمة محمد صلى الله عليه وآله وأن شريعته هي شريعة محمد صلى الله عليه وآله.
روى أبو داود وابن ماجة وابن حنبل والطبراني والحاكم في المستدرك وغيرهم، قول النبي صلى الله عليه وآله: «لو لم يبق من الدهر (الدنيا) إلا يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها (الأرض) عدلا كما ملئت جورا».
وقوله صلى الله عليه وآله أيضا: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».
ويعتقد اليهود والنصارى أنه من ذرية إسحاق عليه السلام من ذرية يعقوب عليه السلام ومن ذرية داود عليه السلام.
ويقول النصارى بأن هذا القائد الإسرائيلي هو المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام وأنه قتل على يد اليهود ثم أحياه الله تعالى وأقامه من الأموات ورفعه إلى السماء و سينزله في آخر الدنيا ليحقق به وعده.
اما اليهود فيقولون إنه لم يولد بعد.
قال المفسر اليهودي كنعان ايل في تعليقته على الفقرة 20 من الإصحاح 17 من سفر التكوين التي تشير إلى وعد الله تعالى في إسماعيل عليه السلام وهي: «أما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ها أنا ذا أباركه وأنميه وأكثره جدا جدا ويلد اثني عشر رئيسا وأجعله أمة عظيمة».
«We see from the prophecy in this verse, that 2337 years elapsed before the Arabs, Ishmael’s descendants, became a great nation (with the rise of Islam in 624 C.E.)… Throughout this period, Ishmael hoped anxiously, until finally the promise was fulfilled and they dominated the world.
We the descendant of Isaac, for whom the fulfillment of the promises made to us is delayed due to our sins… should surely anticipate the fulfillment of God’s promises and not despair».(1)
وترجمته كما يلي:
«نلاحظ من هذه النبوءة في هذه الآية أنّ 2337 سنة مضت قبل أن يصبح العرب ـ سلالة إسماعيل ـ أمة عظيمة [بظهور الإسلام سنة 624م] في هذه الفترة انتظر إسماعيل بشوق حتى تحقق الوعد الإلهي أخيرا وسيطر العرب على العالم.
أما نحن ذرية إسحاق فقد تأخر تحقق الوعد الذي أعطي لنا بسبب ذنوبنا. من المؤكد أن هذا الوعد الإلهي سيتحقق فيما بعد فلا نيأس».(1)
وفي سفر اشعياء:
« 11: 1: وَيُفْرِخُ بُرْعُمٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ جُذُورِهِ،
2: وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفِطْنَةِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَمَخَافَتِهِ. 3وَتَكُونُ مَسَرَّتُهُ فِي تَقْوى الرَّبِّ، وَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ مَا تَشْهَدُ عَيْنَاهُ، وَلاَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضَى مَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ، 4إِنَّمَا يَقْضِي بِعَدْلٍ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحَكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيُعَاقِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ، 5لأَنَّهُ سَيَرْتَدِي الْبِرَّ وَيَتَمَنْطَقُ بِالأَمَانَةِ. 6فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْحَمَلِ،
(1) (كنعان ايل) (Chananel) صاحب النص الآنف الذكر هو رأس علماء اليهود في القيروان (ت1055م) (447هـ) مؤلف أحد أشهر تفاسير التلمود وتفسير للأسفار الخمسة الأولى من التوراة، وقد استشهد بآرائه المفسرون من بعده منهم المفسر (بكيا) (Bachya) (1263-1340م)(662-741م) وقد احتوى تفسيره على أربعة مناهج من التفسير، وهي المنهج الظاهري والمنهج المدراشي والمنهج الفلسفي والمنهج الصوفي واحتوى تفسيره على آراء كنعان ايل.
وَيَرْبِضُ النِّمْرُ إِلَى جِوَارِ الْجَدْيِ، وَيَتَآلَفُ الْعِجْلُ وَالأَسَدُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ مَعْلُوفٍ مَعاً، وَيَسُوقُهَا جَمِيعاً صَبِيٌّ صَغِيرٌ. 7تَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالدُّبُّ مَعاً، وَيَرْبِضُ أَوْلاَدُهُمَا مُتجَاوِرِينَ، وَيَأْكُلُ الأَسَدُ التِّبْنَ كَالثَّوْرِ، 8وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ فِي (أَمَانٍ) عِنْدَ جُحْرِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الفَطِيمُ يَدَهُ إِلَى وَكْرِ الأَفْعَى (فَلاَ يُصِيبُهُ سُوءٌ). 9لاَ يُؤْذُونَ وَلاَ يُسِيئُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِيءُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تَغْمُرُ الْمِيَاهُ الْبَحْرَ.
10: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَنْتَصِبُ أَصْلُ يَسَّى رَايَةً لِلأُمَم ِ، وَإِلَيْهِ تَسْعَى (واياه تنتظر) جَمِيعُ الشُّعُوبِ (Gentiles)، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ مَجِيداً».
والقول الفصل فيما اختلف فيه المسلمون عن النصارى واليهود بشأن القائد الموعود وهل هو من ذرية إسحاق عليه السلام أو ذرية إسماعيل عليه السلام يكون من خلال التحقيق في ثلاث مسائل:
الأولى: من هو النبي الذي ينتظره الأميون هل هو عيسى عليه السلام أم محمد صلى الله عليه وآله؟
الثانية: من هو الوارث الأبدي لإمامة إبراهيم عليه السلام هل هو إسماعيل عليه السلام والأصفياء من ذريته أم إسحاق عليه السلام والأصفياء من ذريته؟
الثالثة: من هو القائد الإلهي الذي سيتعرض لمحنة الذبح بلا ذنب ويكون قتله سببا لهداية كثيرين كما يكون قتله سببا لحفظ الدين ونشره كما يكون من ذريته نسل تطول أيامه يتحقق على يده الغد المشرق في تاريخ البشرية؟
والمسالتان الأوليان بَحَثهما علماء المسلمين وعرف الحق فيهما الكثير من
علماء اليهود والنصارى وأعلنوا اتباعهم للنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام .(1)
أما المسالة الثالثة فقد قامت المسيحية البولسية على تفسير النصوص التي تتحدث عن رجل الآلام والمحن المذبوح كما يذبح الكبش على أنه عيسى بن مريم عليهما السلام إلا أن النص يأبى الانطباق عليه؛ لأن عيسى عليه السلام لم يكن له نسل سواء أطالت أيامه أم قصرت .(2)
أما لفظة (يسَّى) التي تشير إلى والد داود عليه السلام في النص الآنف الذكر فإنه بعد استقرارا المسائل الثلاث الآنفة الذكر يصبح من السهل اكتشاف تحريفها،وكونها في الأصل تشير إلى محمد صلى الله عليه وآله وولده المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
اختلاف الشيعة عن السنة في قضية القائد الموعود:
يعتقد الشيعة أن هذا القائد الموعود هو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام الذي ولد سنة 255 هجرية وقد نص أبوه الحسن العسكري عليه السلام على إمامته، ثم غاب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بإذن الله تعالى غيبتين صغرى وكبرى نظير غيبتي عيسى عليه السلام :
الأولى: وهي الغيبة الصغرى وقد كانت حينما أنجاه الله تعالى من مكر السلطة العباسية فكان يعيش حالة الاختفاء منذ ولادته حيث أخفاه أبوه عليه السلام وبعد وفاة أبيه سنة 260ه صار يوجه شيعة أبيه بواسطة وكلائه
النواب الأربعة الذين استمرت نيابتهم تسعا وستين سنة (260-329ه).
الثانية: وهي الغيبة الكبرى التي بدأت بعد موت النائب الرابع علي بن محمد السمري رضي الله تعالى عنه وقد أخبر الشيعة عند موته بعدم وجود نائب خاص بعده حتى يظهر الله تعالى وليه في آخر الزمان.
ويرى أهل السنة أن المهدي لم يولد بعد بل يولد في آخر الزمان.
والقول الفصل فيما اختلف فيه الشيعة عن أهل السنة بشأن القائد الموعود وهل هو مولود حقا وهو ابن الحسن العسكري عليه السلام؟ أو سوف يولد في آخر الزمان يكون من خلال التحقيق في مسالة وجود أوصياء معصومين للنبي صلى الله عليه وآله وأن شيعة هؤلاء الأوصياء مصدَّقون في النقل عن أئمتهم عليهم السلام شأنهم في ذلك شأن اتباع المذاهب الأخرى حينما ينقلون عن أئمتهم عليهم السلام مسائل الفقه ومسائل التاريخ الخاص بهم.
وقد أجمع جمهور الشيعة منذ أقدم عصورهم على أن أئمتهم عليهم السلام قد نص النبي صلى الله عليه وآله عليهم وبين عددهم وأن الأئمة عليهم السلام قد نص السابق منهم على اللاحق وأن الحسن العسكري عليه السلام أخبر أن له ولد وأنه وصيه وأنه المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.(1)
وقد استدل الشيعة على مسالة النص من النبي صلى الله عليه وآله على الإمامة الإلهية لأهل بيته عليهم السلام بحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرها واستدلوا على عددهم بحديث الاثني عشر واستدلوا على أن أول الأئمة الإلهيين هو علي عليه السلام ثم الحسن عليه السلام ثم الحسين عليه السلام بحديث الغدير وحديث المنزلة
وحديث الكساء وحديث الحسن والحسين سبطان من الأسباط وكلها مروية في كتب الحديث السنية المعتبرة.
أما إمامة التسعة من ذرية الحسين عليهم السلام فقد استدلوا عليها:
1. بأحاديث الوصية في كتب الشيعة المعتبرة كقول الإمام الباقر عليه السلام: «يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي عليه السلام تاسعهم قائمهم» رواه الكليني. وقول الإمام الصادق عليه السلام «أترون أن الموصي منا يوصي إلى من يريد؛ لا والله ولكنه عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه». وفي لفظ آخر «إلى أن ينتهي إلى صاحب هذا الأمر».(1)
2. وبالواقع التاريخي الذي تميزت به سيرة هؤلاء التسعة عليهم السلام من وراثة الجامعة وصحف الملاحم (الجفر) التي كتبها علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في لقاءاتهما الخاصة وما جرى على يدهم من الإخبار بالمغيبات والكرامات التي لا يجريها الله تعالى إلا على يد أصفيائه المؤيدين بتأييد خاص منه.
وقد حاول الأخوة من أهل السنة رد فكرة النص من النبي صلى الله عليه وآله على الأئمة عليهم السلام وعلى أولهم علي عليه السلام بمنع دلالة أو تضعيف أسانيد النصوص النبوية التي يستشهد بها الشيعة على دعواهم، وقد قابلهم علماء الشيعة بمناقشة ردودهم وبيان خطئها.
وقد حاول البعض من فرق الشيعة خاصة الزيدية ردَّ فكرة الإثني عشرية وقابلهم علماء الشيعة بالرد عليهم أيضا.
وحاول بعض المعاصرين من الكتاب رد فكرة ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
بدعوى أن القائلين بذلك هم واحد من اثنتي عشرة فرقة انقسمت إليها شيعة الحسن العسكري عليه السلام استنادا إلى كتابي فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري الشيعي وقد أجبنا عن ذلك مفصلا في كتابنا حول إمامة أهل البيت ووجود المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.(1)
الغيبة لا تعني تعطيل العمل بالأحكام الإسلامية
لم تكن الغيبة الكبرى للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف التي تجاوزت الألف سنة لتعني تعطيل العمل بأحكام الإسلام.
كيف يكون ذلك؟ لأن أصل مسالة وجود أوصياء للنبي صلى الله عليه وآله إنما هي الحفاظ على الإسلام ليبقى سليما ميسرا لمن أراد العمل به، وقد أدى الأئمة عليهم السلام وظيفتهم هذه على أتم وجه، وربوا حملة أمناء لعلومهم.
ولم يكن تسلَّم الحكم في المجتمع الإسلامي ككل من قبلهم إلا بعض شؤونهم ولم يتوفر الشرط الأساس لنهوض أغلبهم فيه وهو شرط وجود الناصر الكفوء وانقياده لهم كما أشار أمير المؤمنين عليه السلام «أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكاس أولها».
إن الغيبة كانت مكرا إلهيا في قبال مكر العباسيين الذين أرادوا قتل الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وأراد الله تعالى حفظه وادخاره لليوم الموعود.
ومن جانب آخر فإن من أبرز حِكَم الغيبةِ وأسرارِها الواضحة على
صعيد الأمة الخاصة ـ شيعة أهل البيت عليهم السلام ـ هي إتاحة الفرصة لحملة تراث الأئمة عليهم السلام ان يمارسوا مسؤولياتهم الفكرية والعلمية والسياسية ككل على أساس فهمهم البشري غير المعصوم للقرآن الكريم والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام.
وتأتي فكرة عودة المعصوم الغائب في آ خر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الاجتماعي والسياسي لتقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لتحقيق الوعد الإلهي الآنف الذكر.
ان مفهوم انتظار الفرج يرتبط بالمهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام الذي عاش مشردا مختفيا ولا زالت هذه الحالة ترافق وجوده الشريف «اللهم عجل فرج وليك الحجة بن الحسن عليه السلام»، ليس له ربط بالأمة الا من ناحية كونه قائدها المعصوم المعد لأداء وظيفة إلهية خاصة قدر الله لها ان تكون خاتمة المسيرة على الأرض كلها وان يعينه فيها النبي عيسى عليه السلام.
ويتضح من ذلك سر انحصار هذا المفهوم ضمن الدائرة الشيعية، إذ ان الدائرة السنية لا تؤمن بمهدي مولود غائب مشرد خائف طريد.
علامات الظهور:
الأخبار التي تتحدث عن علامات ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سواء في الكتب الشيعية أم في الكتب السنية تستهدف غالبا تشخيص زمن الظهور، ويوجد اتجاهان في دراستها:
الأول: يدرسها على انها تخبر بحوادث مستقلة عن بعضها البعض.
الثاني: يدرسها على انها تخبر عن وضع اجتماعي وسياسي وتكنولوجي يعيشه العالم قبيل الظهور، وبعبارة أخرى ترسم لنا حالة العالم السياسية والاجتماعية والتكنولوجية قبيل الظهور.
وفي ظل الاتجاه الثاني يتضح لأي باحث في علامات الظهور ان العالم اليوم اقرب من أي وقت مضى إلى عهد الظهور.
فمن الناحية التكنولوجية تحدثت الأخبار عن عالم فيه طائرات تنقل المسافرين من بلد إلى بلد وإذاعات بعدد شعوب العالم تستطيع بث الخبر الواحد في آن واحد للعالم أجمع وهاتف متلفز يسمع من في المشرق أخاه الذي في المغرب ويرى صورته،وكومبيوترات يدوية تحتوي على برامج متنوعة تغني حاملها عن اصطحاب آلاف الكتب.
ومن الناحية الاجتماعية تحدثت عن وضع اجتماعي للنساء تظهرن فيه كاسيات عاريات وهو كناية عن التبرج والسفور، وظهور أنواع من المنكرات مما لا يتصوره الإنسان قبل حدوثه.
ومن الناحية السياسية تحدثت عن كشف هيكل سليمان عليه السلام الذي يستلزم قيام دولة إسرائيل في قلب العالم العربي والإسلامي، وعن قيام دولة توطئ للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في المشرق، وعن ظهور دعوات مهدوية كاذبة وغير ذلك.
الأساس الموضوعي لتمييز الصادق الذي يدعي المهدوية من الكاذب:
الأساس الموضوعي الوحيد الذي يمكننا ان نعتمده هو المؤيدات الإلهية والمعجزة التي تجري على يد من يدعي المهدوية بعد تصديقه للنبوة الخاتمة وحركة آبائه اوصياء النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، كما هو الحال مع أي مدَّع للنبوة والرسالة وتختم هذه المؤيدات بظهور عيسى بن مريم عليهما السلام الذي قص القرآن علينا خبره انه يحيي الموتى ويبرئ الا كمه والأبرص. (1)
وبهذا الأساس يُقطع الطريق على كل حالة كاذبة سواء أتعمّد صاحبها الكذب أم وقع ضحية حالة كشف عرفاني كاذب من قبيل ما وقع للمهدي السوداني حين خيل إليه انه هو المهدي الموعود بما تجسد في خياله ان النبي صلى الله عليه وآله قد اخبره مباشرة بانه هو إذ قال في إحدى رسائله المؤرخة في 16شعبان 1299هجرية:
«اخبرني سيد الوجود ^ بأني المهدي المنتظر وخلفني عليه السلامبالجلوس على كرسيه مرارا بحضرة الخلفاء الأربعة والأقطاب والخضر عليه السلام، وايدني بالملائكة المقربين والأولياء الأحياء والميتين من لدن ادم إلى زماننا هذا وكذلك المؤمنين من الجن وفي ساعة الحرب يحضر معهم أمام الجيش سيد
(1) كثرت الأمراض المستعصية العلاج زمن المسيح عليه السلام وكانت من معجزاته انه عالج تلك الأمراض بالمسح عليها، وسيتكرر هذا الأمر بالظهور الثاني للمسيح عليه السلام إذ سيكون العالم قبيل ظهوره قد شاعت فيه ظاهرة المشوهين خلقيا بسبب أشعة الراديوم المستخدمة في الحروب ولعلنا نعيش إرهاصات هذه المرحلة وبخاصة بعد ان جربت الأسلحة الجديدة في حرب الخليج وينتظر الخبراء ظهور حالات التشوه الخلقي بسبب تلك الإشعاعات.
الوجود ^ بذاته الكريمة وكذلك الخلفاء الأربعة والأقطاب والخضر وأعطاني سيف النصر من حضرته ^ وأعلمت انه لا ينصر علي معه احد ولو كان الثقلين الأنس والجن ثم اخبرني سيد الوجود^ …بانه تخرج راية من نور وتكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل عليه السلام فيثبت بها أصحابي وينزل الرعب في قلوب أعدائي فلا يلقاني احد بعداوة الا خذله الله.
فمن له سعادة صدق صدِّق باني المهدي المنتظر ولكن الله جعل في قلوب الذين يحبون الجاه النفاق فلا يصدقون حرصا على جاههم…وأمرني سيد الوجود ^ بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير وامرني ان أكاتب بها جميع المكلفين أمرا عاما فكاتبنا بذلك الأمراء ومشايخ الدين فانكر الأشقياء وصدق الصديقون …وقد اخبرني سيد الوجود ^ بانه من شك في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله كررها ثلاث مرات، وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على المهدية الخ فقد أخبرني به سيد الوجود ^ يقظة في حال الصحة خاليا من الموانع الشرعية لا بنوم ولا جذب ولا سكر ولا جنون…».(1)
وقال في رسالة أخرى «…فلولا أني على نور من الله وتأييد من رسول الله ^ لما قدرت على شيء ولا ساغ لي ان احكي شيئا، وما أخبرت عن النبي ^ بما أخبرت الا بأمر من رسول الله وقد اخبرني ^ بأخبار ليست عند الأولياء ولا عند العلماء وليكن معلوما عندكم اني لا افعل شيئا الا بأمر
النبي ^ أو ملك الإلهام مأذونا من النبي ^ وقد اخبرني ^ ان الأمة تهتدي بي بدون المشقة التي حصلت له ^، واني مخلوق من نور عنان قلبه ^ وبشرني ^ ان أصحابي كأصحابه وان عوامهم لهم رتبة عند الله كرتبة الشيخ عبد القادر الجيلاني».(1)
فالملاحظ على فقرات الرسالتين هو انحصار الأدلة على صدق مدعي المهديّة بالصفة الذاتية وليس الموضوعية مضافا إلى عدم تحقق ما اخبر به من النصر المؤزر لحركته.
ان المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على التصور الشيعي إنسان مشخص وهو ابن الحسن العسكري عليه السلام ولد سنة 255 هجرية وعايش أهل الأرض من القرن الثالث الهجري والى القرن الخامس عشر الهجري والى ما شاء الله فلا بد له ان يثبت ذلك بطريقة موضوعية وهي:
أما جريان المعجزات على يده وقد جرت المعجزات على يد آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام ولم يكن آصف نبيا وذلك حين احضر عرش ملكة سبأ بأقل من لمح البصر﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ 38 قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ 39 قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ 40﴾ النمل/38-40.
أو يستخدم طرقا اعتيادية تكشف عن عمر صاحبها وهويته من قبيل ان يخبر- مثلا – أهل لندن انه مر من بلادهم في القرن العاشر الميلادي ووضع رسالة بخط يده على رق غزال في المنطقة الفلانية وكان في ذلك الوقت مكتبة المدينة ولكنها اندثرت بفعل عوامل مختلفة، ثم يخاطب الإنجليز بإمكانكم الحفر عدة أمتار لتعثروا على مكتبتكم المندثرة وفيها وثائق تعتزون بها وبإمكانكم ان تفتحوا اللفافة الفلانية لتجدوا رسالتي إليكم وهذه نسخة ثانية منها، وبنفس الأسلوب يخاطب الروس أو الإيرانيين أو العرب أو الصينيين وغيرهم ممن تعمر به الأرض عند ظهوره، ولا بد انه يطرح مثل هكذا طلب بما يكشف عن درايته وعلمه بالحلقات المفقودة العزيزة في كل بلد من اجل ان يحرك أهل كل بلاد نحو التنقيب لكشف الحقيقة.
ولو ظهر في السنين أو الأزمنة القادمة وأخبر أنه محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام وأن عمره أكثر من 1187سنة هجرية قمرية وهو بمنظر ابن الاربعين كما في الروايات بالتأكيد سوف يتبادر إلى أذهان السياسيين وغيرهم آنذاك أن هذا الشخص المدعي قد جُن أو أصيب بالهذيان ولكنهم حين يرون منه المعجزة وتحقق كلماته سيكون الأمر مختلفا تماما، ولا مانع من اجتماع الطريقتين.
خصائص دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المرتقبة
ان انتظار دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف آخر الزمان لا تعني إن الإسلام سوف يبقى معطلا حتى تقام دولته عند ظهوره الشريف، بل يعني انتظار دولة
خاصة كان نموذجها المصغر هو دولة النبي سليمان عليه السلام فقد كان ملكه مؤيدا بقوى الجن والريح والحيوان فضلا عن مؤمني الإنس وتزيد على دولة سليمان بان دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تعمُّ الأرضَ كلها ولا توجد دولة بعدها وتتصل بمرحلة القيامة الصغرى ثم تختم الحياة على الأرض وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القيامة الصغرى في آخر الزمان بقوله﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ 82 وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ 83 حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 84 وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ 85 أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 86 وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ 87 وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ 88﴾ النمل/82-88 .
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم﴾ : أي جاء الوقت المحدد لإظهار ما خفي من الحق،﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ : والدابة كل ماش على الأرض كما في قوله تعالى﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ هود/56 وهي هنا إنسان ميت يحييه الله تعالى بقرينة قوله تعالى (أخرجنا لهم من الأرض) وقوله (تكلمهم)، والحاجة إلى هذه المعجزة والآية هي ان الناس بعد ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والمسيح عليه السلام يبقى الكثير منهم على ما ألفه من دين أو مذهب آبائه كما اخبر القرآن الكريم عن
الناس في زمن الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ المائدة/104، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ، أي نحشر من أمة جماعة ممن يكذب بآياتنا. وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ إشارة إلى الحشر الأكبر والقيامة الكبرى.
هذه القيامة الصغرى تقوم على فكرة عدم الاكتفاء بإقامة دولة العدل المطلق وأن ينعم كل إنسان وكل فئة بالأمان والعدل والكفاية الاقتصادية والاجتماعية في ظلها كهدف يستوعب حركة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والمسيح عليه السلام المرتقبة، بل هناك هدف آخر وهو الحوار بين أهل الأديان والمذاهب ومحاكمتها على أساس وسائل الإثبات الواقعية والتاريخية التي تستدعي إحياء شهودها ورجالها التاريخيين الذين كانوا طرفا أساسا في تلك المذاهب أو الأفكار وقد ادخر الله تعالى رسوله عيسى عليه السلام ليقوم بمهمة إحياء هؤلاء الشهود التاريخيين بين يدي الحاكم الأعلى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من آل محمد صلى الله عليه وآله.
ومن الطريف ان البعض يستنكر على الشيعة قولهم بهذه القيامة الصغرى والتي تسمى بالرجعة وهو يعتقد ان عيسى بن مريم عليهما السلام سوف يعود مرة ثانية إلى الحياة الدنيا ويقتدي بإمام المسلمين آنذاك كما في رواية أحمد بن حنبل «كيف بكم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم وامامكم منكم».(1)
ألا يسائل هذا البعض نفسه كيف سيعرف الناس أن هذا الشخص هو عيسى بن مريم عليه السلام؟ إذا لم يمارس إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ و حين يحيي الموتى هل يتصور أنه سيحيي إنسانا مات لتوه ثم يعيش ساعة يموت بعدها أم أن الأبلغ في الأمر هو أن يحيي ميتا مضت عليه قرون ثم يحيا بعدها سنون أخرى، والأبلغ منه حين يحيي علي بن أبي طالب عليه السلام و قد اختلف المسلمون على موقعه بعد الرسول صلى الله عليه وآله :
بين قائل هو كالرسول صلى الله عليه وآله في موقعه الرسالي والسياسي إلا أنه لا نبي بعد الرسول وأنه لا تجوز مخالفته كما لا تجوز مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله واستند في ذلك إلى الأحاديث النبوية الصحيحة.
وبين منكر لذلك ليجعل منه الشخص الرابع في الفضل بل لا يعد له بعضهم فضلا بعد الأول والثاني.
إن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يخرج للناس الصحيفة الجامعة التي كتبها علي عليه السلام على الجلد بخط يده وإملاء النبي صلى الله عليه وآله وتوارثها الأئمة عليهم السلام بنص الهي من النبي صلى الله عليه وآله على واحد واحد منهم ونشروا ما فيها وكتب الشيعة عن ائمتهم عليهم السلام السنة النبوية بهذا الطريق الوثائقي الفريد معصوم يكتب عن النبي صلى الله عليه وآله ثم يروي المعصوم بنفسه كما في قول الإمام الصادق عليه السلام: «إنّا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكنها آثار من رسول الله صلى الله عليه وآله أصل علم نتوارثها كابرا عن كابر نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم».(1)
غير أن البعض سوف يبقى على ما ألفه عن آبائه وهنا من أجل توفير حجة حسية تقطع العذر ليس لدينا الا إحياء صاحب الكتاب ليكتب بيده وليُعرَف أنه الذي كتب الكتاب الذي أظهره المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وليحدثهم عن مجريات الأمور كما شاهدها وجرت.
وهكذا حين يقول عيسى عليه السلام للمسيحيين ان المسيحية التي بأيديكم هي لم تكن مني بل من بولس مثلا، ويحيي لهم بولس ليحدثهم كيف حرف المسيحية من رسالة جاءت تبشر بمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام إلى رسالة تجعل من المسيح عليه السلام خاتم الرسل بل تجعله ثالث ثلاثة.
ويتضح من ذلك أن دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليست لإقامة العدل المطلق في المجتمع البشري فحسب بل للانتقال به إلى الوحدة الفكرية والمذهبية القائمة على أساس الوثائق الواقعية والتاريخية وهي بذلك تمثل خاتمة المطاف لحركة الأنبياء والرسل جميعا وانتصار العقل والعلم والتوحيد على الجهل والخرافة والشرك.
مشروع انتظار القائد الموعود عند اليهود والمسيحيين:
على الرغم من العداوة التاريخية الشديدة بين اليهود والنصارى وذلك بسبب دعوى اليهود انهم قتلوا عيسى بن مريم عليهما السلام، وتصديق النصارى بذلك فانهم التقوا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلادي على العقيدة بانتظار المسيح ودعم مشروع سياسي يقوم على تلك العقيدة وهو مشروع قيام إسرائيل بصفتها مقدمة لظهور المسيح ومن ثم جندت مئات الكنائس والجمعيات المسيحية في أمريكا وأوروبا تدعو لدعم دولة
إسرائيل بعد قيامها بتلك الصفة.(1)
ففي 1980م تم إعلان تأسيس منظمة في القدس المحتلة باسم (السفارة المسيحية الدولية في القدس) وقد اختصر مؤسسها أهدافها بقوله: «إننا صهاينة اكثر من الإسرائيليين انفسهم، وان القدس هي المدينة الوحيدة التي تحظى باهتمام الله وان الله قد أعطى هذه الأرض لإسرائيل إلى الأبد».
ويرى أعضاء هذه السفارة: «انه إذا لم تبق إسرائيل فانه لا مكان للمسيح عند مجيئه الثاني».
وبدأت السفارة فور تأسيسها بالاحتفال الدولي السنوي بالعيد اليهودي المسيحي عيد العريش فحضره اكثر من ألف رجل دين مسيحي وفي عام 1982م حضره ثلاثة آلاف رجل دين مسيحي.
وصارت السفارة المسيحية الدولية إحدى المنظمات الرئيسة التي تُدعى إلى جلسات الاستماع أمام لجان الكونغرس الأمريكي عند طرح قضايا الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة مسألة القدس.
وفي سنة 1985م أعلنت القيادات الصهيونية المسيحية في مؤتمرها المنعقد في مدينة (بال) في سويسرا قولهم: «نحن الوفود المجتمعين هنا من دول مختلفة وممثلي كنائس متنوعة، وفي نفس هذه القاعة الصغيرة والتي اجتمع فيها منذ 88 عاماً الدكتور تيودور هرتزل ومعه وفود المؤتمر الصهيوني الأول والذي وضع اللبنة الأولى لإعادة ميلاد دولة إسرائيل
جئنا معا للصلاة ولإرضاء الرب، ولكي نعبر عن شغفنا العظيم بإسرائيل (الشعب والأرض والعقيدة) ولكي نعبر عن التضامن معها وتأييدنا لها».(1)
وقد تأسست في أميركا كنيسة باسم الكنيسة التدبيرية (Indespensationalism) بلغ عدد اتباعها نحو ستين مليون شخصا تؤمن هذه الكنيسة بان للعودة الثانية للمسيح عليه السلام شروطا منها قيام دولة صهيون وتجميع يهود العالم فيها.(2)
وقد كان من اتباع هذه الكنيسة (جورج بوش) و(ريغان) الرئيسان
(1) يراجع: حسني حداد، الصهيونية المسيحية في أميركا، مجلة شؤون فلسطينية العددان 92و93 ، تموز وآب/1979م.
(2) المنهج التدبيري هو منهج لتفسير الكتاب المقدس ظهر في إنجلترا في القرن التاسع عشر بشكل أساسي بفضل جهود جون نلسون داربي من كنيسة الإخوة البليموث. تلعب التدبيرية أو القدرية كما يسميها البعض دوراً رئيساً في الفكر اللاهوتي للصهاينة المسيحيين، فلفهم علاقة الله مع الجنس البشري يقسمون تاريخ هذه العلاقة إلى سبعة أقدار أو حقب زمنية يخضع فيها الله الإنسان لتجارب تمتحن طاعته، فيقول سكوفيلد أحد أهم مفكري هذا المذهب «كل قدر دور من الزمان يمتحن فيه البشر حسبما أوحاه الله من وحي مخصوص».و وفقاً للتدبيريين فنحن نعيش اليوم في الحقبة السادسة أو ما يسمى «دور الكنيسة والنعمة» بانتظار حلول الحقبة السابعة والأخيرة برجوع المسيح للأرض لتأسيس حكمه الألفي. وهكذا تفصل التدبيرية بين مفهومي إسرائيل والكنيسة، فبالنسبة للمسيحية التقليدية الكنيسة كما يقول أوغسطينوس هي وارثة الوعود التي أعطاها الله لإسرائيل، فهي بذلك إسرائيل الجديدة التي تسعى بشوق لبلوغ أورشليم السماوية، ففي هذا المفهوم تصبح أورشليم أو أرض الموعد للمسيحيين ذات طبيعة روحانية أزلية لا صلة مباشرة لها مع أرض إسرائيل التاريخية، على عكس الصهاينة المسيحيين الذين يشددون على الفصل بين إسرائيل كشعب يهودي أو شعب الله على الأرض والكنيسة أو شعب الله في السماء، مؤكدين على التفسير الحرفي للكتاب المقدس. يفضي هذا بهم إلى نتيجة حتمية مفادها أن أرض فلسطين التاريخية هي ملك أبدي للشعب اليهودي، وأن نبوءات الكتاب المقدس التي أعلنت عن عودة اليهود إلى أرضهم قد تحققت في القرنين التاسع عشر والعشرين.
السابقان للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي تشرين الأول عام 1983 م قال (ريغان) أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية: «إنني أتساءل هل إننا نحن الجيل الذي سيشهد معركة (هرمجيدون). ان النبوءات في العهد القديم تصف تماما الوقت الذي نحن فيه».(1)
وقول (ريغان) هذا يستند إلى كتاب (كوكب الأرض العظيم الراحل) (The Late Great Planet Earth) تأليف هال ليندسي (Hal lindsey) نشره أول مرة عام 1970م وباع منه اكثر من (15) مليون نسخة يركز فيه على ان اهم إشارة لنهاية التاريخ وعودة المسيح الثانية هي عودة اليهود إلى أرض إسرائيل بعد آلاف السنين، كما أشار فيه إلى ان الاتحاد السوفيتي هو يأجوج الذي يتعاون معه العرب وحلفاؤهم لمهاجمة إسرائيل ويؤكد على ان قوة إسرائيل العسكرية، ستنتصر على قوى الشر تمهيدا للقدوم الثاني للمسيح المنقذ بعد معركة (هرمجيدون) (الموقع الذي ستجرى فيه المعركة الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر في سهل المجدل في فلسطين).(2)
مشروع الحوار بين المسلمين حول المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف:
في ضوء الافق المشترك بين التصورين الشيعي والسني حول الأطروحة الإلهية في آخر الزمان الذي يتمثل بأن القائد الموعود هو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية النبي صلى الله عليه وآله من ذرية فاطمة عليها السلام وان الأمة الإسلامية هي مادة الانطلاق وان القرآن الكريم والسنة هي المنهج فإن أمام السنة والشيعة مشروعين للحوار هما:
أولا: مشروع الحوار الشيعي السني، بهدف بناء القاعدة الصلبة للوحدة الإسلامية التي تقوم على وحدة القبلة ووحدة الكتاب وخاتمية النبي صلى الله عليه وآله ووحدة المستقبل المشرق بظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من آل محمد صلى الله عليه وآله ثم دراسة المسائل المختلف عليها بروح المحبة والأخوة ومنهج البحث العلمي ولعل من اخطر المسائل التي تواجه المسلمين جميعا هي مسالة الضوابط الموضوعية التي تشخص المهدي الموعود خاصة، وان تجربتين سياستين كبيرتين قد حصلتا تحت هذا العنوان وهما تجربة المهدي الإسماعيلي في القرن الثالث والرابع الهجري والمهدي السوداني في القرن الثالث عشر الهجري.
ثانيا: مشروع الحوار الإسلامي المسيحي،هناك دائرة واسعة من التصورات الدينية يشترك فيها المسيحيون والمسلمون سواء فيما يتعلق بالله تعالى أو النبوة أو الخاتمة السعيدة على الأرض ودور المسيح عليه السلام في صناعة هذه الخاتمة وهذه التصورات المشتركة يجهلها الكثير من الشعوب المسيحية والإسلامية، ونشرها بينهم يقلل من الفجوة الكبيرة التي فصلت بينهم والعواطف السلبية التي تكونت بفعل ظروف استثنائية وسياسات
خاطئة مارستها دول الطرفين تاريخيا وإذا ما ردمت تلك الفجوة ومحيت تلك النظرة العدائية وحلت محلها نظرة التقدير والاحترام المتبادل امكن عند ذاك بحث المسائل المختلف عليها بروح المحبة والاحترام والمسالة ليست صعبة ولا مستحيلة، إذ ان ما بين المسلمين والمسيحيين لم يكن ليرقى إلى مستوى العداوة التاريخية التي حكمت العلاقة التاريخية بين المسيحيين واليهود حيث ان اليهود لا يعترفون بالمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام بل ينعتونه وامه بنعوت قبيحة ثم هم يعترفون انهم قتلوه وقد صدقهم المسيحيون بذلك، ومع ذلك فان جهود اليهود الصهاينة قد أثمرت نتيجة إيجابية وصار المعسكر المسيحي حليفا قويا لإسرائيل، بل وجد ملايين المسيحيين مؤيدين لإسرائيل أكثر من قسم من اليهود انفسهم.
***
البحث الثاني: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن والتوراة والإنجيل(1)
أولا: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن الكريم:
توجد في القرآن الكريم آيات متعددة في سور مختلفة ترتبط بالمهديعجل الله تعالى فرجه الشريف الوصي الثاني عشر للنبي صلى الله عليه وآله، وقبل البدء بذكر نماذج منها ينبغي ان نلتفت إلى طريقة القران في بيان معارفه وقضاياه وبيان ذلك كما يلي.
طريقة القرآن الكريم في بيان معارفه:
للقرآن الكريم طريقته الخاصة في إيصال معارفه، وقد تمثلت هذه الطريقة بأمور عدة منها: تجنبه لذكر الأسماء سواء كانت أسماء الأئمة الإثني عشر عليهم السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله أو أسماء المنافقين، والاسمان الوحيدان اللذان ذكرهما القران فيما يرتبط بقومه هما اسم أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وآله واسم زيد العبد الذي وهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وآله. ومنها أيضا تجنبه لذكر كثير مما يرتبط بتفاصيل العبادات وغيرها، وبهذا صارت كثير من الآيات بحاجة إلى بيان
إضافي لمعرفة المصاديق الواقعية لها وهذا البيان الإضافي مما تكفله الوحي أيضا، قال تعالى﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ 19﴾ القيامة، ومعنى ذلك ان القرآن وحي الهي وكذلك بيانه وتفسيره، وفي ضوء ذلك يتلقى المسلم بيان القرآن وتفسيره عن النبي صلى الله عليه وآله كما يتلقى النص القرآني عنه، قال تعالى﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ النحل/44.
وهكذا فإن القارئ حين يريد معرفة من المراد بأهل البيت المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ الأحزاب/33، أو معرفة كيفية الصلاة التي أمر بها في القرآن الكريم، يجب عليه أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وحده، وعند وفاته يجب الرجوع إلى من أورثه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله ذلك البيان الكامل وتلك المهمة وهم أهل بيته عليهم السلام.
روى الكليني بسنده عن ابن مسكان قال: قلت للإمام الصادق عليه السلام: إن الناس يقولون فما له لم يسم عليا وأهل بيته عليهم السلام في كتاب الله عز وجل؟. قال فقال: «قولوا لهم:إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فَسَّر ذلك لهم. ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فَسّر ذلك لهم. ونزل الحج فلم يقل لهم طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فَسَّر ذلك لهم. ونزلت ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ونزلت في علي والحسن والحسين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في علي من كنت مولاه فعلي مولاه وقال صلى الله عليه وآله:أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله عز وجل ان لا يفرق بينهما حتى يوردهما على الحوض
فأعطاني ذلك، وقال:لا تعلموهم فهم اعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة. فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان لكن الله عز وجل أنزله في كتابه تصديقا لنبيه صلى الله عليه وآله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فكان علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فادخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله تحت الكساء في بيت أم سلمة ثم قال: اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك فقال إنك إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي».(1)
نماذج من الآيات في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف :
وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر نماذج من الآيات التي بين النبيصلى الله عليه وآله برواية أهل بيته عليهم السلام إنها في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، منها:
1. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ النور/55.
قال الطبرسي في تفسيره: «والمروي عن أهل البيت عليهم السلام: أنها في المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله. وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسينعليه السلام أنه قرأ الآية، وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل
منا، وهو مهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يلي رجل من عترتي، إسمه إسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا». وروي مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام. فعلى هذا يكون المراد ب﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: النبي وأهل بيته، صلوات الرحمن عليهم، وتضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف، والتمكين في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف منهم، ويكون المراد بقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾…مثل داود وسليمان عليهما السلام…وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة،… وأيضا فإن التمكين في الأرض على الإطلاق، لم يتفق فيما مضى، فهو منتظر؛ لأن الله عز اسمه، لا يخلف وعده».(1)
2. ومنها قوله تعالى﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ التوبة/33.
قال الطبرسي: «رُوي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية: إن ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد عليه وعليهم صلوات الله، فلا يبقى أحد إلا أقرَّ بمحمدصلى الله عليه وآله».(2)
3. ومنها قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ البقرة/148، روى الطبرسي والعياشي عن الرضا عليه السلام: «أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان».
وروى الصدوق في إكمال الدين والعياشي عن الصادق عليه السلام: «لقد
نزلت هذه الآية في أصحاب القائم وإنهم المفتقدون من فرشهم ليلا فيصبحون بمكة وبعضهم يسير في السحاب نهارا نعرف اسمه واسم أبيه وحليته ونسبه إن الله على كل شيء قدير على الإماتة والإحياء والجمع».(1)
4.ومنها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ النمل/62، روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر الباقر عليه السلام «أنها في المهدي عليه السلام».(2)
5. ومنها قوله تعالى﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ 51 وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيد 52 وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيد 53 وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيب 54﴾ سبأ/51-54.
قال العلامة الطباطبائي: «قد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآيات ناظرة إلى خسف جيش السفياني بالبيداء وهذا الجيش يقصد المهدي عند ظهوره في مكة».(3)
6. ومنها قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء/105، قال الطبرسي:«وقال أبو جعفرعليه السلام: هم أصحاب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر الزمان».(4)
وفيما يلي بسط أكثر لهذه الآية الأخيرة من سورة الأنبياء.
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في سورة الأنبياء:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ 105 إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْم عَابِدِينَ 106 وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 107 قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 108 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ 109 إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنْ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ 110 وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ 111 قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَانُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ 112﴾ الأنبياء/105-112.
وفيما يلي شرح مفردات هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ :
الذِّكرُ في الآية هو التوراة(1)، وقد سمى الله تعالى كل كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله بـ﴿ الذِّكر﴾ كما في أول آية من سورة الأنبياء نفسها، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ 1 مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 2﴾ /الأنبياء، فالقران ذِكرٌ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر/9، والتوراة ذِكرٌ كما في قوله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ النحل/43، الأنبياء/7، وكذلك الكتاب الذي انزل على صالح هو ذِكرٌ كما في قوله تعالى﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ 23 فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا
وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ 24 أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ 25﴾ القمر/23-25.
الزَّبور هو كتاب داود عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ النساء/163، وفي الخبر عن أهل البيت عليهم السلام قالوا عن الزبور: «فيه توحيد وتمجيد ودعاء، وأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم، وأخبار الرجعة وذكر القائم صلوات الله عليه».(1)
أقول: والزبور هو من أسفار العهد القديم ويعرف بالمزامير، والذي أحتمله جدا أن بعض فصوله قد فرقت في العهد القديم وأخذت أسماء أخرى أو ادرجت كاصحاحات أو فقرات ضمن أسفار أخرى .
وفي ضوء ذلك:
فإن معنى الآية هو: أن الله تعالى قد ذكر خبر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من آل محمد صلى الله عليه وآله ووراثته الأرض في آخر الزمان كوعد إلهي في كتبه السابقة التوراة والزبور.
وقبل أن نستعرض بعض نصوص المزامير نواصل شرح الآيات التي ذكرناها في سورة الأنبياء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْم عَابِدِينَ﴾ :
قوله (هذا) إشارة إلى الوعد الإلهي السابق الجازم بالنصر المذكور في الآية السابقة.
قوله تعالى: ﴿لبلاغا ﴾ أي كفاية أو إعلاما.
قوله تعالى: ﴿لقوم عابدين﴾ :أي عابدين لله كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ الأنبياء/73، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ الأنبياء/84، والقوم العابدون في الآية هم العباد الصالحون في الآية السابقة وهم المهدي وآباؤه عليهم السلام.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 107 قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 108﴾
العالمون في الآية هم كل الناس الذين أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سبأ/28، بل يضاف إليهم الجن لقوله تعالى:﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ الأحقاف/29.
والإسلام هو الدين الذي بعث الله به أنبياءه جميعا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ 19 فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ 20 إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 21﴾ آل عمران/19-21. والايات تأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يخاطب كل اهل الكتاب (المسيحيين واليهود)، وكل الاميين (أهل مكة ونظراءهم) إلى آخر الدنيا، ويدعوهم إلى الاسلام ثم اشارت إلى عذاب إلهي يصيب المكذبين وقد اكدت هذا العذاب الآية 109 من سورة الأنبياء:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ 109﴾ ﴿فإن تولوا ﴾ أي إن أعرضوا عن دعوتك دعوة التوحيد التي جئت بها تجديدا لدين إبراهيم، ﴿فقل آذنتكم ﴾ آذنه: أعلمه وأيضا هدده، يقال: تأذن الامير في الناس يكون على وجه التهديد أي أعلمهم على وجه التهديد والانذار، وهي هنا بهذا المعنى الاخير بقرينة ما بعدها، نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ البقرة/279، ﴿على سواء﴾ أي: ان انذاري لكم واضح بيّن ومعروف للجميع(1)، كما في قوله تعالى:﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ الحجر/89، أي أنا النذير الواضح البيِّن الميسر؛ لأنه ينذر بالقران الكريم: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام/ 19، وهو المعجزة الخالدة الباقية وهو ميسر لكل الناس﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ القمر/17.
وفي ضوء ذلك يكون معنى قوله تعالى: ﴿فان تولوا فقل آذنتكم على
سواء ﴾: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم بعذاب الهي أعدَّه الله لكم في هذه الدنيا.
وهذا المعنى صريح وواضح في آيات أخر من قبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ سبأ/46، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ 13 إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ 14 فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ 15 فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ 16 وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 17 وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ 18… وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ 26 فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ 27 ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ 28﴾ فصلت/13-28.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ وفي آية أُخرى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴾ الجن /25 أي: إن الله تعالى جعل لهذا العذاب الموعود وقتا معينا، حصر معرفته به وحده، وهو جواب لسؤال يكرره المشركون:
قال تعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ العنكبوت/53، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 28 قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 29 فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ﴾ 30 السجدة/28-30.
وقد ألمح القرآن الكريم في آيات أخر أنَّ هذا العذاب الشامل لا يصيب الكافرين في زمان النبي صلى الله عليه وآله ولا يصيب المسلمين ما داموا على خط الاستقامة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ الأنفال/33،
ويلمح قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ الحج/47، أن هذا العذاب الشامل بطيئ تحققه نظير ما حصل من العذاب الذي أنذر به نوح الذي حصل بعد ألف سنة تقريبا من بدء الإنذار به: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ 14 فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ 15… وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 53… يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ…﴾ /العنكبوت.
المشابهة بين نوح عليه السلام وبين خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله:
انعكست المشابهة بين نوح عليه السلام وبين خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله على قضيتين:
القضية الأولى: وصف خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله بالنذير المبين كما وصف نوح عليه السلامبالنذير المبين.
فقال عن نوح عليه السلام:
1.﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 25 أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ 26 فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ 27 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ 28 وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ 29 وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 30 وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ 31 قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ 32 قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 33﴾ هود/25-33
2.﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 1 قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 2 أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي 3 يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 4 قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا 5 فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا 6 وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا 7 ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا 8 ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا 9 فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 10 يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا 11 وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا 12
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا 14 أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا 15 وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا 16 وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ نَبَاتًا 17 ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا 18 وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ بِسَاطًا 19 لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا 20 قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا 21 وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا 22 وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا 23 وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا 24 مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا 25 وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا 26 إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا 27 رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا 28﴾ نوح/1-28.
وقال عن خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ هم الأئمة من أهل البيتعليهم السلام كما في أصول الكافي، ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: بالأئمة كما في أصول الكافي، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ 182 وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ 183 أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ نظير نوح 184 أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ 185 مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 186 يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ﴾ ساعة العذاب الموعود على يد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ 187﴾ الأعراف/181-187.
وقوله تعالى:﴿ممن خلقنا امة﴾ هم الأئمة من اهل البيت عليهم السلام (كما في أصول الكافي) بقرينة يهدون بالحق وبه يعدلون.
وكذلك الآيات في قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا في اياتنا﴾ :هم الأئمة عليهم السلامكما في اصول الكافي والعياشي عن أبي عبد اللهعليه السلام.(1)
و(الساعة) هنا هي وقت ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وما يجري على يديه من عقوبة الهية شاملة على المكذبين، وكذلك في قوله تعالى﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا…حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ﴾ مريم/75، روى الكليني في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير (الساعة) في الآية قال: «هو خروج القائم… فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من الله على يدي قائمه». وكذلك في قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 66 الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ67 يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ 68﴾ الزخرف/66-68. عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلامقال: «هي ساعة القائم عليه السلامتأتيهم بغتة».(2)
وكذلك وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وآله بالنذير المبين في قوله تعالى:﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ 88 وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ 89﴾ الحجر/88-89 .
وقوله تعالى:﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ 47…قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 49 فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 50 وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ 51 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 52 لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ 53 وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 54 وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ 55﴾ الحج/47-55.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ 47 وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ 48 بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ 49 وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ 50…وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 53…يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ 55﴾ العنكبوت/47-55.
وقوله تعالى:﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ 67 أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ 68 مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ 69 إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ 70 إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ 71 فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ 72 فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 73 إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ 74 قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ 75 قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ 76 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 77 وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 78 قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 79 قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ 80 إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 81 قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ 83 قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ 84 لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ 85 قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ 86 إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ 87 وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ 88﴾ /ص/67-88.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ 16 أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ 17 وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 18 أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَانُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ 19 أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ إِنْ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ 20 أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ 21 أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 22 قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ 23 قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ 24 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ 25 قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ 26 فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ
هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ 27 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 28 قُلْ هُوَ الرَّحْمَانُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 29 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ 30﴾ الملك/16-30.
القضية الثانية: إن الناجين من العذاب الإلهي الشامل الذي أنذر به نوح عليه السلامهم الذين ركبوا السفينة مع نوح عليه السلام، وإن الناجين من العذاب الشامل الذي أنذر به محمد صلى الله عليه وآله هم الذين اتبعوا أهل بيته عليهم السلام وانضووا تحت راية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريفعند ظهوره، قال صلى الله عليه وآله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»(1).
ثانياـ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في أسفار العهد القديم:
قبل أن نستعرض بعض نصوص العهد القديم من سفر المزامير وغيره نذكر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ 157 قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 158﴾ الأعراف/751-851.(2)
(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين: ج2 / ص 343 .
(2) وورد عن علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون﴾ قال: «النور في هذا الموضع أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام».أقول: النور الذي أنزله الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله هو القرآن كما في قوله تعالى﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الشورى/52، والقرآن له بيان ألهي أنزل معه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ 19﴾ القيامة/18-19، قال النبي صلى الله عليه وآله: «إني أوتيت الكتاب ومثله معه» أي وبيانه وتفسيره معه، وهذا البيان هو نور أيضا وقد أملاه النبي صلى الله عليه وآله بتمامه على علي عليه السلام وجعله ميراثا إلهيا له وللأئمة عليهم السلام من ولده الذين اصطفاهم الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا… ﴾ فاطر/32.فالآية ذكرت قضيتين الأولى: قضية وجود خبر النبي صلى الله عليه وآله في التوراة والإنجيل، الثانية: أن المفلحين هم الذين يصدقون برسالة النبي صلى الله عليه وآله وينصرونه ويتبعون النور الذي أنزل معه أي يتبعون أهل بيته عليهم السلام من بعده ليتعلموا منهم بيان القرآن ومعالم الدين: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» «ياعليأنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة».
ورد عن الإمام الباقر عليه السلامفي قوله تعالى ﴿النبي الأمي﴾ قال: «منسوب إلى أم القرى، وهي مكة».(1)
وورد عن: أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله عليه السلام:في قوله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾، قال: «يعني النبي صلى الله عليه وآلهوالوصي والقائم».(2)
والحديث عن الإمام الصادق عليه السلام عن جده النبي صلى الله عليه وآله يبين أن المكتوب في التوراة والإنجيل ليس فقط خبر النبي صلى الله عليه وآله بل خبر وصيه علي عليه السلاموخبر المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف.
بعد هذا التمهيد نذكر بعض نصوص العهد القديم في خبر النبيصلى الله عليه وآلهوعلي والمهدي تصديقا لما جاء في القرآن الكريم وبيانه الذي رواه أهل البيت عليهم السلام:
المزمور 36:
جاء في المزمور السادس والثلاثين من سفر المزامير وفي بعض النسخ في المزمور السابع والثلاثين: «1 لا تغر من الأشرار ولا تحسد عمال الإثم 2 فإنهم مثل الحشيش سريعا يقطعون ومثل العشب الأخضر يذبلون. 3 اتكل على الرب وافعل الخير. اسكن الأرض وارع الأمانة… 7 انتظر الرب واصبر له. 9 لأن عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض. 10 بعد قليل لا يكون الشرير. تطلع في مكانه فلا يكون. 11 أما الودعاء فيرثون الأرض. 18 الرب عارف أيام الكملة وميراثهم إلى الأبد يكون. 27 حد عن الشر وافعل الخير واسكن إلى الأبد. 28 لأن الرب يحب الحق ولا يتخلى عن أتقيائه. إلى الأبد يحفظون. أما نسل الأشرار فينقطع. 29 الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد. 34 انتظر الرب واحفظ طريقه فيرفعك لترث الأرض. إلى انقراض الأشرار تنظر. 37 لاحظ الكامل وانظر المستقيم فإن العقب لانسان السلامة. 38 أما الأشرار فيبادون جميعا. عقب الأشرار ينقطع. 39 أما خلاص الصديقين فمن قبل الرب، حصنهم في زمان الضيق. 40 ويعينهم الرب وينجيهم. ينقذهم من الأشرار ويخلصهم لأنهم احتموا به»(1).
والفقرات لا تحتاج إلى بيان فهي تؤكد بوضوح لا مزيد عليه ان الأشرار
سوف يبيدهم الله تعالى من على الأرض ويورثها للمؤمنين أما إن هذا النصر العظيم وانقراض الأشرار ووراثة الأرض يتم علي يد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف فيبينه النص الآتي في سفر ملاخي.
سفر ملاخي (سفر رسولي):
وجاء في سفر ملاخي الإصحاح الثالث:
«1 هأنذا أرسل (رسولي)(1) فيهيئ الطريق أمامي.
ويأتي (بغتة) إلى هيكله (السيد) الذي (تطلبونه).
و(رسول)العهد الذي تسرون به هو ذا يأتي.
قال رب الجنود:
2 ومن يحتمل يوم مجيئه ومن يثبت عند ظهوره. لأنه مثل نار الممحص ومثل أشنان القصار. فيجلس ممحصا ومنقيا….وأقترب إليكم للحكم وأكون شاهدا سريعا على السحرة وعلى الفاسقين وعلى الحالفين زورا وعلى السالبين أجرة الأجير الأرملة واليتيم».
(1) النص العبري الأساسي:[1] הִנְנִי שֹׁלֵחַ מַלְאָכִי וּפִנָּה־דֶרֶךְ לְפָנָי וּפִתְאֹם יָבוֹא אֶל־הֵיכָלוֹ הָאָדוֹן אֲשֶׁר־אַתֶּם מְבַקְשִׁים וּמַלְאַךְ הַבְּרִית אֲשֶׁר־אַתֶּם חֲפֵצִים הִנֵּה־בָא אָמַר יְהוָה צְבָא וֹת.الترجمة الإنجليزية للنسخة اللاتينية:[1] Behold I send my angel, and he shall prepare the way before my face. And presently the Lord, whom you seek, and the angel of the testament, whom you desire, shall come to his temple. Behold, he cometh, saith the Lord of hosts.الترجمة الإنجليزية نسخة الملك جيمس:[1] Behold, I will send my messenger, and he shall prepare the way before me: and the Lord, whom ye seek, shall suddenly come to his temple, even the messenger of the covenant, whom ye delight in: behold, he shall come, saith the LORD of hosts.
وفي نفس السفر ضمن الاصحاح الرابع حسب النسخة المسيحية: «1 فهو ذا يأتي اليوم المتقد كالتنور وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشا ويحرقهم اليوم الآتي قال رب الجنود فلا يبقي لهم أصلا ولا فرعا 2 ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها فتخرجون… 3 وتدوسون الأشرار لأنهم يكونون رمادا تحت بطون أقدامكم يوم أفعل هذا.قال رب الجنود:
4 هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب اليوم العظيم والمخوف. 6 فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم. لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن» .. (الفقرات الاخيرة من الاصحاح الثالث حسب النسخة العبرية القياسية).
قوله: «هأنذا أرسل رسولي فيهيئ الطريق أمامي…و(رسول) العهد الذي تسرون به هو ذا يأتي»، يشير إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهو رسول العهد والميثاق الذي أخذه الله من الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران/81.وقد فسره شراح النص من المسيحيين بالنبي يحيى عليه السلاموكونه ممهِّدا لبعثة عيسى عليه السلام .
وقوله: ويأتي (بغتة) إلى هيكله (السيد) الذي (تطلبونه): الهيكل معناه بيت العبادة الكبير أي المسجد الحرام، وقد فسره المسيحيون واليهود ببيت المقدس. والسيد هو الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد أطلقت لفظة (سيد) على الأئمة عليهم السلام قال النبي صلى الله عليه وآله في الحسن عليه السلام: «ان ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، والسيد في اللغة الرئيس والإمام.
وقال في الاصحاح 3: 23 ـ 24 حسب النسخة العبرية القياسية،
وحسب النسخ المسيحية الاصحاح 4 : 5 ـ 6:
[3: 23] הִנֵּה אָנֹכִי שֹׁלֵחַ לָכֶם אֵת אֵלִיָּה הַנָּבִיא לִפְנֵי בּוֹא יוֹם יְהֹוָה הַגָּדוֹל וְהַנּוֹרָא. [4: 5] هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ قَضَاءِ الرَّبِّ الرَّهِيبُ الْعَظِيمُ. [3: 24] וְהֵשִׁיב לֵב־אָבוֹת עַל־בָּנִים וְלֵב בָּנִים עַל־אֲבוֹתָם פֶּן־אָבוֹא וְהִכֵּיתִי אֶת־הָאָרֶץ חֵרֶם. {ש} [4: 6] فَيَعْطِفُ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى أَبْنَائِهِمِ وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ، لِئَلاَّ آتِيَ (إِنْ لَمْ يَتُوبُوا)، وَأُصِيبَ الأَرْضَ بِاللَّعْنَةِ.ثالثاـ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريففي العهد الجديد:
في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي والعشرين:
قال المسيح عليه السلام: «6. هذه (أي اورشليم) التي ترونها ستأتي أيام لا يترك فيها حجر على حجر لا ينقض…. 12. وقبل هذا كله يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم ويسلمونكم إلى مجامع وسجون وتساقون أمام ملوك وولاة لأجل اسمي. 13. فيؤول ذلك لكم شهادة…. 16. وسوف تسلّمون من الوالدين والأخوة والأقرباء والأصدقاء. ويقتلون منكم. 17. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي… 20. ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. 21. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال، والذين في وسطها فليفروا خارجا. والذين في الكور فلا يدخلوها. 22. لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب».
أقول: مراده في الفقرة 22 هو:ما هو مكتوب في التوراة، حيث أشارت إلى أنهم سوف يفسدون مرتين وسوف يعاقبهم مرتين وهذه هي العقوبة الثانية انتقاما ليحيى عليه السلام.
ثم يقول: «23. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب. 24. ويقعون بفم السيف ويسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم. 25. وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم… 27. وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيا في سحابة بقوة ومجد كثير».
أقول: (آتيا في سحابة) أي في طائرة، وليس كما يتصور ا لبعض انه على سحابة طبيعية في السماء، و(ابن الإنسان) أي ابن الحسين عليه السلاموهو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والإنسان اسم للحسين عليه السلام في القرآن الكريم.
ثم يقول: «28. ومتى ابتدأت هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأن نجاتكم تقترب. .. 34. فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحيوة فيصادفكم ذلك اليوم (بغتة). 35 لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض. 36. اسهروا إذا، وتضرعوا في كل حين، لكي تحسبوا أهلا للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون وتقفوا قدام ابن الإنسان».
وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي يقول في الإصحاح الخامس:
«1. وأما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الإخوة أن أكتب إليكم عنها. 2. لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كالسارق في الليل… 3. فحين يقول الناس: سلام وأمان يأخذهم الهلاك (بغتة).. فلا ينجون. 4. وأما أنتم أيها الإخوة
فلستم في الظلمات حتى يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأة السارق، 5. لأنكم جميعا أبناء النور وأبناء النهار. لسنا نحن من الليل ولا من الظلمات».
وفي إنجيل متى الإصحاح 24 يقول المسيحعليه السلام:
« 36. فأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فما من أحد يعلمهما، لا ملائكة السموات ولا الابن إلا الأب وحده. »
أُقول: وهو عين ما ذكره القران الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا 42 فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا 43 إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا 44 إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا 45﴾ النازعات/42-45، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 187﴾ الأعراف/187، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا 63﴾ الأحزاب/63.
ويقول السيد المسيح عليه السلام كما في إنجيل مرقس الاصحاح 13:
«33. فاحذروا واسهروا؛ لأنكم لا تعلمون متى يحين الوقت. 34. فمثل ذلك كمثل رجل سافر وترك بيته، وفوض الأمر إلى خدمه، كل واحد وعمله، وأوصى البواب بالسهر. 35. فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت: أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح، 36. لئلا يأتي (بغتة) فيجدكم نائمين. 37.وما أقوله لكم أقوله للناس أجمعين: اسهروا!».
أقول:
وفي بعض الآيات القرآنية: سمي عذاب الاستئصال الشامل بالعذاب الأكبر ومن قبله من العقوبات المقطعية كالعقوبة التي أصابت بني أمية أو العقوبة التي أصابت بني العباس نظير العقوبات المقطعية التي أصابت بني إسرائيل على إفسادهم بالعذاب الأدنى، قال تعالى:﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 21 وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ 22 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ 23 وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ 24 إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 25 أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ 26﴾ السجدة/21-26 .
***
البحث الثالث: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو التاسع من ذرية الحسين عليه السلام
نظير نوح عليه السلام التاسع من ذرية آدم عليه السلام (1)
مشهد التناظر بين آدم عليه السلام و الحسين عليه السلام:
إن عبارة «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله»(2) حين نفسرها بالمعنى الثالث من الوارثة وهو وراثة صفة تكوينية رسالية ميزت آدم عليه السلام من الناحية التاريخية عن الأنبياء عليهم السلام جميعا نكون أمام مشهد التناظر الرائع بين صفي الله تعالى الحسين عليه السلام وصفي الله تعالى آدم عليه السلام من خلال تلك الصفة التكوينية الرسالية المشتركة(3) وهي أن كليهما قد حباه الله تعالى بتسع حُجج من ذريته وجعل تاسعهم صاحب عمر طويل، وان مسرح أحداث هؤلاء الحجج التسعة هو عراق السهل الرسوبي ومركزه هضبته المباركة، وفيما يلي التفصيل:
أوصياء آدم عليه السلام:
إن أوصياء آدم عليه السلام كما ورد في التوراة الخماسية التي أنزلها الله على نبيه موسى عليه السلام وهي الكتاب المقدس المشترك الأساسي لدى طوائف أهل الكتاب جميعا ، هي كالآتي:
1. ولده شيت שֵׁת (Seth).
2. ثم ولده أنوش אֱנוֹשׁ (Enosh)
3. ثم ولده قينان קֵינָן (Kenan).
4. ثم ولده مهَلَلْئيل מַהֲלַלְאֵל (Mahalalel).
5. ثم ولده يارد יָרֶד (Jared).
6. ثم ولده حنوك חֲנוֹךְ (Enoch) ويسميه القرآن (إدريس).
7. ثم ولده مْتوشِلَح מְתוּשֶׁלַח (Methuselah).
8. ثم ولده لامك לָמֶךְ (Lamech).
9. ثم ولده نوح נֹחַ (Noah) صاحب العمر الطويل .
وقد ذكر القرآن الكريم منهم آدم وإدريس ونوحا عليهم السلام، وذكرت الروايات الآخرين ولا خلاف في عددهم(1) وأن تاسعهم نوح عليه السلام وأنه صاحب عمر طويل، فقد ذكر القرآن الكريم أنه لبث فيهم يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً.
أوصياء الحسين عليه السلام من ذريته:
أما أوصياء الحسين عليه السلامفهم بإجماع الشيعة الإمامية:
1. ولده علي بن الحسين الملقب بـزين العابدين عليه السلام.
2. ثم ولده محمد بن علي الملقب بـالباقر عليه السلام.
3. ثم ولده جعفر بن محمد الملقب بالصادق عليه السلام.
4. ثم ولده موسى بن جعفر الملقب بالكاظم عليه السلام.
5. ثم ولده علي بن موسى الملقب بالرضا عليه السلام.
6. ثم ولده محمد بن علي الملقب بالجواد عليه السلام.
7. ثم ولده علي بن محمد الملقب بالهادي عليه السلام.
8. ثم ولده الحسن بن علي الملقب بالعسكري عليه السلام.
9. ثم ولده محمد بن الحسن الملقب بالمهدي صاحب العمر الطويلعجل الله تعالى فرجه الشريف.
وفي ضوئه يأتي التناظر التكويني بين عقيدة الشيعة بالحسين عليه السلام وأنه أبو تسعة أئمة هداة تاسعهم صاحب عمر طويل سوف يظهره الله تعالى آخر الزمان على الدين كله ويورثه الأرض كلها، و الحقيقة الدينية التي يؤمن بها أهل الكتاب والمسلمون قاطبة في آدم عليه السلام وأنه أبو تسعة أئمة هداة تاسعهم صاحب عمر طويل أهلك الله على يده المنحرفين وأورثه الأرض كلها.
ولا يمكن أن يكون هذا التناظر الذي كشف عنه الإمام الصادق عليه السلام في زيارة وارث قد حصل صدفة مع الحسين عليه السلام ، أو انه حصل له من دون إرادة الله تعالى، كما أنه لا يمكن أن يكون قد حصل باختلاق الشيعة له كما
ادعى البعض ذلك فان الكذبة لا يمكن أن تتحول إلى واقع تاريخي وواقع موضوعي.
وبذلك يكون التناظر التكويني التاريخي بين الحسين وآدم عليهما السلام دليلا آخر على صدق عقيدة الشيعة في أئمتهم عليهم السلام إلى جانب الأدلة القرآنية والتوراتية والحديثية.
الأرض التي تحرك عليها آدم عليه السلاموأوصياؤه التسعة هي السهل الرسوبي من العراق:
ذكرت قائمة ملوك سومر (Sumerian King list) عشر شخصيات حكمت قبل الطوفان كان عاشرهم بدءا من النبي آدم عليه السلام هو النبي نوح عليه السلام صاحب العمر الطويل، وذكرت أن الأول منهم والثاني عاشا في مدينة (أريدو) والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع عاشوا في مدينة (بادتبيرا) (بانتي بيبلوس) والسابع في (سبار) والثامن في (لارك) والتاسع والعاشر أي نوح عليه السلام وأبوه في (شروباك).
وكل هذه المدن تقع في السهل الرسوبي على مجرى الفرات القديم (نهر كوثى) بدءا بمدينة (أريدو) قبل الطوفان و(شروباك) التي هي آخر مدينة قبل الطوفان، وهي مدينة بطل الطوفان صاحب العمر الطويل وأبيه كليهما يقع جنوب شرق طارات النجف (جبل النجف) غرب الفرات.
مضافا إلى ذلك فإن وثيقة (زيوسدرا)تذكر أن الملوكية هبطت بعد الطوفان وسكنت في كيش وهي أول مدينة بعد الطوفان وهي غرب
الفرات القديم.(1)
ونجد في تراث أهل البيت عليهم السلامما يؤكد ذلك، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «أول بقعة عبد الله عليها ظهر الكوفة لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة».(2)
وأن مسجد الكوفة هو مسجد آدم عليه السلام، ومسجد السهلة هو بيت إدريس عليه السلام، وإن قوم نوح عليه السلام كانوا على قرية على متن غرب الفرات وان سفينة النجاة نُجرت في مسجد الكوفة وانطلقت منه.
الأرض التي تحرك عليها الحسين عليه السلام والأئمة التسعة من ذريته عليهم السلام هي السهل الرسوبي من العراق أيضا
ولا يشك أحد أنَّ حركة الحسين عليه السلام والتسعة من ذريته عليهم السلام استهدفت سكان السهل الرسوبي وكانت الكوفة مركز تلك الحركة، وهذه هي قبورهم شاخصة في مدن السهل الرسوبي فالحسين عليه السلام في كربلاء، والكاظم وحفيده الجواد عليهما السلام في بغداد والهادي وولده العسكري عليهما السلام في سامراء.
وقد صنعت ظلامة الحسين عليه السلام أوسع سفينة للنجاة على أرض الكوفة حين حوصر مدة عشر ليالٍ من شهر المحرم لم يسمحوا فيها لأحد أن يصل إليه من أنصاره من المناطق القريبة ولم يسمحوا له أن يتزود من الماء لعياله
وأصحابه ثم قتلوه ظلما وعدوانا وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام « بأبي و أمي الحسين المقتول بظهر الكوفة».(1)
التاسع من ذرية آدم عليه السلام يستقر في الكوفة ويبني الحياة الجديدة:
ويزداد المشهد روعة حين نعرف ان مسيرة آدم عليه السلام ختمت بالوصي التاسع من ذريته وهو نوح عليه السلام صاحب العمر الطويل وقد نصره الله تعالى واستوت سفينته على ظهر الكوفة / النجف.
قال تعالى:﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 28 وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ29﴾ المؤمنون/28-29.
وانطلق المؤمنون معه على الأرض المباركة الكوفة وظهرها يعبدون الله تعالى لا يخشون أحدا غيره.
التاسع من ذرية الحسين عليه السلام صاحب العمر الطويل يستقر في الكوفة:
ويعتقد الشيعة تبعا لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أن الله تعالى قد قدَّر للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريفالتاسع من ذرية الحسين عليه السلام صاحب العمر الطويل ان يكون مستقره الكوفة أيضا.
ففي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: «اسعد الناس به أهل الكوفة».(1)
وروى العلامة المجلسي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كأنني بالقائم عليه السلام، على ظهر النجف لابس درع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم ينشر راية رسول الله إذا نشرها أضاء لها ما بين المشرق والمغرب».(2)
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: «كأنني به (أي: المهدي) قد عبر من وادي السلام إلى مسيل السهلة على فرس محجل له شمراخ يزهر، يدعو ويقول في دعائه:
لا اله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله إيمانا وصدقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، اللهم معز كل مؤمن وحيد، ومذل كل جبار عنيد، أنت كنفي حين تعييني المذاهب، وتضيق علي الأرض بما رحبت.
اللهم خلقتني وكنت غنيا عن خلقي ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين، يا منشر الرحمة من مواضعها ومخرج البركات من معادنها، ويا من خص نفسه بشموخ الرفعة، فأولياؤه بعزه يتعززون، يا من وضعت له الملوك نير المذلة على أعناقهم، فهم من سطوته خائفون.
أسألك باسمك الذي فطرت به خلقك، فكل لك مذعنون، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي أمري وتعجل لي في الفرج، وتكفيني وتعافيني وتقضي حوائجي الساعة الساعة الليلة الليلة إنك على كل شيء قدير».(3)
وروى الشيخ الطوسي أيضا بسنده عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل قال: «يدخل المهدي الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له… فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس: يا ابن رسول الله الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله والمسجد لا يسعنا فيقول: أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجدا له ألف باب يسع الناس عليه أصيص، ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين عليه السلام لهم نهرا يجري إلى الغريين، حتى ينبذ في النجف، ويعمل على فوهته قناطر وأرحاء في السبيل، وكأني بالعجوز وعلى رأسها مكتل فيه بر حتى تطحنه بكربلاء».(1)
وروى الشيخ الطوسي عن جماعة، عن التلعكبري، عن علي بن حبشي، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن أبي نعيم، عن إبراهيم بن صالح، عن محمد بن غزال عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها ، واستغنى العباد من ضوء الشمس…، ويبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب ويتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة، حتى يخرج الرجل يوم الجمعة، على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها. والبغلة السفواء: أي الخفيفة السريعة».(2)
وروى الشيخ المفيد قال: في رواية المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إذا قام قائم آل محمد عليهم السلام بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب واتصلت بيوت الكوفة بنهر كربلاء».(3)
وعنه أيضا: عن الحجال، عن ثعلبة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد».(1)
وروى العلامة المجلسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا قام القائم ودخل الكوفة لم يبق مؤمن إلا وهو بها»(2)، وروى أيضا عن علي عليه السلام قال: «لموضع الرجل في الكوفة أحب إليَّ من دار في المدينة»، وروى أيضا عن سعد بن الأصبغ قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من كانت له دار بالكوفة فليتمسك بها».(3)
وروى أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كأني أنظر إلى القائم عليه السلام وأصحابه في نجف الكوفة كأن على رؤوسهم الطير قد فنيت أزوادهم وخلقت ثيابهم، قد أثر السجود بجباههم ليوث بالنهار، رهبان بالليل كأن قلوبهم زبر الحديد، يعطى الرجل منهم قوة أربعين رجلا».(4)
وهكذا يُرَدُّ أول الكوفة على آخرها.
وهكذا قدر الله تعالى ان تختم المسيرة الهادية بمنظومة الإمامة الهادية نفسها على ذات الأرض التي انطلقت منها.
روى عبد الكريم بن أحمد بن طاووس في كتاب فرحة الغري، قال: روى أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي الحسني في كتاب فضل الكوفة، قال: «اشترى أمير المؤمنين عليه السلام أرضا ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم، وأشهد على شرائه، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين تشتري هذا بهذا المال وليس ينبت شيئا ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كوفان، كوفان يرد أولها على آخرها، يحشر من ظهرها سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فاشتهيت أن يحشروا من ملكي».(1)
فما أروعه من تناظر، وما أعظمها من قدرة إلهية وما ابلغها من حجة
***
البحث الرابع: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الطالب بدم الحسين عليه السلام
يُفهم من جملة روايات وردت في تراث أهل البيت عليهم السلام أنهم كانوا يربون شيعتهم على التطلع للأخذ بثأر الحسين عليه السلام مع وليّه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي سيظهره الله تعالى في آخر الزمان ويملأ به الأرض قسطا وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً.
قال الإمام الباقر عليه السلام حين سألـه مالك الجهني عن كيفية عزاء الأخ لأخيه يوم العاشر من المحرم قال تقولون:
«اعظم الله أجورنا بمصاب الحسين عليه السلام وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه الإمام المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله».(1)
وروى علي بن مهزيار عن الإمام الباقر عليه السلام أيضا قال:
«كأني بالقائم يوم عاشورا يوم السبت قائما بين الركن والمقام بين يديه جبرئيل ينادي البيعة لله فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً».(2)
وعن سلام بن المستنير عن الإمام الباقر عليه السلام أيضا قال في قوله
تعالى:﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً 33﴾ الإسراء/33 قال :
«هو الحسين بن علي عليه السلام قتل مظلوما ونحن أولياؤه والقائم منا إذا قام طلب بثأر الحسين فيقتل حتى يقال قد أسرف في القتل، وقال المسمى المقتول الحسين ووليه القائم، والإسراف في القتل ان يقتل غير قاتله، (انه كان منصورا) فانه لا يذهب من الدنيا حتى ينتصر برجل من آل الرسول صلى الله عليه وآله يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما».(1)
وعن الـهروي قال قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام:
«يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام أنه قال:
إذا قام القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها ؟!
فقال عليه السلام: هو كذلك.
قلت: فقول الله عز وجل﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ما معناه؟
فقال: صدق الله في جميع اقوالـه لكن ذراري قتلة الحسين عليه السلام يرضون بفعال آبائهم يفتخرون بها، ومن رضي شيئا كمن اتاه، ولو ان رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل وانما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.
قال فقلت لـه بأي شيء يبدأ القائم فيهم؟ قال يبدأ ببني شيبة ويقطع ايديهم؛ لأنهم سراق بيت الله الحرام».(2)
وسر الأمر في قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها انما هو في رضاهم وافتخارهم بها وقوله عليه السلام «ومن رضي شيئا كمن اتاه» هي القاعدة وتشمل من ليس ذرية، لقوله عليه السلام ولو ان رجلا قُتِل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل، ولقول علي عليه السلام «إنّما يجمع الناس الرضا والسخط، فمن رضي أمراً فقد دخل فيه، ومن سخطه فقد خرج منه».(1)
والذي نفهمه من هذه الروايات وروايات أخر تتحدث عن السفياني الشامي آخر الزمان ان خط بني أمية سوف يعود في آخر الزمان وقد صرحت الرواية بذلك، قال في معاني الأخبار: ابن الوليد عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا عن الأشعري عن السياري عن الحكم بن سالم عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله قلنا صدق الله وقالوا كذب الله قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وقاتل معاوية علي بن أبي طالب عليه السلام وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليه السلام والسفياني يقاتل القائمعجل الله تعالى فرجه الشريف».
وإذا أضفنا إلى ذلك أن انحراف بني العباس وظلمهم لأهل البيت عليهم السلام قتلا وسما وسجنا وتشريدا وادعائهم الخلافة الإلهية كانوا قد اقتدوا بأسلافهم في الحكم ببني أمية ومن مَهَّدَ لهم.
وتفيد الروايات أيضا أن حكم بني العباس سيتجدد في آخر الزمان
ويتحالفون مع السفياني فإنهم حين ينهض الحسني وأخوه ويحتلان المسجد الحرام يقتلانهما أهل مكة ويبعثان براسيهما إلى السفياني وهو الذي كتب عليهما، وحين يفاجئهم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف باحتلاله المسجد الحرام بعد ذلك بخمسة عشر يوما ويحتل المسجد الحرام ويعتصم به فيبعث السفياني بجيشه إلى مكة نجدة لبني العباس فيخسف به.
يتضح من ذلك ان في نهاية التاريخ سيكون خطان للصراع:
الأول: خط شيعة الحسين عليه السلام وأهل بيته الذين عرفوا طوال تاريخهم انهم يبكون الحسين عليه السلام ويعملون بفقه أبنائه التسعة ومعهم مستضعفون من السنة والمسيحيين واليهود والشعوب الأخرى يقودهم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف التاسع من ذرية الحسين عليه السلام.
الثاني: خط يقوده طاغية بني أمية السفياني الشامي وتحالف معه بنو العباس يساندهم الإسرائيليون والسفياني الغربي العالمي وقد أوغلوا في دماء الأبرياء والصلحاء من شيعة الكوفة وغيرهم.
وهنا ينصر الله تعالى وليه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ويأخذ بثأر الحسين عليه السلام الذي تجددت ظلامته بسفك دماءٍ من ذريته وبنيه ودماء أخرى سُفِكت من غير حقّ أيضا.
هذه هي ثارات الحسين عليه السلام التي يأخذها المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ممن سفكها فعلا أومن رضي بسفكها والرضا يجمع الأولين والآخرين ويجمع من كان ذرية ومن لم يكن.
فالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ثائر بدم الحسين عليه السلام معناه طالب بكل تلك الدماء
التي سفكت في غير حق من نسل الحسين عليه السلام ومن شيعته ومن الابرياء من المسلمين والحسين عليه السلام عنوان لكل ظلامة في البشرية، والمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ولي الدم دم الحسين عليه السلام ودماء شيعته ودماء الأبرياء قال تعالى﴿ وَلا تَقتُلوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلوماً فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطاناً فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصُوراً﴾ الإسراء/33 وقد وردت الرواية ان هذه الولي هو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
أَينَ الطّالِبُ بِدَمِ المَقتولِ بِكَربَلاءَ،
أَينَ الطّالِبُ بِذُحولِ الأَنبياءِ وأَبناءِ الأَنبياءِ،
أَينَ مُعِزُّ الأَولياءِ ومُذِلُّ الأَعداءِ،
أَينَ المُؤَمَّلُ لِإِحياءِ الكِتابِ وحُدودِهِ،
أَينَ المُدَّخَرُ لِتَجديدِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ،
أَينَ المُرتَجَى لِإِزالَةِ الجَورِ والعُدوانِ،
أَينَ جامِعُ الكَلِمَةِ عَلَى التَّقوَى،
أَينَ بابُ اللهِ الَّذي مِنهُ يُؤتَى.
***
البحث الخامس: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المنتظر والغرب
هل سيستفيد مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله عند ظهوره من طرق تقدير عمر الأشياء القديمة في علم الآثار (Archaeology) ومعطيات علم الشيخوخة (Gerontology) لإثبات عمره الطويل وعدم تأثير الزمن على جسمه ببقائه شابا رغم القرون المتطاولة ومن ثم بلورة معجزته التي ميزه الله تعالى بها وهي معجزة عند ادراك الشعوب لها سوف تبطل انبهارهم بتكنولوجيا الغرب وعلومه هذا الانبهار الذي صد الغرب والمتأثرين به عن ذكر الله تعالى وأشاع فكرة العلمانية والمادية ، مضافا إلى ذلك سوف تفتح المعجزة الطريق إلى الله من جديد في تلك الشعوب.
تمهيد:
أولا: ان تصور خاتمة سعيدة للإنسانية على الأرض ومستقبل عادل لها وخلاصها من كل ألوان الظلم والانحراف أمل منشود وفكرة محببة تبنتها الأديان السماوية وبشرت بها على أنها قدر محتوم تتحرك البشرية نحوه وتصل إليه.
ولم يقتصر الإيمان بهذه الخاتمة السعيدة للإنسان والتبشير بها على المؤمنين بالأديان السماوية فحسب «بل امتد إلى غيرهم أيضا وانعكس حتى على اشد الإيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات وآمنت بيوم موعود تصفى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام».(1)
ولا زالت المصادر الكتابية المعاصرة للتوراة وكتب الأنبياء والأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها وبقايا كتاب زردتشت (الاوستا) تحتفظ بعدد من النصوص التي تتحدث عن الفكرة، نعم هي قليلة اذ لا تتجاوز على اكثر تقاد يرها العشرين أو الثلاثين نصاً.(2)
أما المصادر الإسلامية السنية فالنصوص فيها كثيرة جدا اذ تتجاوز الخمسمائة ومفصلة حيث ذكرت اسم القائد الذي يتحقق الأمل العظيم على يديه ولقبه الذي يعرف به و البيت الذي ينجبه والكتاب السماوي الذي يتخذه منهجا، كما عرفت بكثير من الإرهاصات العامة التي تسبق ظهوره إضافة إلى سمات عصره ومجتمعه وسيرته فيه.
أما المصادر الإسلامية الشيعية فالنصوص فيها تصل إلى خمسة آلاف أو اكثر، حيث تبلغ الفكرة درجتها النهائية في الوضوح والتفصيل كنظرية وأطروحة لخلاص الإنسانية من الظلم. ولم يعد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في ضوء المصادر الشيعية فكرة ننتظر ولادتها ونبوئة نتطلع إلى مصداقها «بل واقعا
قائما ننتظر فاعليته وإنسانا معينا يعيش بيننا بلحمه ودمه نراه ويرانا ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المؤمنين وبؤس البائسين وظلم الظالمين ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمد يده إلى كل مظلوم وكل محروم وكل بائس ويقطع دابر الظالمين».(1)
ثانيا: ويهمنا جدا نحن أبناء هذا الكيان الذي عرف المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وآمن به وبايعه وأقام بناءه الفكري وعمله الاجتماعي والسياسي على الإيمان بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف شخصا ولد وقائداً باشر التوجيه والتربية والتخطيط لشيعته وأنصاره يهمنا جدا أن نتعرف على أطروحة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كما عرضها أهل البيت عليهم السلام، وبكل تفاصيلها وان نتعرف على مسيرة الكيان الذي حمل هذه الأطروحة وارتبط بها ارتباطا مصيريا وعلى المشكلات التي تواجهه أو تهدده وهو يحمل تفاصيل اعظم أمل تبتغيه البشرية وتنشده للحياة الحرة الكريمة والخلاص من الظلم نهائيا.
ولا يوم أفضل من يوم الخامس عشر من شعبان نتخذه موسما لدراسة ذلك كله. كيف لا يكون كذلك وهو اليوم الذي ولد فيه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سنة 255 هـ.(2)
وهو أيضاً اليوم الذي ختمت فيه المرحلة الأولى من عمله مع قواعده وشيعته سنة 329 هـ.(1)
وهو أيضا اليوم الذي تعرضنا فيه للاختبار الصعب والامتحان العسير حين أصبح المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مغيبا عنا لا ندري أي أرض تقله ولا نعلم بأي حال هو سوى انه طريد شريد موتور بابيه.
وهو أيضا اليوم الذي تحمّل فيه الشيعة عبر علمائهم مسؤولية مواصلة المسير على أساس منهج المهدي وآبائه عليهم السلام/ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله برواية أهل البيت عليهم السلام/ وكذلك مسؤولية المحافظة على هذا المنهج والوقوف بوجه المحاولات التحريفية التي تحاول احتواءه.
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كما تعرضه المصادر الشيعية:
يعرض المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في المصادر الشيعية كجزء من مخطط الهي شامل أوحاه الله تعالى إلى خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وآله كما أوحي إليه القرآن وبيانه استهدف هذا المخطط الإشراف على مسيرة الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وصولا بها إلى موقعها المشرق المستوعب للعالم أجمع وفيما يلي خلاصة بهذا المخطط وسيرته الواقعية.
أ. تعتبر رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله الصيغة الشاملة لدين الله تعالى الذي بعث به أنبياءه عليهم السلام الذين كانوا يبشرون بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله ويأخذون العهد
من أممهم على الإيمان به ونصرته إن أدركوا زمانه وأيامه، وأراد الله تعالى للإسلام ممثلا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة ان يستوعب كل طموحات الإنسان وان يساير تطوره المبدع متجهاً به إلى الخاتمة السعيدة التي بشره بها ودعاه إليها.
ب. لم تكن ظروف تبليغ القرآن الكريم والسنة وتكوين الأمة خالية من أخطار مستقبلية تهدد الرسالة والأمة معاً، كما انه لم يكن العمر المقدر لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ـ وهو قصير نسبيا ـ كافيا لمواكبة انفتاح البشرية كافة على الإسلام وتحقيق الحلم الكبير الذي بشرت به حركة النبوات ومن هنا كان لابد من تكفل أمر المحافظة على الرسالة: من خطر التحريف الذي يتهددها من الداخل وأمر رعاية الأمة المهددة بخطر الانحراف لتشق طريقها نحو استيعاب العالم على أساس النبوة الخاتمة و تراثها الصحيح، وقد ادخر الله تعالى لهذه المهمة اثني عشر وصياً من عترة النبي صلى الله عليه وآله، وبلغ النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى امته بعدّتهم قائلا «الأئمة من بعدي اثنا عشر»(1)وقال «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا. كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقد أخبرني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».(2)
ج. مهد النبي صلى الله عليه وآله لهذا المخطط الإلهي حين ركز بصفة خاصة على علي عليه السلام بصفته أول الأوصياء وحجر الأساس الفكري للمخطط كله،
وعلى شهادة الحسين بصفتها حجر الأساس للإطار الاجتماعي والسياسي للمخطط كله وعلى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بصفته وارث المخطط كله الذي يستوفي كل أغراضه وعلى يده تستكمل البشرية انفتاحها على الإسلام الصافي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ، وقد كتب علي صلى الله عليه وآله في صحف من الجلد عن رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة في لقاءاتهما الخاصة المعروفة بين المسلمين كل السنن التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة وكل الملاحم والفتن التي سوف تقع بعد الرسول صلى الله عليه وآله والموقف المناسب منها، وتوارث الأوصياء الاثنا عشر هذه الكتب وكانت الأساس لعملهم الفكري والمرشد لعملهم السياسي.
د. تعرضت الرسالة والأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله للأخطار وكانت حياة الأوصياء وقفا على تنفيذ المخطط الإلهي المرسوم لحفظ الإسلام ورعاية الأمة وشرح كيفية ذلك له مقام آخر.
هـ. أفرز عمل الأئمة الأحد عشر عليهم السلامخطا فكريا واجتماعيا وسياسياً في الأمة يحمل الإسلام كما رواه علي عليه السلام وطبقه، وقد حمل هذا الخط الاسم الذي اطلقه رسول الله صلى الله عليه وآله على المؤمنين بعلي عليه السلام وموقعه من الإسلام كما أراده الله ورسوله وهو اسم شيعة علي (أو أولياء علي عليه السلام) حين قال رسول الله صلى الله عليه وآله «يا علي انت وشيعتك الفائزون يوم القيامة» ثم عرف الخط بالشيعة مطلقاً. وقد ربى الأئمة عليهم السلام الشيعة على التفجع لظلامة الحسين عند ذكره وفي أيام المحرم خاصة ويوم العاشر بشكل اخص وحثوهم على إقامة مجالس العزاء حتى كانت ولا تزال الصفة الأولى للشيعة وكذلك ربوهم على انتظار قائم آل محمد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وعبأوهم ان يكونوا جيش
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وأنصاره وأعوانه وصارت صفة الانتظار ولا تزال الصفة الثانية التي يعرف بها الشيعي.
والمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو محمد بن الحسن العسكري عليه السلام المثنى وهو الوصي الثاني عشر الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله :
ـ «اسمه اسمي».(1)
ـ «من ولد فاطمة».(2)
ـ «من ذرية الحسين».(3)
(1) المفيد، الإرشاد : ج2 / ص340.
(2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: (المهدي من ولدك). الحديث الرابع من أربعين الحافظ أبي نعيم.ابن أبي الفتح الاربلي، كشف الغمة: ج3 / ص267 .
(3) حديث حذيفة بن اليمان قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرنا بما هو كائن ، ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطول الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي ، اسمه اسمي. فقام سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله ! من أي ولدك ؟ قال: من ولدي هذا ، وضرب بيده على الحسين». راجع:ابن القيم، المنار المنيف: ص148، ص329 فصل 50، عن الطبراني في الأوسط، وعقد الدرر: 45 من الباب الأول وفيه: (أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي)، ذخائر العقبى: ص136، وفيه: (فيحمل ما ورد مطلقاً فيما تقدم على هذا المقيد)، فرائد السمطين ج2 / ص325، ص575 باب 61، ابن حجر، القول المختصر: ج7 / 37 باب 1، فرائد فوائد الفكر: ج2 / باب 1، السيرة الحلبية: ج1 / ص193، ينابيع المودة: ج3 / 63 باب 94، وهناك أحاديث أُخرى بهذا الخصوص في مقتل الإمام الحسين عليه السلام للخوارزمي الحنفي: ج1/ص 196، فرائد السمطين: ج2 / ص310 ـ 315، الأحاديث 561 ـ 569، وينابيع المودة ج3 / ص170، ص212 باب 93 وباب 94. ومن مصادر الشيعة أُنظر : كشف الغمة: ج3 / ص259 ، وكشف اليقين: ص117 ، واثبات الهداة: ج3 / ص617 ، ص174 باب 32 ، وحلية الأبرار: ج2 / ص701 ، 54 باب 41، وغاية المرام: ص694 ، 17 باب ، 141 ، وفي منتخب الأثر الشيء الكثير من تلك الأحاديث المخرجة من طرق الفريقين ، فراجع.
ـ«يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً»(1).
وقد ولد سنة 255 هجـ، اضطلع بمهمته الرسالية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة 260 هجـ، وله من العمر خمس سنوات (2) مارس التوجيه الفكري والسياسي والتنظيمي للشيعة لمدة سبعين سنة تقريبا عبر السفراء الأربعة المتعاقبين وعبر وكلاء آخرين أسس خلال هذه الفترة المعروفة بالغيبة الصغرى علاقةً محكمة بينه وبين شيعته وشيعة آبائه غير قابلة للفسخ بمرور الأيام وتقادم الأزمنة فحسب بل تزداد بمرور ذلك عمقا ورسوخا وتضطرم أفئدة شيعته حباً وشوقا لا نظير لهما بين قائد واتباعه فصلت بينهم الليالي والأيام والدهور كما فصل بين المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وشيعته، حب وشوق تدمع العيون لأجله وتحترق القلوب بناره كيف لا يكون ذلك وهم يرددون آناء الليل وأطراف النهار في دعاء الندبة المعروف «ليت شعري أين استقرت بك النوى؟ بل أي أرض تقلك أو ثرى؟ عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى؟ بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنى من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنا!…. هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى، هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى؟ متى نغاديك ونراوحك؟ متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء
النصر؟ ترى أترانا نحف بك وأنت تؤم الملأ، وقد ملأت الأرض عدلاً، وأذقت أعداءك هوانا وعقابا… وقطعت دابر المتكبرين واجتثثت أصول الظالمين».(1)
وأرسى أيضا علاقة فكرية وسياسية وتنظيمية بين خلفائه وشيعته لن تنفصم عراها أبد الدَّهر ومهما احلولكت الأيام وتعاظمت الخطوب وصارت العلاقة القويّة بين الشيعة والفقهاء ممثلة بالتقليد والولاية الصفة الثالثة التي عرف الشيعي بها ويوصف.
غاب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الغيبة الكبيرة بعد أن احكم تينك العلاقتين الأصليتين في هذا اليوم يوم الخامس عشر من شعبان معرضا شيعته للامتحان الصعب والتمحيص الكبير، معرضاً شيعته إلى تجربة التكامل الذاتي وفق المنهج الإلهي، هذه التجربة التي أخفقت فيها كل الجماعات البشرية المؤمنة حين ضعفوا عن حمل الأمانة وانحرفت بهم السبل وغالتهم الأعداء سوف لن يكون مصير شيعة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كذلك في هذه التجربة بإذن الله تعالى.
ز. حافظ الشيعة في عصر الغيبة الكبرى على الصفات الثلاث التي بناها الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام فيهم:
1. الحزن على الحسين عليه السلام وحمل ظلامته غضّة طرية.
2.الانتظار للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والتهيئة.
3. والرجوع إلى الفقهاء العدول في الحوادث الواقعة لأخذ الإسلام برواية علي عليه السلام وتطبيقه منهم والاحتكام اليهم والارتباط بهم مصيريا كما أوصى بذلك المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف نفسه في الغيبة الصغرى حيث قال «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم». (1)
وقد خطا الشيعة بقيادة الفقهاء إلى أبعد من المحافظة على هذه الصفات الثلاث ارتقوا إلى واقع اكثر تطوراً في قدراته وإمكاناته، واقع استطاع الفقيه الجامع للشرائط أن يتحرك به لإنجاز أعمال سياسية ضخمة بدءاً من فتوى التنباك الشهيرة ومروراً بقضايا المشروطة والمستبدة وفتوى الجهاد في الحرب الأولى وثورة العشرين و الخامس عشر من شعبان وفتوى تكفير الشيوعية وقيام السيد الخميني وتحرير أهم منطقة نفوذ لأميركا في المنطقة إلى الدور الذي اضطلع به السيد السيستاني دام ظله الوارف بعد عام 2003م وصولا إلى فتوى الجهاد الكفائي وما بعده.. وفي كل هذه الإنجازات كان الفقهاء يمارسون عملهم بوصفهم نوابا للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مصرحين بذلك، والعالم اليوم بغض النظر عن موقفه من الأطروحة الفكرية التي يحملها الشيعة يشهد لهم عميق ارتباطهم بالفقهاء وشديد حزنهم على الحسين عليه السلام وأصيل انتظارهم للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
الغرب كما يعرض نفسه ويراه العالم:
توصل الغرب على اختلاف بلدانه وقومياته في القرون الأخيرة إلى
طريقة خاصة في الحياة وهي طريقة العلمانية «النهج الحياتي الذي يستبعد أي تأثير أو توجيه ديني على تنظيم المجتمع والعلاقات الإنسانية داخل المجتمع والقيم التي تحتويها هذه العلاقات وترتكز عليها»، وقد أصبحت العلمانية «الروح العامة والموجهة في الحضارة الحديثة بجانبيها الرأسمالي والماركسي».(1)
وحين يقتصر الغرب في موقفه وطريقة تفكيره تلك على المسيحية والكنيسة أي انه يستبعد تأثير البابا والمسيحية على الحياة العامة فهو على حقه في ذلك وله من المبررات ما يجعل موقفه نتيجة طبيعية لحركة التطور البشري إذ لا تمتلك المسيحية المعروفة الممثلة بالكتاب المقدس ولا الكنيسة الممثلة: بالبابوية القدرة على استيعاب تطور الإنسان ومواكبة حاجاته المستجدة، إضافة إلى الخطأ الذي تورطت فيه الكنيسة عندما وسعت من سلطتها المطلقة لتشمل النواحي العلمية القائمة على أساس الملاحظة والتجربة ففرضت على الباحث في العلوم الطبيعية ـ مثلاً ـ أن لا يأتي بشيء يخالف التصورات المتبناة من قبل الكنيسة في حقل الطبيعة، كقضية غاليلو وموقف الكنيسة من رأيه في حركة الأرض حول الشمس وهي معروفة لدى الجميع.
ولئن كان الغرب قد أصاب في موقفه من المسيحية والكنيسة فانه قد اخطأ حين جعل موقفه ذاك هو الموقف العام أيضا من الإسلام وقد ساعده على هذا التعميم أمور عدة:
منها: تجربة الخلافة مع الإسلام فقد أفرزت في مرحلتها العثمانية وبخاصة الطور الأخير حالة من التخلف الفكري والإداري والصناعي لم تكن معهودة من الخلافة في مراحلها السابقة على الرغم من انحرافها وابتعادها عن الاسلام.
ومنها: أن كثيرا من المسلمين الذين لا يعرفون من الاسلام إلا تجربته الخلافية قد انبهروا بالحضارة الغربية وتجاوبوا مع الأساس الفكري العام الذي قامت عليه هذه الحضارة كما حصل في تركيا مركز الخلافة الإسلامية العثمانية حين قام نظام علماني على أنقاضها نصَّ في بعض مدوناته الرسمية «على أن تأخر الأمة إنما جاء من النظم والمدونات الدينية»(1) «ويرى فصل الدين عن أمور الدنيا والسياسة وسيلة رئيسية لتقدم الأمة وسموّها ونجاحها».(2)
ومنها: ما بذلته الكنيسة أيام نفوذها قبل الحروب الصليبية وأثناءها وحتى بعدها من تشويه للقرآن وشخصية النبي صلى الله عليه وآله ولا زالت ماضية في جهدها ذاك إلى اليوم، قال مونتغمري واط «ليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حط من قدرها في الغرب كمحمد فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد».(3)
لقد كانت المشكلة الأساسية في معاناة الغرب هي الكنيسة وسيطرتها المطلقة على شؤون الحياة المختلفة وقد شهد الغرب الفتوحات العلمية
العظيمة والتطور الصناعي الهائل لا في تاريخه فحسب بل في تاريخ الإنسانية كلها يوم ثار على الكنيسة وفصل الدين عن الحياة العامة واعتمد النهج التجريبي أساساً لتفكيره وتهيأت الأجواء بعد ذلك لا لفصل الدين عن الحياة العامة فحسب بل رفضه تماماً حين ظهرت بعض الاتجاهات التي تعتمد التجربة مقياساً لصحة الفكر وخطأه ومن هنا وصفت الماركسية الدين بأنه خرافة ودعت إلى تجاوزه تماماً.(1)
وتبوأ العلم التجريبي موقعاً خطيرا في حياة الإنسان الغربي لما حققه من إنجازات عظيمة في تطويق سلبيات الطبيعة عليه وتخليصه من اغلب كوارثها، أو في تحريك خيراتها لخدمة أهدافه ومصالحه، واستجاب إنسان العصر الحديث لسيادة العلم وخضع له خضوعاً مطلقاً.
إن رفض الدين المحرف الذي يكبل حركة الإنسان ويعثر مسيرته ليس موقفا خاطئا يحاسب عليه بل موقف صحيح يشكر له، أما تأليه الإنسان الذي كان البديل لرفض الدين في الغرب فهو موقف خاطئ وانحراف كبير، لقد فرَّ الإنسان الغربي من انحراف المسيحية ووقع في انحراف اشد وهو العلمانية، وقد حاول دعاة العلمانية ان يجعلوا من العلم غطاءً وقناعاً لهذا الانحراف فوصفوا «بدعة فصل الدين عن الدولة وتأليه الإنسان»
(1) يقول نديم البيطار في كتابه الإيديولوجية الانقلابية ص 726 «ان الإلحاد الانقلابي الحديث يؤله الإنسان بشكل ما، كانت اللبرالية والشيوعية والنازية والاشتراكية والديمقراطية محاولات تأليه» ويقول في ص 728 «هكذا نرى أن الانقلابات الحديثة تهاجم الدين السائد بشراسة وضراوة… ولكن الإيديولوجيات الهت عنصراً إنسانيا كالعقل والأمة أو الجنس أو الفرد أو البروليتاريا».
بالعلمانية أي الموقف القائم على أساس العلم، كما وصف ماركس اشتراكيته بالاشتراكية العلمية أي النظام الاجتماعي الذي أفزرته قوانين التاريخ التي هي قوانين علمية خاصة بحركة الإنسان السياسية زعم ماركس انه كشفها كما يكشف العالم الفيزيائي قوانين الفيزياء.
وبحكم العوامل التي فرضت على الغرب ان ينغلق على الاسلام الصحيح والعوامل الأخرى التي فرضت عليه ان يرفض المسيحية وحاجة المجتمع الماسة إلى النظام الاجتماعي وبحكم إحساسه بوجود نظام اجتماعي طبيعي كما هو الحال في الكون الذي تحكمه القوانين الخاصة به، وكما ان التجربة والملاحظة كانت أساساً صحيحاً ووحيداً لاكتشاف قوانين الكون كل ذلك دعاه ان يعتمد التجربة أساساً لاكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح، وهكذا فرضت هذه العوامل مجتمعة ان يسير الغرب باتجاه منحرف منذ اليوم الأول الذي ثار فيه على الكنيسة والمسيحية.
وتعمق هذا الانحراف حين رفع دعاة العلمانية شعارا: أن هذه الإنجازات العلمية أساسا هي من صنع العلمانية كمنهج في الحياة، وبحكم السيادة التي تبوأها العلم التجربي بحق والانبهار الكبير بإنجازاته وفتوحاته أصبح العلم التجربي وإنجازاته العلمية غطاءً وقناعاً للانحراف.
وكان الأمر كذلك للإنسان الغربي فقد أصبح العلم التجريبي دليلاً على العلمانية وهنا يصل الانحراف قمته أي حين تتوفر للعقل مبررات قوية تجعله يتقبل الانحراف كأمر صحيح ويتحول جدل الإنسان وفكره بسبب ذلك إلى جدل عقيم وتسقط مع هذه الحالة فائدة الحوار.
لقد وصل الغرب إلى هذه الحالة بعد مسيرة ثلاثة قرون أو اكثر من الانحراف المغلف والمبرر بالعلم التجريبي، والغرب اليوم يقود عملية الانحراف في العالم ليس لأنه يمتلك كما يقال حصة الأسد من العلوم التجريبية والإنجازات العملية لها، بل لأنه يمتلك الأسد وحصته فالغرب في نظرا العالم مصدر العلوم التجريبية كما يقال.
ونحن حين نتحدث عن الحالة العامة للغرب والمتأثرين به لا يعني عدم وجود أفراد أحرار في فكرهم أدركوا حالة الانحراف هذه وخرجوا عنها ولكنهم قلائل، مَثَلُهم في ذلك مثل أبي ذر وعمار ومقداد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله كانوا يدركون انحراف العرب في الجاهلية وتحرروا من الانجراف وتطلعوا إلى منقذ يضعهم على الجادة السليمة.
الانحراف الفكري و مواجهته إلهياً:
في كل حقبة زمنية تسجل حركة التطور البشري امتيازاً ونضجاً في حقل من حقول الخبرة الإنسانية، ثم تتفاعل البشرية معه تفاعلاً خاصاً بل تغلو به في كثير من الأحيان، وفي ظل غياب الأطروحة الإلهية السليمة من التحريف وتوفر أجواء الانحراف تستغل فئة خاصة في المجتمع ذلك الانبهار والغلو لتكريسه أولا ثم لتبرير حالة الانحراف الفكري والابتعاد عن الله تعالى وهكذا تتحول الخبرة البشرية الممتازة في حقل العلوم المختلفة أو في حقل اللغة والأدب أو غيرها إلى مدخل للانحراف الفكري وأساس تبريري له.
وما عرضناه آنفا من الحديث عن الانحراف الفكري الغربي هو فيما
نقدر آخر أشكال الانحراف الذي يحصل في البشرية المبرر بالخبرة البشرية الناضحة في حقل من الحقول، وقد ادخر الله تعالى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لمواجهة هذا النوع من الانحراف وإنقاذ المجتمع البشري منه، (والعمر الطويل للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ومظهره الشاب الخارق لقانون التكوين البشري وسلاحه الفعال، عدة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في هذه المواجهة بل عدة الله سبحانه وتعالى ).
والمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في هذا الأمر كمن سبقه من حجج الله في أرضه الذين هيأ الله لهم من المعجزات ما يعالج به انحرافات عصره ويفضح الطواغيت والمستكبرين دعاة الانحراف ويفتح الطريق إلى الله.
وقبل الدخول في هذا البحث نرى من الضروري الحديث ولو إجمالا عن الخط الإلهي العام في مواجهة الانحراف الفكري.
نريد بالانحراف الفكري هنا: نوع الانحراف الفكري الغربي الذي شرحناه سابقا وهو سنخ انحراف تتعطل معه قدرة الإنسان على إدراك الحق وتبطل به فائدة الحوار ما لم تسترجع القدرة المفقودة ويطلق الفعل من أسره وقيوده.
وفي حالة من هذا القبيل تكون المعجزة هي الدواء ونريد بالمعجزة: الأمر الخارق للقانون الكوني الذي يبطل مقولة الطواغيت ويفضح أحدوثتهم ومن جهة أخرى يثبت مقولة الرسل ويؤيد رسالتهم.
ففرعون مثَّلَ طاغية كانت أحدوثته هي مدعياته بتعدد الأرباب والآلهة فبزعمه هناك رب الشمس ورب القمر، ورب النيل ورب مصر العليا
ورب مصر السفلى وهكذا… وأن رب الشمس هو رب الأرباب وان فرعون هو ابن رب الشمس ويرمز لرب الشمس بالصل والثعبان الذي يحرق الأعداء بزفيره الناري، ومن ثم أصبح الصل هو الرمز الملكي الذي يضعه الملك فوق جبينه أوتاجه، والصل أي: الثعبان هو حامي مصر السفلى أي رب الدلتا، وبسبب ذلك لابد ان تكون كلمة فرعون هي القانون السائد في مصر.
والسحر كخبرة بشرية بني على العقائد والمواد الكيماوية وصل في ذلك الوقت درجته العالية في النضج وتفاعل الناس معها وغلوا بها فسخرها فرعون لخدمة أحدوثته فأضاف إليها التعاويذ والتراتيل التي تذكره وتذكر آلهته فيظن الملدوغ مثلاً ان علاجه قد تم بالتعويذة التي تذكر فرعون والهته لا المرهم الموضوع على العضو المصاب.
وحينما خضع الإنسان المصري لهذا الوهم وقام بناؤه العقلي على ذلك كان لابد من إنقاذه من هذا الوهم أولا وهو الاعتقاد بأن قدرة الساحر ناشئة من فرعون فتأتي المعجزة من سنخ ما يتذرع به فرعون لإثبات مدعياته، فيجيء موسى عليه السلام بالعصا واليد البيضاء وآيات أُخر يبطل بها سحر فرعون فينتهي الانبهار به ويتحول إلى موسى عليه السلام ورسالته ويظهر فرعون ومدعياته عارياً عن السحر الذي ابطل الانبهار به للمعجزة المسانخة له شكلاً المختلفة عنه جوهراً.
إذن الخط العام الثابت الذي تتحرك وفقه حركة النبوات لمواجهة الانحراف الفكري هو المعجزة، بصفتها الأمر الموضوعي الوحيد الذي
يبطل به الانبهار بالخبرة الممتازة المستغلة من المنحرفين، وهي أيضا الأمر الموضوعي الوحيد الذي يفضح الطاغوت؛ لأنه عاجز عن الإتيان بمثله، وهو أيضا الأمر الموضوعي الوحيد الذي يثبت تأييد الرسول.
وقد تنوعت المعجزات تبعا لتنوع الخبرة البشرية التي تتهيأ الظروف لها لتكون مدخلا للانحراف.
علم الشيخوخة (Gerontology):
تمخضت النهضة الأوروبية الحديثة عن علوم تجريبية متنوعة ازدادت من خلالها خبرة الإنسان بأسرار الكون والقوانين التي تتحكم بظواهره، وجعلته أكثر قدرة من ذي قبل على مواجهة ظواهر الطبيعة وتوجيهها لصالحه.
ويرتبط بموضوعنا علمان أساسيان من هذه العلوم هما علم الشيخوخة وعلم الآثار القديمة، وهما علمان ما كانا ليولدا وينشئا لولا النهضة الأوروبية الحديثة حيث يقومان على أساس الوسائل التجريبية المتطورة التي أفرزتها هذه النهضة كما يتوقف نموهما وتقدمهما على تقدم تلك الوسائل نفسها. إضافة إلى انهما علمان فرضا على أوروبا ومن ينهج نهجها في الحياة أن يمُدَّ يد العون لتطوير هذين العلمين باعتبار نتائج تطور الشيخوخة تهم كل إنسان في هذه الحياة، كما أن آثار الإنسانية السحيقة وإن كانت في مكان محدد أو لقوم معينين غير أن قدمها وانقطاعها عن العالم المعاصر جعلها مشاعة للجميع بصفتها تعبيرا عن الإنسان في مراحله الأولى، والإنسانية كمجموع يهمها أن تعرف كيف كانت في مراحل نشأتها
الأولى، ولا نجد هذه الحالة التعاونية الشاملة في علوم أخرى بل نجد الاحتكار أحياناً في بعضها كما هو الحال في الصناعة وبخاصة المرتبطة بالتفوق الاقتصادي والعسكري.
يُعنى علم الشيخوخة (Gerontology) بالدراسة العملية لظاهرة الشيخوخة (Phenomena of aging) ومشكلاتها، كما يعنى علم طب الشيخوخة (Geriatrics) بالمشكلات والأمراض التي تصيب الإنسان المسن(1)، والشيخوخة هبوط وانحدار متعاقب وتتالٍ غــير قابل للعـودة إلى الوضع السابق (Progressive and irreversible decline) يحصل في كل فرد كجزء طبيعي من دورة حياته في فترة ما بعد بلوغه يشمل اكثر أو كل خلايا الأعضاء والأجهزة في الجسم.
وهدف البحث في علم الشيخوخة هو اكتشاف العوامل المؤثرة على هذه التغيرات ثم محاولة التخفيف من الوهن والضعف المرافق للشيخوخة.
وللشيخوخة مظاهر متعددة ولكن الاساسية منها يمكن حصرها في مقولات ثلاث:
1. تغييرات حيوية وظيفيه (Biological – Physiological).
2. تغييرات نفسية سلوكية (Physiological – Behavioral).
3. تغييرات اجتماعية اقتصادية (Social – economic) (2).
لقد أدرك الإنسان منذ الماضي ظاهرة الشيخوخة وعانى منها، وداعبه
حلم (تجديد الشباب) ولا يزال، غير أن إدراكه ذاك لم يكن مقرونا بدارسة لما يتركه الزمن من بصمات لا تمحى على الأنسجة والخلايا التي تتألف منها أعضاء الجسم وأجهزته، إنه كان يدرك من الشيخوخة ظاهرها ونتائجها لا غير.
وأما باطنها وأسرارها فلم يكن بإمكانه إدراك ذلك لعدم تيسر الوسائل العلمية المعقدة التي تتألف منها مختبرات اليوم، كان إدراكا ساذجا إذا ما قورن بادراك الإنسان الحديث الذي علمته الحضارة الأوروبية الحديثة ووسائلها الكثيرة عن حقيقة الشيخوخة وتلك البصمات الباقية التي هي السر وراء الظواهر العامة التي يتميز بها الإنسان المسن.
إن هذا الإدراك سوف ينمو ويتسع لدى الإنسان المعاصر والأجيال المقبلة؛ لأنها مصيره الذي سوف يلاقيه حتما وبخاصة وقد استطاع ان يقضي على كثير من الأمراض التي كانت تهدد حياته وتحول بينه وبين عمره الطبيعي وحين يصل إليها سوف تزعجه مشكلاتها التي تفرض عليه مراجعة أطباء الاختصاص (Geriatricians)، وسوف يواجه الأطباء بيان ما علمهم العلم الحديث من أسرار الشيخوخة وحقائقها التي جعلت العلم يعترف بعجزه أمامها وبخاصة حين يكون الحلم من قبيل (رجوع الشيخ إلى صباه وشبابه) عجزاً قائما على أساس التميز بين ظواهر مرضية وضعف عام في الصحة يقع نتيجة ميكروب أو نقص مادة غذائية معينة أو مادة كيماوية معينة وظواهر الضعف العام في الصحة والانحدار في المزاج نتيجة تقدم العمر بالإنسان؛ لأنه أمام النوع الأول من الظواهر ليس عاجزا بما وفره العلم له من المضادات الحيوية والأدوية المتنوعة، وحتى لو فرضنا
انه لا يعرف للآن بعض المضادات الحيوية للقضاء على الفيروس مثلا فهو عجز مؤقت مصحوب بثقة الوصول إليه في المستقبل، أما عجزه أمام عوارض الشيخوخة المزعجة فهو عجز دائم مبني على عجز العلم الحديث نفسه.
وهكذا بفعل الحاجة المتزايدة لمعالجة مشكلات الشيخوخة والعجز الدائم للعلم عن مواجهة هذه المشكلات مواجهة جذرية والتأكيد المستمر على عجزه عن تجاوز هذه الظاهرة من خلال معرفته النامية بقانون الشيخوخة ليست بصفتها قانونا خاصاً بالإنسان بل بصفتها قانونا كونيا يسري في كل مفردات الكون والطبيعة من الكائن وحيد الخلية إلى المجرة الكبيرة إلى الكون نفسه.
علم الآثار القديمة (Archaeology):
نشأ علم الآثار القديمة أو علم الماديات أواخر القرن الثامن عشر ويُعني بالدراسة العلمية للجماعات البشرية البائدة أو الأطوار القديمة للحضارة من خلال الهياكل العظيمة المتبقية أو المتحجرات (Fossils) وأشياء الإنسان من أدوات ومصنوعات ونصب ونقوش يعنى بها وصفاً وتحليلاً وتقديراً لزمنها (Dating)(1) ولتقدير زمن الأشياء علم خاص هو علم التقويم (Chronology) يهدف إلى ضبط موقع الشيء التاريخي في المسيرة العامة للإنسان وتعيين الدور التاريخي الذي ينتسب إليه ذلك الشيء، ويستعين
عالم الآثار القديمة اليوم بعلوم أخرى كعلم النبات وعلم الحيوان وعلم التربة وعلم الجيولوجيا وعلم الأشعة وغيرها.
وقد أحيا علم الآثار القديمة الحضارات المندثرة المنسية، كحضارة السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين في العراق والفراعنة في مصر، والادغاريين والفينقيين في سوريا، واستطاع أن يقرأ ما كتبوه على الطين المشوي وما نقشوه على الأحجار والجبال وما كتبوه على أوراق البردي والجلود، استطاع أيضا أن يفك رموز الكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية وغيرها من الكتابات، ويتوصل إلى قواعدها وأصولها ومتاحف العالم اليوم التي لا يخلوا منها بلد زاخرة بالآلاف من هذه الألواح والنقوش كما هي زاخرة بالآف العينات من مخلفات الحضارات القديمة استطاع إنسان العصر الحديث من خلالها أن يعرف عن إنسان ومجتمع تلك الحضارات عاداته وأعرافه وعقائده وشرائعه وأدبه وأمثاله وعلومه الحياتية المختلفة، وقد كان الطريق الطبيعي للحصول على تلك العينات والنقوش هو ارتياد الأطلال والمواقع الأثرية والحفر فيها (Excavation) (وهو المظهر الجراحي لعلم الآثار)(1) الذي أمده بالكنوز بين الفينة والأخرى، وله رجاله وبعثاته.(2)
(1) يراجع الموسوعة البريطانية قسم الماكروبيديا لفظة (Excavation).
(2) أحصى طه باقر في كتابه مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ط2 سنة 1970م أربعاً وعشرين بعثة تنقيب بريطانية وألمانية وأميركية وفرنسية ويابانية وسوفيتية وإيطالية ودنماركية وعراقية توزعوا على الأماكن الأثرية وهي كثيرة جدا في العراق وأسفرت جهودهم التنقيبة عن آلآف الألواح الطينية في مختلف حقول المعرفة بالخط المسماري وآلاف العينات الحضارية القديمة لسكان العراق القدماء وهي الآن موزعة في متاحف العالم المختلفة.
«والمواقع الأثرية أو الأطلال الأثرية كانت في أصلها قرى أو مدن قديمة فالمعروف أن الناس كانوا وما زالوا يعيشون في البقعة الواحدة عدة أجيال متعاقبة، وسواء كانت دور سكناهم مبنية من الطين أم من (اللبن) أم من الآجر فإنها لابد أن تتداعى بمرور الأزمان، وبعد استنفاد ترميمها عدة مرات تشيد بيوت جديدة فوق بقايا جدران البيوت القديمة بعد تسويتها للاسفادة منها كأسس للبيوت الجديدة، وهكذا ترتفع أماكن السكنى بمرور الأزمان وتكون تلا أو مرتفعاً اصطناعيا يمثل أدواراً كثيرة من السكنى المتعاقبة، ومثاله قلعة (كركوك) القديمة التي هي في واقع الأمر تل اصطناعي تكون من تراكم طبقات السكنى المتعاقبة لعله منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد إلى الزمن الحاضر حيث دور السكنى الحديثة فوق قمة التل وتحتها أسس جدران بيوت من العهد العثماني وتحت هذه أنقاض سكنى من دور أقدم وهكذا إلى قعر التل حيث بقايا أول استيطان في الموضع وهو يقوم فوق ما يسمى في علم الآثار بالأرض البكر (Virgin soil) وهناك عوامل كثيرة لترك مواضع السكنى القديمة والانتقال إلى أماكن جديدة.
وهي تختلف باختلاف المواضع، فمن بين هذه العوامل ان موضع السكنى إذا ارتفع ارتفاعا ًكبيرا بسبب تراكم بقايا السكنى بعضها فوق بعض تركه السكان وسكنوا في موضع جديد، ومنها انقطاع موارد المياه
مثل جفاف الآبار والعيون، وأهم من ذلك تغير مجاري الأنهار التي شيدت فوق ضفافها تلك المستوطنات.
ويستخدم الآثاريون مصطلح (الطبقة الاثرية) (Level) و (الدور الحضاري) (Cultural period) ويريدون بالطبقة الاثرية: الدور البنائي أو الدور السكني، (Building level) سواء كان البناء من جدران وتباليط (Pavement) تابعة لها، أم من أرضيات ترابية أو طينية مدكوكة مما يبقى من سكنى الإنسان في الخيام أو الاكواخ أو الملاجيء الجبلية أو الكهوف، أما الدور الحضاري فيريدون به الحقبة الزمنية التي قد تدوم بصفة قرون تتألف في الموضع الأثري من عدة طبقات وتتميز الحقبة الزمنية بآثارها الخاصة وطرزها المعمارية وأوانيها الفخارية، والباحثون الآن في وضع يستطيعون معرفة الدور الحضاري بمجرد فحص آثار قليلة منه.
ومن البديهي أن تكون الطبقة الأثرية السفلى وما يعثر عليه فيها من الآثار وأبنية أقدم زمنا من الطبقة التي تليها إلى الأعلى، ويستطيع الباحث الأثري أن يخمن الزمن الذي تستغرقه كل طبقة من هذه الطبقات و بتقدم العلوم الحديثة يستعين علم الآثار بطائفة من الاختراعات التي توصلت إليها العلوم الحديثة مثل الكيمياء والفيزياء الذرية والجيولوجيا وغيرها في تحديد أزمان أدوار التاريخ وما قبله بالنسبة إلى عهد ثابت مثل العهد الميلادي.
ومن الطرق العلمية الحديثة التي طبقت حديثا في تحديد أزمان المواد الأثرية التي تعرف بمصطلح النظائر (Isotopes) أو العناصر المشعة (Radio
– active) أي وجود إشكال للعنصر الواحد ذات أوزان ذرية مختلفة، والعادة في هذه النظائر أنها غير ثابتة؛ لأن ذراتها مشعة فتتحول إلى عناصر أخرى، ومن هذه العناصر المشعة التي استخدمت في تحديد أزمان العصور التاريخية هو (الكاربون 14) استخدمها العالم الطبيعي (Libby) من جامعة شيكاغو عام (1948) تبعه باحثون آخرون ومازال البحث فيها وتحسينها جاريين.
ومنها أيضا طريقة فحص (البوتاسيوم ـ ارغون) المرموز لهابـ(K – A) المستندة إلى ظاهرة تحول البوتاسيوم المشع أي الوزن الذري (K 40) بمرور الزمن إلى (ارغون).
ومن الطرق الأخرى التي اعتمدها الباحثون لتحديد تسلسل الحكام والملوك ما خلفه الكتبة القدماء من إثبات أو جداول مطولة بأسماء السلالات الحاكمة وترتيب تسلسلها الزمني».(1)
وقد نشأ علم آخر يهتم بالكتابات القديمة وهو علم الوثائق (Diplomatics) ويعني بالتمييز بين الوثيقة الأصلية عن المزورة وكل ما يرتبط بالنص وفك رموزه وكشف معمياته وتصحيحه.(2)
لقد تهيأت أرضية جديدة للإنسان الأوروبي وإنسان العالم الحديث من خلال علم الآثار والعلوم الأخرى الفرعية ذات العلاقة جعلته يتذوق
التعامل مع الأشياء الأثرية وأثارت لديه الحاجة من خلال ما تجمع لديه من هذه الوثائق والآثار إلى تنظيم رؤية عن حركة حضارة الإنسان منذ فجر نشأته وقد سار فعلاً في هذا الاتجاه وقطع شوطاً لا بأس به ظهر عبر تآليف جيدة ومتنوعة شهدتها الساحة العالمية سواء على مستوى الموسوعات الكبيرة أو على مستوى الدراسات التجزيئية.
وبحكم الصلة الوثيقة بين الآثار الكتابية القديمة سواء المنقوشة على الحجر أو المكتوبة على الرق وأوراق البردي وبين تراث حركة الأنبياء عليهم السلام الصلة التي فرضتها وحدة الموضوع بل ووحدة النص أحياناً بحكم ذلك أصبحت الدراسات المقارنة ضرورة قائمة بين ما تملكه الكيانات الدينية كالزردشتية واليهودية والمسيحية والإسلام من نصوص ووثائق وما أسفرت عنه الحفريات في علم الآثار من النقوش المسمارية والهيروغليفية والآرامية والعبرية والسريانية والعربية الجنوبية وغيرها، والمنهج المقارن في الدراسة هو المنهج العلمي الوحيد الذي يخدم الوثيقة والحقيقة الكامنة فيها نفيا وإثباتا.
إن حركة التطور في علم الآثار بلغت مرحلة جيدة وهي سائرة باتجاه إعطاء مزيد من الثقة بوسائل علم الآثار وعلم التقويم في الكشف عن العمر الدقيق للأشياء التاريخية، كما ان حركة الانفتاح على هذا العلم وكشوفاته بلغت مرحلة جيدة جعلت الآثار حالة تعتز بها الشعوب جميعا وجعلتها تثق بمعطيات علم الآثار وقدرته على تشخيص عمر الأشياء بمستوى البداهة.
كما ان حركة الدراسات المقارنة سائرة باتجاه ان تسلط الأضواء على الكيان الديني الذي كانت نصوصه اكثر التقاءً مع حقائق علم الآثار وكشوفاته، التقاءً يزيد من إيمان واعتزاز حملة تلك النصوص بها ويبعث غيرهم على مراجعة موقفهم السلبي الذي أقاموه إزاءها وإزاءهم.
هل سيستخدم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وسائل الإثبات الاركيولوجية لإثبات عمره الطويل؟
إن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في ضوء العقيدة الشيعية إنسان تأريخي ولد سنة 255 هـ ويكون عمره إلى وقت تحرير هذا البحث قرابة اثني عشر قرنا وعندما يطالعه الناس عند ظهوره سوف يواجهون إنسانا يفيض بحيوية الشباب حيث يخلو وجهه ويداه من تجاعيد الزمن مهما كانت بسيطة، ومن هنا تبرز قضية أساسية أمامه وهي كيف سيثبت للعالم أنه ذلك الرجل التأريخي المولود سنة 55 هـ ؟ هل سيستخدم وسائل الإثبات الاركيولوجية لتحقيق اليقين بظاهرته الفريدة عند المشاهدين؟ أو سيكتفي بتأييد الله تعالى في انتصاراته ويقول من شاء أن يؤمن فليؤمن ومن شاء أن يكذب فليكذب؟ فهناك إذن منهجان:
الأول: استخدام وسائل الإثبات الاركيولوجية.
الثاني: الاعتماد على التأييد الإلهي ثم التسليم بكل ما يقوله عن نفسه.
وفي ظل المنهج الثاني سوف يكون الاعتقاد الشيعي بعمر طويل وشباب دائم للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مجرد اعتقاد ليس له أثر خاص عند الظهور.
ولا يترقب أن يكون الأمر كذلك إذ أن عمرا بمستوى الألف ومائتي سنة مع شباب دائم ليس من شك هو خرق للقوانين الطبيعية التي تقضي أن يتأثر الجسم أي جسم حي كان بمرور الزمن عليه وكلما طال الزمن كلما كانت البصمات أكثر وضوحا، أرأيت لو كنت أمام شجرة عمّرت ألف سنة كيف سيكون مظهرها كافيا لحكاية القدم وإثباته؟!
وهكذا لو كنا أمام إنسان عمر ألف سنة فإننا سنكون أمام ظهرٍمنحنٍ وأسنان متهدمة وتجاعيد تملأ الوجه وحاجبا متهدّلاً يكاد يخفي العين خلفه، أما أن لا نجد كل تلك الأمور بل على العكس نجد حيوية الشباب طافحة على الوجه وبشرة الجسم فإن ذلك سوف يجعلنا أمام ظاهرة خرق لقانون من قوانين الطبيعة في جسم الإنسان.
إن اعتقاد الشيعة بالعمر الطويل للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مع الشباب الدائم معناه الاعتقاد بمعجزة للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سلفا يتقدم بها للعالم لها أثرها الخاص نظير أي معجزة من معجزات الأنبياء عليهم السلام الذين قص القرآن الكريم علينا خبرهم.
وهكذا يتعين علينا أن نفكر في وسائل إثبات تجعل الناس جميعا يدركون ظاهرة الإعجاز هذه؛ لتحقق فيهم الأثر المطلوب وليس غير وسائل الإثبات الاركيولجية التي تحدثنا عنها سابقا.
وعلى سبيل المثال لو ظهر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في عصرنا وبرز رئيسا في يوم وليلة لأهم بلد في الشرق الأوسط على مستوى النفط والموقع المعنوي ـ الحجاز ـ وجن جنون القوى الكبرى وهم يرون البلد قد خرج من ساحة
نفوذهم، وشاهدوا البيان الأول للنظام الجديد يعرف برئيس لا يشبهه رئيس فيما يدعيه لنفسه حين يقول إنه رجل من القرن الثالث الهجري والقرن التاسع الميلادي ولد في 15 شعبان سنة 255 هـ في سامراء وأن أباه الحسن العسكري وجده علي الهادي عليهما السلام المدفونان في القبة التي فجرت سنة 2006ميلادية ظلما وعدوانا وأن عمره ألف ومائتا سنة وأنه وارث مواريث الأنبياء عليهم السلام ومواريث محمد صلى الله عليه وآله ومواريث علي وأهل بيته عليهم السلام وأنه الموعود لتخليص البشرية من جباريها ويقيم دولة العدل المطلق.
وأن الله تعالى أيده بتعطيل كل القوى الصاروخية والجوية الأخرى بل سوف لن تطير طائرة في أجواء الدنيا إلا بعد إذنه.
وانه كانت له جولة (مثلا) قبل ألف سنة تقريبا في العالم وحين مر من ساحة (الهايد بارك)(1) في لندن وكانت آنذاك دارا للوثائق والكتب واستخرج نسخة الكتاب المقدس باللاتينية ترجمة جيروم وفتح سفر اشعياء الفصل الثالث والخمسين وأنه علق عليه بقوله: (إن هذا الفصل الذي يتفق عليه اليهود والمسيحيون أنه يشير إلى أحد أولياء الله يذبح كما يذبح الكبش ظلما وعدوانا ولكن الله تعالى يكون معه حين يشيد قبره ويصبح علما للهداية وحين يجعل من ذريته رجلا طويل العمر تكون مسرة الرب على يده، ويقول اليهود ان هذا الرجل لم يولد بعد، ويقول المسيحيون انه عيسى بن مريمعليها السلام، بينما النص يتحدث عن مصيبة جدي الحسين عليه السلام
وتتحدث الفقرة العاشرة منه عن شخصي أنا محمد بن الحسن العسكري التاسع من ذرية الحسين عليه السلام وتشير إلى عمري الطويل والى تأييد الله تعالى لي بالنصر وسوف يأذن الله لي بالظهور يوم كذا في شهر كذا سنة كذا ويصلح أمري في يوم وليلة في مكة واعلن عن هويتي وقد تساقطت دموعي على خط يدي؛ لأنني تذكرت مصيبة جدي الحسين عليه السلام ثم كتبت نسخة من الكلام في قطعة من الجلد وهي عندي اليوم) ثم يطلب من مؤسسات الدولة في لندن ان تنقب في الزاوية الفلانية من الساحة وتحفر بعمق كذا مترا على طريقة المنقبين وسيكتشفون آثارا ووثائق تملا نقاط الفراغ في تاريخ بريطانيا الوثائقي واشترط ان تدعى الفضائيات العالمية وتنقل التنقيب ونتائجه وواقعه بشكل مباشر فإذا وجدتم كما أخبرتكم فسوف تعلمون إني صادق وإذا لم تجدوا شيئا فسوف يعلم الجميع ومنهم شعبي في الحجاز أني كاذب.
وإنه مر في موسكو ساحة كذا وكانت دارا للوثائق أيضا وقد استخرج نسخة كذا وعلق عليها كذا وأنهم لو حفروا في الزاوية الفلانية لوجدوا ذلك مع آثار ووثائق تهمهم…
وإنه مر بالأزهر في مصر وأخفى نسخة من كتاب الله في أحد جدرانه في الجهة الفلانية وعلق على الآية (51) من سورة سبأ بقوله: إني محمد بن الحسن العسكري التاسع من ذرية الحسين عليه السلام أن هذه الآية كما تذكر ا لروايات عن جدي النبي صلى الله عليه وآله تشير إلى جيش يخسف به في البيداء يتحرك نحو المدينة ضدي يوم كذا وشهر كذا وسنة كذا.
وإنه مر بمدينة قم والنجف ووضع في مكان كذا وكذا نسخة من كتاب الشيخ الصدوق المفقود الذي يحمل اسم مدينة العلم، والذي يعرف خبره كل علماء الشيعة وأنه كتب في مواضع معينة تعليقات يشير إليها ومنها قوله: إني…. سوف يأذن لي الله بالظهور يوم كذا وشهر كذا وسنة كذا.
وفي كل ذلك يطلب أن ينقل التنقيب ونتائجه مباشرة من قبل وسائل الإعلام والفضائيات وأنه حين يتبين صدق ما أخبر به فعليهم أن يتبعوه وإن تبين خلاف ذلك فانه كاف لسقوطه من أعين شعبه في الحجاز وفي الدنيا.
ليس من شك أن خطابا كهذا سوف يثير كل من سمعه وسوف يثير الفكر والفضول بأعلى مستوياته.
وليس من شك أن أولى القضايا التي يتابعها الناس هي إخباره عن تعطيل الطائرات والصواريخ في الدنيا، وحين يجد الناس صدق ذلك يدرك الناس أنهم أمام إنسان خارق تنهار عنده أسطورة تكنولوجيا الغرب في القوة العسكرية وتكون الصدمة الأولى للعقل البشري.
وليس من شك أن الطلب بالتنقيبات أسلوب علمي يدرك علميته وحقانيته كل إنسان مهما كان مستواه الثقافي فضلا عن الخبراء بالآثار، وحين تبدأ التنقيبات في الأماكن التي حددها البيان ويجدون ما أخبر عنه تفصيلا فإن صدمة حقيقية أخرى سوف تكون وليست الصدمة فقط بنتائج التنقيب المذهلة بل الصدمة أيضا بيقينهم أن الرجل الذي يخاطبهم وهو يفيض حيوية هو إنسان ابن ألف ومائتي سنة.
وهكذا سوف يبطل انبهار الإنسان بتكنولجيا الغرب وعلومه ويستقطب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الشاب المعمر كل إنسان ليبهره بظاهرته الفريدة هذه الظاهرة التي سوف توقظ لديه الفطرة والإحساس بعالم الغيب وما وراء الطبيعة لا على أساس أخبار مشوهة بل على أساس واقع حسي ملموس وبعدها﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الأنفال/42.
وهكذا يتضح ان لعقيدة الشيعة بالعمر الطويل مع الشباب الدائم للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف موضوعية في حركته الرسالية فهي تحرر العقل البشري من الانبهار بالتكنولوجيا المقرونة بالباطل نظير معجزات الأنبياء عليهم السلام ليتخذ الإنسان بعد ذلك موقفه بحرية، وتحقيق هذا الأثر العظيم لعمر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الطويل وشبابه الدائم يتوقف على يقين الغرب والعالم المغترب بحقيقة عمر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
قد يقول قائل ان وسائل الإثبات متروكة لطبيعة الواقع في عصر الظهور ونحن لا نملك ان نقدر ما هي الوسائل المستخدمة في ذلك الزمن لمعرفة عمر الاشياء قد يظهر علم جديد ليس من سنخ علم الآثار وعلم التقويم ويستخدمه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف آنذاك أو يتوصل علم الآثار وعلم التقويم إلى وسائل جديدة غير ما نعلمه فعلاً.
أما بالنسبة للقول الأخير فإن تطور الوسائل لا يخرجها عن العلم نفسه، وسؤالنا كان هل سيستخدم وسائل اثبات عمر الاشياء في علم الاثار و علم التقويم؟
اما احتمال ان ينشأ علم آخر ليس من سنخ علم الاثار وعلم التقويم، وهو ما نستبعده للأمور التالية:
1. ان المطلوب هو إثبات عمر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بالوسائل المادية التي يثق بها الناس وهي مهمة علم الآثار وعلم التقويم.
2. ان المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كما ورد في الأخبار يظهر جملة من آثار الأئمة والأنبياء عليهم السلام فهو يظهر كتب علي عليه السلام التي كتبها علي عليه السلام بخطه وأملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، كالجامعة وغيرها كما يظهر سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وعصا موسى عليه السلام وتوراته بالخط السامري وأسفار الأنبياء عليهم السلام من بعده بالخط العبري وإنجيل عيسى عليه السلام بالخط العبري واللسان الآرامي، وصحف إبراهيم عليه السلام باللسان الأكدي والخط المسماري، وصحف زردشت بالخط المسماري أو بالخط الاوستائي واللغة الفارسية القديمة.
وهذه الآثار سوف تواجه المشكلة نفسها وهي إثبات كونها الوثيقة الأصلية التي ترجع إلى ذلك الزمن، وهي من مهمة علم الآثار وعلم التقويم. اضف إلى ذلك ان النسخ الأصلية بعضها كصحف إبراهيم عليه السلام تنحصر قراءتها عن طريق ما انجزه فرع المسماريات من علم الآثار وتوراة موسى عليه السلام تنحصر قراءتها بفرع الوثائق اليهودية القديمة من علم الآثار وهكذا.
اذن من الطبيعي جداً ان يلجأ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى وسائل علم الآثار وعلم التقويم وغيرها من العلوم ذات العلاقة التي تكون قد بلغت النضج الكامل في عصر الظهور مضافا إلى انتشار حقائقها وتيسرها لدى الناس.
وإذا كان المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يختط هذه الطريق لإثبات عمره فلابد ان يستفيد من الزمن المبكر لغيبته وبخاصة وقد ورث عن آبائه عليهم السلام التخطيط الكامل لحركة الأئمة عليهم السلام و دوره التفصيلي فيها وعلم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة مضافاً على علم الأحكام.
فليس من المستبعد ان يسافر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في فترات زمنية قديمة إلى أنحاء مختلفة من العالم ويكتب أموراً معينة بالخط العربي أو خطوط أخرى يعرفها ويضعها في ذلك المكان الذي يقدر انه سيكون في المستقبل من الأطلال الأثرية المهمة، ثم يخبر عند ظهوره عن هذه الأماكن ويحفز الآثاريين للحفر في تلك الأطلال، ليعلموا صدقا بأنه مرَّ في ذلك المكان بالوقت الذي اخبر عنه، وقد يضاف إليه انه مر به في عدة أدوار حضارية وطبقات بنائية، بحيث لو كان في الموقع الأثري عشرة أدوار مثلا وكان قد وضع في دورين متفاوتين أثراً من آثاره الخاصة التي تحمل بصماته.
أ. إن ابرز نتائج هذه الصدمة هو زوال الانبهار بالعلوم التجريبية، وانكسار هيبتها المصطنعة وزعزعة الثقة المطلقة بها ويعني هذا تحرير العقل الغربي من طاغوت سيطر عليه افقده الحرية في التفكير.
ب. تجريد العلمانية من قناعها الذي قنعها بها دعاتها والمروجون لها. وإذا هي لا تعدو عن كونها أفكاراً وتصورات مرجعها في افضل حالاتها ما جربه الإنسان وخبره من الاعتبارات، وأين هذا من حقائق العلم ومع ذلك كانت عاجزة أمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
إن العلمانية كانت في حقيقتها تأليه الإنسان وكان الإنسان يُقَنِّع ألوهيته
بالعلم والإنجارات العلمية، فلما سقط القناع بدا الإنسان على حقيقته ضعيفا عاجزاً.
ج. تحول الثقة المطلقة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف نفسه فيما يخبر عن قضايا الواقع التاريخية التي عاصرها، أو القضايا التي يملك وثائقها الأصلية، بل وحتى آراءه الشخصية وتقديراته للأمور.
وهنا سوف يفكر العالم بحرية حقيقية فيما يدعيه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وفيما يطرحه من تصورات عن حركة النبوات ووثائقها الأصلية منذ زمن نوح عليه السلام مرورا بابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وآله.
وحينئذ من شاء ان يتبع المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تبعه على بينة، ومن شاء ان لا يصدقه ويبقى على علمانيته وتأليه الإنسان فسيتبع طرفا محطماً ضعيفا عاجزاً.
ونحن نحتمل جداً ان يصدقه عدد كبير من الغربيين المستضعفين الذين يجدون في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف منقذاً لهم ومحرراً، يجدون فيما يقدمه عن المسيح عليه السلام من معلومات جديدة تجعلهم يتشوقون إلى لقيا المسيح عليه السلام الذي شوهت تعاليمه وحياته الكلية بما افتعلته من حوادث لم تقع واحاديث لم يقلها المسيح عليه السلام، المسيح الذي جلى صورته المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وحببه إلى الناس من جديد.
كيف تصون العقيدة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الشيعة في عصر الغيبة من الانبهار بالغرب؟
الانبهار حالة إعجاب متزايد تحصل لدى الإنسان عند مواجهته أمراً جديداً معنوياً كان أم ماديا له ارتباط وثيق بناحية أو اكثر من نواحي الحياة الإنسانية تنتهي بالغلو التي هي حالة الإعجاب المستحكمة في الإنسان المقترنة بالانحراف في التقييم المبهور، يتعرض الإنسان في حالة الانبهار لفقدان الحرية في التفكير لغلبة الأمر الجديد على مشاعره وإحساساته.
أما في حالة الغلو فيفقدها تماماً أي يصبح فكره أسيراً لذلك الشيء الجديد لا ينظر ولا يعقل إلا من خلاله، هنا يتعطل قلب الإنسان وسمعه وبصره عن إدراك الأمور الأخرى المخالفة للشيء المبهر والمغالي به﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الأعراف/179﴿وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ الملك/10.
ومع هذه الحالة يفقد الحوار الفكري فائدته المرجوة وهي تغيير القناعات: لان الإنسان المبهور أو المغالي لا يدرك ما يقوله الطرف المخالف له﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ ومن المفيد جداً ان نتوسع في شرح هذه المسألة المهمة في حياة الإنسان مسألة تعطل جهازه المعرفي (الدماغ والحواس) عن الإدراك الحيادي للواقع و إدراك الواقع كما هو دون تهذيبه وتعديله.
في الأصل حين يولد الإنسان سوياً في تكوينه الجسمي وينمو سوياً
تعمل أجهزته بصورة طبيعية ومنها جهاز المعرفة فيه (الدماغ والحواس) وتكون وظيفته الطبيعية إدراك الواقع الموضوعي كما هو مع ملاحظة محدودية الحواس في استقبال كل ما ينطوي عليه الواقع من مثيرات ومنبهات، فالإذن كأداة لاستقبال الأصوات قاصرة عن استقبال الموجة الصوتية التي يقل ترددها عن 20 ذبذبة في الثانية وتزيد عن عشرين ألف ذبذبة في الثانية، وهكذا العين قاصرة عن استقبال الصور التي تبعد عن الإنسان بمسافات كبيرة أو حين يكون الشيء صغيراً جداً، وقد استطاع الإنسان بفضل التطور الصناعي ان يوسع من مدى السمع والأبصار من خلال الأجهزة السمعية والبصرية الجديدة.
وفي الإنسان استعداد لأن يفقد هذه الحيادية والموضوعية للإدراك بسبب الألفة التي تفرضها عليه المدركات نفسها، وهذا ما أثبتته التجارب العلمية الحديثة وتحدث عنه الغربيون أنفسهم، يقول جان فوراستيه المفكر الفرنسي في كتابه معايير التفكير العلمي ص 81:
«في المرة الأولى التي سافرت فيها إلى أميركا وجدت انهم يبيعون الحليب في زوايا الشوارع وكنت ادخل إلى البقاليات واسأل طالبا (حليبا من فضلك) فلم يكن البائع ليفهمني كان يُعطني تارة عصير البندورة وأخرى شي آخر فكنت أصر واكرر (حليب) (حليب) (Milk) جاهداً ان احسن اللفظ، وكان الرجل بعد ان يمعن في النظر بانتباه واستخفاف يخلص إلى الجواب (آه. حليب) ويأتيني أخيرا بالقدح المطلوب…
ولم أستخلص من هذه التجربة أي دلالة عامة حتى الفترة التي رويت
لي فيها القصة التالية في باريس من قبل أمريكي، أنها معكوسة عن الأولى قال لي: (الحال جيدة بالنسبة إلي هنا وأنا أتعلم قليلا اللغة الفرنسية، لكن هناك شيء لا أتوصل إلى فهمه، فانا اقطن في (غاش) (وكان يريدان يقول) (غارش) في ضاحية باريس، وغالبا جداً اضطر إلى العودة إلى بيتي بسيارة أجرة وعندئذ اطلب إلى السائق قائلا(الى غاش) لكنه لا يفهمني، واكرر الطلب بكل طبقات الصوت والنبرات: غاش، غاش… لكنه يستغرق وقتاًً طويلاً في الفهم.. وغالبا، اضطر إلى تحديد غاش على الخريطة.. وأخيرا عند ما ينتهي الأمر بالسائق إلى فهمي يجيبني: (آه، غاش! كان يجب ان تقول ذلك من قبل!) (من الطبيعي ان السائق قال غارش وليس غاش لكن الأمريكي لم يسمع الراء تلفظ).
فهناك إذن أصوات في العالم المحسوس لا يستطيع بعض الناس سماعها، وهناك كذلك أشياء في العالم المحسوس لا يستطيع الناس رؤيتها، ان هذا يبدو غريباً؛ لأنه في الكثير الغالب ما يفكر الإنسان عند ما يكون على خلاف في الرأي مع آخر حول تحديد واقعة ما: (ان مخالفي ليس حسن النية) لكن حسن النية ليست موضع بحث في قضية (الحليب) و (غارش) هذه ان الأمر اكثر خطورة.
فالدماغ البشري وجهازه في مركز الحواس يتخير الأصوات وهناك أصوات يتقبلها، أصوات من العالم الواقعي، لكن هناك أصواتا أخرى لا يتوصل إلى إدراكها، وهذه الأصوات الأخرى حقائق من العالم المحسوس، ان الأحداث كلها مادية محسوسة، لكن الدماغ البشري يتخير
بينها وهناك بعضها لا يدخل مركز الحواس، فسائق السيارة يقول (غارش) لكن الأمريكي يسمع (غاش)، والأمريكي يقول (حليب) (Milk) وفق نبرة معينة لكنني لا اسمع تلك النبرة المعينة، وسواء قلت (غاش) أم (غارش) فان الأمريكي سيسمع (غاش) مع انه يعرف جيداً ان (غارش) تكتب بالراء، لكن الراء الأمريكية لها صوت اكثر جموداً من الراء الفرنسية، والأمريكي الذي لم يسمع قط صوتا مماثلاً للراء الفرنسية لا يسمع صوت الراء الفرنسية حتى ولو حركت أمامه بوضوح، كذلك لا اسمع انا الياء الأمريكية في (حليب) حتى ولا ريب لو حركها عامل البقالة أمامي».(1)
وإذا كان هذا القانون مثبتاً فيما يتعلق بالأحاسيس الأولية فهو بالأحرى مثبت في الإنشاءات العقلية، وأنها لتجربة مدرسية ان تُقرئ نصا واحداً في علم السياسة مثلا ماركسيا ممارساً ورجلا آخر لا يهتم بالماركسية وان تسألهما تلخيص النص كتابياً (تلخيصه موضوعيا دون تعليق)، ستلمس ان الملخصين مختلفون جد الاختلاف، فالأفكار التي بدت وجيهة ليست نفسها لدى الشخصين ثم تباغت كلاً منهما بعدئذ بأن فكرة مغفلة في ملخصه موجودة فعلا في النص.
وعندما نمر على صعيد التركيبات والأحكام العامة والمذاهب فان ظاهرة انتقاء الواقع تتسع، وهي تفسِّر التباعدات المزمنة عند الناس في الآراء وفي الأفعال سواء فيما يتعلق بالحياة اليومية الخاصة للأفراد أو
بالتوجيه السياسي للأمم. (1)
أقول: ولئن كانت حالة الدماغ والحواس كذلك في الأحوال الطبيعية فان ظاهرة الانتقاء أو الإغفال لدى الدماغ والحواس تبلغ ذروتها فيما يكون الإنسان مبهوراً ومغالياً بفكرة ما أو بشيء ما.
وفي النصوص الإسلامية ما يشير إلى الحقيقة الآنفة الذكر: ففي القرآن غير ما اشرنا إليه قوله تعالى﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يوسف/30.
وفي التفسير عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ يقول: «قد حجبها حبه عن الناس فلا تعقل غيره».(2)
وفي الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله «حبك للشيء يعمي ويصم».(3)
وعن الإمام علي عليه السلام: «من عشق شيئاً أعشى بصره ومرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بإذن غير سميعة».(4)
وعنه عليه السلام أيضا: «الأماني تعمي أعين البصائر»(5).
ان الانبهار بالشيء الجديد حالة طبيعية في كثير من الأحيان وهي سرعان ما تزول بسبب الألفة والعادة، وعدم ارتباطه بالسياسة والحكم، وفي أحيان أخرى يتعمق ويتحول إلى (غلو) بجهد يبذل وتخطيط يوضع
من قبل الحاكم وأجهزته أو فئة سياسية تريد ان تصل إلى الحكم تجد في الانبهار مدخلاً جيداً لنشر أفكارها وفي الغلو أحكاماً لهذا المدخل.
ونحن حين ندرس الحالة النفسية والعلمية للغرب قبل انفتاحه على النهج التجريبي وانبهاره بنتائجه نجده مهيئاً لذلك من خلال الأجواء الفكرية المنحرفة والعقائد السقيمة التي فرضتها الكنيسة على المجتمع آنذاك والمفارقات الاجتماعية الضخمة من غنى فاحش إلى جنب فقر مدقع وقسوة بالغة إلى جنب بساطة وسذاجة متناهية ومكر و خداع محاط بتقوى وورع ظاهر بين هذه الأجواء المخالفة للفطرة التي تأبى الظلم والانحراف كحالة دائمة وسنة ثابتة.
ان وضعاً كهذا عاش إنسانه لقرون طويلة حالة التخلف الفكري المقصود من حاكمية وتوجيه يتوقع له ان ينفلت من إطار الكنيسة المسيحية البالية ويثور عليهما وان ينبهر بدرجة عالية المعلومات الجديدة عن الطبيعة التي كشف عنها النهج الجديد النهج التجريبي وبالاختراعات التي نقلته إلى أجواء حياتية جديدة، ويتوقع له أيضا.
ان يقع ضحية مرة أخرى لدعاة الانحراف والأهواء حين خططوا ان يستغلوا حالة الانبهار والغلو لتبرير حالة الانحراف الجديد حالة تأليه الإنسان في المجتمع عبر شعارات الوطنية والأمة والطبقة العاملة وغير ذلك.
ان غياب الفكر الديني الصحيح واستغلال علماء السوء بساطة الناس وجهلهم بالحقائق ونزوعهم الفطري نحو الإيمان والتدين لتبرير حالة الظلم من الحكام والوقوف بشدة أمام حرية الفكر لدى الإنسان كل ذلك
كان وراء الانبهار والغلو والانحراف لدى الغرب.
كما ان سلاح الغرب اليوم لترويج أفكاره هو الانبهار بمعلوماته وصناعاته، والشعوب المتخلفة في الفكر والصناعة مهيأة للانبهار ومن ثم مهيأة للتأثر بالانحراف الغربي.
أما الكيان الشيعي الذي قام على أساس ما ذكرناه في بدء الحديث وكونه يحمل ليس فقط الفكر الديني الصحيح، بل الفكر الديني الوارث لحركة النبوة من خلال القرآن وعلى الأحاديث النبوية الصحيحة الوارثة لحركة الأئمة عليهم السلام الفكرية الكيان الذي آمن بالأئمة عليهم السلام الذين كانوا متفردين ومتميزين في مواقفهم ونشاطاتهم الذين ختموا مسيرتهم المتميزة بظاهرة الإمامة المبكرة الظاهرة المحسوسة الخارقة للعادة الظاهرة التي تفرض على الناس الذين انفتحوا عليها ان يدوم انبهارهم بها، وهذا الكيان سيكون في مأمن من الانبهار بالحضارة الغربية وكشوفاتها وإنجازاتها.
***
البحث السادس: الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف (1)
المقدمة
أثار أحمد الكاتب عدة من الشبهات حول وجود الحجة المهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام.
وكانت بعض دعاواه المهمة في قوله: «إذا استثنينا شرذمة قليلة، فان إجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الإيمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري) وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي الشيعة كالنوبختي والأشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذي اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة). (234-235)».
وقد بيَّنا خطأ هذا القول وعدم واقعيته وأثبتنا في ضوء المصادر الشيعية والسنية أن جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام وثقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بوجود ولد للحسن العسكري عليه السلام قد نص
على إمامته أبوه عليه السلام وانه المهدي الموعود وبالتالي فان الرأي الشيعي العام في القرن الثالث الهجري والرابع الهجري كان يقوم على الإيمان بالمهدي بن الحسن العسكري عليه السلام.
وأجبنا على أسئلته حول العقيدة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كقوله: ماهي المشكلة في الإيمان بولادة الإمام المهدي في المستقبل وعندما يأذن الله؟ ولماذا الإصرار على ولادته في الماضي السحيق وبقائه على قيد الحياة بصورة غير طبيعية؟ وغير ذلك.
لقد اقتصر ردنا في هذه الحلقة على بعض المسائل وتركنا بعضها الآخر لعلمنا أن هناك أكثر من أخ كريم وباحث نيقد تصدى للرد(1) والحمد لله ولم نجد مبرراً لتكرار الجهد فيها.
وقد اقتصرنا في هذا البحث على المباحث الستة التالية:
المبحث الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
المبحث الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين عليهما السلام لا تكون في أخوين .
المبحث الثالث: روايات أهل البيت عليهم السلام في تشخيص هوية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود هو ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
المبحث السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام
قوله: إذا استثنينا شرذمة قليلة، فإن إجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الإيمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري).
أقول: هذه دعوى غير صحيحة والعسكري هو الصحيح فإن القائلين بوجود وولادة ومهدوية محمد بن الحسن عليه السلام هم جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام وقد نقل هذه الحقيقة الأشعري السني (ت324 هـ) في كتابه مقالات الإسلاميين الذي انتهى من تأليفه سنة 297 هجرية وكذلك ابن حزم (ت548 هـ) في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) وكلاهما من علماء السنة المعنيين بالفرق الإسلامية وكان الثاني ممن عُني بالردّ على الشيعة هذا بالإضافة إلى ما ذكره الشيخ أبو سهل النوبختي والشيخ الصدوق والشيخ المفيد.
نص الشبهة:
قوله: «انقسم الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري إلى أربع عشرة فرقة… ولم يقل بوجود وولادة وإمامة ومهدوية (محمد بن الحسن) إلا فرقة واحدة (شرذمة قليلة) من تلك الفرق الأربع عشرة» (ص234-235).
وقوله: «وقد كان القول بوجود ولد (للحسن العسكري) قولا سريا باطنيا قال به بعض أصحاب الإمام العسكري بعد وفاته. ولم يكن الأمر واضحاً وبديهيا ومجمعاً عليه بين الشيعة في ذلك الوقت، حيث كان جو من
الحيرة والغموض حول مسألة الخلف يلف الشيعة، ويعصف بهم بشدة».
وقوله: «وقد كتب عدد من العلماء المعاصرين لتلك الفترة كتبا تناقش موضوع الحيرة وسبل الخروج منها، ومنهم الشيخ علي بن بابويه الصدوق الذي كتب كتابا اسماه (الإمامة والتبصرة من الحيرة). وقد امتدت هذه الحيرة إلى منتصف القرن الرابع الهجري حيث أشار الشيخ محمد بن علي الصدوق في مقدمة كتابه (إكمال الدين) إلى حالة الحيرة التي عصفت بالشيعة وقال (وجدت اكثر المختلفين الي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة)… وقال محمد بن أبي زينب النعماني في كتابه (الغيبة) يصف حالة الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك الوقت (ان الجمهور منهم يقول في (الخلف) أين هو؟ وأين يكون وأين يكون هذا؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيف وثمانون سنة؟ فمنهم من يذهب إلى انه ميت ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده ويستهزئ بالمصدق به، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد) يقول (أي حيرة اعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير والجم الغفير؟ ولم يبق ممن كان فيه إلا النزر اليسير، وذلك لشك الناس)… ان دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة التي يدعيها البعض على أحاديث وجود وولادة ومهدوية الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) لم يكن لها وجود في ذلك الزمان… من هنا يمكننا القول، إذا استثنينا شرذمة قليلة، ان إجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الإيمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري)، وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي
الشيعة كالنوبختي والأشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذين اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة)». (234-235).
الرد على الشبهة:
أقول: هناك قضيتان خلط الأستاذ الكاتب في الحديث عنهما وذكر المصادر فيهما على انهما قضية واحدة:
الأولى: قضية تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام من بعد وفاته إلى أربع عشرة فرقة إحداها الفرقة الإمامية، ومستنده في ذلك هو ما جاء في كتاب فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري القمي.
الثانية: قضية الحيرة التي أصابت الشيعة بسبب انقطاع السفارة الخاصة وبدء الغيبة الكبرى، وقد أشار إليها بعبارات صريحة، النعماني وعلي بن بابويه وابنه محمد بن علي بن بابويه و الشيخ الطوسي والشيخ المفيد، غير أن الأستاذ الكاتب لوى عنق هذه الكلمات زورا وبهتانا ليجعلها تصب في القضية الأولى تضليلا للقارئ وزيادة في التعتيم على الحقيقة، وفيما يلي خلاصة عن هاتين القضيتين.
القضية الأولى: قضية تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام
أقول من المفيد جدا ان نستعرض ما جاء في كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي وكتاب (المقالات والفرق) للأشعري القمي.
قال النوبختي في فرق الشيعة:
«ولد الحسن بن علي عليه السلام في شهر ربيع الآخر اثنتين وثلاثين ومائتين
وتوفي بسر من رأى يوم الجمعة لثماني ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين ودفن في داره البيت الذي دفن فيه أبوه وهو ابن ثمان وعشرين سنة وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل وكانت إمامته خمس سنين وثمانية اشهر وخمسة أيام وتوفي ولم يُرَ له اثر ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه وهي أم ولد يقال لها عسفان ثم سماها أبو الحسن حديثاً.
فافترق أصحابه بعده أربع عشرة فرقة:
فرقة منها قالت: إن (الحسن بن علي) حي لم يمت وإنما غاب وهو القائم ولا يجوز ان يموت ولا ولد له ظاهرا؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام وقد ثبتت إمامته والرواية قائمة ان للقائم غيبتين…
وقالت الفرقة الثانية: إن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو ان يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له ولو كان لصح موته ولا رجوع: لان الإمامة كانت تثبت لخلفه…
وقالت الفرقة الثالثة: إن (الحسن بن علي) توفي والإمام بعده أخوه (جعفر) واليه أوصى الحسن ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه…
وقالت الفرقة الرابعة: إن الإمام بعد الحسن (جعفر) وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إماماً ولا الحسن أيضا…
وأما الفرقة الخامسة: فإنها رجعت إلى القول بإمامة (محمد بن علي)
المتوفى في حياة أبيه وزعمت ان الحسن وجعفراً ادعيا ما لم يكن لهما…
وقالت الفرقة السادسة: إن للحسن بن علي ابناً سماه محمداً ولد قبل وفاته بسنين وانه مستور لا يرى…
وقالت الفرقة السابعة: بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر…
وقالت الفرقة الثامنة: إنه لا ولد للحسن أصلاً ؛لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده… ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكراً إماما متى ما ولدت فانه لا يجوز ان يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة.
وقالت الفرقة التاسعة: إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه عليهم السلام فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله فكذلك صح انه لا إمام بعد الحسن وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز ان تنقطع النبوة… والأرض اليوم بلا حجة الا ان يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله فيحي الأرض بعد موتها كما بعث محمدا صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل…
وقالت الفرقة العاشرة: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه. أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يقال له (نفيس) وكان ثقة أمينا عنده ودفع إليه الكتب والعلوم والسلاح وما تحتاج إليه الأمة وأوصاه إذا حدث بأبيه حدث الموت يؤدي ذلك كله إلى أخيه جعفر.
وقالت الفرقة الحادية عشرة: لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم ما تقولون
في الإمام اهو جعفر أم غيره؟ قالوا: لا ندري ما نقول في ذلك اهو من ولد الحسن أم من إخوته فقد اشتبه علينا الأمر إنا نقول ان الحسن بن علي كان إماماً وقد توفي وان الأرض لا تخلوا من حجة ونتوقف ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وقالت الفرقة الثانية عشرة: وهم (الإمامية) ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله عز وجل في الأرض حجة من ولد الحسن بن علي وأمر الله بالغ وهو وصي لأبيه على المنهاج الأول والسنن الماضية.
ولا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.
ولا يجوز ذلك ولا تكون إلا في عقب الحسن بن علي إلى أن ينقضي الخلق متصلا ذلك ما اتصلت أمور الله تعالى.
ولو كان في الأرض رجلان لكان احدهما الحجة ولو مات احدهما لكان الآخر الحجة ما دام أمر الله ونهيه قائمين في خلقه.
ولا يجوز ان تكون الإمامة في عقب من لم تثبت له إمامة ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه ولا في ولده،…
وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شك فيه لصحة مخرجه وقوة أسبابه وجودة إسناده.
ولا يجوز ان تخلو الأرض من حجة ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها ولا يجوز شيء من مقالات هذه الفرق كلها.
فنحن مستسلمون بالماضي وإمامته مقرون بوفاته معترفون بأن له خلفاً قائماً من صلبه وان خلفه هو الإمام من بعده حتى يظهر ويعلن أمره كما ظهر
وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ويأذن الله في ذلك، اذ الأمر لله يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهوره وخفائه كما قال امير المؤمنين عليه السلام (اللهم انك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك ظاهرا معروفا أو خائفا مغمورا كيلا تبطل حجتك وبيناتك).
وبذلك أُمِرنا، وبه جاءت الأخبار الصحيحة عن الأئمة الماضين؛ لأنه ليس للعباد ان يبحثوا عن أمور الله ويقضوا بلا علم لهم ويطلبوا آثار ما ستر عنهم ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك اذ هو عليه السلام مغمور خائف مستور بستر الله تعالى وليس علينا البحث عن أمره بل البحث عن ذلك وطلبه محرم لا يحل ولا يجوز؛ لأن في إظهار ما ستر عنا وكشفه إباحة دمه ودمائنا وفي ستر ذلك والسكوت عنه حقنهما وصيانتهما ولا يجوز لنا ولا لأحد من المؤمنين ان يختاروا إماما برأي واختيار وإنما يقيمه الله لنا ويختاره ويظهره إذا شاء؛ لأنه اعلم بتدبيره في خلقه واعرف بمصلحتهم والإمام عليه السلام اعرف بنفسه وزمانه منا، وقد قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام وهو ظاهر الأمر معروف المكان لا ينكر نسبه ولا تخفى ولادته وذكره شايع مشهور في الخاص والعام من سماني باسمي فعليه لعنة الله، ولقد كان الرجل من شيعته يتلقاه فيحيد عنه وروي عنه ان رجلا من شيعته لقيه في الطريق فحاد عنه وترك السلام عليه فشكره على ذلك وحمده وقال له لكن فلاناً لقيني فسلم علي ما احسن وذمه على ذلك واقدم عليه بالمكروه…
فكيف يجوز في زماننا هذا مع شدة الطلب وجور السلطان وقلة رعايته لحقوق أمثالهم مع ما لقي عليه السلام من صالح بن وصيف وحبسه… وقد رويت
أخبار كثيرة: (ان القائم تخفى على الناس ولادته) و (يخمل ذكره ولا يعرف) الا انه لا يقوم حتى يظهر ويعرف انه إمام ابن إمام ووصي ابن وصي يؤتم به قبل ان يقوم ومع ذلك فانه لابد من ان يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه وان قلوا… فهذا سبيل الإمامة والمنهاج الواضح اللاحب الذي لم تزل الشيعة الإمامية الصحيحة التشيع عليه.
وقالت الفرقة الثالثة عشرة: مثل مقالة الفطحية الفقهاء منهم وأهل الورع والعبادة مثل (عبد الله بن بكير بن اعين) ونظرائه فزعموا ان (الحسن بن علي) توفي وانه كان الإمام بعد أبيه وان (جعفر بن علي) الإمام بعده… فهؤلاء (الفطحية الخلص) الذي يجيزون الإمامة في اخوين إذا لم يكن للأكبر منهما خلف ولدا».(1)
وقال الأشعري القمي في (المقالات والفرق):
(ولد الحسن بن علي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلثين ومائتين، وتوفي بسر من رأى يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة ستين ومائتين، ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه، وهو ابن ثمان و عشرين سنة، وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وكانت إمامته خمس سنين وثمانية اشهر وخمسة أيام، وتوفي ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وامه وهي أم ولد كان يقال لها عسفان ثم سماها أبوه (حديثا)، فافترق أصحابه من بعده خمس عشرة فرقة.
ففرقة منها وهي المعروفة بالإمامية قالت: لله في ارضه بعد مضي الحسن
بن علي حجة على عباده وخليفة في بلاده، قائم بامره من ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا، آمرٌ ناهٍ مبلغ عن آبائه مودَع عن أسلافه ما استودعوه من علوم الله وكتبه وأحكامه وفرائضه وسننه، عالم بما يحتاج إليه الخلق من أمر دينهم ومصالح دنياهم خلف لأبيه، ووصي له، قائم بالأمر بعده، هاد للامة مهدي على المنهاج الأول والسنن الماضية من الأئمة الجارية، فيمن مضى منهم القائمة فيمن بقى منهم، إلى ان تقوم الساعة من وتيرة الأعقاب، ونظام الولادة، ولا ينتقل ولا يزول عن حالها، ولا يكون الإمامة ولا يعود في اخوين بعد الحسن والحسين، ولا يجوز ذلك ولا يكون الا في عقب الحسن بن علي بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده، متصل ذلك ما اتصلت أمور الله، ولو كان في الأرض رجلان كان احدهما الحجة، ولو مات احدهما لكان الباقي منهما الحجة، ما اتصل أمر الله ودام نهيه في عباده، وما كان تكليفه قائماً في خلقه.
و لا يجوز ان تكون الإمامة في عقب من يموت في حياة أبيه، ولا في وصيّ له من أخ ولا غيره، إذا لم تثبت للميت في حياة أبيه في نفسه إمامة ولم يلزم العباد به حجة…
وذلك ان المأثور عن الأئمة الصادقين مما لا دفع بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب، ولم يزل إجماعهم عليه لصحة مخرج الأخبار المروية فيه وقوة أسبابها، وجودة أسانيدها وثقة ناقليها.
ان الإمامة لا تعود في اخوين إلى قيام الساعة بعد حسن وحسين.
ولا يكون ذلك ولا يجوز ان تخلو الأرض من حجة من عقب الإمام
الماضي قبله ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها.
فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن علي، مقرون بوفاته موقنون مؤمنون بأن له خلفا من صلبه، متدينون بذلك، وانه الإمام من بعد أبيه الحسن بن علي، وانه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك، حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن أمره، كظهور من مضى قبله من آبائه اذ الأمر لله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء ونطق وصموت… هذا مع القول المشهور من امير المؤمنين (ان الله لا يخلى الأرض من حجة له على خلقه ظاهراً معروفا أو خافيا مغموراً لكي لا يبطل حجته وبيناته).
وبذلك جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمة عليهم السلام، وليس على العباد ان يبحثوا عن أمور الله ويقفوا اثر مالا علم لهم به ويطلبوا إظهار ما ستره الله عليهم وغيّبه عنهم… ولا البحث عن اسمه وموضعه، ولا السؤال عن أمره ومكانه حتى يؤمروا بذلك اذ هو عليه السلام غائب خائف مغمور مستور بستر الله… بل البحث عن أمره وطلب مكانه والسؤال عن حاله وأمره محرم لا يحل ولا يسع؛ لأن في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا و كشفه وإعلان أمره والتنويه باسمه معصية لله، والعون على سفك دمه عليه السلام ودماء شيعته وانتهاك حرمته، أعاذ الله من ذلك كل مؤمن ومؤمنة برحمته وفي ستر أمره والسكوت عن ذكره… ولا يجوز لنا ولا لأحد من الخلق ان يختار إماماً برأيه… وإنما اختيار الحجج والأئمة إلى الله عز وجل وإقامتهم إليه فهو يقيمهم ويختارهم ويخفيهم وإذا شاء إقامتهم فيظهرهم ويعلن أمرهم إذا أراد، ويستره إذا شاء فلا يبديه، لانه تبارك وتعالى اعلم بتدبيره في خلقه واعرف بمصلحتهم والإمام اعلم بأمور نفسه وزمانه
وحوادث أمور الله منا، وقد قال أبو عبد الله جعفر بن محمد وهو ظاهر الأمر معروف المكان مشهور الولادة والذكر لا ينكر نسبه شائع اسمه وذكره أمره في الخاص والعام من سماني باسمي فعليه لعنة الله، وقد كان الرجل من أوليائه وشيعته يلقاه في الطريق فيحيد عنه ولا يسلم عليه تقية، فإذا لقيه أبو عبد الله شكره على فعله وصوب له ما كان منه، وحمده عليه وذم من تعرف إليه وسلم عليه، واقدم عليه بالمكروه من الكلام… هذا كله لشدة التستر من الأعداء ولوجوب فرض استعمال التقية فكيف يجوز في زماننا هذا ترك استعمال ذلك مع شدة الطلب وضيق الأمر وجور السلطان عليهم، وقلة رعايته لحقوق أمثالهم ومع ما لقى في الماضي أبو الحسن من المتوكل وشدته عليه وما حل بابي محمد وهذه ا لعصابة من صالح بن وصيف لعنه الله وحبسه إياه، وأمره بقتله وحبسه له ولأهل بيته، وطلب الشيعة وما نالهم منه من الأذى والتعنت، تسمية من لم يظهر له خبر ولم يعرف له اسم مشهور وخفيت ولادته.
وقد رويت الأخبار الكثيرة الصحيحة (ان القائم تخفى على الناس ولادته) و (يخمل ذكره) و (لا يعرف اسمه) و (لا يعلم مكانه) (حتى يظهر) ويؤتم به قبل قيامه. ولا بد مع هذا الذي ذكرناه ووصفنا استتاره وخفاء من ان يعلم أمره وثقاته وثقات أبيه وان قلوا… فهذه سبيل الإمامة وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية المهتدية رحمة الله عليها، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن علي رضوان الله عليه.
وقالت الفرقة الثانية: إن الحسن بن علي حي لم يمت، وإنما غاب وهو
القائم. ولا يجوز ان يموت الإمام ولا ولد له، ولا خلف معروف ظاهر والأرض لا تخلو من ذمام ولا حجة لله، ولا يلزم الخلق الا إمامة من ثبتت له الوصية والحسن بن علي فقد ثبتت وصيته بالإمامة وأشار أبوه إليه بالإمامة ولا يحوز ان تخلو الأرض ساعة من حجة وإمام على الخلق فهذه غيبة له وسيظهر حتى يعرف ظهوره ثم يغيبه غيبة أخرى وهو القائم.
وقالت الفرقة الثالثة: إن الحسن بن علي مات وحيٌّ بعد موته و هو القائم…
وقالت الفرقة الرابعة: إن الحسن بن علي قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطُئ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن الموالي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الأسباب انه لا خلف له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت انه لا إمام بعد الحسن بن علي، وان الإمامة انقطعت وذلك جائز في المعقول والقياس والتعارف، كما جاز ان تنقطع النبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله… و هذه الفرقة لا توجب قيام القائم ولا خروج مهدي، وتذهب في ذلك إلى بعض معاني البداء.
وقالت الفرقة الخامسة: إن الحسن بن علي قد مات وصح موته وانقطعت الإمامة إلى وقت يبعث الله فيه قائما من آل محمد ممن قد مضى، ان شاء بعث الحسن بن علي وان شاء بعث غيره من آبائه.
وقالت الفرقة السادسة: إن الحسن وجعفرا لم يكونا إمامين فان الإمام كان محمدا الميّت في حياة أبيه، وان أباهما لم يوص إلى واحد منهما ولا أشار إليه بإمامة، وانما ادعيا ما لم يكن لهما بحق،… وادعوا ان لمحمد بن علي خلفا
ذكراً. وقال بعضهم انه حي لم يمت وان أباه غيبه وستره خوفا عليه.
وقالت الفرقة السابعة: إن الحسن بن علي توفي ولا عقب له والإمام بعده جعفر بن علي أخوه وإليه أوصى الحسن ومنه قبل جعفر الوصية وعنه صارت إليه الإمامة، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الفطحية في عبد الله وموسى ابني جعفر…
وقالت الفرقة الثامنة: إن الإمام جعفر بن علي وان إمامته أفضت إليه من قبل أبيه علي بن محمد وأن القول بإمامة الحسن كان غلطاً وخطأ…
وقالت الفرقة التاسعة: بمثل مقال الفطحية الفقهاء منهم وأهل النظر، إن الحسن بن علي توفي وهو امام بوصية أبيه إليه،… فالإمام بعد الحسن بن علي جعفر أخوه لا يجوز غيره، إذ لا ولد للحسن معروف…
وقالت الفرقة العاشرة: إن الإمام كان محمد بن علي بإشارة أبيه إليه ونصبه له إماما ونصه على اسمه وعينه… ثم بدا لله في قبضه إليه في حياة أبيه فأوصى محمد إلى جعفر أخيه بأمر أبيه ووصاه ودفع الوصية والعلوم والسلاح إلى غلام له يقال له نفيس كان في خدمة أبي الحسن، وكان عنده ثقة أمينا ودفع إليه الكتب والوصية، وأمره إذا حدث به حدث الموت، ان يكون ذلك عنده حتى يحدث على أبيه أبي الحسن حدث الموت، فيدفع ذلك كله حينئذ إلى أخيه جعفر.
وقالت الفرقة الحادية عشرة: ان الحسن بن علي قد توفي وهو إمام وخلف ابنا بالغا يقال له محمد، وهو الإمام من بعده وإن الحسن بن علي أشار إليه، ودل عليه وأمره بالاستتار في حياته مخافة عليه، فهو مستتر
خائف في تقية من عمه جعفر…
وقالت الفرقة الثانية عشرة: بمثل هذه المقالة في إمامة الحسن بن علي وإن له خلفاً ذكرا يقال له علي، وكذبوا القائلين بمحمد، وزعموا أنه لا ولد للحسن غير علي، انه قد عرفه خاصة أبيه وشاهدوه، وهي فرقة قليلة بناحية سواد الكوفة.
وقالت الفرقة الثالثة عشرة: إن للحسن بن علي وَلد وُلد بعده بثمانية أشهر وانه مستتر لا يعرف اسمه ولا مكانه…
وقالت الفرقة الرابعة عشرة: لا ولد للحسن بن علي أصلا؛ لأنا تبحرنا ذلك بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية، وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده… ولكن هاهنا حبل قائم مشهور قد صح في سرية له وقد وقف على ذلك السلطان والعامة، وصح عندهم ذلك وسيلد ذكرا إماما، واحتجوا بالخبر الذي روى عن جعفر ان القائم يخفى على الناس حمله وولادته.
وقالت الفرقة الخامسة عشرة: نحن لا ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الأمر فلسنا نعلم ان للحسن بن علي ولد أم لا، أم أن الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد، وقد كثر الاختلاف، إلا إنا نقول ان الحسن بن علي كان إماما مفترض الطاعة ثابت الإمامة، وقد توفي عليه السلام وصحت وفاته، والأرض لا تخلو من حجة فنحن نتوقف ولا نقدم على القول بإمامه احد بعده، اذ لم يصح عندنا ان له خلفاً وخفي علينا أمره، حتى يصح لنا الأمر ويتبين، ونتمسك بالأول كما امرنا، انه إذا هلك الإمام ولم يعرف الذي بعده
فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر).(1)
أقول ويتضح من القراءة السريعة:
إن النصين يتفقان على مسألة تفرق أصحاب الحسن العسكري عليه السلام إلى أربع عشرة فرقة وعدم ذكر حجم كل فرقة منها الأمر الذي يجعل القارئ محقا أن يفترض ان هذه الفرق متكافئة عدديا، وبالتالي يحكم ببساطة ان نسبة الفرقة الإمامية هي نسبة واحد من أربع عشرة.(2)
وتزداد أهمية النتيجة وخطورتها حين نعلم ان النوبختي والأشعري القمي هما من علماء الشيعة المعاصرين لفترة الغيبة الصغرى فالأشعري القمي توفي سنة 301 هجرية والنوبختي توفي في حدود سنة 320 هجرية. والمسألة بهذه الحدود قد يكون القارئ البسيط فيها معذوراً، غير إنه إذا كان قارئا مثقفا له رأي فيما يقرأ أو كان باحثا يريد لبحثه ان يكتسب صفة العلمية والموضوعية أو كان مجددا يريد ان يواجه الملايين ليخطئها في ما لديها ويقدم لها معلومات جديدة ينبغي له القيام بعدة أمور قبل التصديق بالتصور الآنف الذكر وهي:
1. عليه أن يفسر ظاهرة التشابه بين الكتابين وهل هما كتابان حقا أم هما كتاب واحد بعضهما أصل والآخر مهذب بشكل طفيف؟
2. أن يقوم بتوثيق النسختين فهل المطبوع هو نسخة المؤلف أو نسخة عنها أو نسخة متأخرة جدا لا يعرف الأصل الذي استنسخت عنه؟
3. أن يقوم بتوثيق النص فيقارن بين النسخة التي بين يديه والمنقول عن الأصل في كتب أخرى في فترات أقدم من النسخة الخطية.
4. أن يبحث عن مصادر أخرى في الموضوع نفسه فقد يجد ما يؤيد أو ما يعارض وعليه ان يعالج التعارض أو يرجح مصدرا على آخر بمرجحات مقبولة علميا.
ومن المؤسف ان الأستاذ الكاتب لم يقم بواحدة من تلك الأمور في هذا المورد الخطير وبقي في إطار نسختي النوبختي والأشعري ليقرر الحقيقة فيقول: (ان الفرقة الإمامية هي شرذمة قليلة من بين اربع عشرة فرقة) ثم يتدرج في الحكم إلى ما نقلناه عنه آنفا.
لقد نبهناه في الحلقة الأولى يوم كتبنا ردا على ما نشره في نشرة الشورى إلى قيام الباحثين ببحوث حول نسختي الأشعري والنوبختي وكونهما كتابا واحدا لمؤلف واحد هو النوبختي أو الأشعري القمي، ومع ذلك لم يستفد من التنبيه ولم يتعرض لأبحاث الباحثين سلباً أو إيجاباً وطبع كتابه وضمَّنه ما نشره في نشرته الشورى مكثراً من الاستشهاد في كتابه بعبارات فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري القمي إذ جاء فيه ما يقرب من (76) إحالة إلى هذين المصدرين من أصل (627) إحالة إلى مصادر أخرى في القسم الأول والثاني من كتابه.
ما نقله الشيخ المفيد(تـ 413 هـ) عن كتاب فرق الشيعة:
مضافا إلى ذلك لم يقارن بين ما نقله الشيخ المفيد عن النوبختي في كتابه الفصول المختارة من انقسام أصحاب الحسن العسكري عليه السلام إلى اربع عشرة فرقة والنص عند الشيخ المفيد كما يلي:
قال الشيخ المفيد في كتابه الفصول المختارة (ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام افترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي بأربع عشرة فرقة، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر عليه السلاموأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله ومهدي الأنام).(1)
ويتضح من هذا النص ان نسخة النوبختي المطبوعة قد أصابها التحريف حين لم يذكر فيها عبارة (الجمهور منهم).(2)
ما ذكره الشيخ أبو سهل النوبختي:
أقول: ويؤكد وقوع هذا التحريف في النسخة المطبوعة لكتاب فرق الشيعة للنوبختي ما ذكره الشيخ أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي(3) وهو خال الحسن بن علي النوبختي صاحب فرق الشيعة.
(1) ثم ذكر الشيخ المفيد تلك الفرق وما نسب إليها من قول وناقشه ثم عقب عليه بقوله: (وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة الا الإمامية الإثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حسبما شرحناه فما تقدم عنهم وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلماء ومتكلمون ونظار وصالحون وعباد ومتفقهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة ومن سواهم منقرضون ولا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقالة ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته وإنما الحاصل منهم حكاية عمن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت)، المفيد، الفصول المختارة: ص321 .
(2) نبهنا إلى وقوع التحريف في نسخة فرق الشيعة بالمقارنة بين نصها ونص الشيخ المفيد عن النوبختي أخونا الحجة العلامة الشيخ عبد الله الدشتي جزاه الله خير الجزاء.
(3) كان وجها من وجوه علماء الشيعة سنة305هـ وحضر وفاة السفيرالثاني ووصيته إلى الحسين بن روح، وكان يترقب قسم من الشيعة أن يكون هو النائب بعد وفاة السفير الثاني لوجاهته وشدة اتصاله واختصاصه به وستأتي جملة أخرى من ترجمته.
قال أبو سهل في كتابه (التنبيه في الإمامة): إن الحسنعليه السلام خلف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله إياهم في حياته، فلما مضى اجمعوا جميعاً على انه قد خلَّف ولدا هو الإمام وأمروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من أعدائه، و طلبه السلطان اشد طلب ووكل بالدور والحبالى من جواري الحسن عليه السلام.(1)
أقول: ومن البعيد جداً أن يكون ابن الأخت وهو معني بالأمر غير مطلع على كتاب خاله في الموضوع نفسه وهو شيخ متكلمي الشيعة في بغداد في وقته وإذا اطلع عليه وكان مخالفا له فمن البعيد أن لا يذكر رأيه.
ما ذكره الشيخ الصدوق:
وقد أشار إلى هذه الحقيقة أيضا الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين ص 45، قال: (كل من سألنا من المخالفين عن القائم عليه السلام، لم يخل من ان يكون قائلاً بإمامة الأئمة الأحد عشر من آبائه عليهم السلام أو غير قائل بإمامتهم.
فان كان قائلا بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عشر لنصوص آبائه الأئمة عليهم السلام عليه باسمه ونسبه وإجماع شيعتهم على القول بإمامته وانه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً) .
ما ذكره الذهبي 748 هـ:
مضافا إلى ذلك فقد نص الذهبي في (سير أعلام النبلاء) وابن حزم الأندلسي في (الفصل في الملل والأهواء والنحل) والأشعري السني في (مقالات الاسلاميين) على حقيقة: ان المعتقدين بالمهدي بن الحسن العسكري عليهما السلام هم جمهور أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام وليس (شرذمة).
قال الذهبي «نقل أبو محمد بن حزم أن الحسن (بن علي بن محمد) مات عن غير عقب. قال وثبت جمهور الرافضة على أن للحسن ابنا أخفاه». (1)
ما ذكره ابن حزم ت 548 هـ:
وقال ابن حزم: «وقالت الروافض الإمامة في علي وحده بالنص عليه ثم في الحسن ثم في الحسين وادعوا نصا آخرا من النبي صلى الله عليه وآله عليهما بعد أبيهما ثم علي ابن الحسين لقول الله عز وجل (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). قالوا فولد الحسين أحق من أخيه ثم محمد بن علي بن الحسين ثم جعفر بن علي ابن الحسين. وهذا مذهب جميع متكلميهم كهشام بن الحكم وهشام الجواليقي وداود الحواري وداود الرقي وعلي بن منصور وعلي بن هيثم وأبي علي السكاك تلميذ هشام بن الحكم ومحمد بن جعفر بن النعمان شيطان الطاق وأبي ملك الحضرمي وغيرهم.
ثم افترقت الرافضة بعد موت هؤلاء المذكورين وموت جعفر بن محمد
فقالت طائفة بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر. وقالت طائفة بإمامة ابنه محمد بن جعفر وهم قليل وقالت طائفة جعفر حي لم يمت. وقال جمهور الرافضة بإمامة ابنه موسى بن جعفر ثم علي ابن موسى ثم محمد بن علي بن موسى ثم علي بن محمد بن موسى ثم الحسن بن علي. ثم مات الحسن غير معقب فافترقوا فرقا وثبت جمهورهم على أنه ولد للحسن بن علي ولد فأخفاه وقيل بل ولد له بعد موته من جارية له اسمها صقيل وهو الأشهر وقال بعضهم بل من جارية له اسمها نرجس وقال بعضهم من جارية له اسمها سوسن».(1)
«وقالت القطعية من الإمامية الرافضة كلهم وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظّارون والعدد العظيم بان محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو عندهم المهدي المنتظر، وبقول طائفة منهم ان مولد هذا الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين سنة موت أبيه وقالت طائفة منهم بل بعد موت أبيه بمدة وقالت طائفة منهم بل في حياة أبيه… وكل هذا هوس ولم يعقب الحسن المذكور ذكراً ولا انثى فهذا اول نُوك(2) الشيعة ومفتاح عظيماتهم واخفها وان كانت مهلكة».(3)
(1) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج3 / ص11- 12.
(2) النُّوك بالضم الحُمق، والأنْوك: الأحمق.
(3) ابن حزم، الفصل في الملل: ج4/138، أقول: لئن لم يثق ابن حزم ونظراؤه بنقل جمهور الشيعة أن إمامهم الحسن العسكري عليه السلام قد ولد له ولد نص عليه بالإمامة، فقد وثق بقولهم آخرون من علماء السنة وأثبتوا أن للحسن العسكري عليه السلام خَلَف سماه محمدا ولقبه المهدي ومن هؤلاء: سبط بن الجوزي الحنبلي ت645هـ في كتابه تذكرة الخواص: ص363، ومحمد بن طلحة الشافعي ت 652هـ في مطالب السؤول: ج2 / ص79، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: ص287، وابن طولون ت953هـ في كتابه الأئمة الإثني عشر وغيرهم وقد عدَّ آية الله العظمى الشيخ الصافي ت 1443هـ في كتابه منتخب الأثر خمسا وستين عالما من علماء السنة ممن ذكر ذلك (انظر هامش ص 322فما بعدها).
أقول: ذكر السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمة كتاب فرق الشيعة للنوبختي أن نسخة من فرق الشيعة للنوبختي كانت عند ابن حزم(1) وهو قرينة ثالثة على ان النسخة المتداولة من كتاب فرق الشيعة محرفة في هذا الموضع.
ما ذكر ه الأشعري السني في كتابه المؤلَّف سنة 297 هـ:
أقول: وهناك من هو أقدم من ابن حزم ممن قرر حقيقة ان جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام كانوا يؤمنون بأن الحسن العسكري عليه السلام له ولد هو الإمام الثاني عشر وهو المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو مصدر مهم جدا لا ينبغي لباحث أن يغفله وهو كتاب (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري السني (ت324هـ) وقد انتهى من تأليفه سنة 297هـ (أي بعد خمس وثلاثين سنة من وفاة الحسن العسكري عليه السلام).
قال أبو الحسن الأشعري السني: «فالفرقة الأولى منهم وهم القطعية وانما سموا قطعية؛ لأنهم قطعوا على موت موسى بن جعفر بن محمد بن
علي وهم جمهور الشيعة يزعمون ان النبي نص على إمامة علي بن أبي طالب واستخلفه بعده بعينه واسمه وان عليا نص على إمامة ابنه الحسن بن علي وان الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وان الحسين بن علي نص على إمامة ابنه علي بن الحسين وان علي بن الحسين نص على إمامة ابنه محمد بن علي وان محمد بن علي نص على إمامة ابنه جعفر بن محمد وان جعفر بن محمد نص على إمامة ابنه موسى بن جعفر وان موسى بن جعفر نص على إمامة ابنه علي بن موسى وان علي بن موسى نص على إمامة ابنه محمد بن علي بن موسى وان محمد بن علي بن موسى نص على إمامة ابنه علي بن محمد وان علي بن محمد نص على إمامة ابنه الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى وهو الذي كان بسامرّا وان الحسن بن علي نص على إمامة ابنه محمد بن الحسن بن علي وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدعون انه يظهر فيملأ الأرض عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا».(1)
ويتضح من ذلك كله في ضوء المصادر الشيعية والسنية القديمة: أن جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام وثُقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بالولد وكون أبيه الحسن عليه السلام قد نص على إمامته وأنه المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف طوال الغيبة الصغرى (أي القرن الثالث الهجري والربع الأول من القرن الرابع الهجري).
القضية الثانية: قضية الحيرة في بدء الغيبة الكبرى
مما لا شك فيه ان قسما كبيرا من الشيعة عاشوا حيرة شاملة حين بلغهم خبر انقطاع النيابة الخاصة بعد وفاة النائب الرابع، حيث لا يوجد مرجع معين من الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ينهض بأمورهم، مع كثرة الشبهات التي أثارها الزيدية والمعتزلة وغيرهم، وتصدى علماء الشيعة في تلك الفترة لرفع الحيرة التي نشأت بسبب ذلك وكتبوا كتبا خالدة منها:
ـ كتاب (الغيبة) لمحمد بن إبراهيم النعماني (ألفه بين سنة 333 هـ وسنة 342هـ).
ـ و (الإمامة والتّبصرة من الحيرة) لعلي بن بابويه (ت 329 هـ).
ـ و (كمال الدين و تمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) لمحمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق (ت 381 هـ).
ـ و (الغيبة) للشيخ الطوسي (ت 460 هـ).
ـ وغيرها.
قال علي بن بابويه: «رأيت كثيرا ممن صح عقده، وثبتت على دين الله وطأته، وظهرت في الله خشيته، قد أحادته الغيبة، وطال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة،… فجمعت أخبارا تكشف الحيرة…».(1)
وقال النعماني: «أما بعد فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع المنتمية إلى نبيها محمد وآله صلى الله عليهم ـ ممن يقول بالإمامة التي جعلها الله برحمته دين الحق ولسان الصدق وزينا لمن دخل فيها ونجاة
وجمالا لمن كان من أهلها وفاز بذمتها وتمسك بعقدتها ووفى لها بشروطها من المواظبة على الصلوات وإيتاء الزكوات والمسابقة إلى الخيرات، واجتناب الفواحش والمنكرات، والتنزه عن سائر المحظورات، ومراقبة الله تقدس ذكره في الملأ والخلوات، وتشغل القلوب وإتعاب الأنفس والأبدان في حيازة القربات ـ قد تفرقت كلمها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وحنت إلى محارم الله تعالى، فطار بعضها علوا، وانخفض بعضها تقصيرا، وشكوا جميعا إلا القليل في إمام زمانهم وولى أمرهم وحجة ربهم… للمحنة الواقعة بهذه الغيبة التي سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله ذكرها، وتقدم من أمير المؤمنين عليه السلام خبرها، ونطق في المأثور من خطبه والمروي عنه من كلامه وحديثه بالتحذير من فتنتها، وحمل أهل العلم والرواية عن الأئمة من ولده: واحدا بعد واحد أخبارها حتى ما منهم أحد إلا وقد قدم القول فيها،… ووجدنا الرواية قد أتت عن الصادقين عليهم السلام بما أمروا به من وهب الله عز وجل له حظا من العلم وأوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره من تبيين ما اشتبه على إخوانهم في الدين، وإرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل، وإخراجهم عن منزلة الشك إلى نور اليقين. فقصدت القربة إلى الله عز وجل بذكر ما جاء عن الأئمة الصادقين الطاهرين عليهم السلام من لدن أمير المؤمنين عليه السلامإلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمى عن حقيقتها ونورها من أبعده الله عن العلم بها والهداية إلى ما أوتي عنهم عليهم السلام فيها ما يصحح لأهل الحق حقيقة ما رووه ودانوا به، وتؤكد حجتهم بوقوعها وبصدق ما آذنوا به منها.
وإذا تأمل من وهب الله تعالى له حسن الصورة وفتح مسامع قلبه،
ومنحه جودة القريحة وأتحفه بالفهم وصحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين صلوات الله عليهم على قديم الأيام وحديثها من الروايات المتصلة فيها… عَلِمَ أن هذه الغيبة لو لم تكن ولم تحدث مع ذلك ومع ما روي على مر الدهور فيها لكان مذهب الإمامة باطلا(1) لكن الله تبارك وتعالى صدَّق إنذار الأئمة عليهم السلام بها، وصحح قولهم فيها في عصر بعد عصر».(2)
وقال الشيخ الصدوق: إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إلىَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقائيس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم، حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم، طال ما تمنيت لقاءه و اشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن على بن الصلت القمي… فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم عليه السلام قد حيره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولا في إثبات
كونه عليه السلام ورويت له أخبارا في غيبته عن النبي و الأئمة عليهم السلام سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والارتياب والشبهة، وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أصنف (له) في هذا المعنى كتابا، فأجبته إلى ملتمسه ووعدته جمع ما ابتغى إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالري.
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله، وأقول «أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة» فأرى مولانا القائم صاحب الزمان ـ صلوات الله عليه ـ واقفا بباب الكعبة، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر، فعلم عليه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي، فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم قال لي لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفي ما قد همك؟ فقلت له يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال عليه السلام ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف الآن كتابا في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء عليهم السلام. ثم مضى صلوات الله عليه.
فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لامر ولي الله وحجته، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير، وما توفيقي
إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».(1)
أقول:
إن السر في هذه الحيرة هو انقضاء الجيل الذي شاهد الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وتعامل معه حسيا ونشر أخباره بين الشيعة بشكل خاص، وكون الغيبة ظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل في المجتمع الإسلامي مع وجود شبهات وتساؤلات من الخصوم.
وقد وفق العلماء المذكورون ونظراؤهم رحمهم الله جميعا في الإجابة على كل شبهة اثيرت حول الغيبة وما يرتبط بها حتى عادت الغيبة لدى الشيعة بمنزلة المشاهدة وصارت دليلا آخر على صدق إمامة أهل البيت عليهم السلام وآية من آياتهم كما أشار النعماني إلى ذلك.
وفي ضوء ما بيناه يتضح:
ان قول الأستاذ الكاتب: «إذا استثنينا شرذمة قليلة، ان إجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الإيمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري) وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي الشيعة كالنوبختي والأشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذين اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة)» (234-235).
لم يكن قد تحرّى فيه الأمانة والدقة العلمية، ولا استوعب المصادر الأساسية في مثل هذه القضية الخطيرة.
المبحث الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين عليهما السلام لا تكون في أخوين
قوله: «وكان الدافع الرئيسي لهذا القول (أي ان للحسن العسكري ولد) هو التمسك بقانون (الوراثة العمودية) و(عدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين) وبالرغم من أنه (أي القانون المذكور) كان قولا ضعيفا ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في ذلك الوقت خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام».
أقول: إن قانون الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين مما اتفق عليه جمهور الشيعة الإمامية بعد الإمام الصادق عليه السلام في القرن الثاني والثالث وقد نقل هذه الحقيقة النوبختيان الخال وابن أخته والأشعري القمي في كتبهم قبل الشيخ الطوسي بأكثر من مائة عام، هذا مضافاً إلى الروايات الصحيحة الواردة بذلك.
نص الشبهة
قال: «إن القول بـ (عدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين ووجوب استمرارها في الأعقاب) قول ضعيف ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في ذلك الوقت خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام». (ص189).
الرد على الشبهة
أقول: بل هو قول جمهور الشيعة الإمامية والمشهور بل المتواتر بينهم قبل ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كما نقله إسماعيل بن علي النوبختي في كتابه (التنبيه
في الإمامة) وابن أخته الحسن بن موسى النوبختي في كتابه فرق الشيعة والأشعري القمي في كتابه المقالات والفرق على فرض تعدد الكتابين المتداولين.
قول أبي سهل النوبختي:
قال إسماعيل بن علي النوبختي في كتاب التنبيه:
«وعلمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمة الصادقين عليهم السلام ان الإمامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين عليهما السلام الا في ولد الإمام ولا يكون في أخ ولا قرابة».(1)
قول الأشعري القمي:
وقال الأشعري القمي في المقالات والفرق:
«ففرقة منها وهي المعروفة بالإمامية قالت لله في ارضه بعد مضي الحسن بن علي حجة على عباده وخليفة في بلاده، قائم بامره من ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا،… على المنهاج الأول والسنن الماضية من الأئمة الجارية، فيمن مضى منهم القائمة فيمن بقى منهم، إلى ان تقوم الساعة من وتيرة الأعقاب، ونظام الولادة، ولا ينتقل ولا يزول عن حالها، ولا يكون الإمامة ولا يعود في اخوين بعد الحسن والحسين، ولا يجوز ذلك ولا يكون الا في عقب الحسن بن علي بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع امر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده، متصل ذلك ما اتصلت أمور الله، ولو كان في
الأرض رجلان كان احدهما الحجة، ولو مات احدهما لكان الباقي منهما الحجة، ما اتصل امر الله ودام نهيه في عباده، وما كان تكليفه قائماً في خلقه.
و لا يجوز ان تكون الإمامة في عقب من يموت في حياة أبيه، ولا في وصيّ له من أخ ولا غيره، إذا لم تثبت للميت في حياه أبيه في نفسه إمامة ولم يلزم العباد به حجة…
وذلك ان المأثور عن الأئمة الصادقين مما لا دفع بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب، ولم يزل إجماعهم عليه لصحة مخرج الأخبار المروية فيه وقوة أسبابها، وجودة أسانيدها وثقة ناقليها»(1).
قول علي بن الحسن النوبختي:
وقال علي بن الحسن النوبختي في فرق الشيعة:
«قالت الفرقة الثانية عشرة وهم (الإمامية) ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله عز وجل في الأرض حجة من ولد الحسن بن علي وامر الله بالغ وهو وصي لأبيه على المنهاج الأول والسنن الماضية ولا تكون الإمامة في اخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام، لا يجوز ذلك ولا تكون الا في عقب الحسن بن علي إلى ان ينقضي الخلق متصلا ذلك ما اتصلت أمور الله تعالى، ولو كان في الأرض رجلان لكان احدهما الحجة ولو مات احدهما لكان الآخر الحجة ما دام امر الله ونهيه قائمين في خلقه، ولا يجوز ان تكون الإمامة
في عقب من لم تثبت له إمامة ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه ولا في ولده…
وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شك فيه لصحة مخرجه وقوة أسبابه وجودة إسناده.(1)
وفي ضوء ذلك فإن الشيخ الطوسي كان قوله مؤكدا لما نقله النوبختي والأشعري القمي وليس مؤسسا.
نموذج من الروايات:
أما الأخبار في ذلك فكثيرة نذكر منها ما رواه الكليني في الكافي بأسانيد صحيحة.
عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدا، إنما جرت في علي بن الحسين كما قال الله تبارك وتعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ فلا تكون بعد علي بن الحسين عليه السلام إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب).(2)
وعن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين إنما هي
في الأعقاب وأعقاب الأعقاب)(1).
وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه سئل أتكون الإمامة في عم أو خال؟ فقال: (لا، فقلت ففي أخ؟ قال لا، قلت ففي من؟ قال في ولدي، وهو يومئذ لا ولد له).(2)
المبحث الثالث: روايات أهل البيت عليهم السلام في تشخيص هوية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
قوله: أما الروايات الواردة حول الغيبة والغائب فهي لا تتحدث عن غائب بالتحديد… وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة كما قال الشيخ الصدوق.
أقول: إن روايات أهل البيت عليهم السلام المتداولة عند الشيعة في القرن الثاني الهجري تتحدث عن غائب بالتحديد وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام والخامس من ولد الصادق عليه السلام، وانه يغيب غيبتين إحداهما طويلة ثم يقوم بعدها، وبالتالي فهي تتحدث عن أمر قبل وقوعه، وفيما يلي طرف مما رواه الحسن بن محبوب السرّاد (149ـ 224 هجرية) في كتابه المشيخة وغيره من كتبه وكتب غيره التي كانت متداولة عند الشيعة قبل ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بنصف قرن تقريبا.
نص الشبهة
قال: «أما الروايات الواردة حول الغيبة والغائب فهي لا تتحدث عن غائب بالتحديد… وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة كما قال الشيخ الصدوق» ص 197بيروتية.
«إن تحديد هوية الإمام المهدي بالثاني عشر من أئمة أهل البيت قد حدث في وقت متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري بفترة طويلة إي في بداية القرن الرابع الهجري.
ولو كانت هوية المهدي قد تحددت من قبل منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وآله أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامية ولا شيعة الحسن العسكري في تحديد هوية المهدي » (182).
الرد على الشبهة
أقول: إن روايات أهل البيت عليهم السلام المتداولة عند الشيعة في القرن الثاني الهجري والربع الأول من القرن الثالث الهجري تتحدث عن غائب بالتحديد وبالتالي فهي قد أخبرت عن أمر قبل وقوعه.
وقد ذكرت هذه الروايات ان القائم المهدي الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم عليهما السلام هو الثاني عشر من أهل البيت عليهم السلام وهو التاسع من ذرية الحسين عليه السلام وفي بعضها هو السابع من ذرية الباقر عليه السلام وفي بعضها هو السادس من ذرية الصادق عليه السلام وفي بعض هذه الروايات هو الخامس من ولد الكاظم عليه السلام هذا مضافا إلى روايات كثيرة جدا تشير إلى أن هذا القائم له غيبة طويلة، وفي روايات أخرى ان له غيبتين إحداهما طويلة يقال له فيها مات أو هلك، وفي بعضها انه تخفى ولادته على الناس، وفي بعضها هو الذي يقول الناس عنه لم يولد بعد وفي بعضها انه اصغر الأئمة عليهم السلام سنا وأخملهم ذكرا.
وليس بعد هذه الأوصاف من غموض كما يدعي الأستاذ الكاتب مضافا إلى ذلك العلامات التي ذكرت كمقدمة لظهوره من قبيل زوال ملك بني العباس وخروج السفياني والصيحة في شهر رمضان وانه لا يقوم حتى يذهب ثلثا الناس وانه لاتبقى فئة من الناس لا تجرب حظها من الحكم والسيرة بين الناس وانه يظهر في زمانه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه.
ان هذه الصفات و العلامات لاتبقي مجالا للقول ان الروايات الواردة في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف غامضة ولم تحدد هويته كما ادعى ذلك الأستاذ الكاتب.
وقد ذكر تلك الروايات علماء الشيعة الأقدمون وقدموها كظاهرة ملفتة للنظر وعلامة من علامات صدق إمامة أهل البيت عليهم السلام.
تعليق الشيخ أبي سهل النوبختي على أخبار الغيبتين:
قال الشيخ أبي سهل النوبختي: «وصحة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام عليه السلام وان له غيبتين إحداهما اشد من الأخرى.
ومذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة (1) في موسى بن جعفر لأن موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفا ومضى لموته اكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي احد انه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم انه حي فيه إكذاب الحواس التي شاهدته ميتاً وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى وليس في دعوانا هذه غيبة الإمام إكذاب للحس ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول ولا تخرج من العادات وله إلى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين انه باب إليه وسبب يؤدي عنه إلى شيعته أمره ونهيه ولم تطل المدة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب.
فالتصديق بالأخبار يوجب: اعتقاد إمامة ابن الحسن عليه السلام على ما شرحت.
وانه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة فإنها جاءت مشهورة متواترة وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها كما ترجو بعد هذا من قيام القائم عليه السلام بالحق وإظهار العدل.
ونسأل الله عز وجل توفيقا وصبراً جميلاً برحمته».(1)
تعليق النعماني على أخبار الغيبتين:
وقال النعماني معلقا على أخبار الغيبتين:
«هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم عليه السلام غيبتين أحاديث قد صحت عندنا بحمد الله، وأوضح الله قول الأئمة عليهم السلام وأظهر برهان صدقهم فيها.
فأما الغيبة الأولى: فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، و عويص الحكم، والأجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، و هي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها.(2)
والغيبة الثانية: هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذي يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان و البلبلة والغربلة والتصفية على من يدعي هذا الأمر كما قال
الله عز وجل ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وهذا زمان ذلك قد حضر، جعلنا الله فيه من الثابتين على الحق، وممن لا يخرج في غربال الفتنة.
فهذا معنى قولنا «له غيبتان» ونحن في الأخيرة نسأل الله أن يقرب فرج أوليائه منها ويجعلنا في حيز خيرته وجملة التابعين لصفوته، ومن خيار من ارتضاه وانتجبه لنصرة وليه وخليفته فإنه ولي الإحسان، جواد منان».(1)
وقال معقبا على أخبار علامات الظهور وبعض صفات القائم عليه السلام:
«العلامات التي ذكرها الأئمة: مع كثرتها واتصال الروايات بها وتواترها واتفاقها موجبة ألا يظهر القائم إلا بعد مجيئها وكونها، إذ كانوا قد أخبروا أن لابد منها وهم الصادقون، حتى إنه قيل لهم (نرجو أن يكون ما نؤمل من أمر القائم عليه السلام ولا يكون قبله السفياني) فقالوا: (بلى والله إنه لمن المحتوم الذي لابد منه).
ثم حققوا كون العلامات الخمس التي أعظم الدلائل والبراهين على ظهور الحق بعدها، كما أبطلوا أمر التوقيت وقالوا (من روى لكم عنا توقيتا فلا تهابوا أن تكذبوه كائنا من كان فإنا لا نوقت) وهذا من أعدل الشواهد على بطلان أمر كل من ادعى أو ادعي له مرتبة القائم ومنزلته وظهر قبل مجيء هذه العلامات، لا سيما وأحواله كلها شاهدة ببطلان دعوى من يدعى له، ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن يطلب الدنيا بالزخارف في الدين والتمويه على ضعفاء المرتدين، ولا يسلبنا ما منحنا به من نور الهدى وضيائه، وجمال الحق
وبهائه بمنه وطوله». (1)
ثم قال: «انظروا رحمكم الله ـ يا معشر الشيعة إلى ما جاء عن الصادقين عليهم السلام في ذكر سن القائم عليه السلام وقولهم إنه وقت إفضاء أمر الإمامة إليه أصغر الأئمة سنا وأحدثهم، وإن أحدا ممن قبله لم يفض إليه الأمر في مثل سنه، وإلى قولهم (واخملنا ذكرا) يشيرون بخمول ذكره إلى غيبة شخصه واستتاره، وإذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الأشياء قبل كونها، وبحدوث هذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود، وجب أن تزول الشكوك عمن فتح الله قلبه ونوره وهداه، وأضاء له بصره.
والحمد لله الذي يختص برحمته من يشاء من عباده بتسليمهم لامره وأمر أوليائه، وإيقانهم بحقيقة كل ما قاله، واثقا بحقيقة كل ما يقول الأئمة من غير شك فيه ولا ارتياب، إذ كان الله عز وجل قد رفع منزلة حججه… وجعل الجزاء على التسليم لقولهم والرد إليهم الهدى والثواب وعلى الشك والارتياب فيه العمى وأليم العذاب، وإياه نسأل الثواب على ما من به، والمزيد فيما أولاه وحسن البصيرة فيما هدى إليه فإنما نحن به وله». (2)
تعليق الشيخ الصدوق على أخبار الغيبة:
قال الشيخ الصدوق: «إن الأئمة عليهم السلام قد أخبروا بغيبته ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نُقِل عنهم واستُحفِظ في الصحف ودُوِّن في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر.
فليس أحد من أتباع الأئمة عليهم السلام إلا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودوَّنه في مصنفاته وهي الكتب(1) التي تعرف بالأصول مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمد عليهم السلام من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها.
فلا يخلو حال هؤلاء الاتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الان من الغيبة، فألفوا ذلك في كتبهم ودوَّنوه في مصنفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللب والتحصيل.
أو أن يكونوا (قد) أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الأمر لهم كما ذكروا وتحقق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محال كسبيل الوجه الأول.
فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دونوَّه في كتبهم وألفوه في أصولهم.
وبذلك وشبهه فلج الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا».(2)
تعليق الطبرسي في إعلام الورى على أخبار الغيبة:
قال الطبرسي رحمه الله (مما يدل على صحة إمامته عليه السلام النص عليه بذكر غيبته، و صفتها التي يختصها ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف حتى لم
يخرم منه شيئا وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كثيرة كذبا يكون خبرا عن كائن فيتفق ذلك على حسب ما وصفوه.
وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام بل زمان أبيه وجده حتى تعلقت الكيسانية والناووسية والممطورة(1) بها وأثبتها المحدِّثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام(2) وأثروها عن النبي و الأئمة عليهم السلامواحداً بعد واحد صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان بوجود هذه الصفة له والغيبة المذكورة، في دلائله وأعلام إمامته، وليس احد يمكنه دفع ذلك.
ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب السراد وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني و أمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة فوافق المخبر، وحصل كما تضمنه الخبر بلا اختلاف)(3).
روايات المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في كتب الشيعة الأقدمين:
أقول: وفيما يلي طرف مما رواه الحسن بن محبوب السراد (149ـ 224 هـ) في كتاب مشيخته المشهور المتداول عند الشيعة قبل ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بنصف قرن تقريبا وطرف مما رواه أيضا معاصرو الحسن بن
محبوب في كتبهم أمثال محمد بن أبي عمير (ت217هـ)، و صفوان بن يحيى (ت210هـ) ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وعبد الله بن سنان (ت220هـ)، ومحمد بن سنان، والحسن بن أيوب، وعبد الله بن حماد الأنصاري، وأحمد بن الحسن الميثمي، والعباس بن عامر القصباني، وعثمان بن عيسى، والحسن بن علي بن فضال (ت224هـ)، وعبد الله بن جبلة (ت219هـ)، وعلي بن حسان.
روايات الحسن بن محبوب السّرّاد ومعاصريه في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الغيبة الكبرى:
الحسن بن محبوب(1) عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي إسحاق السبيعي قال سمعت من يوثق به من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام يقول: قال أمير ـ المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها بالكوفة: «اللهم لابد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلمونهم علمك لكيلا يتفرق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مُكتَتَمٌ خائف يترقب…».(2)
(1) يكنى أبا علي، مولى بجيلة كوفي يعد من ابرز أربعة وجوه شيعية إمامية في عصره، روى عن ستين رجلا من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، وروى عن الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، وكان جليل القدر،، وعدَّه الكشي من الفقهاء الذين أجمع الشيعة على تصحيح ما يصح عنهم عند تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا عليهما السلام، له كتب كثيرة، منها: كتاب المشيخة، كتاب الحدود، كتاب الديات، كتاب الفرائض، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب النوادر، نحو ألف ورقة، وزاد ابن النديم: كتاب التفسير، وله كتاب العتق. جاءت أخباره في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ضمن كتابه (المشيخة) الذي يقول عنه الطبرسي في كتابه (إعلام الورى): (هو في اصول الشيعة أشهر من كتاب المزني).
(2) النعماني، الغيبة: ص136، قال أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال: حدثنا محمد بن المفضل ؛ و سعدان بن إسحاق ؛ وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ؛ ومحمد بن أحمد القطواني قالوا: حدثنا الحسن بن محبوب.
وعنه عن علي بن رئاب، عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (إن للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت: ولم؟ قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه. ـ قال زرارة يعني القتل).(1)
محمد بن أبي عمير(2) عن جميل بن دراج، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فقلت له ما يصنع
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص481، عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي ابن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب.
(2) قال النجاشي: «محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي، بغدادي الأصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى عليه السلام، وسمع منه أحاديث، وروى عن الرضا عليه السلام. جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، الجاحظ يحكي عنه في كتبه، وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية، وقال في البيان والتبيين: حدثني إبراهيم بن داجة، عن ابن أبي عمير وكان وجها من وجوه الرافضة. وكان حبس في أيام الرشيد فقيل ليلي القضاء، وقيل إنه ولي بعد ذلك، وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة، وأصحاب موسى بن جعفر عليه السلام، وروي أنه ضرب أسواطا بلغت منه فكاد أن يقر لعظيم الألم، فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمان وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر ففرج الله. وروي أنه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد، وقيل إن اخته دفنت كتبه في حالة استتارها وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب، وقيل بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر، فهلكت، فحدث من حفظه، ومما كان سلف له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله، وقد صنف كتبا كثيرة. صنف أربعة وتسعين كتابا، منها: كتاب الملاحم، المغازي وكتاب الكفر والإيمان، وكتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الإمامة، كتاب الحج، كتاب فضائل الحج. كتاب المتعة، كتاب الاستطاعة، كتاب يوم وليلة، كتاب الصلاة، كتاب مناسك الحج، كتاب الصيام، كتاب اختلاف الحديث، كتاب المعارف، كتاب التوحيد، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الرضاع، النوادر وغيرها. مات محمد بن أبي عمير سنة (217)».
الناس في ذلك الزمان؟ قال: يتمسكون بالـمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم».(1)
وعنه عن صفوان بن مهران الجمال قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: «أما والله ليغيبن عنكم مهديكم حتى يقول الجاهل منكم ما لله في آل محمد، ثم يقبل كالشهاب الثاقب فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما».(2)
صفوان بن يحيى(3) عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص350، حدثنا أبي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير.
(2) المصدر نفسه ص 341، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا أبي، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير.
(3) قال النجاشي: «صفوان بن يحيى أبومحمد البجلي بياع السايري، كوفي، ثقة ثقة، عين، روى أبوه عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى هو عن الرضا عليه السلام، وكانت له عنده منزلة شريفة، ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسى عليه السلام، وقد توكل للرضا وأبي جعفر عليهما السلام وسلم مذهبه من الوقف، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة، وكان جماعة الواقفة بذلوا له مالا كثيرا، وكان شريكا لعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان، وروي أنهم تعاقدوا في بيت الله الحرام أنه من مات منهم صلى من بقي صلاته وصام عنه صيامه وزكى عنه زكاته، فماتا وبقى صفوان، فكان يصلي في كل يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويزكي زكاته ثلاث دفعات، وكل ما يتبرع به عن نفسه مما عدا ما ذكرناه تبرع عنهما مثله. وحكى بعض أصحابنا أن إنسانا كلفه حمل دينارين إلى أهله إلى الكوفة، فقال: إن جمالي مكراة وأنا أستأذن الأُجراء، وكان من الورع والعبادة على مالم يكن عليه أحد من طبقته رحمه الله، وصنف ثلاثين كتابا، كما ذكر أصحابنا يعرف منها الآن: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الزكاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الفرائض، كتاب الوصايا، كتاب الشراء والبيع، كتاب العتق والتدبير، كتاب البشارات، نوادر، مات صفوان بن يحيى رحمه الله سنة عشر ومائتين».
يقول: «إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ ».(1)
عثمان بن عيسى الكلابي(2) عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، قلت له: ولم؟ قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه -. ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول هو حمل، ومنهم من يقول هو غائب، ومنهم من يقول ما ولد، ومنهم من يقول ولد قبل وفاة أبيه بسنتين. غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون. قال: زرارة: فقلت: جعلت فداك فإن أدركت ذلك الزمان فأي شيء أعمل؛ قال: يا زرارة إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء: (اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة ص481، وبهذا الإسناد، عن محمد بن مسعود قال: حدثني محمد بن إبراهيم الوراق قال: حدثنا حمدان بن أحمد القلانسي، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى.
(2) قال النجاشي: «عثمان بن عيسى أبو عمرو العامري الكلابي، ثم من ولد عبيد بن رؤاس، فتارة يقال الكلابي وتارة العامري وتارة الرؤاسي، والصحيح: أنه مولى بني رؤاس وكان شيخ الواقفة ووجهها، وأحد الوكلاء المستبدين بمال موسى بن جعفر عليه السلام، روى عن أبى الحسن عليه السلام، ذكره الكشي في رجاله وذكر نصر بن الصباح، قال: كان له (يعني الرضا عليه السلام) في يده مال فمنعه فسخط عليه، وقال: ثم تاب وبعث إليه بالمال، وكان يروى عن أبي حمزة، وكان رأى في المنام أنه يموت بالحائر على صاحبه السلام، فترك منزله بالكوفة وأقام بالحائر حتى مات، ودفن هناك صنف كتبا، منها: كتاب المياه. وكتاب القضايا والأحكام، وكتاب الوصايا، وكتاب الصلاة).
فانك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني)».
الحسن بن علي بن فضال(1) عن عبد الله بن بكير، عن زرارة بن أعين،
(1) قال النجاشي: «الحسن بن علي بن فضال، كوفي يكنى أبا محمد. ابن عمرو ابن أيمن مولى تيم الله، لم يذكره أبوعمرو الكشي في رجال أبي الحسن الأول عليه السلام. قال أبوعمرو: قال الفضل بن شاذان: كنت في قطيعة الربيع في مسجد الربيع أقرأ على مقرئ يقال له: إسماعيل بن عباد، فرأيت قوما يتناجون، فقال أحدهم: بالجبل رجل يقال له ابن فضال أعبد من رأينا أو سمعنا به، قال: فإنه ليخرج إلى الصحراء فيسجد السجدة، فيجيء الطير فيقع عليه فما يظن إلا أنه ثوب أو خرقة، وإن الوحش لترعى حوله فما تنفر منه لما قد أنست به، وإن عسكر الصعاليك ليجيئون يريدون الغارة أو قتال قوم فاذا رأوا شخصه طاروا في الدنيا فذهبوا. قال أبومحمد (هو الفضل بن شاذان): فظننت أن هذا رجل كان في الزمان الأول، فبينما أنا بعد ذلك بيسير قاعد في قطيعة الربيع مع أبي رحمه الله، إذ جاء شيخ حلو الوجه حسن الشمائل عليه قميص نرسي ورداء نرسي وفي رجله نعل مخضر فسلم على أبي، فقام إليه أبي فرحب به وبجله، فلما أن مضى يريد ابن أبي عمير قلت: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا الحسن بن علي بن فضال، قلت: هذا ذاك العابد الفاضل؟ قال: هو ذاك، قلت: ليس هو ذلك، ذاك بالجبل، قال: هو ذاك كان يكون بالجبل قال: ما أغفل (أقل) عقلك من غلام، فأخبرته بما سمعت من القوم فيه، قال: هو ذلك. فكان بعد ذلك يختلف إلى أبي ثم خرجت إليه بعد إلى الكوفة فسمعت منه كتاب ابن بكير وغيره من الأحاديث، وكان يحمل كتابه ويجيء إلى الحجرة فيقرأه علي، فلما حج ختن طاهر بن الحسين وعظمه الناس لقدره وماله ومكانه من السلطان، وقد كان وصف له فلم يصر إليه الحسن فأرسل إليه: أحب أن تصير إلي فإنه لا يمكنني المصير إليك فأبى، وكلمه أصحابنا في ذلك، فقال: مالي ولطاهر لا أقربهم ليس بيني وبينهم عمل، فعلمت بعد هذا أن مجيئه إلي كان لدينه، وكان مصلاه بالكوفة في الجامع عند الاسطوانة التي يقال لها السابعة ويقال لها اسطوانة إبراهيم عليه السلام، وكان يجتمع هو وأبومحمد الحجال وعلي بن أسباط، وكان الحجال يدعي الكلام فكان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بيني وبينه في الكلام في المعرفة وكان يحبني حبا شديدا. وكان الحسن عمره كله فطحيا مشهورا بذلك حتى حضره الموت فمات وقد قال بالحق:أخبرنا محمد بن محمد، قال: حدثنا أبو الحسن بن داود، قال: حدثنا أبي عن محمد بن جعفر المؤدب، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن علي بن الريان، قال: كنا في جنازة الحسن، فالتفت محمد بن عبد الله بن زرارة إلي وإلى محمد بن الهيثم التميمي فقال لنا ألا أبشركما؟ فقلنا له: وما ذاك؟ فقال: حضرت الحسن بن علي قبل وفاته وهو في تلك الغمرات وعنده محمد بن الحسن بن الجهم، قال: فسمعته يقول له: يا أبا محمد تشهد، فقال: فتشهد الحسن فعبر عبد الله، وصار إلى أبي الحسن عليه السلام، فقال له محمد بن الحسن: وأين عبد الله؟! فسكت ثم عاد فقال له: تشهد فتشهد وصار إلى أبي الحسن عليه السلام، فقال لهو أين عبد الله؟! يردد ذلك ثلاث مرات. فقال الحسن: قد نظرنا في الكتب فما رأينا لعبد الله شيئا. قال أبو عمرو الكشي: كان الحسن بن علي فطحيا يقول بإمامة عبد الله ابن جعفر فرجع، قال ابن داود في تمام الحديث: فدخل علي بن أسباط، فأخبره محمد بن الحسن بن الجهم الخبر، قال: فأقبل علي بن أسباط يلومه، قال: فأخبرت أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، بقول محمد بن عبد الله، فقال: حرف محمد ابن عبد الله على أبي، قال: وكان والله محمد بن عبد الله أصدق عندي لهجة من أحمد بن الحسن فإنه رجل فاضل دين. وذكره أبوعمرو في أصحاب الرضا عليه السلام خاصة، قال: الحسن بن علي بن فضال مولى بني تيم الله بن ثعلبة كوفي وله كتب الزيارات، البشارات، النوادر، الرد على الغالية، الشواهد من كتاب الله، المتعة، الناسخ والمنسوخ، الملاحم، الصلاة، كتاب يرويه القميون خاصة عن أبيه علي، عن الرضا عليه السلام فيه نظر وكتاب الرجال مات الحسن سنة أربع وعشرين ومائتين».
عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ـ وذكر الحديث مثله سواء.(1)
و عنه عن مروان بن مسلم، عن أبي بصير قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: «طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية…).(2)
و عنه عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الاصبغ بن نباتة قال:
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص342، وحدثنا محمد بن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن علي بن محمد الحجال، عن الحسن بن علي بن فضال.
(2) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 358، المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي السمرقندي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه محمد بن مسعود العياشي، عن جعفر ابن أحمد، عن العمركي بن علي البوفكي، عن الحسن بن علي بن فضال.
«أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته متفكرا ينكت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكرا تنكت في الأرض؟ أرغبة منك فيها؟ فقال: (لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط، ولكن فكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي، الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون».(1)
محمد ابن إسماعيل بزيع(2) عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد
(1) الطوسي، الغيبة: ص336، سعد بن عبد الله الأشعري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي بن فضال.وكذلك الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص288، أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله تعالى عنه قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، وأحمد بن إدريس جميعا، عن محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب، وأحمد بن محمد بن عيسى، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن الحسن بن علي بن فضال.
(2) قال النجاشي: (محمد بن إسماعيل بن بزيع: أبو جعفر: مولى المنصور أبي جعفر. وولد بزيع بيت، منهم حمزة بن بزيع، كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم، كثير العمل، له كتب، منها كتاب ثواب الحج، وكتاب الحج. قال محمد بن عمر الكشي: كان محمد بن إسماعيل بن بزيع من رجال أبي الحسن موسى عليه السلام، وأدرك أبا جعفر الثاني عليه السلام. وقال حمدويه عن أشياخه: إن محمد بن إسماعيل بن بزيع، وأحمد بن حمزة كانا في عداد الوزراء، وكان علي بن النعمان وصى بكبه لمحمد بن إسماعيل. وقال أبوالعباس بن سعيد في تأريخه: إن محمد بن إسماعيل بن بزيع سمع منصور بن يونس، وحماد بن عيسى، ويونس بن عبدالرحمان، وهذه الطبقة كلها، وقال: سألت عنه علي بن الحسن، فقال: ثقة، ثقة عين).
الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، يأتي بذخيرة الأنبياء عليهم السلام فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما».(1)
الحسن بن أيوب(2) عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن محمد بن عصام، قال حدثني المفضل بن عمر قال : «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا إياكم والتنويه ـ يعني باسم القائم عليه السلام ـ وكنت أراه يريد غيري، فقال لي: يا أبا عبد الله إياكم والتنويه، والله ليغيبن سبتا من الدهر، وليخملن حتى يقال مات، أو هلك؟ بأي واد سلك؟ ولتفيضن عليه أعين المؤمنين وليكفأن كما تكفئ السفينة في أمواج البحر حتى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي، (قال المفضل، فبكيت، فقال لي: ما يبكيك؟ قلت جعلت فداك كيف لا أبكى وأنت تقول ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي، قال فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه فقال أهذه الشمس مضيئة، قلت نعم، فقال: والله لامرنا أضوء منها».(3)
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص287، حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيسابوري قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان النيسابوري، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع.
(2) من أصحاب الكاظم عليه السلام قال النجاشي: «الحسن بن أيوب، له كتاب أصيل».
(3) النعماني، الغيبة: ص151، عبد الواحد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا أحمد بن محمد بن رباح الزهري، عن أحمد بن على الحميري عن الحسن بن ايوب.
عبد الله بن حماد الأنصاري(1) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: «يا أبا ـ الجارود إذا دار الفلك وقالوا مات أو هلك، وبأي واد سلك، وقال الطالب له أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارتجوه، وإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوا على الثلج».(2)
وعنه عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «يا أبان يصيب العلم سبطة… قلت: فما السبطة؟ قال: دون الفترة، فبينماهم كذلك إذ طلع لهم نجمهم، فقلت: جعلت فداك فكيف نصنع وكيف يكون ما بين ذلك؟ فقال لي: (كونوا على) ما أنتم عليه حتى يأتيكم الله بصاحبها».(3)
أحمد بن الحسن الميثمي(4) عن زائدة بن قدامة، عن بعض رجاله عن أبي عبد
(1) قال النجاشي: «عبد الله بن حماد الأنصاري: من شيوخ أصحابنا، له كتابان أحدهما أصغر من الآخر». وقال الشيخ: «عبد الله بن حماد، له كتاب، أخبرنا به عدة من أصحابنا، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عنه» . وعده في رجاله من أصحاب الكاظم عليه السلام، قائلا: «عبد الله ابن حماد الأنصاري، له كتاب». وعده البرقي أيضا من أصحاب الكاظم عليه السلام. وقال ابن الغضائري: «عبد الله بن حماد أبو محمد الأنصاري نزل قم، لم يرو عن أحد من الأئمة عليهم السلام، وحديثه يعرف تارة وينكر أخرى ويخرج شاهدا».
(2) النعماني، الغيبة: ص154: أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي سنة ثلاث وسبعين ومائتين قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري سنة تسع وعشرين ومائتين.
(3) المصدر نفسه: ص160، حدثنا أحمد بن هوذة الباهلي أبو سليمان، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري.
(4) قال النجاشي: «أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار، مولى بني أسد، قال أبو عمرو الكشي: كان واقفا، وذكر هذا عن حمدويه، عن الحسن بن موسى الخشاب، قال أحمد بن الحسن واقف، وقد روى عن الرضا عليه السلام، وهو على كل حال ثقة، صحيح الحديث، معتمد عليه، له كتاب النوادر».
الله عليه السلام قال: «إن القائم إذا قام يقول الناس أنّى ذلك؟ وقد بليت عظامه».(1)
وعنه عن زائدة بن قدامة، عن عبد الكريم قال «ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام القائم، فقال: أنى يكون ذلك ولم يستدر الفلك حتى يقال مات أو هلك في أي واد سلك، فقلت: وما استدارة الفلك؟ فقال: اختلاف الشيعة بينهم».(2)
(1) النعماني، الغيبة: ص154، أخبرنا محمد بن همام رحمه الله قال: حدثنا حميد بن زياد، عن الحسن ابن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي.
(2) المصدر نفسه: ص157، محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي. أقول وقد عقب النعماني على هذا الحديث بقوله: ـ الاحاديث دالة على ما قد آلت إليه أحوال الطوائف المنتسبة إلى التشيع ممن خالف الشرذمة المستقيمة على إمامة الخلف بن الحسن بن علي عليه السلام: لان الجمهور منهم من يقول في الخلف: أين هو؟ وأنى يكون هذا؟ وإلى متى يغيب؟ وكم يعيش هذا؟ وله الآن نيف وثمانون سنة فمنهم من يذهب إلى أنه ميت؟ ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة ويستهزئ بالمصدق به، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد ولا يرى أن الله في قدرته ونافذ سلطانه وماضي أمره وتدبيره قادر على أن يمد لوليه في العمر كأفضل ما مده ويمده لاحد من أهل عصره وغير أهل عصره، ويظهر بعد مضي هذه المدة وأكثر منها، فقد رأينا كثيرا من أهل زماننا ممن عمر مائة سنة وزيادة عليها وهو تام القوة، مجتمع العقل فكيف ينكر لحجة الله أن يعمره أكثر من ذلك، وأن يجعل ذلك من أكبر آياته التي أفرده بها من بين أهله لانه حجته الكبرى التي يظهر دينه على كل الأديان، و يغسل بها الأرجاس والأدران. كأنه لم يقرأ في هذا القرآن قصة موسى في ولادته وما جرى على النساء والصبيان بسببه من القتل والذبح حتى هلك في ذلك الخلق الكثير تحرزا من واقع قضاء الله ونافذ أمره، حتى كونه الله عز وجل على رغم أعدائه وجعل الطالب له المفني لأمثاله من الاطفال بالقتل والذبح بسببه هو الكافل له والمربي، وكان من قصته في نشوئه وبلوغه وهربه في ذلك الزمان الطويل ما قد نبأ ناالله في كتابه، حتى حضر الوقت الذي أذن الله عز وجل في ظهوره، فظهرت سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنته تبديلا، فاعتبروا يا أولى الابصار و اثبتوا أيها الشيعة الاخيار على ما دلكم الله عليه وأرشدكم إليه، واشكروه على ما أنعم به عليكم وأفردكم بالحظوة فيه فإنه أهل الحمد والشكر).
العباس بن عامر القصباني(1) عن ابن بكير، عن زرارة قال: «سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المطلوب تراثه قلت ولم ذلك؟ قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ يعني القتل».(2)
وعنه عن موسى بن هلال، عن عبد الله بن عطاء المكي قال: «خرجت حاجا من واسط، فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام فسألني عن الناس والأسعار، فقلت: تركت الناس مادين أعناقهم إليك لو خرجت لا تبعك الخلق، فقال: يا ابن عطاء قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى، لا والله ما أنا بصاحبكم ولا يشار إلى رجل منا بالاصابع ويمط إليه بالحواجب(3) إلا مات قتيلا أو حتف أنفه، قلت: وما حتف أنفه؟ قال: يموت بغيظه على فراشه حتى يبعث الله من لا يؤبه لولادته، قلت ومن لا يؤبه لولادته؟ فقال: انظر من لا يدري الناس أنه ولد أم لا، فذاك صاحبكم».(4)
(1) قال النجاشي: «العباس بن عامر بن رياح أبوالفضل الثقفي القصباني، الشيخ الصدوق الثقة كثير الحديث، له كتب». وقال الشيخ: «عباس بن عامر القصباني، له كتاب أخبرنا به أبو عبد الله المفيد رحمه الله، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن الحسن بن علي الكوفي، وأيوب بن نوح، عنه». وعده في رجاله (تارة) من أصحاب الكاظم عليه السلام، قائلا: «العباس بن عامر».
(2) النعماني، الغيبة: ص177، وأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا علي بن الحسن التيملي، عن العباس بن عامر بن رباح.
(3) مطه يمطه أي: مده، ومط حاجبيه أي: مدهما.
(4) النعماني، الغيبة: ص168، علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى العلوي قال: حدثني محمد ابن أحمد القلانسي بمكة سنة سبع وستين ومائتين قال: حدثنا علي بن الحسن [التيملى]، عن العباس بن عامر. وكذلك الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص325، حدثنا أحمد بن هارون الفامي، وعلي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، وجعفر بن محمد بن مسرور، وجعفر بن الحسين رضي الله عنهم قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أيوب بن نوح، عن العباس بن عامر القصباني.وحدثنا جعفر بن علي بن الحسن بن علي عبد الله بن المغيرة الكوفي قال: حدثني جدي الحسن بن علي بن عبد الله، عن العباس بن عامر القصباني.
وعنه قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: «صاحب هذا الأمر من يقول الناس لم يولد بعد».(1)
وعنه عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة(2) يأرز العلم فيها…
فبينما هم كذلك إذ أطلع الله عز وجل لهم نجمهم، قال: قلت: وما السبطة؟ قال الفترة والغيبة لإمامكم، قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم».(3)
محمد بن سنان(4) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه سمعه
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 360: أبي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا الحسن ابن موسى الخشاب، عن العباس بن عامر القصباني.
(2) اسبط: سكت فرقا. ويأرز العلم أي ينقبض.
(3) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 349، حدثنا جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني جدي الحسن بن على، عن العباس بن عامر القصباني.
(4) قال النجاشي: «محمد بن سنان أبو جعفر الزاهري: من ولد زاهر، مولى عمرو بن الحمق الخزاعي، كان أبو عبد الله بن عياش يقول: حدثنا أبو عيسى محمد بن أحمد بن محمد بن سنان، قال: هو محمد بن الحسن بن سنان مولى زاهر، توفي أبوه الحسن وهو طفل وكفله جده سنان فنسب إليه. وقال أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد، إنه روى عن الرضا عليه السلام، قال: وله مسائل عنه معروفة، وهو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرد به. وقد ذكر أبو عمرو في رجاله: أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان: لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان، وذكر أيضا أنه وجد بخط أبي عبد الله الشاذاني: إني سمعت القاضي (العاصمي) يقول: إن عبد الله بن محمد بن عيسى الملقب ببنان قال: كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل إذ دخل علينا محمد بن سنان، فقال صفوان: إن هذا ابن سنان، لقد هم أن يطير غير مرة، فقصصناه حتى ثبت معنا. وهذا يدل على اضطراب كان وزال. وقد صنف كتبا منها: كتاب الطرائف أخبرناه الحسين، عن أبي غالب، عن جده أبي طاهر محمد بن سليمان، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عنه، به وكتاب الاظلة، وكتاب المكاسب، وكتاب الحج، وكتاب الصيد والذبائح، وكتاب الشراء والبيع، وكتاب الوصية، وكتاب النوادر. أخبرنا جماعة شيوخنا، عن أبي غالب أحمد بن محمد، عن عم أبيه علي بن سليمان عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عنه، بها. ومات محمد بن سنان سنة عشرين ومائتين».
يقول : «الأمر في أصغرنا سنا، واخملنا ذكرا».(1)
عبد الله بن جبلة(2) عن إبراهيم بن خلف بن عباد الانماطي، عن مفضل
(1) النعماني، الغيبة: ص 322، علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، قال: حدثني محمد بن الحسين عن أبى الخطاب، عن محمد بن سنان. وروى أيضا في ص 322: عن محمد بن همام قال: حدثنا أحمد بن ما بنداذ، قال: حدثنا أحمد بن هلال، عن أبي مالك الحضرمي، عن أبي السفاتج، عن أبي بصير، قال: «قلت لهما ـ لابي عبد الله أو لابي جعفر ـ عليهما السلام: أيكون أن يفضي هذا الأمر إلى من لم يبلغ؟ قال: سيكون ذلك، قلت: فما يصنع؟ قال: يورثه علما وكتبا ولا يكله إلى نفسه».
(2) قال النجاشي: «عبد الله بن جبلة بن حنان بن الحر (أبجر) الكناني أبو محمد. عربي صليب، ثقة، روى عن أبيه، عن جده حنان بن الحر، كان الحر أدرك الجاهلية، وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة، وكان عبد الله واقفا، وكان فقيها، ثقة، مشهورا. له كتب منها: كتاب الرجال، وكتاب الصفة في الغيبة على مذهب الواقفة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الفطرة، كتاب الطلاق، كتاب مواريث الصلب، كتاب النوادر، أخبرنا بجميعها الحسين بن عبيد الله، عن أحمد ابن جعفر، عن حميد ـ وأحمد بن عبد الواحد، عن علي بن حبشي بن قوني، عن حميد ـ قال: حدثنا أحمد بن الحسن البصري، عن عبد الله بن جبلة، ومات عبد الله بن جبلة سنة تسع عشرة ومائتين، أخبرنا بها أحمد بن محمد، عن أحمد ابن محمد بن سعيد. وتقدم عنه في ترجمة جعفر بن عبد الله رأس المذري عد ابن جبلة من أجلة أصحابنا». وقال الشيخ (ص454): «عبد الله بن جبلة، له روايات رويناها بالإسناد الأول، عن حميد، عن أحمد بن ميثم بن أبي نعيم الفضل بن دكين،عنهوأخبرنا بها ابن أبي جيد،عن ابن الوليد،عن الصفار،عن محمد بن الحسين،عنه».وأراد بالإسناد الأول: جماعة، عن أبي المفضل، عن حميد. وعده في رجاله من أصحاب الكاظم عليه السلام (33). وعده البرقي أيضا، في أصحاب الكاظم عليه السلام، قائلا: «عبد الله بن جبلة الكناني».
بن عمر قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده في البيت أناس فظننت أنه إنما أراد بذلك غيري، فقال أما والله ليغيبن عنكم صاحب هذا الأمر وليخملن هذا حتى يقال مات، هلك، في أي واد سلك؟ ولتكفأن كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي، قال فبكيت، فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا ابكي وأنت تقول اثنتا عشرة راية مشتبه لا يدري أي من أي؟! قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس فقال: أبينة هذه؟ فقلت: نعم، قال: أمرنا أبين من هذه الشمس».(1)
وعنه عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم ذلك؟ قال إنه يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ يعنى القتل».(2)
الغيبتان:
الحسن بن محبوب عن إسحاق بن عمار الصيرفي قال قال أبو عبد الله عليه السلام «للقائم غيبتان إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة …».(1)
وعنه عن إبراهيم بن زياد الخارقي، عن أبى بصير قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الأخرى؟ فقال: نعم …».(2)
عبد الرحمن بن أبي نجران(3) عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر
(1) المصدر نفسه: ص170، حدثنا محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب. وفي صفحة 170: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال: حدثنا علي بن الحسن التيملي، عن عمر بن عثمان، عن الحسن بن محبوب.
(2) المصدر نفسه: ص 172، أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم ابن قيس ؛ وسعدان بن إسحاق بن سعيد: وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ؛ ومحمد بن أحمد بن الحسن القطواني قالوا جميعا: حدثنا الحسن بن محبوب.
(3) قال النجاشي: «عبد الرحمان بن أبي نجران واسمه عمرو بن مسلم التميمي، مولى، كوفي، أبو الفضل، روى عن الرضا عليه السلام، وروى أبوه أبو نجران، عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى عن أبي نجران حنان، وكان عبد الرحمان ثقة ثقة، معتمدا على ما يرويه، له كتب كثيرة، قال أبو العباس: لم أر منها إلا كتابه في البيع والشراء. أخبرنا القاضي أبو عبد الله وغيره، عن أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن خالد، عن عبد الرحمان، بكتبه، وأخبرنا أبو عبد الله بن شاذان، قال: حدثنا علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عن عبد الرحمان بن أبي نجران، بكتابه القضايا، وهو كتاب محمد بن قيس، ورواه عن عاصم بن حميد، عن محمد وزاد عبد الرحمان فيه زيادات، وأخبرنا بكتابه المطعم والمشرب محمد بن علي الكاتب، قال: حدثنا هارون بن موسى، قال: حدثنا محمد بن علي بن معمر الكوفي، قال: حدثنا حمدان ابن المعافى أبو جعفر الصبيحي، عن عبد الرحمان به، وكتاب يوم وليلة، وكتاب النوادر، أخبرنا محمد بن عثمان، عن جعفر بن محمد، عن عبيد الله بن أحمد، عن عبد الرحمان بن أبي نجران، بكتابه النوادر». وقال الشيخ (ص476): «عبد الرحمان بن أبي نجران، له كتب، أخبرنا بها جماعة، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عنه». وعده في رجاله (تارة) من أصحاب الرضا عليه السلام، قائلا: «عبد الرحمان بن أبي نجران التميمي: مولى كوفي». و (أخرى) من أصحاب الجواد عليه السلام. وعده البرقي في أصحاب الرضا عليه السلام، وفي نسخة من أصحاب الجواد أيضا. ولكن الظاهر عدم صحة هذه النسخة، وإلا كان عليه أن يذكره في أصحاب الجواد ممن أدرك الرضا عليه السلام، لا في أصحابه المختصين به، وفي التهذيب: الجزء 2، باب أحكام السهو من الزيادات، الحديث 1440، رواية سعد بن عبد الله، عن ابن أبي نجران. ولازم ذلك بقاء ابن أبي نجران إلى زمان العسكري عليه السلام لا محالة، ولعله متسالم على عدمه، والله العالم. قال السيد الخوئي رحمه الله: (وكيف كان، فالظاهر صحة ما ذكره الشيخ من كونه من أصحاب الجواد عليه السلام وإن كان ظاهر كلام النجاشي يعطي اختصاص روايته بالرضا عليه السلام، وذلك لكثرة روايته عن الجواد عليه السلام) (معجم رجال الحديث).
اليماني قال سمعت أن لصاحب هذا لأمر غيبتين.(1)
الحسن بن أيوب عن عبد الكريم بن عمرو عن أبي حنيفة السايق عن حازم بن حبيب قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أبي هلك وهو رجل أعجمي وقد أردت أن أحج عنه وأتصدق فما ترى في ذلك؟ فقال: افعل فإنه يصل إليه، ثم قال لي: يا حازم إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ـ و ذكر مثل ما ذكر في الحديث الذي قبله سواء ».(2)
وعنه عن عبد الكريم بن عمرو، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم الثقفي، عن الباقر أبي جعفر عليه السلام أنه سمعه يقول: «إن للقائم غيبتين
يقال له في إحديهما هلك ولا يدرى في أي واد سلك».(1)
عبد الله بن جبلة عن إبراهيم بن المستنير عن المفضل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «إن لصاحب الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم يقول قتل، وبعضهم يقول ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره».(2)
وعنه عن سلمة بن جناح، عن حازم بن حبيب قال: «دخلت على أبي عبد الله عليه السلامفقلت له: أصلحك الله إن أبوي هلكا ولم يحجا و إن الله قد رزق وأحسن فما تقول في الحج عنهما؟ فقال افعل فإنه يبرد لهما، ثم قال لي: يا حازم إن لصاحب هذا الأمر غيبتين يظهر في الثانية، فمن جاءك يقول إنه نفض يده من تراب قبره فلا تصدقه».(3)
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمةعليهم السلام:
الحسن بن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح (مكتوب) فيه أسماء الأوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وأربعة
(1) المصدر نفسه: ص 173، الواحد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد بن رباح قال حدثنا أحمد بن على الحميري قال حدثنا الحسن بن أيوب.
(2) المصدر نفسه: ص 171، وأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا القاسم بن محمد بن الحسن بن حازم من كتابه قال: حدثنا عبيس بن هشام، عن عبد الله بن جبلة.
(3) النعماني، الغيبة: ص 172، أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا القاسم بن محمد بن الحسن بن حازم من كتابه قال: حدثنا عبيس بن هشام عن عبد الله بن جبلة.
منهم علي عليهم السلام». (1)
عبد الله بن حماد الأنصاري قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري يرفعه قال: «أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله عز وجل يأمرك أن تزوج فاطمة من علي أخيك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال له: يا علي إني مزوجك فاطمة ابنتي سيدة نساء العالمين وأحبهن إلي بعدك، وكائن منكما سيدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضر جون المقهورون في الأرض من بعدي، والنجباء الزهر الذين يطفيء الله بهم الظلم، ويحيى بهم الحق، ويميت بهم الباطل، عدتهم عدة أشهر السنة، آخرهم يصلي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه».(2)
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الحسين عليه السلام:
الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب قال قال أبو عبد الله عليه السلام: (لما أن حملت فاطمة عليها السلام بالحسين عليه السلام قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل قد وهب لك غلاما اسمه الحسين، تقتله أمتي، قالت: فلا حاجة لي فيه، فقال:
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 311، أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب. وفي صفحة 313: الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا أبي، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن الحسن بن محبوب.
(2) النعماني، الغيبة: ص57، أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة أبي هراسة الباهلي(ت333هـ)، وفي صفحة70 قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي سنة ثلاث وسبعين ومائتين قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن حماد الأنصاري سنة تسع وعشرين ومائتين.
إن الله عز وجل قد وعدني فيه عدة، قالت: وما وعدك؟ قال: وعدني أن يجعل الإمامة من بعده في ولده، فقالت: رضيت) .(1)
محمد بن أبي عمير عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، من العترة؟ فقال: (أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه).(2)
وعنه عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، من العترة، فقال: (أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه).(3)
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 416، محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال حدثنا الحسن بن محبوب.
(2) المصدر نفسه: ص240، محمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه عن ابن أبي عمير.
(3) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص240، محمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي بن ـ إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير.
وعنه عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام: (في التاسع من ولدي سنة من يوسف، وسنة من موسى بن عمران عليه السلام وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة).(1)
محمد بن سنان عن فضيل الرسان، عن أبي حمزة الثمالي قال: (كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام ذات يوم فلما تفرق من كان عنده قال لي: يا أبا حمزة من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا… السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا).(2)
عبد الله بن حماد الأنصاري عن أبان بن عثمان قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام: (بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم في البقيع حتى أقبل علي عليه السلام فسأل عن رسول الله عجل الله تعالى فرجه الشريف فقيل إنه بالبقيع، فأتاه علي عليه السلام فسلم عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس فأجلسه عن يمينه، ثم جاء جعفر بن أبى طالب فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلم عليه فأجلسه عن يساره، ثم جاء العباس فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآلهفقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلم عليه فأجلسه أمامه، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص316، قال حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار قال: حدثنا أبوعمرو الكشي قال: حدثنا محمد بن مسعود (العياشي) قال: حدثنا علي بن محمد بن شجاع، عن محمد بن عيسى.
(2) النعماني، الغيبة: ص86، أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن على الكوفي، عن إبراهيم بن محمد بن يوسف، عن محمد بن عيسى، عن عبد الرزاق، عن محمد بن سنان.
إلى علي عليه السلام فقال: ألا أبشرك؟ ألا أخبرك يا علي، فقال: بلى يا رسول الله، فقال: كان جبرئيل عليه السلامعندي آنفا وأخبرني أن القائم الذي يخرج في أخر الزمان فيملا الأرض عدلا (كما ملئت ظلما وجورا) من ذريتك من ولد الحسين… ثم التفت إلى العباس فقال يا عم النبي ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل عليه السلام؟ فقال: بلي يا رسول الله قال قال لي جبرئيل ويل لذريتك من ولد العباس، فقال: يا رسول الله أفلا أجتنب النساء؟ فقال له: (قد) فرغ الله مما هو كائن).(1)
وعنه عن إبراهيم بن عبيد الله بن العلاء، قال حدثني أبي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم، فقال الحسين: يا أمير المؤمنين متى يطهر الله الأرض من الظالمين؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لايطهرالله الأرض من الظالمين حتى يسفك الدم الحرام. ثم ذكر أمر بني أمية وبني العباس… ثم يقوم القائم المأمول، والامام المجهول، له الشرف والفضل وهو من ولدك يا حسين، لا ابن مثله…).(2)
(1) النعماني، الغيبة: ص 247، حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وتسعين ومائتين، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري في شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائتين.
(2) النعماني، الغيبة: ص274، أخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى العلوي، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري.
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الصادق عليه السلام
محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال: (سمعت السيد بن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي ـ ابن الحنفية ـ قد ضللت في ذلك زمانا، فمنَّ الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلت له: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السلام: إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض و صاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما. قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أولها:
فلما رأيت الناس في الدين قد غووا
تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا
وناديت باسم الله والله اكبر
وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ودنت بدين الله ماكنت دينا
به ونهاني سيد الناس جعفر
فقلت فهبني قد تهودت برهة
وإلا فديني دين من يتنصر
وإني إلى الرحمن من ذاك تائب
وإني قد أسلمت والله أكبر
فلست بغال ما حييت وراجع
إلى ما عليه كنت اخفي واظهر
ولا قائل حي برضوى محمد
وإن عاب جهال مقالي فأكثروا
ولكنه ممن مضى لسبيله
على أفضل الحالات يقفي ويخبر
و مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم
من المصطفى فرع زكي وعنصر
إلى آخر القصيدة، (وهي طويلة).
وقلت بعد ذلك قصيدة أخرى:
أيا راكبا نحو المدينة جسرة
عذافرة يطوى بها كل سبسب(1)
إذا ما هداك الله عاينت جعفرا
فقل لولي الله وابن المهذب
ألا يا أمين الله وابن أمينه
أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الأمر الذي كنت مبطنا
أحارب فيه جاهدا كل معرب
وماكان قولي في ابن خولة مطنبا
معاندة مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد
وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن ولي الأمر يفقد لا يرى
ستيرا كفعل الخائف المترقب
فتقسم أموال الفقيد كأنما
تغيبه بين الصفيح المنصب
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة
كنبعة جدي من الافق كوكب
يسير بنصر الله من بيت ربه
على سؤدد منه وأمر مسبب
يسير إلى أعدائه بلوائه
فيقتلهم قتلا كحران مغضب(2)
فلما روي أن ابن خولة غائب
صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهدي والقائم الذي
يعيش به من عدله كل مجدب
فان قلت لا فالحق قولك والذي
أمرت فحتم غير ما متعصب
واشهد ربي أن قولك حجة
على الناس طرا من مطيع ومذنب
بأن ولي الأمر والقائم الذي
تطلع نفسي نحوه بتطرب
له غيبة لابد من أن يغيبها
فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حينا ثم يظهر حينه
فيملك من في شرقها والمغرب
بذاك أدين الله سرا وجهرة
ولست وإن عوتبت فيه بمعتب(1)
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام وهو من ذرية الكاظم عليه السلام:
الحسن بن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (من أقر بالأئمة من آبائي وولدي وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا صلى الله عليه وآله نبوته. فقلت: يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لكم تسميته).(2)
وعنه عن إبراهيم الكرخي قال: (دخلت على أبي عبد الله جعفر بن
(1) الصدوق، كمال الدين: ص33: عبد الواحد بن محمد العطار النيسابوري رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي بن محمد قتيبة النيسابورى، عن حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع.
(2) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص338، علي بن أحمد الدقاق رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل بن زياد الادمي، عن الحسن بن محبوب.
محمد عليهما السلامفإني عنده جالس إذ دخل أبو الحسن موسى وهو غلام فقمت إليه فقبلته وجلست فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا إبراهيم أما إنه صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجن الله عز وجل من صلبه خير أهل الأرض في زمانه، سمي جده ووارث علمه وأحكامه و قضاياه، ومعدن الإمامة ورأس الحكمة يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة حسدا له، ولكن الله بالغ أمره ولو كره المشركون، يخرج الله من صلبه تكملة اثنى عشر إماما مهديا اختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر (الشاهر سيفه بين يديه) كان كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه ودخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، فعدت إلى أبي عبد الله عليه السلام إحدى عشرة مرة أريد أن يستتم الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان قابل السنة الثانية دخلت عليه وهو جالس، فقال: يا إبراهيم هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل، وجور وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان حسبك يا إبراهيم، قال: فما رجعت بشيء أسرّ إليَّ من هذا لقلبي ولا أقرّ لعيني).(1)
محمد بن سنان عن صفوان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا صلى الله عليه وآلهنبوته، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن المهدي من
ولدك؟ قال الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته).(1)
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الرضا عليه السلام:
الحسن بن محبوب قال قال لي الرضا عليه السلام: (ستكون فتنة صماء صيلم(2) يذهب فيها كل وليجة وبطانة ـ وفي رواية «يسقط فيها كل وليجة وبطانة» ـ وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي…) . (3)
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص333، حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه ، قال: حدثنا أبي، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن سنان.
(2) الفتنة الصماء هي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في دهائها: لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة والصيلم: الداهية.
(3) المصدر السابق: ص180، وحدثنا محمد بن همام قال: حدثنا أحمد بن ما بنداذ ؛ وعبد الله بن جعفر الحميرى قالا: حدثنا أحمد بن هلال، قال: حدثنا الحسن بن محبوب الزراد قال: قال لي الرضا عليه السلام.أقول: ورواه غير الحسن بن محبوب: قال محمد بن إبراهيم النعماني كتاب الغيبة ص 168: حدثنا محمد بن يعقوب قال: حدثنا عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله عن أيوب بن نوح قال: قلت لأبى الحسن الرضا عليه السلام: «إنا نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك عفوا بغير سيف (85)، فقد بويع لك، وقد ضربت الدراهم باسمك، فقال: ما منا أحد اختلفت الكتب إليه وأشير إليه بالأصابع وسئل عن المسائل وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله لهذا الأمر غلاما منا خفي المولد والمنشأ، غير خفي في نسبه».وقال الشيخ الصدوق في كمال الدين ص 260: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآلهمن ولد الحسين تسعة أئمة، تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي.وقال في صفحة 260 حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، أيضاً عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه، عن آبائه عليهم السلامقال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ولد الحسين تسعة أئمة طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، تاسعهم قائمهم ومهديهم).وقال في صفحة 304: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام إنه قال: (التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين، والباسط للعدل).وقال في صفحة371: أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام: قيل له: يا ابن رسول الله من القائم منكم أهل البيت؟ قال: (الرابع من ولدي ابن ـ سيدة الاماء، يطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه،… وهوالذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فإن الحق معه وفيه).وقال في صفحة 51: محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا على بن ـ إبراهيم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (والذي بعثني بالحق بشيرا ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكه).وقال في صفحة 372: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى عليهما السلام قصيدتي التي أولها: مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات فلما انتهيت إلى قولي: خروج إمام لا محالة خارجيقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطلويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا عليه السلام بكاء شديدا، ثم رفع رأسه إلي فقال لي: (يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا مولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد و يملاها عدلا كما ملئت جورا. فقال: يا دعبل الامام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يخرج فيملا الأرض عدلا كما ملئت جورا وأما «متى» فإخبار عن الوقت، فقد حدثني أبي، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال عليه السلام: مثله مثل الساعة التي «لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة).وقال في صفحة 376: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: (أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني، وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان، قويا في بدنه حتى لو مد يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام. ذاك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء، ثم يظهره فيملا (به) الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما).
الحسن بن علي بن فضال عن أبى الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام أنه
قال: (كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال؛ لأن إمامهم يغيب عنهم، فقلت ولم؟ قال: لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف).(1)
علامات ظهوره و سيرته عليه السلام:
الحسن بن محبوب حدثنا عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي
عبد الله عليه السلام أنه قال: (لو قد قام القائم عليه السلام لأنكره الناس؛ لأنه يرجع إليهم شابا موفقا لا يثبت عليه إلا مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول).(1)
وعنه عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: (دخل رجل على أبي جعفر الباقر عليه السلامفقال له: عافاك الله اقبض مني هذه الخمسمائة درهم فإنها زكاة مالي، فقال له أبو جعفر عليه السلام: خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الاسلام والمساكين من إخوانك المؤمنين ثم قال: إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وإنما سمي المهدي مهديا؛ لأنه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عز وجل فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، ويملا الأرض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرا).(2)
وعنه عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلاميقول: (اتقوا الله واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فإن أشد ما يكون أحدكم اغتباطا بما هو فيه من الدين لو قد
(1) النعماني، الغيبة: ص211، علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، قال: حدثنا محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن على الكوفي، عن الحسن بن محبوب.
(2) النعماني، الغيبة: ص237، أخبرنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن حسان الرازي قال: حدثنا محمد بن علي الصيرفي، عن الحسن بن محبوب.
صار في حد الآخرة، وانقطعت الدنيا عنه، فإذا صار في ذلك الحد عرف أنه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبشرى بالجنة، وأمن مما كان يخاف، وأيقن أن الذي كان عليه هو الحق، وأن من خالف دينه على باطل، وأنه هالك فأبشروا، ثم أبشروا بالذى تريدون، ألستم ترون أعداءكم يقتتلون في معاصي الله، ويقتل بعضهم بعضا على الدنيا دونكم وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم، وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم، مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال: يتغيب الرجال منكم عنه، فإن حنقه وشرهه إنما هو على شيعتنا، وأما النساء فليس عليهن بأس إن شاء الله تعالى، قيل فإلى أين مخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال: من أراد منهم أن يخرج يخرج إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان، ثم قال ما تصنعون بالمدينة وإنما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكة، فانها مجمعكم، وإنما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله).(1)
وعنه عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في قول الله عز وجل ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، فقال عليه السلام: (الآيات هم الأئمة، والآية المنتظرة القائم عليه السلام).(2)
(1) النعماني، الغيبة: ص300، أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال حدثنا علي بن الحسن التيملي في صفر سنة أربع وسبعين ومائتين، قال: حدثنا الحسن بن محبوب.
(2) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص 336، أبي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب.وقال في صفحة641: جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا الحسين ابن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن محمد بن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل مخالفيه في الأول؟ قال: لآية في كتاب الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قال: (قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين. وكذلك القائم عليه السلام لم يظهر أبدا حتى تخرج ودائع الله عز وجل فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله عز وجل فقتلهم).
وعنه عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: -أو قال له رجل- : (أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قويا في دين الله عز وجل؟ قال: بلى؟ قال: فكيف ظهر عليه القوم، وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عز وجل منعته؟ قال: قلت: وأية آية هي؟ قال قوله عز وجل: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ إنه كان لله عز وجل ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله. وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله).(1)
وعنه عن أبي حمزة الثمالي قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أبا جعفر عليه السلام
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص641: المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه، عن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب.وقال في صفحة641 حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر السمرقندي العلوي رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه قال: حدثنا جبرئيل ابن أحمد قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل:﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، لو أخرج الله عز وجل ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا.
كان يقول إن خروج السفياني من الأمر المحتوم؟ قال (لي): نعم، واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم عليه السلام من المحتوم، فقلت له: كيف يكون (ذلك) النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن الحق في علي وشيعته، ثم ينادي إبليس لعنه الله في آخر النهار ألا إن الحق في السفياني وشيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون).(1)
وعنه عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلامقال: (الزم الأرض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك (ذلك) اختلاف بني العباس، ومناد ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها راية الأصهب وراية الأبقع، وراية السفياني).(2)
وعنه عن يعقوب السراج، قال: (قلت لأبي ـ عبد الله عليه السلام: متى فرج شيعتكم؟ فقال: إذا اختلف ولد العباس، ووهى سلطانهم وطمع فيهم من لم يكن يطمع وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذي صيصية صيصيته،
وظهر السفياني، وأقبل اليماني، وتحرك الحسني، خرج صاحب هذا الأمر من المدينة، أي: مكة، بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله، قلت: وما تراث رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: سيفه، ودرعه، وعمامته، وبرده، ورايته، وقضيبه، وفرسه، ولامته وسرجه).(1)
محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (ما يكون هذا الأمر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل إنا لو ولينا لعدلنا، ثم يقوم القائم بالحق والعدل).(2)
وعنه عن هشام بن سالم، عن زرارة قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: النداء حق؟ قال: إي والله حتى يسمعه كل قوم بلسانهم، وقال: لا يكون هذا الأمر حتى يذهب تسعة أعشار الناس).(3)
الحسن بن أيوب عن عبد الكريم بن عمرو قال حدثنا أحمد بن الحسن بن أبان قال حدثنا عبد الله بن عطاء المكى، عن شيخ من الفقهاء ـ يعنى أبو عبد الله عليه السلام ـ قال: (سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الجاهلية، ويستأنف الاسلام جديدا).(4)
(1) النعماني، الغيبة: ص270، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن المفضل ؛ وسعدان بن إسحاق بن سعيد ؛ وأحمد بن الحسين بن عبد الملك، ومحمد بن أحمد بن الحسن القطواني قالوا جميعا: حدثنا الحسن بن محبوب.
(2) النعماني، الغيبة: ص274، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبى عمير.
(3) النعماني، الغيبة: ص274: أحمد بن محمد بن سعيد عنا علي بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبى عمير.
(4) المصدر نفسه: ص230، أخبرنا عبد الواحد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا أحمد بن محمد بن رباح، قال: حدثني أحمد بن علي الحميري قال: حدثني الحسن بن أيوب.
الحسن بن علي بن فضال قال حدثنا ثعلبة بن ميمون عن معمر بن يحيى، عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، قال: (سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ فقال: انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل يا أمير المؤمنين وما هن؟ فقال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان. فقيل وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال: أو ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن : ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ هي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان).(1)
وعنه عن المثنى الحناط، عن الحسن بن زياد الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول: «إن القائم لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء تسمع الفتاة في خدرها ويسمع أهل المشرق والمغرب. وفيه نزلت هذه الآية: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ».(2)
وعنه عن ثعلبة، عن شعيب الحداد، عن صالح(3) قال سمعت أبا عبد الله عليه السلاميقول: «ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشرة ليلة».(4)
(1) المصدر نفسه: ص251: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم ابن قيس، قال: حدثنا الحسن بن علي بن فضال.
(2) الطوسي، الغيبة: ص177، وأخبرنا الحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمد بن سفيان البزوفري، عن أحمد بن ادريس، عن علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، عن الفضل بن شاذان النيشابوري، عن الحسن بن علي بن فضال.
عبد الله بن حماد الأنصاري قال: حدثنا أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: «إذا ظهر القائم عليه السلام ظهر براية رسول الله صلى الله عليه وآله، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه، ثم يأمر مناديه فينادي ألا لا يحملن رجل منكم طعاما ولا شرابا ولا علفا فيقول أصحابه: إنه يريد أن يقتلنا ويقتل دوابنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون، ودوابهم حتى ينزلوا النجف بظهر الكوفة».(1)
وعنه عن عبد الله بن بكير، عن حمران بن أعين عن أبى جعفر عليه السلام أنه قال: «كأنني بدينكم هذا لا يزال متخضخضا يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله».(2)
وعنه عن عبد الله بن سنان، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «لا يكون هذا الأمر الذي تمدون إليه أعناقكم حتى ينادي مناد من السماء ألا إن فلانا صاحب الأمر، فعلى ما القتال؟».(3)
(1) النعماني، الغيبة: ص238، أبو سليمان أحمد بن هوذة قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري.
(2) النعماني، الغيبة: ص238، أخبرنا أحمد بن هوذة الباهلي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي / صفحة 239 / قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري.
(3) المصدر نفسه: ص266، أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وسبعين ومائتين، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري في شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائتين.
وعنه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «يقوم القائم يوم عاشوراء».(1)
وعنه عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: «سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن السفياني، فقال: وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج من أرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني، وخروج القائم عليه السلام».(2)
وعنه عن عبد الله بن بكير، عن أبان بن تغلب، قال: «كنت مع جعفر بن محمد عليهما السلام في مسجد بمكة، وهو آخذ بيدي، فقال يا أبان سيأتي الله بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا في مسجد كم هذا، يعلم أهل مكة أنه لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد، عليهم السيوف، مكتوب على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه وحليته ونسبه، ثم يأمر مناديا فينادي هذا المهدي يقضى بقضاء داود وسليمان، لا يسأل على ذلك بينة».(3)
(1) المصدر نفسه: ص282، أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري.
(2) النعماني، الغيبة: ص302، أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وسبعين ومائتين، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن حماد الأنصاري سنة تسع وعشرين ومائتين.
(3) المصدر نفسه: ص 313، أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وسبعين ومائتين، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري سنة تسع وعشرين ومائتين.
وعنه عن محمد بن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه عليه السلام قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض، في كل إقليم رجلا، يقول عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفك(1) واعمل بما فيها، قال: «ويبعث جندا إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء، قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها، فيحكمون فيها ما يشاؤون».(2)
وعنه عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن السفياني، فقال: «وأنّى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج من أرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني، وخروج القائم عليه السلام».(3)
العباس بن عامر قال حدثني محمد بن الربيع الأقرع، عن هشام بن
(1) في بعض النسخ «في كنفك»: أقول وهو الصحيح وذلك لان العلم في عهد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سيكون في كومبيوتر صغير يحمل في المحفظة الصغيرة، راجع لفظة كنف في لسان العرب. وهذه الرواية نظير ما أورده العلامة المجلسي في البحار ج52 / ص390 عن ابن مسكان عن أبي عبد اللهعليه السلام انه قال: «ان المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى اخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى اخاه الذي في المشرق».
(2) النعماني، الغيبة: ص319، حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة، قال حدثنا أبوإسحاق إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، قال: حدثني عبد الله بن حماد الأنصاري.
(3) المصدر نفسه: ص302، حدثنا أبوسليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وسبعين ومائتين، قال: حدثنا أبومحمد عبد الله بن حماد الأنصاري سنة تسع وعشرين ومائتين.
سالم، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: «إذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدوا له تسعة أشهر. ـ وزعم هشام أن الكور الخمس دمشق، وفلسطين، والاردن، وحمص وحلب».(1)
عبد الله بن جبلة عن محمد بن سليمان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أنه قال: «السفياني والقائم في سنة واحدة»(2).
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في روايات اهل السنة:
إن الروايات التي أوردها أهل السنة في كتبهم حول المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أقل تشخيصا بمقارنتها مع روايات الشيعة ولكنها مع ذلك قد ذكرت هذه ـ الروايات السنية ـ أنه من ذرية فاطمة عليها السلام وأنه الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم عليهما السلام، ونص كثير منها انه من ذرية الحسين عليه السلام.
وذكرت أيضا كثيرا من الملاحم التي تسبق ظهوره.
ومن المفيد جدا أن نقتصر على ذكر طرف من الروايات التي وردت في كتاب نعيم بن حماد البغدادي المروزي السني الذي كان معاصرا للحسن بن محبوب وغيره من مؤلفي الشيعة الذين أوردنا طرفا من أحاديثهم لتكون المقارنة اكثر وضوحا وإدراكا ونفعا.
طرف من كتاب الملاحم لنعيم بن حماد
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من أهل البيت عليهم السلام:
نعيم بن حماد المروزي(1) قال: «حدثنا الوليد عن ابن لهيعة واخبرني عياش بن عباس عن ابن زرير عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي ^ قال: هو رجل من أهل بيتي». (2)
نعيم بن حماد المروزي وعنه قال: «حدثنا القاسم بن مالك المزني عن ياسين بن سيار قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال حدثني أبي حدثني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ^: (المهدي منا أهل البيت)».(3)
(1) قال الرازي في الجرح والتعديل ج8 / ص463: (نعيم بن حماد وكنيته أبو عبد الله المروزي الخزاعي الأعور المعروف بالفارض سكن مصر، مات سنة ثمان وعشرين روى عنه أبي قال: اخبرنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول ذلك وسألته عنه فقال: محله الصدق قلت له: نعيم بن حماد وعبدة بن سليمان أيهما أحب إليك قال: ما أقربهما). وقال: ابن عدي في الكامل ج7 /ص16: (نعيم بن حماد المروزي خزاعى يعرف بالفارض سكن مصر حمل إلى العراق ومات في الحبس قال: لنا بن حماد يروى عن بن المبارك ضعيف قاله أحمد بن شعيب قال: بن حماد قال: غيره كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات عن العلماء في ثلب أبي حنيفة مزورة كذب أخبرنا الحسن بن سفيان حدثني عبد العزيز بن سلام حدثني أحمد بن ثابت أبو يحيى قال: سمعت أحمد ويحيى يقولان نعيم بن حماد معروف بالطلب ثم ذمه يحيى فقال: انه يروى عن غير الثقات سمعت أبا عروبة يقول كان نعيم بن حماد مظلم الأمر سمعت زكريا بن يحيى البستي يقول ثنا يوسف بن عبد الله الخوارزمي قال سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد فقال لقد كان من الثقات).
وعنه عن الوليد عن علي بن حوشب سمع مكحولا يحدث عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله المهدي منا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال:«بل منا، بنا يختم الدين كما بنا فتح وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك».(1)
وعنه عن الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن إسرائيل بن عباد عن ميمون القداح عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه عن النبي ^ وابن لهيعة عن أبي زرعة عن عمر بن علي عن علي عن النبي ^ قال: «بنا يختم الدين كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك) وقال: أحدهما: من الضلالة وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الشرك وقال أحدهما الضلالة والفتنة».(2)
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية فاطمة عليها السلام:
نعيم بن حماد المروزي عن أبي هارون عن عمرو بن قيس الملائي عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش سمع عليا رضي الله تعالى عنه يقول: «المهدي رجل منا من ولد فاطمة رضى الله عنها».(3)
وعنه عن سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «هو من بني هاشم من ولد فاطمة»(4).
المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الحسين عليه السلام:
نعيم بن حماد المروزي عن الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق ولو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا.(1)
وعنه عن ابن عياش وأخبرني بعض أهل العلم عن محمد بن جعفر قال قال علي بن أبي طالب: «يخرج رجل من ولد حسين اسمه اسم نبيكم يفرح بخروجه أهل السماء».(2)
رواياته عن الإمام علي عليه السلام في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة نا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني نا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي بمصر سنة ثمانين ومائتين ثنا نعيم بن حماد نا الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «يلتقي السفياني والرايات السود فيهم شاب من بني هاشم في كفه اليسرى خال وعلى مقدمته رجل من بني تميم يقال له شعيب بن صالح بباب اصطخر فتكون بينهم ملحمة عظيمة فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه».(3)
وعنه عن عبد الله بن مروان عن الهيثم بن عبد الرحمن عمن حدثه عن
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت».(1)
وعنه بسنده عن ابن عباس قال: «سمعت عليا رضي الله تعالى عنه يقول: لا يخرج المهدي حتى يقتل ثلث ويموت ثلث ويبقى ثلث».(2)
وعنه قال حدثنا الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «بعد الخسف ينادي مناد من السماء إن الحق في آل محمد في أول النهار ثم ينادي مناد في آخر النهار إن الحق في ولد عيسى وذلك نحوه من الشيطان».(3)
وعنه عن الوليد بن مسلم عن عنبسة القرشي عن مسلمة بن أبي سلمة عن شهر بن حوشب قال: «قال رسول الله ^: في المحرم ينادي مناد من السماء ألا إن صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا في سنة الصوت والمعمعة».(4)
وعنه قال حدثنا رشدين عن ابن لهيعة قال حدثني أبو زرعة عن عبد الله بن زرير عن عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه قال: «إذا قتل النفس الزكية وأخوه يقتل بمكة ضيعة نادى مناد من السماء إن أميركم فلان وذلك المهدي الذي يملأ
الأرض حقا وعدلا».(1)
روياته عن ابن عباس في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن أبي المغيرة عن أرطاة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال: «يا بن عباس قوله تعالى: (حم عسق) فأطرق ساعة وأعرض ساعة ثم كررها فلم يجبه بشيء، فقال حذيفة: أنا أنبئك قد عرفت لم كرهها إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله(2)ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا جمع فيها كل جبار عنيد. قال أرطاة: إذا بنيت مدينة على شاطيء الفرات ثم أتتكم الفواصل والقواصم وانفرجتم عن دينكم كما تنفرج المرأة عن قبلها حتى لا تمتنعوا عن ذل ينزل بكم وإذا بنيت مدينة بين النهرين بأرض منقطعة من أرض العراق أتتكم الدهيماء».(3)
رواياته عن الإمام الباقر عليه السلام في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن سعيد أبي عثمان حدثنا جابر الجعفي عن أبي جعفر قال: «إذا بلغت سنة تسع وعشرين ومائة واختلفت سيوف بني أمية ووثب حمار الجزيرة فغلب على الشام ظهرت الرايات السود في سنة عشرين ومائة ويظهر الأكبش مع قوم لا يؤبه لهم قلوبهم كزبر الحديد شعورهم إلى المناكب ليست لهم رأفة ولا رحمة على عدوهم أسماؤهم الكنى وقبائلهم
القرى عليهم ثياب كلون الليل المظلم يقود بهم إلى آل العباس وهي دولتهم فيقتلون أعلام ذلك الزمان حتى يهربوا منهم إلى البرية فلا تزال دولتهم حتى يظهر النجم ذو الذناب ويختلفون فيما بينهم».(1)
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «إذا ظهر السفياني على الأبقع والمنصور اليماني خرج الترك والروم فظهر عليهم السفياني».(2)
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «يملك السفياني حمل امرأة».(3)
وعنه عن عبد القدوس وغيره عن ابن عياش عمن حدثه عن محمد بن جعفر عن علي قال: «السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان رجل ضخم الهامة بوجهه آثار جدري وبعينه نكتة بياض يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له وادي اليابس يخرج في سبعة نفر مع رجل منهم لواء معقود يعرفون في لوائه النصر يسيرون بين يديه على ثلاثين ميلا لا يرى ذلك العلم أحد يريده إلا انهزم».(4)
وعنه عن الوليد حدثني شيخ عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي قال:«يقتل أربعة نفر بالشام كلهم ولد خليفة رجل من بني مروان ورجل من آل أبي سفيان قال: فيظهر السفياني على المروانيين فيقتلهم ثم يتبع
بني مروان فيقتلهم ثم يقبل على أهل المشرق وبني العباس حتى يدخل الكوفة».(1)
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام فتكون بينهم ملحمة عظيمة ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلها جميعا فيظهر عليهما جميعا ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقتل الناس قتل الجاهلية فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة فيكون بينهما قتال شديد ثم يظهر الأخوص السفياني عليه ثم يظهر الروم وخروج إلى الشام ثم يظهر الأخوص ثم يظهر الكندي في شارة حسنة فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق وترفع قبل ذلك اثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين يدعو إلى أبيه ويظهر رجل من الموالي فإذا استبان أمره وأسرف في القتل قتله السفياني».(2)
وعنه سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «يخرج شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال من خراسان برايات سود بين يديه شعيب بن صالح يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم».(3)
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «تنزل الرايات
السود التي تخرج من خراسان الكوفة فإذا ظهر المهدي بمكة بُعث إليه بالبيعة».(1)
وعنه قال حدثنا سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «يبث السفياني جنوده في الآفاق بعد دخوله الكوفة وبغداد فيبلغه فرعه من وراء النهر(2) من أهل خراسان فتقبل أهل المشرق عليهم قتلا ويذهب نجيهم فإذا بلغه ذلك بعث جيشا عظيما إلى اصطخر(3) عليهم رجل من بني أمية فتكون لهم وقعة بقومس ووقعة بدولات(4)الري ووقعة بتخوم زرنج(5) فعند ذلك يأمر السفياني بقتل أهل الكوفة وأهل المدينة عند ذلك تقبل الرايات السود من خراسان على جميع الناس شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال يسهل الله أمره وطريقه ثم تكون له وقعة بتخوم خراسان ويسير الهاشمي في طريق الري فيسرح رجل من بني تميم من الموالي يقال له شعيب بن صالح إلى أصطخر إلى الأموي فيلتقي هو والمهدي والهاشمي ببيضاء اصطخر فتكون بينهما ملحمة عظيمة عليهم رجل من بني عدي فيظهر الله أنصاره وجنوده ثم تكون وقعة بالمدائن بعد وقعتي الري وفي عاقرقوفا وقعة صيلمية يخبر عنها كل ناج ثم يكون بعدها ذبح عظيم ببابل ووقعة في أرض
من أرض نصيبين ثم يخرج على الأخوص قوم من سوادهم وهم العصب عامتهم من الكوفة والبصرة حتى يستنقذوا ما في أيديه من سبي كوفان».(1)
وعنه سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «تنزل الرايات السود التي تقبل من خراسان الكوفة فإذا ظهر المهدي بمكة بعث بالبيعة إلى المهدي».(2)
خروج المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في مكة:
نعيم بن حماد المروزي عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال: «ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله ^ وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم فقد اتخذ الحجة وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب وأمركم أن لا تشركوا به شيئا وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله وأن تحيوا ما أحيا القرآن وتميتوا ما أمات وتكونوا أعوانا على الهدى ووزرا على التقوى فإن الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها وأذنت بالوداع فإني أدعوكم إلى الله وإلى رسوله والعمل بكتابه وإماتة الباطل وإحياء سنته فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف رهبان بالليل أسد بالنهار فيفتح الله للمهدي أرض الحجاز ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم وتنزل الرايات السود الكوفة فيبعث بالبيعة إلى المهدي ويبعث المهدي جنوده في الآفاق ويميت الجور
وأهله وتستقيم له البلدان ويفتح الله على يديه القسطنطينية».(1)
وعنه عن غير واحد عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن رجل عن عبد الله بن عمر قال: «المهدي الذي ينزل عليه عيسى بن مريم ويصلي خلفه».(2)
الدجال:
نعيم بن حماد المروزي عن ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن أبي التياح عن خالد بن سبيع عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «يخرج الدجال ثم عيسى بن مريم عليه السلام».(3)
وعنه عن سفيان عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: «أكثر تبع الدجال اليهود».(4)
الإمام الباقر عليه السلام يخبر بعذاب القذف والخسف:
نعيم بن حماد المروزي عن عبد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ الآية قال: «هي أربع وكلهن عذاب فجاء بمستقر اثنتين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان وهما لا بد واقعتان الخسف والقذف».(5)
أقول:
ومن خلال المقارنة بين التراث الروائي المهدوي الشيعي السائد في القرن الثاني الهجري والربع الأول من القرن الثالث مع التراث الروائي المهدوي السني في الفترة نفسها نلاحظ أمرين:
الأمر الأول:
يؤكد كلا التراثين على أن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو من ذرية النبي صلى الله عليه وآله من فاطمة عليها السلام من ذرية الحسين عليه السلام، وأن عيسى عليه السلام يصلي خلف المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وأنه آخر الأئمة الاثني عشر الذين بشّر بهم النبي صلى الله عليه وآله مع اختلافهم في تشخيص بقية الأئمة، ويذكر كلاهما ملاحم مشتركة تسبق الظهور كظهور السفياني والخراساني وشعيب بن صالح وحرب عالمية تطيح بثلثي الناس وغير ذلك.
الأمر الثاني:
ينفرد التراث الشيعي بتشخيص المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بكونه السادس من ذرية الصادق عليه السلامثم الخامس من ذرية الكاظم عليه السلام ثم الرابع من ذرية الرضا عليه السلام، وينفرد أيضا بذكر الغيبتين.
ويتضح من البحث أن ادعاء الأستاذ الكاتب:
«الروايات الواردة حول الغيبة والغائب لا تتحدث عن غائب بالتحديد… ولا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة… وإن تحديد هوية الإمام المهدي بالثاني عشر من أئمة أهل البيت قد حدث في وقت متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري بفترة
طويلة أي في بداية القرن الرابع الهجري».
لم يكن مطابقا لما عليه واقع تراث أهل البيت عليهم السلام الذي رواه عنهم شيعتهم قبل ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته وقد عرضنا للقارئ الكريم طرفا من كتاب الحسن بن محبوب المتوفى سنة 224 هـ وكتب ثلاثة عشر مصنفاً ممن عاصره من مصنفي الشيعة وقاربه في تاريخ وفاته إذ ذكرت هذه الكتب خصوصيات عن المهدي الموعود تجعل من هويته واضحة مضافا إلى ما أخبرت به من وقوع غيبته الصغرى والكبرى.
أما قوله: «ان كانت هوية المهدي قد تحددت من قبل منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وآله أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامية ولا شيعة الحسن العسكري في تحديد هوية المهدي».
فجوابه: ان النصوص ووضوح مطلبها غير مانعة من الاختلاف أو الانحراف، ولا يوجد أوضح من وجود الله تعالى وقد اختلف الناس فيه تعالى بين ملحد ومؤمن، ولا أوضح من معجزة عيسى عليه السلام في اتباع موسى عليه السلام وامته وقد اختلفوا فمنهم من آمن عليه السلام بعيسى ومنهم من كذب به بل سعى لقتله وهكذا لم يُروَ حديث عن النبي صلى الله عليه وآله كما روي حديث الغدير في تواتره ووضوح دلالته ومع ذلك قوتل علي عليه السلام من قبل المسلمين الذين سمعوا حديث الغدير ولعن من قبل الكثير منهم.
المبحث الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
سلك متكلمو الشيعة في فترة الغيبة الصغرى طريقين لإثبات وجود الإمام المهدي عليه السلام:
الطريق الأول: طريق الاستدلال بـ (حديث الثقلين) وحديث (الأئمة من بعدي اثنا عشر) وغيرهما من الأحاديث والأصول الثابتة عن النبيصلى الله عليه وآله والأئمةعليهم السلام حيث يفرض الإيمان بها الإيمان ان لا يموت الإمام الحسن العسكري عليه السلام دون ان يخلف ولدا يكون هو الإمام من بعده وهو المهدي الموعود ويكون صاحب عمر طويل جدا، وهذا الدليل يسمى تسامحا بالدليل العقلي وسماه الكاتب بالدليل الفلسفي!
الطريق الثاني: اعتماد إخبار جمهور أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلامبوجود ولد للإمام الحسن العسكري عليه السلام وانه عليه السلام نص على ولده بالإمامة واخبر أنه المهدي الموعود، وهذا الدليل هو الدليل التاريخي وهو الدليل المعتمد عادة لاثبات أي قضية تاريخية.
وفيما يلي نموذج لثلاثة منهم ننقلها من كتاب إكمال الدين للشيخ الصدوق:
استدلال أبي سهل النوبختي:(1)
قال أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي في آخر كتاب التنبيه:
«وقد سألونا فقالوا: ابن الحسن لم يظهر ظهوراً تاماً للخاصة والعامة فمن أين علمتم وجوده في العالم؟ وهل رأيتموه أو اخبرتكم جماعة قد تواترت أخبارها أنها شاهدته وعاينته؟
فيقال لهم:
ان أمر الدين كله بالاستدلال يعلم، فنحن عرفنا الله عز وجل بالأدلة ولم نشاهده، وعرفنا نبوته وصدقه بالاستدلال، وعرفنا انه استخلف علي بن أبي طالب عليه السلامبالاستدلال وعرفنا أن النبي عليه السلام وسائر الأئمة عليهم السلام بعده عالمون بالكتاب والسنة ولا يجوز عليهم في شيء من ذلك الغلط ولا النسيان ولا تعمد الكذب بالاستدلال، وكذلك عرفنا ان الحسن بن علي عليه السلام إمام مفترض الطاعة.
وعلمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمة الصادقين عليهم السلام ان الإمامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين عليه السلام الا في ولد الإمام ولا يكون في أخ ولا قرابة، فوجب من ذلك ان الإمام لا يمضي الا أن يخلف من ولده إماما.
فلما صحت إمامة الحسن عليه السلام وصحت وفاته ثبت انه قد خلف من ولده إماماً، هذا وجه الدلالة عليه.
ووجه آخر وهو:
ان الحسن عليه السلام خلف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من
الستر والعدالة بتعديله إياهم في حياته، فلما مضى اجمعوا جميعاً على انه قد خلّف ولداً هو الإمام وأمروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من أعدائه، و طلبه السلطان اشد طلب ووكل بالدور والحبالى من جواري الحسن عليه السلام.
ثم كانت كتب ابنه الخلف بعده تخرج إلى الشيعة بالأمر والنهي على ايدي رجال أبيه الثقات اكثر من عشرين سنة.
ثم انقطعت المكاتبة ومضى اكثر رجال الحسن عليه السلام الذين كانوا شهدوا بأمر الإمام بعده وبقي منهم رجل واحد قد اجمعوا على عدالته وثقته فأمر الناس بالكتمان وان لا يذيعوا شيئا من أمر الإمام، وانقطعت المكاتبة.
فصح لنا ثبات عين الإمام بما ذكرت من الدليل، بما وصفتُ عن أصحاب الحسن عليه السلام ورجاله ونقلهم خبره، وصحة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام عليه السلام وان له غيبتين احديهما اشد من الأخرى.
ومذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة في موسى بن جعفر(1) لأن موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفا ومضى لموته اكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي احد انه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم انه حي فيه اكذاب الحواس التي شاهدته ميتاً وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتي به موسى وليس في دعوانا هذه غيبة الإمام إكذاب للحس ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول
ولا تخرج من العادات وله إلى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين انه باب إليه وسبب يؤدي عنه إلى شيعته امره ونهيه ولم تطل المدة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب، فالتصديق بالأخبار يوجب:
اعتقاد إمامة ابن الحسن عليه السلام على ما شرحت. وانه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة فإنها جاءت مشهورة متواترة وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها كما ترجو بعد هذا من قيام القائم عليه السلام بالحق وإظهار العدل.
ونسأل الله عز وجل توفيقا وصبرا جميلاً برحمته.(1)
رد ابن قبة (ت قبل سنة 319هـ) على ابن بشار:
قال الشيخ الصدوق: «وقد تكلم علينا أبو الحسن علي بن أحمد بن بشار في الغيبة وأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي(2) وكان من كلام علي بن أحمد بن بشار علينا في ذلك أن قال في كتابه:
(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص92.
(2) محمد بن عبد الرحمن بن قبة أبو جعفر الرازي ـ بالقاف المكسورة وفتح الباء الموحدة من متكلمي الإمامية وحذاقهم وكان أولا معتزليا ثم انتقل إلى القول بالإمامة وحسنت بصيرته وله كتب في الإمامة، قال ابو الحسين السوسنجردي مضيت إلى أبي القاسم البلخي ببلخ بعد زيارة الرضا عليه السلام بطوس فسلمت عليه وكان عارفا بي ومعي كتاب أبي جعفر بن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف فوقف عليه ونقضه بـ (المسترشد في الإمامة) فعدت إلى الري فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ (المستثبت في الإمامة) فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بنقض المستثبت فعدت إلى الري فوجدت ابا جعفر قد مات رحمه الله.(قاموس الرجال للعلامة التستري).أقول: توفي أبو القاسم البلخي سنة 319 هـ، وفي فهرست النجاشي بترجمة الحسن بن موسى النوبختي ذكر للنوبختي هذا كتابين باسم (جواباته لأبي جعفر بن قبة) والظاهر ذلك منه على ابن قبة قبل أن يستبصر.
كلام ابن بشار:
قال ابن بشار: (أقول: إن كل المبطلين أغنياء عن تثبيت إنية من يدعون له، وبه يتمسكون، وعليه يعكفون، ويعطفون لوجود أعيانهم وثبات إنياتهم وهؤلاء (يعني أصحابنا) فقراء إلى ما قد غني عنه كل مبطل سلف من تثبيت إنية من يدعون له وجوب الطاعة، فقد افتقروا إلى ما قد غني عنه سائر المبطلين واختلفوا بخاصة ازدادوا بها بطلانا وانحطوا بها عن سائر المبطلين؛ لأن الزيادة من الباطل تحط والزيادة من الخير تعلو، والحمد لله رب العالمين.
وأقول قولا تعلم فيه الزيادة على الإنصاف منا وإن كان ذلك غير واجب علينا.
وأقول: إنه معلوم أنه ليس كل مدع ومدعى له بمحق، وإن كل سائل لمدع تصحيح دعواه بمنصف وهؤلاء القوم ادعوا أن لهم من قد صح عندهم أمره ووجب له على الناس الانقياد والتسليم وقد قدمنا أنه ليس كل مدع ومدعى له بواجب له التسليم، ونحن نسلم لهؤلاء القوم الدعوى ونقر على أنفسنا بالإبطال ـ وإن كان ذلك في غاية المحال ـ بعد أن يوجدونا إنية المدعى له ولا نسألهم تثبيت الدعوى، فان كان معلوما أن في هذا أكثر من الإنصاف فقد وفينا بما قلنا(1)، فان قدروا عليه فقد أبطلوا، و إن عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عن تثبيت ما يدعون على عجز
كل مبطل عن تثبيت دعواه. وأنهم مختصون من كل نوع من الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا عن المبطلين أجمعين لقدرة كل مبطل سلف على تثبيت دعواه إنية من يدعون له وعجز هؤلاء عما قدر عليه كل مبطل إلا ما يرجعون إليه من قولهم «إنه لابد ممن تجب به حجة الله عز وجل» وأجل لابد من وجوده فضلا عن كونه، فأوجدونا الانية من دون إيجاد الدعوى.
ولقد خبرت عن أبي جعفر بن أبي غانم أنه قال لبعض من سأله فقال: بم تحاج الذين كنت تقول ويقولون: إنه لابد من شخص قائم من أهل هذا البيت؟ قال له: أقول لهم: هذا جعفر.
فيا عجبا أيخصم الناس بمن ليس هو بمخصوم.(1)
وقد كان شيخ في هذه الناحية رحمه الله يقول: قد وسمت هؤلاء باللابدية أي: أنه لا مرجع لهم ولا معتمد إلا إلى أنه لابد من أن يكون هذا الذي (ليس) في الكاينات، فوسمهم من أجل ذلك، و نحن نسميهم بها أي: أنهم دون كل من له بد يعكف عليه إذ كان أهل الأصنام التي أحدها البد قد عكفوا على موجود وإن كان باطلا، وهم قد تعلقوا بعدم ليس وباطل محض وهم اللابدية حقا، أي لابد لهم يعكفون عليه إذ كان كل مطاع معبود، وقد وضح ما قلنا من اختصاصهم من كل نوع الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا و الحمد لله.
ثم قال: نختم الآن هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد
سبق منه الإجماع على أنه لابد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله ويسد به فقر الخلق وفاقتهم ومن لم يجتمع معنا على ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلا عن مطالبتنا به ونقول لكل من اجتمع معنا على هذا الأصل من الذي قدمنا في هذا الموضع: كنا وإياكم قد أجمعنا على أنه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر، فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلا بيتا واحدا فقد وجب وصح أن في ذلك البيت سراجا. والحمد لله رب العالمين). انتهى كلام ابن بشار.
رد ابن قبة:
فأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأن قال:
(إنا نقول: ـ وبالله التوفيق: ـ ليس الإسراف في الادعاء والتقول على الخصوم مما يثبت بهما حجة، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين واعتمد كل واحد على إضافة مايخطر بباله من سوء القول إلى مخالفه وعلى ضد هذا بني الحجاج ووضع النظر والإنصاف أولى ما يعامل به أهل الدين وليس قول أبي الحسن ليس لنا ملجأ نرجع إليه ولا قيما نعطف عليه ولا سندا نتمسك بقوله حجة؛ لأن دعواه هذا مجرد من البرهان والدعوى إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول والألباب.
ولسنا نعجز عن أن نقول:
بلى، لنا ـ والحمد لله ـ من نرجع إليه ونقف عند أمره ومن كان ثبتت حجته وظهرت أدلته، فان قلت: فأين ذلك؟ دلونا عليه.
قلنا: كيف تحبون أن ندلكم عليه؟ أتسألوننا أن نأمره أن يركب ويصير إليكم ويعرض نفسه عليكم؟ أو تسألونا أن نبني له دارا ونحوله إليها ونعلم بذلك أهل الشرق والغرب؟ فان رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه ولا ذلك بواجب عليه.
فان قلتم: من أي وجه تلزمنا حجته وتجب علينا طاعته؟
قلنا: إنا نقر أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلامتجب به حجة الله دللناكم على ذلك حتى نضطركم إليه إن أنصفتم من أنفسكم، وأول ما يجب علينا وعليكم أن لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر واستعملوه ورأوا أن من حاد عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء، وهو أنا لا نتكلم في فرع لم يثبت أصله وهذا الرجل الذي تجحدون وجوده فإنما يثبت له الحق بعد أبيه وأنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده فانه إذا ثبت الحق لابيه، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك بإقراركم، وإن بطل أن يكون الحق لابيه فقد آل الأمر إلى ما تقولون وقد أبطلنا، وهيهات لن يزداد الحق إلا قوة ولا الباطل إلا وهنا، وإن زخرفه المبطلون.
الدليل على صحة أمر الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
والدليل على صحة أمر أبيه أنّا وإياكم مجمعون على أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن (علي الهادي عليه السلام) تثبت به حجة الله وينقطع به عذر الخلق وإن ذلك الرجل تلزم حجته من نأى عنه من أهل الاسلام كما تلزم من شاهده وعاينه ونحن وأكثر الخلق ممن قد لزمتنا الحجة من غير مشاهدة
فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجة ما هي؟
ثم ننظر من أولى من الرجلين اللذين لا عَقِب لأبي الحسن غيرهما فأيهما كان أولى فهو الحجة والإمام ولا حاجة بنا إلى التطويل، ثم نظرنا من أي وجه تلزم الحجة من نأى عن الرسل والأئمة عليهم السلام فإذا ذلك بالأخبار التي توجب الحجة وتزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها والإجماع على تخرصها ووضعها.
ثم فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين:
يزعم أحدهما أن الماضي عليه السلام نص على الحسن عليه السلام وأشار إليه ويروون مع الوصية وما له من خاصة الكبر أدلة يذكرونها وعلما يثبتونه.
ووجدنا الفريق الآخر يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غير هذا
(ثم) نظرنا:
فإذا الناقل لأخبار جعفر جماعة يسيرة والجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ والتلاقي والتراسل فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجة وحجج الله لا تثبت بالشبهات.
ونظرنا في نقل الفريق الآخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار والأقطار، مختلفي الهمم والآراء متغايرين، فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض ولا التواطؤ ولا التراسل والاجتماع على تخرص خبر ووضعه، فعلمنا أن النقل الصحيح هو نقلهم وأن المحق هؤلاء؛ ولأنه إن بطل ما قد نقله هؤلاء على ما وصفنا من شأنهم لم يصح خبر في الأرض وبطلت الأخبار كلها.
فتأمل ـ وفقك الله ـ في الفريقين فانك تجدهم كما وصفت، وفي بطلان الأخبار هدم الإسلام وفي تصحيحها تصحيح خبرنا، وفي ذلك دليل على صحة أمرنا، والحمد لله رب العالمين.
ثم رأيت الجعفرية (أي الذي يقولون بإمامة جعفر الكذاب) تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب؟ فقال قوم: بعد أخيه محمد، وقال قوم: بعد أخيه الحسن، وقال قوم: بعد أبيه.
لا بد من رجل من ولد الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
ورأيناهم لا يتجاوزون ذلك ورأينا أسلافهم وأسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن وهو ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعلي والحسن فالرابع القائم» وغير ذلك من الروايات وهذه وحدها توجب الإمامة للحسن، وليس إلا الحسن وجعفر. فإذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن والإمام ثابت الحجة على من رآه ومن لم يره فهو الحسن اضطرارا، وإذا ثبت الحسن عليه السلام وجعفر عندكم مبرئ تبرأ منه والإمام لا يتبرأ من الإمام والحسن قد مضى ولا بد عندنا وعندكم من رجل من ولد الحسن عليه السلام تثبت به حجة الله، فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم عليه السلام.
وقل يا أبا جعفر ـ أسعدك الله ـ لابي الحسن أعزه الله (أي ابن بشار): يقول محمد بن عبد الرحمن قد أوجدناك إنية المدعى له فأين المهرب؟ هل تقر على نفسك بالإبطال كما ضمنت أو يمنعك الهوى من ذلك فتكون كما قال الله تعالى: «وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم».
فأما ما وسم به أهل الحق من اللابدية لقولهم: «لا بد ممن تجب به حجة الله»: فيا عجبا فلا يقول أبو الحسن لا بد ممن تجب به حجة الله؟ وكيف لا يقول وقد قال عند حكايته عنا وتعييره إيانا: «أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه» فان كان يقول ذلك فهو وأصحابه من اللابدية وإنما وسم نفسه وعاب، وإن كان لا يقول ذلك فقد كفينا مؤونة تنظيره ومثله بالبيت والسراج وكذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرى أنه يعيب خصمه، والحمد لله المؤيد للحق بأدلته.
ونحن نسمي هؤلاء بالبُدِّية إذ كانوا عبدة البُدّ قد عكفوا على ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا. وهكذا هؤلاء.
كلام ابن قبة في الغيبة:
ونقول: يا أبا الحسن ـ هداك الله ـ هذا حجة الله على الجن والإنس ومن لا تثبت حجته على الخلق إلا بعد الدعاء والبيان محمد صلى الله عليه وآله قد أخفى شخصه في الغار حتى لم يعلم بمكانه ممن احتج الله عليهم به إلا خمسة نفر.(1)
(1) المراد بالخمسة: علي بن أبي طالب، وأبوبكر، وعبد الله بن أريقط الليثى، وأسماء بنت أبي بكر، وعامر بن فهيرة، والقصة كما في إعلام الورى هكذا: بقي رسول صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثة أيام، ثم اذن الله له في الهجرة وقال: يا محمد اخرج عن مكة فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل راع لبعض قريش يقال له ابن اريقط فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا ابن اريقط أئتمنك على دمي؟ قال إذاً أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب، قال والله لأسلكن بك مسلكا لا يهتدى إليه أحد، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت عليا وبشره بان الله قد أذن لي في الهجرة فيهيء لي زادا وراحلة. وقال أبو بكر: ائت اسماء بنتي وقل لها: تهيء لي زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا ـ وكان من موالي أبي بكر وقد كان أسلم ـ قل له: ائتنا بالزاد والراحلتين، فجاء ابن اريقط إلى علي وأخبره بذلك فبعث علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بزاد و راحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار وأخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد.
فان قلت: إن تلك غيبة بعد ظهوره وبعد أن قام على فراشه من يقوم مقامه. قلت لك: لسنا نحتج عليك في حال ظهوره ولا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل ولا دبير(1) وإنما نقول لك: أليس تثبت حجته في نفسه في حال غيبته على من لم يعلم بمكانه لعلة من العلل فلا بد من أن تقول: نعم، قلنا: ونثبت حجة الإمام وإن كان غائبا لعلة أخرى وإلا فما الفرق؟
ثم نقول: وهذا أيضا لم يغب حتى ملأ آباؤه عليهم السلام آذان شيعتهم بأن غيبته تكون، وعرَّفوهم كيف يعملون عند غيبته.
فإن قلت في ولادته، فهذا موسى عليه السلام مع شدة طلب فرعون إياه وما فعل بالنساء والأولاد لمكانه حتى أذن الله في ظهوره، وقد قال الرضا عليه السلام في وصفه: «بأبي و أمي شبيهي وسمي جدي وشبيه موسى بن عمران». وحجة أخرى نقول لك: يا أبا الحسن أتقر أن الشيعة قد روت في الغيبة أخبارا؟ فان قال: لا، أوجدناه الأخبار، وإن قال: نعم، قلنا له فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم فكيف تلزمهم الحجة في وقت غيبته، فان قال: يقيم من يقوم مقامه، فليس يقوم عندنا وعندكم مقام الإمام إلا الإمام، وإذا كان إماما قائما فلا غيبة وإن احتج بشيء آخر في تلك الغيبة
فهو بعينه حجتنا في وقتنا لا فرق فيه ولا فصل.
كلام ابن قبة في فساد أمر جعفر:
ومن الدليل على فساد أمر جعفر: موالاته وتزكيته فارس بن حاتم ـ لعنه الله ـ(1) وقد بريء منه أبوه، وشاع ذلك في الأمصار حتى وقف عليه الأعداء فضلا عن الأولياء.
ومن الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أم الحسن عليه السلام وقد أجمعت الشيعة أن آباءه عليهم السلام أجمعوا أن الأخ لا يرث مع الأم.
ومن الدليل على فساد أمره قوله: إني إمام بعد أخي محمد، فليت شعري متى تثبت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتى تثبت إمامة خليفته، ويا عجبا إذا كان محمد يستخلف ويقيم إماما بعده وأبوه حي قائم وهو الحجة والإمام فما يصنع أبوه، و متى جرت هذه السنة في الأئمة وأولادهم حتى نقبلها منكم، فدلونا على ما يوجب إمامة محمد حتى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته. والحمد لله الذي جعل الحق مؤيدا والباطل مهتوكا ضعيفا زاهقا.
فأما ما حكى عن ابن أبي غانم رحمه الله فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة جعفر، وإنما أراد أن يعلم السائل أن أهل هذا البيت لم يفنوا حتى لا يوجد منهم أحد.
رد على كلماته الأخرى:
قوله: «وكل مطاع معبود» فهو خطأ عظيم؛ لأنا لا نعرف معبوداً إلا الله ونحن نطيع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا نعبده.
رد ابن قبة على خاتمة كتاب ابن بشار:
وأما قوله: «نختم الآن هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الإجماع بأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله ـ إلى قوله ـ وصح أن في ذلك البيت سراجا، ولا حاجة بنا إلى دخوله».
فنحن ـ وفقك الله ـ لا نخالفه وأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله وإنما نخالفه في كيفية قيامه وظهوره وغيبته.
وأما ما مثَّل به من البيت والسراج فهو مُنى، وقد قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس.
ولكنا نضرب مثلا على الحقيقة لا نميل فيه على خصم ولا نحيف فيه على ضد، بل نقصد فيه الصواب.
فنقول: كنا ومن خالفنا قد أجمعنا على أن فلانا مضى وله ولدان وله دار وأن الدار يستحقها منهما من قدر على أن يحمل باحدى يديه ألف رطل وأن الدار لا تزال في يدي عقب الحامل(1) إلى يوم القيامة، ونعلم أن أحدهما يحمل والآخر يعجز، ثم احتجنا أن نعلم من الحامل منهما فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما، غير أنا رأينا جماعات كثيرة
في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنهم رأوا أن الأكبر منهما قد حمل ذلك، ووجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أن الاصغر منهما فعل ذلك، ولم نجد لهذه الجماعة خاصة يأتون بها، فلم يجز في حكم النظر وحفيظة الانصاف وما جرت به العادة وصحت به التجربة رد شهادة تلك الجماعات وقبول شهادة هذه الجماعة و التهمة تلحق هؤلاء وتبعد عن أولئك.
فان قال خصومنا: فما تقولون في شهادة سلمان وأبي ذر وعمار والمقداد لأمير المؤمنين عليه السلام، وشهادة تلك الجماعات وأولئك الخلق لغيره أيهما كان أصوب؟
قلنا لهم: لامير المؤمنين عليه السلام وأصحابه أمور خصَّ بها وخصّوا بها دون من بإزائهم، فان أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقون: أو لها أن أعداءه كانوا يقرون بفضله وطهارته وعلمه، وقد روينا ورووا له معنا أنه صلى الله عليه وآله خبر: «أن الله يوالي من يواليه ويعادي من يعاديه» فوجب لهذا أن يتبع دون غيره، والثاني أن أعداءه لم يقولوا له: نحن نشهد أن النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى فلان بالإمامة ونصبه حجة للخلق وإنما نصبوه لهم على جهة الاختيار كما قد بلغك، والثالث أن أعداءه كانوا يشهدون على أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا يكذب لقوله صلى الله عليه وآله: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم، والرابع أن أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه مما تجب به الحجة وذهبوا عنه بفساد التأويل، والخامس أن أعداءه رووا في الحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة، ورووا أيضا أنه صلى الله عليه وآله قال: «من كذب
علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فلما شهدا لأبيهما بذلك وصح أنهما من أهل الجنة بشهادة الرسول وجب تصديقهما؛ لأنهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنة وكانا من أهل النار وحاشا لهما الزكيين الطيبين الصادقين، فليوجدنا أصحاب جعفر خاصة هي لهم دون خصومهم حتى يقبل ذلك، وإلّا فلا معنى لترك خبر متواتر لا تهمة في نقله ولا على ناقليه وقبول خبر لا يؤمن على ناقليه تهمة التواطؤ عليه، ولا خاصة معهم يثبتون بها ولن يفعل ذلك إلا تائه حيران) انتهى كلام ابن قبة في رده على ابن بشار.
دعاؤه للخصم بالهداية:
فتأمل ـ أسعدك الله ـ في النظر فيما كتبت به إليك مما ينظر به الناظر لدينه، المفكر في معاده المتأمل بعين الخيفة والحذار إلى عواقب الكفر والجحود موفقا إن شاء الله تعالى أطال الله بقاءك وأعزك وأيدك وثبتك و جعلك من أهل الحق وهداك له وأعاذك من أن تكون من الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومن الذين يستزلهم الشيطان بخدعه و غروره وإملائه وتسويله وأجرى لك أجمل ما عودك.
استدلال آخر:
قال الشيخ الصدوق: وقال غيره (أي غير ابن قبة) من مشايخ الإمامية:
إن عامة مخالفينا قد سألونا في هذا الباب عن مسائل ويجب عليهم أن يعلموا أن القول بغيبة صاحب الزمان عليه السلام مبني على القول بإمامة آبائه عليهم السلام، والقول بإمامة آبائه عليهم السلام مبني على القول بتصديق محمد صلى الله عليه وآله وإمامته، وذلك أن هذا باب شرعي وليس بعقلي محض والكلام في الشرعيات مبني على الكتاب والسنة كما قال الله عز وجل: «فإن تنازعتم
في شيء (يعني في الشرعيات) فردوه إلى الله وإلى الرسول» فمتى شهد لنا الكتاب والسنة وحجة العقل فقولنا هو المجتبى.
ونقول: إن جميع طبقات الزيدية و الإمامية قد اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهما الخليفتان من بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وتلقوا هذا الحديث بالقبول.
فوجب: أن الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل والتأويل علما يقينيا يخبر عن مراد الله عز وجل كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخبر عن المراد ولا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطا ولا استخراجا كما لم تكن معرفة الرسول صلى الله عليه وآله بذلك استخراجا ولا استنباطا ولا استدلالا ولا على ما تجوز عليه اللغة وتجري عليه المخاطبة، بل يخبر عن مراد الله ويبين عن الله بيانا تقوم بقوله الحجة على الناس كذلك يجب أن يكون معرفة عترة الرسول صلى الله عليه وآله بالكتاب على يقين ومعرفة وبصيرة.
قال الله عز وجل في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، فأتباعه من أهله وذريته وعترته هم الذين يخبرون عن الله عز وجل مراده من كتابه على يقين ومعرفة وبصيرة، ومتى لم يكن المخبر عن الله عز وجل مراده ظاهرا مكشوفا فإنه يجب علينا أن نعتقد أن الكتاب لا يخلو من مقرون به من عترة الرسول صلى الله عليه وآله يعرف التأويل والتنزيل إذ الحديث يوجب ذلك.(1)
كلمتنا حول منهج إثبات وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف:
أقول: إن الإيمان بوجود ولد للحسن العسكري عليه السلام هو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآلهوأنه غاب غيبة صغرى باشر فيها توجيه شيعته من خلال النواب الأربعة دامت سبعين سنة تقريبا ثم غيبة كبرى استمرت إلى اليوم وفيها أرجع شيعته إلى الفقهاء العدول رواة حديث آبائه عليهم السلام يتوقف على التصديق بقضيتين:
القضية الأولى:
أصل معتقد الإمامة الإلهية عند الشيعة ويتمثل بالوصية والعصمة وأن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي بشَّر به النبي صلى الله عليه وآله هو من أهل البيت عليهم السلام ومن ولد فاطمة عليها السلام وأن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر يُعرَفون بالنص والوصية من النبي صلى الله عليه وآله ثم نص السابق على اللاحق، وأن الإمامة بعد الحسن عليه السلام هي للحسين عليه السلام ثم في تسعة من ذريته وإنها لا تعود بعد الحسن والحسين عليهما السلام في أخوين بل هي في ولد الإمام السابق بوصية وتعريف منه.
وسر الاحتياج للقضية الأولى هو: أن الإيمان بكون محمد بن الحسن العسكري عليه السلام الغائب هو الإمام الثاني عشر بنص من أبيه انما هو فرع لها وليس قضية مستقلة عنها أو في عرضها.
القضية الثانية:
الإيمان بأن الشيعة الاثني عشرية هم الذين حملوا عن الأئمة الأحد عشر عليهم السلام فقههم وأحاديثهم وتاريخهم الخاص ومن ثم قبول تشخيص علماء الشيعة الاثني عشرية لحواريي أئمتهم وحملة علومهم وثقات الرواة عنهم.
وسر الاحتياج للقضية الثانية هو: أن الشيعة رووا عن الأئمة عليهم السلام كثيرا من الأمور التي انفردوا بها عن غيرهم ومنها ما رووه عنهم عليهم السلام: بأن الثاني عشر منهم سيغيب غيبة كبرى وتطول أيامه ومنها ما أخبر به الحسن العسكري عليه السلام خواصه وحوارييه بوجود ولد له هو الإمام من بعده وهو المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف وغير ذلك، ثم إن الشيعة اجتمعت كلمة جمهورهم وغالبيتهم في عصر الغيبة الصغرى على الإيمان بمحمد بن الحسن العسكري وبغيبته وانتظار ظهوره والوقوف عند إمامته.
وفي ضوء هاتين القضيتين: يصبح البحث حول وجود ولد للحسن العسكري عليه السلام وكونه الإمام الثاني عشر وهو الغائب المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف موضوعيا ومنتجا، أما إذا ألغينا التصديق بالقضيتين الآنفتي الذكر فإن الطريق لإثبات الغائب المنتظر محمد بن الحسن العسكري عليه السلام سيكون مسدودا تماماً وذلك؛ لأن الحسن العسكري عليه السلام أخفى ولادة ابنه محمد الاّ عن خاصة أصحابه.
والذي صنعه الأستاذ الكاتب اللاري في كتابه هو ردُّه لكلا القضيتين:
أما القضية الأولى: (وهي أصل المعتقد الشيعي بالوصية والعصمة والاثني عشرية) فانتهى فيها بزعمه إلى:
ـ أن الوصية التي يقول بها الشيعة فكرة أدخلها إلى التشيع عبد الله بن سبأ في النصف الأول من القرن الأول الهجري.
ـ وأن العصمة فكرة مستحدثة في الفكر الشيعي ظهرت في القرن الثاني الهجري تأثرا بالفكر الأموي.
ـ وانتهى بزعمه أيضا إلى ضعف الأحاديث التي تحدد الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله باثني عشر، فضلا عن تضعيف روايات النص على الإمام اللاحق من الإمام السابق.
وأما القضية الثانية: (وهي وثاقة الشيعة فيما يروون عن أئمتهم) فانتهى فيها إلى:
ـ اتهام الشيعة الأوائل القائلين بالوصية المشابهة لوصية موسى الى هارون أو وصية موسى ليوشع بانهم تلقوا الفكرة من عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم على عهد عثمان.
ـ واتهام متكلمي الشيعة الأوائل أمثال أبي بصير ليث بن البختري المرادي الكوفي(1) وحمران بن أعين الشيباني الكوفي(2) و هشام بن الحكم(3) وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم
التمار(4) ومحمد بن الخليل السكاك صاحب هشام ومؤمن الطاق وهشام بن سالم وغيرهم بأنهم أدخلوا فكرة العصمة والنص إلى التشيع.
ـ ثم اتهم مراجعهم الأوائل النواب الأربعة في عصر الغيبة الصغرى بانتحال ولد للحسن العسكري عليه السلام كذبا والقول بغيبته وانتظاره.
ـ ثم اتهم الذين جاءوا بعدهم أمثال ابن شاذان والشيخ الكليني والشيخ
الصدوق وأبي سهل النوبختي وابن قبة و الشيخ المفيد والشريف المرتضى والطوسي وغيرهم من أعلام الشيعة الاثني عشرية إلى اليوم كرَّسوا النهج التحريفي للتشيع المتمثل بالوصية والعصمة والقول بوجود ولد للحسن العسكري عليه السلام وحصر الأئمة باثني عشر والقول بالغيبة.
أقول: والمنهج العلمي يقتضي البحث في القضية الأولى و الاستدلال على مفرداتها الأساسية (الوصية و النص والعصمة والاثني عشرية)، فإذا تم الدليل عليها من الكتاب والسنة يرتفع الاتهام عن قدماء الشيعة بكونهم استوردوا فكرة الوصية من عبد الله بن سبأ أو أدخلوا فكرة العصمة وغيرها، وتعود لروايتهم عن أخبار أئمتهم وخصوصيات تاريخهم الحجية والاعتبار كما هو الحال في اعتبار رواية قدماء مذهب المالكي أو الحنبلي والشافعي أو الحنفي عن خصوصيات أئمتهم وأخبارهم.(1)
ومن الجدير ذكره أن اتهام الشيخ الكاتب اللاري لقدماء الشيعة شبيه باتهام عامر الشعبي وخلفائه لخواص أصحاب علي عليه السلام وصفوتهم كالأصبغ بن نباتة(2) والحارث الأعور الهمداني(3) ورشيد الهجري وحبة
(1) وقد مر علينا في البحوث السابقة ان جمهور شيعة الحسن العسكري عليه السلام قد اثبتوا له الولد والوصية لهذا الولد من أبيه بالإمامة وكونه المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف.
(2) قال ابن سعد: روى عن علي وكان من أصحابه وكان صاحب شرط علي. وقا ل نصر بن مزاحم: كان الأصبغ بن نباتة شيخا عابدا وكان من ذخائر علي ممن بايعه على الموت وكان علي يضن به عن الحرب والقتال. ابن مزاحم، وقعة صفين: ص503. قال البزار: أكثر أحاديثه عن علي لا يروي عن غيره. قال بن عدي: والأصبغ بن نباتة لم أخرِّج له ها هنا شيئا؛ لأن عامة ما يروي عن علي لا يتابعه عليه أحد.
(3) فال ابن عبد البر: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني (حدثني الحارث وكان أحد الكذابين) ولم يبن من الحارث كذب وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله على غيره ومن هاهنا والله أعلم كذبه الشعبي: لان الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر والى انه اول من اسلم ). ابن عبد البر، جامع البيان العلم: ص445.
العرني ونظرائهم حين قالوا عنهم: إنهم ليسوا يساوون شيئا فيما ينفردون به من رواية ومن ثم اهملوا جل تراثهم الذي رووه عن علي عليه السلام ودونوه في صحف.
المبحث الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف هو ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام
سؤاله:
«ماهي المشكلة في الإيمان بولادة الإمام المهدي في المستقبل وعندما يأذن الله؟ لماذا الإصرار على ولادته في الماضي السحيق وبقائه على قيد الحياة بصورة غير طبيعية؟».(1)
جوابنا:
إن الأمر الذي يفرض الإيمان بولادة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف في الماضي السحيق وكونه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام والتاسع من ذرية الحسين عليه السلام هو صحة أطروحة التشيع الإمامي الإثني عشري وصحة إمامة آباء المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف فلو لم تصح إمامة آبائه الطاهرين عليهم السلام لم تصح إمامته عجل الله تعالى فرجه الشريف، ثم الدليل القاطع تاريخيا على ولادته ونص أبيه عليه
وممارسته وظيفته كإمام بعد وفاة أبيه كما مرت الإشارة إلى ذلك من خلال البحوث السابقة.
أما الأمر الذي يفرض الإيمان ببقاء المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على قيد الحياة بصورة غير طبيعية فهو النقل المتواتر للشيعة عن الأئمة عليهم السلام بأن الثاني عشر منهم له غيبة طويلة، مضافا إلى سبق تجارب مماثلة في الأمم السابقة قص القرآن الكريم علينا خبرها كقصة غيبة عيسى عليه السلام وقصة طول عمر نوح عليه السلام وقد شاء الله تعالى أن يتكرر ما جرى في الأمم السابقة في أمة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله أن يكون عمره كعمر نوح عليه السلام وغيبة كغيبة عيسي عليه السلام.(1)
(1) نبه القرآن على ظواهر خاصة مضت في الأمم السابقة انها سيجري نظيرها في الآخرين، ونموذج ذلك ما جاء في سورة الصافات حيث ذكر الله تعالى اربعة أنبياء بظواهر متميزة في سيرتهم وهم:1. نوح عليه السلام وابطاء نزول العذاب الذي أنذر به وطول عمره. 2. رجعة ارميا عليه السلام. 3. قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . 4. قصة موسى وهارون عليهما السلام. ثم ذكر عنهم القرآن الكريم انه أبقى ذكرهم في أمة محمد صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ 77 وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ 78 سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ 79﴾ الصافات/77-79. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ 114 … وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ 119 سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ 120﴾ الصافات/114-120. وقال تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم 107 وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ 108 سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ 109﴾ الصافات/107-109. ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ المُرْسَلِينَ 123 … وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ 129 ﴾ الصافات/ 123 – 129. و (الآخِرين) مصطلح قرآني أراد به القرآن الأمم المحجوجة بالقرآن، وقوله تركنا عليه أي: ابقينا ذكره وإذا كان المراد هو الذكر العام فإن غير هؤلاء الأنبياء قد ذكر أيضا إذن مراده الذكر الخاص وهو ان يكون لذكرهم خصوصية في هذه الأمة لإثبات أمر مشابه يحصل يستنكره البعض أو يستغربه، فتجيء التجربة النبوية السابقة لترفع الغرابة أو لتثبت الأمر الذي يستنكر، من قبيل الاستغراب من العمر الطويل للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وبطء نزول العذاب الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وآله فتأتي قصة نوح شاهدا، أو من قبيل حصر الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله في إثني عشر من أهل بيته عليهم السلام فتأتي قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ورفع القواعد من البيت وابتلائه بذبح ولده وابتلاء الولد بطاعة أبيه ثم مكافأة الولد بان جعل الله في ذريته النبي محمدا صلى الله عليه وآله واثني عشر إماما وتكون القصة خير شاهد على صحة أمر الإثني عشرية، أو من قبيل منزلة الإمام علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وجعل الإمامة فيه وفي ذريته فتجيء قصة منزلة هارون من النبي موسى عليهما السلام وجعل الإمامة في هارون عليه السلام وذريته. أو من قبيل الاعتقاد برجعة علي عليه السلام في آخر الزمان فتجيء قصة رجعة ارميا عليه السلام حيث أماته الله مائة عام ثم بعثه وهو ايليا المذكور هنا وقد فصلنا ذلك في كتابنا (إمامة أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم) نرجو ان نوفق لانجازه ونشره.
وإضافة إلى هذا النقل المتواتر عن المعصومين الذي يفرض علينا الإيمان بولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف فهناك أمر مهم متفق على وقوعه في آخر الزمان ينبه على صحة الأطروحة الشيعية للمهدي الموعود وكفاءتها في تحقيق الأهداف المرجوة وعدم كفاءة الأطروحة السنية للمهدي الموعود في تحقيق ذلك ويتمثل هذا الأمر بظهور عيسى عليه السلام في آخر الزمان وفيما يلي عرض موجز لهذه القضية:
إن التصور القرآني عن عيسى عليه السلام يفيد ان الله تعالى بعثه مبشرا بالنبي الموعود صلى الله عليه وآله ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾الصف/6، ويؤكد التصور القرآني ان التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وآله لم يبدأ بعيسى عليه السلام بل مارسه الأنبياء عليهم السلام جميعا.
ومما لا شك فيه هو ان احد ابرز الأهداف من المجيء الثاني لعيسى بن مريم عليهما السلام هو إقامة الشهادة للنبي المكي صلى الله عليه وآله ودعوة المسيحيين والنصارى للإسلام. وسواء افترضنا ان عيسى عليه السلام سيظهره الله تعالى
قبل المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف للتمهيد لظهوره أو يظهره بعده مؤيدا له في مواجهته للمسيحيين واليهود لاتمام الحجة عليهم قبل وقوع العذاب الإلهي الشامل الموعود على المكذبين منهم فإن ظهور عيسى عليه السلام سوف يكون بحاجة إلى استيعاب علمي وقيادي من قبل المهدي الموعود باعتباره يقوم شاهدا له وللرسالة التي يرفع شعارها وكتابها وتابعا له.
والمهدي على التصور السني لن يكون قادرا على استيعاب المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين.
لن يكون قادرا على استيعاب المسيح؛ لأن المسيح نبي ورسول معصوم ومؤيد الهيا بالمعجزات ومثله لا يمكن ان يستوعبه إنسان غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام.
ولن يكون قادرا على استيعاب الأمة المسلمة بلا تأييد الهي بالمعجزة والعصمة والعلم التام لوجود مشكلات أساسية:
منها: مشكلة إثبات كونه المهدي الموعود، فهو من دون التأييد الإلهي الخاص لن يكون قادرا على كسب القناعة الموضوعية التامة من الآخرين.
ومنها: مشكلة إقناع علماء زمانه بالخضوع لآرائه في الجرح والتعديل وتخريج الحديث والاستنباط منه فهو على أكثر تقدير مجتهد كباقي المجتهدين يجوز للعوام ان يرجعوا إليه ويخضعوا لأفكاره اما المجتهدون الآخرون فلا يوجد أي مبرر للخضوع لفهمه اما تخريجه للحديث وآراؤه في الجرح والتعديل فستكون المشكلة فيها أعظم لو تجاوز فيها أئمة الجرح والحديث التاريخيين كالبخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم.
ومنها: مشكلة النظام السياسي الذي يسمح له ان يشكل تجمعه الحركي إذ أن الأنبياء عليهم السلام مع التأييد الإلهي لم يسلموا من الاستضعاف فكيف بالمهدي غير المؤيد؟!
ومنها: مشكلة الشيعة الذين لن يؤمنوا بمثل مهدي غير معصوم وغير منصوص عليه ولم يكن ابنا للحسن العسكري عليه السلام.
وقد يقول قائل: بأننا نفترض أن المهدي بالتصور السني مؤيد بالمعجزة والعلم التام والعصمة.
قلنا: إن هذا الافتراض سيجعل من المهدي على الأطروحة السنية نبيا؛ لأننا افترضنا أن علمه علم تام لم يستمد من معلم بشري، وليس من شك أن هذا الفرض سوف يكون خلاف القرآن الذي نص على أن النبي محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين.
وهذا بخلاف المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على التصور الشيعي فهو ليس نبيا بل هو عالم مطهر معصوم وارث لتراث جده صلى الله عليه وآله عن طريق آبائه عليهم السلام ملهم بذلك العلم الموروث معرَّف بالنص عليه من قبل أبيه المعرَّف من قبل آبائه المعصومين عليهم السلام حتى ينتهي الأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله الذي عرَّف بهم جميعا وبعلي عليه السلام في الغدير خاصة وقد وجدت مثل هذه الحالة ـ أي حالة عالم مطهر وارث للعلم ملهم به وليس بنبي ـ في الأمم السابقة وقص القرآن الكريم علينا خبرها.(1)
(1) من قبيل قصة طالوت فهو عالم اصطفاه الله تعالى وجعله وارثا لتراث آل هارون عليهم السلام العلمي بالوصية من النبي السابق ثم كان علمه بالتراث علما الهاميا وليس مجرد قراءة من الكتب التي بين يديه قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 246 وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ 247 وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ 248﴾ البقرة/246-248. وقوله (تحمله الملائكة) الضمير يرجع إلى العلم الذي خلفه آل موسى عليهم السلام إلى طالوت أي تلهمه إياه، والآية تعرض قضيتين، الأولى: آية ملكه أن يرث التابوت، والثانية أن العلم الذي يحصل لطالوت إلهامات الملائكة وقراءة لما في الكتب التي ورثها.
إذن لابد من مهدي مؤيد بالعلم والعصمة والمعجزة وليس بنبي وليس هو إلا المهدي على الطرح الشيعي الذي يستوعب ما عجز عنه المهدي على الطرح السني.
يستوعب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على التصور الشيعي ظاهرة المسيح عليه السلام؛ لأن هذا المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كان قد بشر به عيسى عليه السلام كما بشر بجده النبي صلى الله عليه وآله و أبيه علي عليه السلام(1)، وهو معصوم وارث لتراث النبوة الخاتمة الذي كتبه عليعليه السلام بيده وأملاه النبي صلى الله عليه وآله عليه ووارث أيضاً لتراث النبوات الإسرائيلية الذي اجتمع عند عيسى عليه السلام ومنه انتقل عبر آخر أوصيائه إلى آباء النبي صلى الله عليه وآله ثم إلى أبي طالب ثم إلى النبي صلى الله عليه وآله ثم إلى علي عليه السلام والأئمة من ذريته عليهم السلام(2)، مضافا إلى ذلك هو ملهَم بهذا العلم كما أُلهِم آباؤه من
قبل، مضافا إلى ذلك هو مؤيد بالخوارق التكوينية كما كان وصي النبي سليمان عليه السلام آصف مؤيد بها(1) ولم يكن نبيا بل كان وصيا وارثا للعلم وكذلك المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام.
وإذا كان المهدي على التصور الشيعي قادرا على استيعاب ظاهرة عيسى عليه السلام وهو نبي ورسول وصار من جنوده وأنصاره ومؤيديه فهو على استيعاب طوائف أمة جده أقدر.
إن المهدي على التصور الشيعي يظهر على جيش مُعَدّ وهم الشيعة وفيهم العلماء والفقهاء والمفكرون والسياسيون والعسكريون ومختلف المواقع الاجتماعية بل لهم دولة قائمة قبل ظهوره بَنَت وجودها السياسي الفكري على الاعتقاد به.
إن علماء الشيعة ومراجعهم معلنون سلفاً منذ أن تبوؤوا مواقعهم كموجهين للشيعة في عصر الغيبة وانهم بإزاء المهدي بن الحسن العسكري عليهما السلام متبعون لقوله ومؤتمرون لأمره كما هو شأنهم مع آبائه عليهم السلام
(1) هو المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ 38 قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ 39 قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ 40﴾ النمل/38-40، قال القرطبي في تفسيره ج 13 ص 204: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بنى إسرائيل، وكان صدّيقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعى به أجاب… وقال السهيلى: الذي عنده علم من الكتاب هو آصف ابن برخيا ابن خالة سليمان، قال القرطبي وقيل: هو سليمان نفسه، ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل).
من قبل، نعم هم بحاجة إلى أن يثبت لهم أن الشخص الذي يخاطبهم هو محمد بن الحسن العسكري عليه السلام الذي ولد سنة 255 هجرية وحين يثبت لهم ذلك فهم أطوع له من الأمة لسيدها.
وهكذا المسلمون السنة فإنهم حين يواجهون إنسانا مسلما مؤيدا بالخوارق عالما بالقرآن والسنة علما لا يدع لأحد معه مقالا، عالما بآراء المذاهب الإسلامية القائمة والبائدة وتخريجات الحديث وأدلتها ونقاط ضعفها وهو فوق ذلك بيده صحيفة أبيه علي عليه السلام التي كتبها بيده عن النبي صلى الله عليه وآله مباشرة وهي خاضعة للفحص العلمي الأركيولوجي، ليس من شك فإن مثل هذا الإنسان سيكون قادرا على استيعاب كل طوائف الأمة.
قد يقول قائل لماذا لم يجعل الله تعالى عدد الأئمة على الطرح الشيعي مفتوحاً وغير مقيد باثني عشر ليكون آخرهم حيا بالحياة الطبيعية عند ظهور عيسى عليه السلام؟
والجواب هو أن حصر عدد الأئمة عليهم السلام المعصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله باثني عشر أو إبقاءه مفتوحا حتى تنقضي الدنيا أمر مرتبط بتقدير الله تعالى وقد قدَّر أن يكون عدد الأئمة اثني عشر ومن ثم يطيل عمر الثاني عشر ليحقق به وعده الذي وعده لأنبيائه.
وخلاصة الكلام:
إن التصور القرآني الذي يفيد بظهور عيسى عليه السلام في آخر الزمان مؤيدا للمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أو ممهدا لظهوره يقتضي ان تكون إمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مستوعبة لعيسى عليه السلام النبي الرسول المعصوم المؤيد إلهيا ولن تستوعبه هذه الإمامة إذا لم تكن معصومة، إلا إذا افترضنا أن يكون صاحبها نبيا
أو قبلنا بالتصور الشيعي للمهدي وان الله تعالى أطال عمره لاستيعاب ظاهرة عيسى عليه السلام وتحقيق أمور أخر من قبيل امتحان المؤمنين وتمحيصهم وغير ذلك.
و ليس من شك أن فرضية نبوة المهدي الموعود باطلة بالضرورة، فلم يبق لنا إلا المهدي على التصور الشيعي الذي يحفظ لنا أطروحة النبوة الخاتمة ويفترض قدرا أدنى من خرق القانون وهو أن يطيل الله تعالى عمر إنسان كما أطال عمر نوح عليه السلام وكما أطال عمر عيسى عليه السلام.
المبحث السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
أثار الأستاذ الكاتب على الإنترنيت في موقع إسلام 21 مجموعة من الأسئلة حول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف نوردها فيما يلي مع إجابتنا عليها باختصار.
السؤال1:
هل يعتبر الإيمان بولادة المهدي قبل ألف ومائة وسبعين عاما، واستمرار حياته إلى اليوم والى أن يظهر في المستقبل بعد آلاف السنين، ضرورة من ضرورات الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه؟ ولماذا لم يشر إليها القرآن الكريم بصراحة ويطالب الناس بالاعتقاد بها؟ وما هو حكم من لا يؤمن بذلك من فرق الشيعة كالزيدية والإسماعيلية فضلا عن سائر فرق المسلمين؟ هل يجوز أن نحكم عليهم بالكفر ونمنعهم من الصلاة في المساجد؟
جوابه:
إن الإيمان بأن المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف هو ابن الحسن العسكري عليه السلام وقد ولد سنة 255 هجرية ضرورة من ضرورات التشيع الاثني عشري تفرضها الأحاديث النبوية الصحيحة نظريا، أما تاريخيا فيفرضها نقل جمهور الشيعة جيلا بعد جيل حتى جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام الذين نقلوا أمر ولادته عن أبيه ونصه على إمامته من بعده وأنه المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف وقد شاهده عدة منهم، وهذا الجمهور عاش مؤمنا بذلك فترة الغيبة الصغرى مع تعامل حسي مع هذا
الإيمان من خلال النواب الأربعة الذين كانت تظهر على ايديهم إخبارات خاصة ببعض المغيبات وإجابة للدعاء في موارد خاصة يطلبها أصحابها ويخرج الجواب بأنها أجيبت ويتحقق ذلك ولم يدَّعِ النواب أنها بفعلهم بل هي بإخبار الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف لهم أو بدعائه.
أما لماذا لم يشر القرآن الكريم صريحا إلى هذا الموضوع، فنقول: إن القرآن لم يشر إلى ضرورات إسلامية أخرى من قبيل عدد ركعات الصلاة ورمي سبع حصيات في أيام الحج بمنى ثلاثة أيام وغيرها، بل اكتفى بالإشارة إلى أصل الصلاة ثم أحال إلى النبي صلى الله عليه وآله ليبين تفاصيلها، كذلك الأمر في إمامة أهل البيت عليهم السلام أو قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حيث تحدث القرآن عنهما بأسلوب خاص نبه إليه الأئمة عليهم السلام وتفادى ذكر الأسماء لحكمة.
نعم أشار القرآن صريحا إلى العهد المشرق الذي سيتحقق آخر الزمان على يد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ثم ترك أمر التشخيص الصريح للبيت الذي ينجبه إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد أشار صلى الله عليه وآله أن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذريته من فاطمة عليها السلام وانه من الحسين عليه السلام.
أما ما هو حكم من لم يؤمن بالمهدي بالتصور الشيعي، فليس في المسألة خلاف بين علماء الشيعة أن منكرها يخرج من التشيع الاثني عشري مع بقائه على الإسلام.
السؤال2:
هل يجوز أن يخفي الإمام العسكري ولده عن الناس ويطالبهم بالإيمان به، لو كان حقا قد ولد له ولد في السر؟ وإذا كان الشيعة في ذلك الزمان قد
بحثوا ولم يجدوا أثرا ـ كما يقول المؤرخ الشيعي النوبختي فكيف يمكن ان نؤمن نحن بعد مئات السنين من دون دليل علمي ثابت؟
جوابه:
إذا كان إعلان الإمام عليه السلام عن ولده بشكل عام يعرضه للخطر الأكيد فلِمَ لا يجوز له أن يخفي أمر ولادته عن عامة الناس؟ وقد كان جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام على يقين من وجود الولد فقد رآه الكثير منهم، واكتفى القسم الآخر بإخبار الإمام المعصوم الحسن العسكري عليه السلام عنه، ونسخة المؤرخ النوبختي المتداولة بمقارنتها مع ما نقل الشيخ المفيد عنها يتضح أنها محرفة كما مر الحديث مفصلا عن ذلك، وإيماننا اليوم بالمهدي بن الحسن العسكري عليهما السلام يقوم على النقل الشفوي المتواتر لجمهور الشيعة جيلا بعد جيل إلى عصر الإمام الحسن العسكري عليه السلام. كما يقوم إيمان المسلمين على أن القرآن الذي بين ايدينا هو الذي أملاه النبي صلى الله عليه وآله على الأمة، ويسند كلا القضيتين مئات الروايات المدونة منها الصحيحة ومنها الضعيفة.
السؤال3:
إذا كان موضوع الإيمان بالمهدي أصلا من أصول الدين فلماذا لا يُبحث في الحوزة بصورة علمية منهجية كما يبحث الفقه والأصول؟ ولماذا لم يتم التحقق من صحة الروايات والقصص التاريخية التي تتهم بالوضع والاختلاق في وقت متأخر؟
جوابه:
الإيمان بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ضرورة من ضرورات الفكر الشيعي الاثني عشري، وقد كتبت الحوزة العلمية في التاريخ الغابر والعصر الحاضر عبر وجوهها البارزة كتبا خالدة أمثال كتاب (التنبيه في الإمامة) للنوبختي أبي سهل و كتاب (إكمال الدين) للشيخ الصدوق وكتاب (الغيبة) للنعماني و كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي وكتاب (المهدي) للسيد مهدي الصدر(1) و (تاريخ الغيبة الصغرى وتاريخ الغيبة الكبرى واليوم الموعود) للسيد محمد الصدر(2) و (منتخب الأثر) للشيخ الصافي(3) وغيرها.
أما لماذا لم يبحث مؤلفو هذه الكتب في أسانيد الروايات وقصص الولادة فالجواب واضح وهو انهم لم يبنوا إيمانهم بوجود المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على أساس تلك الروايات بل بنوه على أساس النقل الشفوي المتواتر من أجيال الشيعة لخبر ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وممارسته توجيه شيعته عبر النواب الأربعة في فترة الغيبة الصغرى.
ويبقى البحث في أسانيد تلك الروايات مفيداً ونافعاً لا لأجل تأسيس الإيمان بأصل الولادة بل لتقديم شواهد تاريخية مدونة مروية بأسانيد صحيحة على مسألة التعامل الحسي مع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف،
على أن الباحث المنصف في هذه الروايات يستطيع ان يخرج منها بنتيجة إيجابية قطعية أيضا وذلك؛ لأن قدراً مشتركاً من الواقع تتحدث عنه هذه الروايات وهو وجود ولد للحسن العسكري عليه السلام تبوأ بعد أبيه مقام الإمامة واختلاف الروايات في التفاصيل الأخرى لا يعني إسقاط القدر المشترك مع تنوع المصادر والرواة الأوائل.
السؤال4:
إذا كان من الواضح والثابت، لدى الشيعة من قبل، مهدوية الإمام محمد بن الحسن العسكري؟ فلماذا قال بعض الشيعة إذن بمهدوية الإمام علي ومهدوية ابنه محمد بن الحنفية ومهدوية النفس الزكية ومهدوية الصادق ومهدوية الكاظم ومهدوية السيد محمد بن علي الهادي ومهدوية الإمام العسكري؟
هل الأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله حول خروج مهدي في آخر الزمان تحدد اسم المهدي وهويته وانه ابن الإمام العسكري؟ أم تكتفي بالإشارة إليه بصورة عامة غامضة؟
جوابه:
مهدوية غير ابن الحسن العسكري عليه السلام أقوال مدّعاة من قبل فرق أو أشخاص لم يكتب لها البقاء؛ لأنها لم تصب الحق و الواقع فيما ادّعته من قول. وهل يضر الحق وجود قائلين بالباطل ولو كانوا كُثراً اليوم، فكيف ونحن لا نجد أثرا للقائلين بمهدوية من ذكرت إلا في بطون التاريخ منذ ألف سنة!
إن الواضح في المسألة المهدوية في المجتمع الإسلامي هو فكرتها القائمة
على النص القرآني والحديث النبوي الصحيح وكذلك البيت الذي يخرج منه المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو كونه من آل النبي صلى الله عليه وآله من الحسين عليه السلام وكونه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام، ومن الطبيعي أن تتضيق بعد ذلك بتضيق الوسط الذي يؤمن بالأئمة بعد الحسين عليهم السلام مضافا إلى أن المسألة الأساسية التي كان يعيشها الشيعة هي معرفة إمام زمانهم، أما الأئمة بعده فهي مسألة يتحكم فيها الظرف ومستوى الشخص وقد وردت روايات رواها الثقات قبل ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بعشرات السنين تعرِّف بكون المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو التاسع من ذرية الحسين عليه السلام أو السابع من ذرية الباقر عليه السلام أو الخامس من ذرية الكاظم عليه السلام وقد ذكرنا طرفا منها فيما مضى.
السؤال5:
هل كان المسلمون والشيعة والإمامية في القرون الثلاثة الأولى يعرفون ويؤمنون بالإمام (محمد بن الحسن العسكري)؟ ولماذا كان يحدث البداء إذن؟ ولماذا كان كبار أصحاب الأئمة يجهلون أسماءهم؟ ولا يعرفون من بعدهم؟
جوابه:
تحدثنا عن ذلك في الحلقة الأولى من كتابنا شبهات وردود، وقلنا هناك أن روايات البداء التي تفيد ان الإمام قد أوصى إلى أحد أولاده بالإمامة ثم يغير الأمر بعد ذلك هي روايات غير صحيحة إذ لا بداء في أمر الإمامة، وقلنا أن خواص أصحاب الأئمة كانوا يعلمون من هو الوصي بتسمية من الإمام السابق وعدم معرفة بعض الخواص بذلك له ظروفه الخاصة
وأهدافه الخاصة بيناها في الحلقة الثانية عند أجوبتنا على أسئلة البغدادي في نشرة الشورى.
السؤال6:
هل يعتبر الإيمان بالإمام المهدي جزءاً من الإيمان بالغيب؟ علما بأن القرآن الكريم قد ذكر الملائكة والجن واليوم الآخر ولم يذكر المهدي فكيف يتم الإيمان به بصورة غيبية أي بدون دليل؟
جوابه:
لقد ذكر القرآن الكريم عنوان الغيب وبعض مصاديقه ولم يحصر كل أفراده ومصاديقه، وبيَّن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كمصداق آخر من مصاديق الغيب، إن إخبار القرآن بأن هناك يوماً يعم فيه الإسلام في العالم ويرث الصالحون الأرض هو وعد غيبي، فهو غيب، وإخبار النبي صلى الله عليه وآله ان الشخص الذي يتحقق على يده هذا العهد هو من ذريته هو غيب أيضا، ثم أن يخبر الأئمة عليهم السلام أن الثاني عشر يغيب غيبتين أحداهما قصيرة والأخرى طويلة هو غيب وقد تحقق ذلك ومرت كلمات الشيخ أبي سهل النوبختي والشيخ النعماني والشيخ الصدوق في ذلك وعده من آيات الأئمة عليهم السلام.
السؤال7:
ماهو الدليل على وجود وولادة الإمام محمد بن الحسن العسكري؟ هل هو حقيقة أم فرضية فلسفية وهمية؟ وهل يمكن ان نثبت ولادة إنسان ووجوده في الخارج عن طريق الاستدلال الفلسفي؟
جوابه:
الدليل على وجود المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو النقل الشفوي المتواتر من أجيال الشيعة جيلا بعد جيل إلى عصر الحسن العسكري عليه السلام حيث رأى أصحابه ولده المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وسمعوا منه النص عليه، وهذا هو النقل التاريخي المتواتر وكان يستدل به قدماء الشيعة كأبي سهل النوبختي والشيخ الصدوق مضافا إلى ذلك الروايات الكثيرة جدا التي دونها علماء الشيعة في العديد من كتبهم على مر القرون.
واستدل قدماء الشيعة بدليل عقلي على وجود المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يبتني على مقدمات ينتج التسليم بها أن الحسن العسكري عليه السلام لا يمكن أن يموت وليس له عقب منه يكون إماما بعده سواء رأينا هذا الإمام أم لم نره، وسمي هذا الدليل تسامحا بالدليل العقلي أو الدليل الفلسفي، ومرادهم أن الأصول السابقة للتشيع وهي الأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة عليهم السلام الصحيحة التي تفرض أن لا يموت الحسن العسكري عليه السلام وليس له ولد يكون هو المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وما الغرابة في هذا النوع من الاستدلال إذا كانت المقدمات والخطوات مترابطة وصحيحة منطقياً؟ ثم أليس يستخدم المسلمون وغيرهم الدليل الفلسفي لإثبات وجود الله تعالى؟ إن المسألة في هذا الاستدلال هي صحة المقدمات وترابط الخطوات منطقيا، ثم لماذا هذا التركيز على هذا المنهج من الاستدلال والشيعة الأقدمون لا يقفون عنده بل يقرنونه بالدليل التاريخي القاطع وقد مر الحديث عن ذلك.
السؤال8:
هل اعترف الإمام الحسن العسكري عليه السلام بوجود ولد له؟ وهل يعرف ذلك أهل البيت والشيعة أصحاب الإمام العسكري عليه السلام؟ أم أن مجموعة انتهازية اختلقت القصة في السر وغلفتها بالكتمان لتستفيد منها ماليا وسياسيا؟
جوابه:
الذي نقله جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام شفاها هو أن الحسن العسكري عليه السلامأخبرهم بأن له ولد وقد شاهده ثلة منهم وقد سمعوا منه النص على إمامته وأنه المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويوجد إلى جنب هذا النقل الشفوي المتواتر روايات صحيحة السند على ذلك من وجوه الشيعة وأصحاب الإمامين الهادي والحسن العسكري عليهما السلام. ودعوى اختلاق القصة من قبل مجموعة انتهازية دعوى عارية عن الدليل بل هي مجرد افتراء قام أساسا على الوقوع ضحية البحث الناقص بنَفَس مُغرِض كما اتضح ذلك من البحوث السابقة.
السؤال9:
تقول الرواية المنسوبة إلى خديجة بنت الإمام الهادي أن نرجس لم تكن تعرف أنها حامل ليلة الولادة المزعومة ولم يكن عليها أي أثر للحمل وأنها لم تجد أي طفل في الصباح. فهل رأت الولادة في المنام؟ وهل الرواية صحيحة؟ وما هو سندها؟
جوابه:
أقول: من المفيد أن نأتي بنص رواية الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة ص234.
قال رحمه الله: (أخبرني ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار محمد بن الحسن القمي، عن أبي عبد الله المطهري، عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا قالت: بعث إلي أبو محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال: يا عمة اجعلي الليلة إفطارك عندي فإن الله عز وجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي. قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد وأخذت ثيابي علي وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السلام، وهو جالس في صحن داره، وجواريه حوله فقلت جعلت فداك يا سيدي! الخلف ممن هو؟ قال: من سوسن فأدرت طرفي فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.
قالت حكيمة: فلما أن صليت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة، فأفطرت أنا وسوسن وبايتّها في بيت واحد، فغفوت غفوة ثم استيقظت، فلم أزل مفكرة فيما وعدني أبو محمد عليه السلام من أمر ولي الله عليه السلام فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة، فصليت صلاة الليل حتى بلغت إلى الوتر، فوثبت سوسن فزعة وخرجت فزعة وخرجت وأسبغت الوضوء ثم عادت فصلت صلاة الليل وبلغت إلى الوتر، فوقع في قلبي أن الفجر قد قرب فقمت لانظر فإذا بالفجر الأول قد طلع، فتداخل قلبي الشك من وعد أبي محمد عليه السلام، فناداني من حجرته لا تشكي
وكأنك بالأمر الساعة قد رأيته إن شاء الله تعالى.
قالت حكيمة: فاستحييت من أبي محمد عليه السلام ومما وقع في قلبي، ورجعت إلى البيت وأنا خجلة فإذا هي قد قطعت الصلاة وخرجت فزعة فلقيتها على باب البيت فقلت بأبي أنت وأمي هل تحسين شيئا؟ قالت: نعم يا عمة! إني لأجد أمرا شديدا قلت: لا خوف عليك إن شاء الله تعالى وأخذت وسادة فألقيتها في وسط البيت، وأجلستها عليها وجلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة، فقبضت على كفي وغمزت غمزة شديدة ثم أنت أنة وتشهدت ونظرت تحتها، فإذا أنا بولي الله صلوات الله عليه متلقيا الأرض بمساجده. فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمد عليه السلام: يا عمة هلمي فأتيني بابني فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها ثم أدخله في فيه فحنكه ثم أدخله في أذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى ولي الله جالسا، فمسح يده على رأسه وقال له يا بني انطق بقدرة الله فاستعاذ ولي الله عليه السلام من الشيطان الرجيم واستفتح ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ 6﴾ وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام واحدا واحدا حتى انتهى إلى أبيه، فناولنيه أبو محمد عليه السلام وقال: يا عمة رديه إلى أمه ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فرددته إلى أمه وقد انفجر الفجر الثاني، فصليت الفريضة وعقبت إلى أن طلعت الشمس. ثم ودعت أبا محمد عليه السلام وانصرفت إلى منزلي. فلما كان
بعد ثلاث اشتقت إلى ولي الله، فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرا ولا سمعت ذكرا فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمد عليه السلام فاستحييت أن أبدأه بالسؤال، فبدأني فقال: يا عمة في كنف الله وحرزه وستره وغيبه حتى يأذن الله له، فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم، وليكن عندك وعندهم مكتوما، فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرئيل عليه السلام فرسه ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾.
وروى الشيخ الصدوق روايتين عن حكيمة جاء في الأولى أن حكيمة سألت نرجس ما انتبهت فزعة وقت الولادة فسألتها حكيمة أتحسين شيئا قالت نعم يا عمة فقالت لها حكيمة أجمعي عليك نفسك واجمعي قلبك… ثم أخذتهما فترة وإذا بحس المولود فأخذته حكيمة إلى الإمام ثم أرجعته إلى امه ثم أرجعته إلى أبيه… وفي الثانية أن نرجس غيبت عن حكيمة ثم كشف لها عنها ومعها الطفل فأخذته وناولته لأبيه عليه السلام… الروايتان تذكران عن الولادة بعض الأمور الخارقة وسندها فيه مجهول مع متهم بالغلو وبالتالي الروايتان ضعيفتان.
ويتضح من ذلك:
مدى علمية الكاتب وأمانته مع القارئ حين يغفل هذه الروايات ويعرض رواية واحدة رواها الصدوق في جملة رواياته تصرح ان حكيمة لم تر بنرجس أثر حبل… الخ. هذا أولاً.
وثانياً: لنفترض أننا لم نحصل على رواية صحيحة السند تبين لنا كيفية ولادته فما هو تأثيرها على الإيمان بولادته بعد أن توفر لنا الطريق القطعي
على معرفتها جملة من خلال النقل الشفهي المتواتر لجمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام، مع روايات صحيحة السند مدونة في الكافي وغيره تذكر أن الحسن العسكري عليه السلام قد أخبر بوجود ولد له ونص عليه؟وتذكر أن الثقات رأوه وصاروا واسطة بينه وبين شيعته تسعا وستين سنة.
السؤال10:
ما ذا يعني التواتر والإجماع؟ وهل يوجد إجماع أو تواتر حول ولادة الإمام الثاني عشر مع القول أن ذلك تم سرا وخفية واختلاف شيعة الإمام الحسن العسكري حول ذلك إلى أربع عشرة فرقة فضلا عن رفض بقية فرق الشيعة التي جاوزت السبعين وبقية الفرق الإسلامية التي لا تؤمن بولادته في القرن الثالث الهجري؟
جوابه:
التواتر هو إخبار جماعة كثيرين يمتنع تواطؤهم عن الكذب.
وولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سرّاً لا تمنع من حصول خبر التواتر على ولادته؛ لأن المطلوب هو نقل خبر أبيه على وجوده و لا يشترط رؤيته بشخصه هذا مع أن عددا لا بأس به من أصحاب الحسن العسكري عليه السلام قد رآه.
و اختلاف شيعة الحسن العسكري عليه السلام بعد وفاته لا يضر في أمر التواتر إذا عرفنا أن جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام قد نقلوا عنه انه قال له ولد وهو المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف وأنه سيغيبه الله غيبة طويلة
ثم يظهره في آخر الزمان ليحقق على يده وعده الذي وعده لأنبيائه عليهم السلام، وقد نصت المصادر المعتبرة ان جمهور أصحاب الحسن العسكري عليه السلام نقلوا القول بوجود الولد ووصية أبيه له كما مر في البحوث السابقة كما ذكرت المصادر الحديثية الشيعية أخبار الأئمة السابقين عليهم السلام بأن المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الخامس من ولد السابع.
و إنكار بقية فرق الشيعة كالزيدية وبقية الفرق الإسلامية السنية وجود ولد للحسن العسكري عليه السلام لا يضر بهذا التواتر؛ لأن المطلوب في هذا التواتر هو نقل جمهور شيعة الحسن العسكري عليه السلام عنه خبر ولده الذي كتمه عن عامة الناس إلا عن شيعته.
السؤال11:
هل صحيح أن الشيعة في القرون السابقة قبل إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران، كانوا يحرمون إقامة الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية في عصر (غيبة الإمام المهدي) ولا يزال بعض العلماء يحرم إقامة صلاة الجمعة إلا بعد ظهور الإمام؟
جوابه:
أقول:
يعتقد الشيعة في مسألة الحكم أنه للنبي صلى الله عليه وآله ومن بعده للأئمة الإثني عشر عليهم السلامولم يتراجع عن هذا القول أحد إلا أن يتراجع عن أصل التشيع.
أما في عصر الغيبة الكبرى فإن علماء الشيعة كانوا بين اتجاهين اتجاه يقول بتعطيل الحدود بعذر إن أمر إقامتها خاص بالمعصومين فقط،
واتجاه يقول بجواز قيامها من قبل الفقهاء مع القدرة، والمسألة مسألة علمية ولا ربط لها بمسألة الاعتقاد بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته فكلا الفريقين مشتركان في المعتقد بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته وانتظار ظهوره.
السؤال12:
لماذا لا يخرج الإمام المهدي الغائب، إذا كان موجودا، وقد امتلأت الدنيا ظلما وجورا وأصبح المسلمون فريسة للطغاة والمستبدين الذين أهلكوا الحرث والنسل؟
وإذا كان الإمام المهدي موجودا فلماذا لا يستفيد من التكنولوجيا المعاصرة ويستخدم المحطات التلفزيونية الفضائية وشبكة الإنترنت للاتصال بالمؤمنين والإجابة على أسئلتهم وتوجيههم وقيادتهم استعدادا ليوم الظهور؟
جوابه: إن غيبة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تعني تعطله عن ممارسة النشاطات المذكورة بالسؤال وقد تعطل بأمر الله تعالى وليس بتقدير و تصرف شخصي منه، وكذلك يكون ظهوره ومعاودة نشاطه الفكري والسياسي حين يأذن الله له بذلك. والله تعالى أعرف بالزمن الصالح لظهوره ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِىَ بآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ الله فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ الله قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ غافر/78. إن الله تعالى سوف يظهره في زمان وظرف يكون فيه التشيع الاثني عشري قد استنفد كل أغراضه في إقامة الحجة على البشرية أجمع مع اقتران ذلك باستضعاف الحق وأهله، وذلك؛ لأن الهدف من ظهوره هو رفع الاستضعاف عن الحق وأهله وإقامة دولة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام العالمية.
السؤال13:
ما هو الضير في عقد ندوة علمية لبحث موضوع ولادة المهدي ودعوة أحمد الكاتب ومناقشته أمام الملأ وفي الإذاعة والتلفزيون؟ خاصة وانه يقول أنه مستعد لتغيير رأيه لو قدّم له أحد أدلة تاريخية علمية على ولادة الإمام (محمد بن الحسن العسكري)؟
جوابه:
السؤال الذي ينبغي أن يسأل هو: هل هناك ضرورة تستوجب عقد مثل هذه الندوة مع أحمد الكاتب؟
الجوا ب: لا توجد هناك أية ضرورة؛ لأن أحمد الكاتب ليس هو أول من أنكر ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ولا آخر من سينكره في المستقبل وليس هو أول من أنكر دلالة حديث الغدير على إمامة علي عليه السلام ولا أول من أنكر عصمة الأئمة عليهم السلام أو أثار شبهات حول تحديد الأئمة باثني عشر، بل هو واحد من آلاف وملايين فإذا كان كل واحد من هؤلاء بحاجة أن تعقد معه ندوة فإنه لا يبقى وقت لأي عمل آخر نعم الاستعداد للحوار ينبغي أن يبقى مفتوحا لاستقبال أي شبهة أو سؤال حول هذا الموضوع أو أي موضوع آخر هذا مضافاً إلى أن عقد ندوة بل ندوات لأجل عرض أدلة الشيعة على وجود وإمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف واستقبال أي سؤال حولها لا مانع منه.(1)
ثم أننا لسنا حريصين على أن يغير أحمد الكاتب ولا أي شخص آخر رأيه إذ هي مسألة تخص الشخص نفسه.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ21 لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر 22﴾ الغاشية/21-22
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ البقرة/272، نعم نحن حريصون أن لا تبقى شبهاته وإثاراته وأسئلته وأسئلة غيره من دون جواب، ومن الجدير ذكره أن هذه الشبهات ليست جديدة وبإمكان أي شخص يرجع إلى ما كتبه الشيخ الصدوق (ت381هـ) في مقدمة كتابه (كمال الدين) قبل ألف سنة ليكتشف أن جل أسئلة الكاتب وشبهاته قد أثيرت منذ ذلك الوقت وأجاب عليها علماؤنا، وإذا قرأها احمد الكاتب ولم يقتنع بها ليس معناه أن هذه الاجوبة غير صحيحة إذ ما أكثر من لم يقتنع بأدلة الأنبياء عليهم السلام بل ما أكثر من لم يقتنع بوجود الله الذي اتفق على وجوده المسلمون والمسيحيون واليهود وكثير ممن لم يؤمن بالأنبياء عليهم السلام.
صحيح أن احمد الكاتب كان شيعيا اثني عشريا ثم تخلى عن التشيع الاثني عشري وصار سنيا في مفهومه للتشيع وفي موقفه منه وكتب ما توصل إليه ونشره وأخذ يدعو إلى أفكاره وفي المقابل كان هناك العشرات من السنة وصاروا شيعة وكتبوا ما توصلوا إليه وأخذوا يدعون الناس إلى التشيع انها عملية قائمة على قدم ساق وتبقى كذلك إلى ما شاء الله وليس لنا ان نقف في قبالها فقد خلق الله تعالى البشر أحرارا في الفكر وكل إنسان
مسؤول عن فكره ومواقفه.
السؤال14:
ما هو أثر الإيمان بالمهدي على العلاقة بين السنة والشيعة؟ وهل ذلك يوحد المسلمين؟ أم يفرق بينهم؟
جوابه:
الإيمان بإمامة المهدي على التصور الشيعي فرع للإيمان بالإمامة الإلهية الخاصة لأهل البيت عليهم السلام القائمة على النص والعصمة والتحديد باثني عشر، وأدلة الشيعة في هذه القضية الكتاب والسنة وهم يرحبون بأي حوار حول المسالة يستهدف معرفة واقع القضية وهم إلى جنب ذلك لا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة ويرون المسلم من شهد الشهادتين فإذا قالهما عصم ماله ودمه، فالمسلمون إذن في أمان من الشيعة بل هم أمة واحدة عندهم ما داموا في دائرة الشهادتين، إن الحيف تاريخيا والى اليوم واقع على الشيعة حين يكفرهم البعض بسبب عقيدتهم التي تقوم على الكتاب والسنة. ولست أدري هل الذي يفِّرق المسلمين هو من يكفِّرهم ويبيح قتلهم ومالهم أو من يرى أن المسلم من شهد الشهادتين فإذا قالها عصم ماله ودمه؟
***
البحث السابع: موقع الخامس عشر من شعبان في المسيرة الإلهية(1)
تتبوأ ليلة ونهار الخامس عشر من شهر شعبان المعظم موقعا أصيلا في حركة السير إلى الله تعالى بقيادة أنبيائه وأوصيائهم.
فقد ورد في فضـل ليلته أنها افضل ليلة بعد ليلة القـدر.
أما في نهاره سنة 255 هـ فقد ولد بقية الله الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي بشرت به الأنبياء عليهم السلام وتمنت عهده أممهم وفيه أيضا سنة 329 هـ كانت وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري وانتهاء فترة الغيبة الصغرى وبــدء مرحلة الغيبة الكبرى مرحلة تحمل الفقهاء مسؤولية حفظ الشريعة وتبليغها ونشرها.
هدف الغيبة الصغرى:
إن يوم الخامس عشر من شعبان يذكرنا بظروف و أهداف الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى معا، والجهاد الفريد لفقهاء مدرسة
أهل البيت عليهم السلام في تثبيت الوجود الشيعي في قبال هزة فقدان وغيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ومواصلة نشر سنة النبي صلى الله عليه وآله برواية أهل البيت عليهم السلام.
إن أبرز ظاهرة في الغيبة الصغرى هي بروز الفقهاء من تلاميذ الأئمة عليهم السلام محوراً للشيعة وقيادة لهم عبر نظام الوكلاء الذي يربط القواعد الشعبية للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بسفيره ويضبط حركتهم ككيان واحد إزاء القضايا الخطيرة.
وقد مهَّد لهذه الظاهرة الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري عليهما السلام ثم أرسى دعائمها وعمق أصولها المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف نفسه.
لقد كانت هذه الفترة المبكرة من عمل بقية الله عجل الله تعالى فرجه الشريف الأساس الضابط لحركة الفقهاء التنظيمية في الكيان الشيعي كما أن عمل آبائه عليهم السلام من قبل كان يشكل الأساس لحركة الفقهاء الفكرية والتربوية والسياسية في الأمة.
الامتحان الصعب للشيعة:
وبالغيبة الكبرى تعرض شيعة أهل البيت عليهم السلام إلى اصعب امتحان تعرضت له الأمم وهو أن تكون حركتهم كقواعد شعبية أو مواقع قيادية قائمة على الإيمان بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حيا في غيبته التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى، وولي للأمر يستمد منه الفقهاء شرعية موقعهم كمبيّنين لحكم الله في الوقائع الجديدة، وتستمد منه القواعد الشعبية شرعية رجوعها إليهم في ذلك.
وقد نجح والحمد لله الشيعة في هذا الابتلاء المبين وهو امتحان المحافظة على ما اخبر به الأنبياء عليهم السلام من كون المنقذ من ذرية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله
ووصيه علي عليه السلام ومن وَلَدِه الحسين عليه السلام وأن مستقره النجف ظهر الكوفة، بينما سقط غيرهم بامتحان أبسط منه، فقد سقط اليهود حينما لم يؤمنوا بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله عند بعثته وحين جعلوا المنقذ من ذرية داود عليه السلام وقالوا إنه لم يولد بعد وان مستقره جبل القدس في فلسطين، وسقط النصارى حيث لم يؤمنوا بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وجعلوا المنقذ هو عيسى عليه السلام كما سقط غيرهم حين قالوا: إنه لم يولد بعد، هذا مع بقاء اغلب النصوص التي تتحدث عن صفات المنقد وعهده الزاهر واضحة وغير محرفة في التوراة والإنجيل وكتب الحديث عند المسلمين.
الخصائص الأربعة للشيعة:
إن تنامي شيعة أهل البيت عليهم السلام وتوسعهم وانتشارهم قرنا بعد قرن حقيقة واضحة لا تخفى على أحد، و أوضح منها وأهم هو ثبات هؤلاء الشيعة على النهج الفكري والعلمي الذي رسمـه أهل البيت عليهم السلام لهـم ويتمثل ذلك بالظواهر التاليـة:
1. تمسكهم بالثقلين كتاب الله و عترة النبي صلى الله عليه وآله، الزهراء عليها السلام و أوصيائه الاثني عشر عليهم السلام ذلك التمسك الذي يترجمونه عمليا بأخذ معالم الدين عنهم واعتبار روايتهم للسنة النبوية هي الرواية الصحيحة إذا تعارضت مع رواية غيرهم، واعتبار سيرتهم هي سيرة النبي صلى الله عليه وآله.
2. رجوعهم في عصر الغيبة إلى الفقهاء العدول حملة علوم أهل البيت عليهم السلام يأخذون عنهم معالم دينهم ويحتكمون إليهم في قضاياهم.
3. حزنهم العميق على الحسين عليه السلام واقامة المآتم عليه بالشكل الذي بقيت معه ظلامة الحسين عليه السلام غضة طرية، وبراءتهم من قاتليه والسائرين على خطهم ومن يتولاهم وأشباههم.
4. إيمانهم بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حيا غائبا وانتظارهم لظهوره، وكون هذا الإيمان هو أساس التعامل اليومي للفقهاء حتى يتحركوا بصفتهم مبلغين عن الأئمة عليهم السلام أحكام الإسلام وللقواعد حين يرجعون إليهم لهذه الصفة.
وتترابط هذه الظواهر فيما بينها وتتعانق بشكل يجعل فصلها عن البعض الآخر انحرافا وتحريفا.
فالثقـلان: الكتاب والعترة أصل التشيع ومضمـونه.
وظاهرة الحزن ومجالس العزاء على الحسين عليه السلام وانتظار ابن الحسن العسكري المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يشكلان إطار حركة التشيع العامة نحو الهدف من وراء إنزال الكتاب الإلهي وهو إقامة الحياة الحرة الكريمة والعدل المطلق في البشرية كافة وذلك؛ لأنهم حملة أطروحة ذلك و المدافعون عنها و العاملون على نشرها.
أما الفقهاء فيمثلون قلب التشيع في عصر الغيبة وبدونهم تصبح الظواهر الأخرى شعارات مفرغة عن محتواها الأصيل وأوعية خالية تتقبل كل اتجاه.
والحزن على الحسين عليه السلام إذا لم يدفع صاحبه نحو أهل البيت عليهم السلام ليأخذ معالم دينه عنهم فلا قيمة له مهما كانت درجته عالية.
وانتظار الفرج والتمهيد إذا لم يكن قائما على أساس الرجوع إلى نواب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الفقهاء العدول لمعرفة الموقف من الحوادث الواقعة التي تتشكل بها حركة التمهيد التفصيلية ويربطها بالمحور الوارث فسيفقد مضامينه الأساسية التي تجعل منه تمهيدا صحيحا للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وكذلك لا يبقى معنى للتمسك بالثقلين إذا جردناه من اخذ معالم الدين عن أهل البيت عليهم السلام والاقتداء بنهجهم في الحياة.
وعلى هذا فكل اتجاه لتجريد التشيع من مضامينه الفكرية الآنفة الذكر والشيعة من خصائصهم الأصيلة المنبثقة عنها ومحاولة الفصل بينها وطرح التشيع ككيان بشري يأخذ من الزمان مضامينه ويتلون ويتشكل بحسب الظروف بحيث لا يجمع أبناءه إلا وراثة اسم هذا الكيان ولا يربط بينهم إلا العنوان الطائفي مخالف لمضمون التشيع الأصيل كل محاولة من هذا القبيل تعتبر اتجاها تحريفيا ينبغي الوقوف بوجهه.
الفقهاء موضع ثقة الأئمة عليهم السلام:
لقد كان الفقهاء العدول من أصحاب الأئمة عليهم السلام موضع ثقة الأئمة واحترامهم بهم يشيدون واليهم يشيرون، وكذلك كانوا موضع ثقة وعناية بقية الله الأعظم أرواحنا فداه في الغيبة الصغرى و أوجب الرجوع إليهم.
الفقهاء عماد حركة التشيع في الغيبة الكبرى:
وفي الغيبة الكبرى كان الفقهاء العدول رضي الله تعالى عنهم عماد حركة التشيع وعامل ثباته واستقامته على خط أهل البيت عليهم السلام وقدرته على
مواجهة المشكلات الفكرية والسياسية، فكانوا بذلك أساس نجاح الشيعة في الامتحان العسير بالغيبة بينما كان الأحبار والرهبان في بني إسرائيل وعلماء البلاط وأتباعهم في المسلمين أساس الانحراف حين ركنوا إلى الدنيا وكتموا الحقائق وحرفوها وحرموا حلال الله وحللوا حرامه واتّبعهم الناس على ذلك.
إنجازات الفقهاء في الغيبة الكبرى:
إن أعظم إنجازات الفقهاء خلال أحد عشر قرنا هو المحافظة على الكيان الذي أوجده أهل البيت عليهم السلام بنفس الخصائص التي بنوه عليها، وكانت وسيلتهم في ذلك الإصرار على التدريس وتربية الفقهاء ليواصلوا حمل الأمانة و إرشاد الناس مهما صعبت الأحوال عليهم و بفضل الله لم تخل هذه الحقبة الزمنية الطويلة من أكثر من فقيه ينهض بالعبء كلما خبا نجم بزغ نجم وقد أفرز الجهاد العلمي لفقهائنا رضي الله تعالى عنهم وتلامذتهم آلاف الكتب العلمية يتبوأ عدد منها موقع القمة في التراث البشري ككل.
إن الإيمان بالغيبة الكبرى والظهور مفردة كبيرة من مفردات الإيمان بالغيب التي بإمكانها أن تستوعب حقيقة عيش الإنسان الشيعي بحيث تطبع كل شيء في حياته الفردية والاجتماعية والسياسية بعنوانها وتفرض عليه أن يتشكل ويتحرك بحسب متطلباتها.
كما أن لهذا الإيمان الغيبي آثاره العبادية اليومية التي لا ينبغي أن يغفل عنها يوما واحدا أفضلها وأعلاها انتظار الفرج.
إن بإمكان المؤمن البصير أن يقوي مفهوم الانتظار وواقعه في حياته
بتصعيد ذكره للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وذلك بأن يسعى؛ لأن يجعل كل عمل يقوم به إعانة ووسيلة لتحقق الانتظار في حياته وأن يوظف كل الأعمال والأهداف لخدمة هذا الهدف الكبير.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن ثَبَتَ في طريق الولاء لأهل البيت عليهم السلام وطريق الانتظار والتمهيد لحجتك عليه السلام وممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بنا غيرنا.
***
البحث الثامن: فَجرُ عاشوراءَ ظُهورِ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿و الفَجرِ 1 ولَيالٍ عَشرٍ 2 والشَّفعِ والوترِ 3 واللَّيلِ إِذا يسرِ 4 هَل في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجرٍ 5﴾ .
تبوأ فجر عاشوراء في تاريخ البشرية مرات عديدة موقعا مفصليا في مسيرة الهدى والضلال يهمنا منها ثلاث هي:
الأولى ـ فجر عاشوراء آل إبراهيم عليه السلام في ذي الحجة حدود سنة2180ق.م:
وقد كشف عن أعلى درجات التسليم لله تعالى من عباده الأصفياء، جاء الحدث فيها لتوضيح الموقف من الممارسة الخاطئة التي ابتكرها أئمة الضلالة وضعاف النفوس بتقديم أطفالهم وبناتهم قرابين للأصنام فقدم النموذج الفريد بشاب يستطيع أن يهرب من أبيه ومن يعرف بأمره يعذره في الهرب ان أصر الأب على الأمر ولكن التجربة الفريدة هي أن الوالد
الذي أراه ربه في النوم كانه يذبح ولده وفهم منها أنه تكليف إلهي وطلب من ولده أن ينظر هل يستجيب أم يرفض وإذا رفض فلا سلطان له عليه، إنها الممارسة العبادية الواعية، بخلاف عادة تقديم الآباء أطفالهم أو بناتهم فإنها ممارسة عبادية جاهلية: لان الاطفال والبنات لا حول لهم ولا قوة إزاء آبائهم. ولم يرد اللهُ تعالى ان يذبح الأبُ ولدَه المطيع حقيقةً، بل كان اختبارا من الله تعالى لهما معا ليكشف عن أهليتهما للإمامة الهادية وقيادة الناس إلى الله تعالى.
وفدى الله تعالى إسماعيل عليه السلام بكبشٍ عظيمٍ في أروع مشهد يكشف عن التدخل الإلهي المحسوس ومنع تكوينيا من وقوع الذبح بمشهد كبش وحشي عظيم ينزل من أعلى الجبل يقصد التجمع البشري المحيط بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وينام إلى جنب إسماعيل عليه السلام ليكون بدلا عنه، مشهد يقطع العذر على أي منافق يخطر بباله أن مشهد الذبح كان صوريا.
وتحول مشهد الحزن بهذا التدخل الإلهي إلى السرور وأعلنت إمامة إبراهيم عليه السلام وإمامة ولده إسماعيل عليه السلام والأمة المسلمة من ذريته ابد الدهر﴿وإِذ يرفَعُ إِبراهيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيتِ وإِسماعيلُ رَبَّنا تَقَبَّل مِنّا إِنَّكَ أَنتَ السَّميعُ العَليمُ 127 رَبَّنا واجعَلنا مُسلِمَينِ لَكَ ومِن ذُرّيتِنا أُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ. . . 128 رَبَّنا وابعَث فيهِم رَسولا مِنهُم يتلوا عَلَيهِم آياتِكَ ويعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَةَ ويزَكّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزيزُ الحَكيمُ 129﴾ البقرة/127-129، ثم رزق الله إبراهيم عليه السلام باسحاق عليه السلام نبيا ومن وراء إسحاق يعقوب عليهما السلام ثم آل يعقوب يرثون الإمامة المؤقتة انتهت بنبوة عيسى عليه السلام لتتواصل إمامة الأمة المسلمة في ذرية
إسماعيل عليه السلام التي انتهت إلى محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أئمة أبد الدهر.
الثاني ـ فجر عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله في محرم سنة 60هـ:
وقد كشف عن اعلى درجات الثقة بوعد الله له بالفتح بعد الشهادة، كما في كتاب الحسين عليه السلام يوم العاشر إلى بني هاشم «أما بعد فمن لحق بي منكم استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح»، لقد فتح الله تعالى على الحسين عليه السلام وحقق له كل أهداف نهضته بعد شهادته، وكلف الله تعالى الحسين عليه السلام بواسطة جده النبي صلى الله عليه وآله في رؤيا أراه الله تعالى إياها إذ أراه بني أمية ينزون على منبره يبينون للناس دين محمدٍ صلى الله عليه وآله مقلوبا، دينا مبنيا على ولاية بني أمية وهم الشجرة الملعونة في القرآن ولعن علي عليه السلام وهو إمام الهدى بنص من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله، واسندوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله كذبا، وصدقت نبوءة علي عليه السلام فيهم:
(وإِنَّه سَيأتي عَلَيكُم مِن بعدي زمانٌ ليس فيه شيءٌ أخفى مِنَ الحقِّ ولا أظهرَ مِنَ الباطلِ ولا أكثرَ مِنَ الكذبِ على اللِه ورسولهِ وليس عند أهل ذلك الزمان أنفَقُ بيعا ولا أغلى ثمنا مِنَ الكتابِ إذا حُرِّفَ عَن مواضعِه، ولا في البلادِ شيءٌ أنكرَ مِنَ المعروفِ، ولا أعرفَ مِنَ المنكرِ… فلم يبقَ عندهم منه إلا اسمُه ولا يعرِفونَ إلا خطَّه وزَبرَه).(1)
فكان تكليف الله تعالى للحسين عليه السلام بواسطة جده النبي صلى الله عليه وآله هو
القيام ضد بني أمية حتى الشهادة (اخرج بقوم إلى الشهادة لا شهادة لهم الا معك)(1) قال تعالى: ﴿فَإِن يكفُر بِها هؤُلاءِ فَقَد وكَّلنا بِها قَوما لَيسوا بِها بِكافِرينَ﴾ الأنعام/89. فكانت فجر عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله حزنا ابد الدهر وفتحا أبد الدهر ، لقد تم تحرير دين النبي صلى الله عليه وآله من ضلالات بني أمية لمن أراد أن يتدين بدين النبي صلى الله عليه وآله، وتحررت الكوفة مركز مشروع علي عليه السلام في إحياء السنة النبوية من سيطرة بني أمية وتحطمت أصنامهم المعنوية فيها ورجعت تصدر للأمة ولاية أهل البيت عليهم السلام ولعن بني أمية أبد الدهر.
الثالث ـ فجر عاشوراء ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف التاسع من ذرية الحسين عليه السلام الثاني عشر من أوصياء محمد صلى الله عليه وآله :
ويكشف عن تحقق وعد الله بوراثة الأرض لأصفيائه ودينهم، قال تعالى: ﴿ولَقَد كَتَبنا في الزَّبورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يرِثُها عِبادي الصّالِحونَ﴾ الأنبياء/105 وقال: ﴿وعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وعَمِلوا الصّالِحاتِ لَيستَخلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَما استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم ولَيمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذي ارتَضى لَهُم ولَيبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنا يعبُدونَني لا يشرِكونَ بي شَيئا﴾ النور/55، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأها
عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما).(1)
إن فجر عاشوراء ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو فجرُ ايذانٍ بالحرب على أئمة الضلالة وأهل الجور الراضين بقتل الحسين عليه السلام وشيعته، الحرب عليهم لكسر الطوق عن أهل الحق واجتثاث أهل الباطل من على وجه الأرض وتخليص البشرية من ضلالتهم وجَورِهم. (أين الطالب بذحول الأنبياء وأولاد الأنبياء، أين المعدُّ لقطع دابر الظلمة، أين المرتقبُ لإزالة الأمت والعِوج). وهو يوم سرور بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في جو من الحزن على الحسين عليه السلام.(2)
وقد أشار الله تعالى الى الفجر الأول والليالي التي سبقته، وشفعه الموتور،
(2) روى الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب عن ابن زرارة عن البزنطي عن أبان عن كثير النواء عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي فأمر نوح عليه السلام من معه من الجن والإنس أن يصوموا ذلك اليوم، وقال أبو جعفر عليه السلام أتدرون ما هذا اليوم؟ هذا اليوم الذي تاب الله فيه على آدم وحواء، وهذا اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل فأغرق فرعون ومن معه وهذا اليوم الذي غلب فيه موسى عليه السلام فرعون وهذا اليوم الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام وهذا اليوم الذي تاب الله فيه على قوم يونس عليه السلام وهذا اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم عليهما السلام وهذا اليوم الذي يقوم فيه القائم عليه السلام). وفي كتب الفقه تفصيل لمسالة الصوم في يوم عاشوراء. وفي ضوء الرواية يتضح أن يوم عاشوراء يوم الحوادث المفصلية في تاريخ النبوات والبشر: 1. فجر عاشوراء الأول يوم توبة الله على آدم عليه السلام واصطفائه نبيا. 2. فجر عاشوراء الثاني يوم قتل هابيل عليه السلام. 3. فجر عاشوراء الثالث يوم الأخذ بثأر هابيل يوم استواء سفينة نوح عليه السلام على الجودي. 4. فجر عاشوراء الرابع يوم إقدام إبراهيم عليه السلام على ذبح ولده إسماعيل عليه السلام لرؤيا رآها ففداه الله بذبح عظيم. 5. فجر عاشوراء الخامس يوم ضرب موسى عليه السلام البحر بعصاه فأنجى بني إسرائيل وأغرق فرعون وجنوده. 6. فجر عاشوراء السادس يوم ولادة عيسى عليه السلام. 7. فجر عاشوراء السابع يوم عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله . 8. فجر عاشوراء الثامن يوم عاشوراء المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ابن الحسين عليه السلام للأخذ بثأر الحسين عليه السلام.
وفجره الثالث يوم الظهور:
ففي قوله تعالى:﴿والفجر 1 وليال عشر 2﴾ اشارة إلى الفجر الأول فجر آل إبراهيم عليه السلام.
وفي قوله تعالى﴿والشفع والوتر﴾ هي الفجر الثاني فجر عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله.
وقوله تعالى﴿والليل إذا يسر﴾ أي: والليل إذا ذهب، وهو الفجر الثالث فجر ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في مكة.
لقد اقترن فجر عاشوراء آل إبراهيم عليه السلام وفجر عاشوراء آل محمد صلى الله عليه وآله بالعبادة خاصة في الليالي العشر وكانت قمة العبادة ليلة العاشر فيهما معا لتعبئة النفس بالطاقة الروحية لمواجهة الحدث العظيم، وكذلك الفجر الثالث فجر عاشوراء ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سيقترن بالعبادة في الليالي العشر وقمتها ليلة العاشر لتعبئة النفس بالطاقة الروحية لمواجهةالظالمين بقيادة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
كانت ليلة عاشوراء فجر آل إبراهيم عليه السلام مشحونة بالعبادة لتعبئة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأمه أنفسهم لمواجهة الابتلاء العظيم، أَن
يذبح الأب الشيخ الذي رزق الولد على كبر وقد تعلق به لصلاحه، وأن يستجيب الولد الصالح في ريعان شبابه لأمر الله فيسلم نفسه للذبح بيد والده الحنون﴿ إِنَّ هذا لَهو البَلاءُ المُبينُ﴾ الصافات/106 .
وكانت ليلة عاشوراء فجر آل محمد صلى الله عليه وآله مشحونة بالعبادة وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار والصلاة لتعبئة الحسين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام وأصحابه والنساء لمواجهة حوادث الشهادة والصبر على بلاءٍ لا يقل عن بلاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بل هو أكثر ترويعا وإيلاما، (أوحى الله عز وجل إليه يا إبراهيم: من أحب خلقي إليك ؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأوحى الله إليه: أفهو أحب إليك أو نفسك ؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟. قال: يا رب، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد صلى الله عليه وآله ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش ويستوجبون بذلك سخطي فجزع إبراهيم عليه السلام لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليهما السلام وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب). (1)
وستكون ليلة ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهي ليست مجهولة من الشيعة في وقته؛ لأن الروايات أكدت أن السفياني حين يظهر ويعرف أمرُه يكون أمرُ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف معلوما عند الشيعة سرا، وأن ظهوره سيكون يوم العاشر من المحرم يوم السبت فتكون ليلة العاشر تلك ليلة سهر وعبادة خاصة، إذ لهيب الشوق المضطرم في نفوس المنتظرين لرؤية الطلعة الرشيدة وسماع البيان الأول سوف يؤرقهم ولن يسمح لهم بالنوم فيها، لهيبُ شوقٍ يستدر الدموع بعد الدموع موصولا بالحزن والبكاء على الحسين عليه السلام حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبيب المؤمنين.
وطال امتراء الشّوق عيني كلَّما
نزفت دموعا تستجدّ دموعُ(1)
***
البحث التاسع: خلاصة في علم الاستشراف المهدوي(1)
معنى علم الاستشراف المهدوي
الاستشراف لغة من قولهم استشرف فلان، أي: رفع رأسه ينظر إلى شيء(2).
والاستشراف المهدوي معناه توقع ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام المولود سنة 255هـ الذي يعتقد به الشيعة الاثنا عشرية وظهوره يؤذن بمرحلة جديدة في تاريخ البشر، بل يؤذن بالمرحلة النهائية للتاريخ، وهي مرحلة سيادة الحق وتصفية الحساب مع أمم الأنبياء عليهم السلام ووضع حد للظلم والجور والانحراف الذي يملأ الدنيا.
والعلم: هو الحقائق والقوانين والقواعد العامة التي تعتمد في تفسير الظواهر والتنبؤ بها وليس الرغبة أو العشوائية، كما في علم الأنواء الذي يتنبأ
بحالة الطقس وفق معطيات علمية.(1)
وهكذا يكون علم الاستشراف المهدوي هو مجموعة من الحقائق والقوانين والقواعد الإسلامية العامة التي تشخص لنا على نحو الاحتمال الفترة الزمنية المناسبة لظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهذه الحقائق والقوانين تنهض بها علوم عدة.
العلوم التي يتألف منها علم الاستشراف المهدوي:
يتألف علم الاستشراف المهدوي من علوم خمسة هي:
1.علم العقائد الإسلامية: علم تشخيص مفردات الوجود وروابطها مع بعضها وهي: الوجود الواجب: الله الخالق الرب، والوجود الممكن: مفردات عالم الخلقة الإنس والجن والحيوان وهدف الخلقة وكتب الله وملائكته والأنبياء وأوصياؤهم وأتباعهم، والشيطان وأولياؤه، واليوم الآخِر والجنة والنار، ومراحل سيرها إلى الله وإن القوة المؤثرة أولا وأخيرا في الوجود هو الله تعالى وإن الغلبة النهائية في المسيرة على الأرض لأولياء
(1) علم الأنواء: (هو علم دراسة الجو بهدف التنبؤ بظواهره، ويتألف هذا العلم من مجموعة من التخصصات العلمية التي تعنى بدراسة الغلاف الجوي التي تركز على أحوال الطقس والتنبؤات الجوية). والدراسات في هذا المجال تعود الى آلاف السنين، وقد شهد القرن التاسع عشر تقدما سريعا في علم الأرصاد الجوية بعد تطور شبكة مراقبة حالة الطقس (محطات الأرصاد الجوية وغيرها) في العديد من بلدان العالم. وفي النصف الأخير من القرن العشرين تحقق التقدم الكبير في التنبؤ بأحوال الطقس، وذلك بعد تطور جهاز الحاسب الالكتروني.
الله تعالى قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. الأنبياء/105.
2.علم المراحل المقدرة المحتومة لمسيرة البشرية التي أخبرت عنها كتب الأنبياء عليه السلام، وقد ذكرت هذه الكتب أن مراحل التاريخ البشري منذ اصطفاء الله آدم عليه السلام إلى يوم الحساب واستحقاق ذريته الجنة والنار انما هي عشرُ مراحل قدرها الله تعالى وحتمها قبل الخلق وهي:
الأولى: مرحلة آدم عليه السلام إلى وفاة إدريس عليه السلام.
الثانية: مرحلة الأوصياء بعد إدريس عليه السلام إلى وفاة نوح عليه السلام.
الثالثة: مرحلة أوصياء نوح عليه السلام إلى وفاة إبراهيم عليه السلام.
الرابعة: مرحلة إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وآل هارون عليهم السلام.
الخامسة: مرحلة داود وسليمان عليهما السلام وبناء بيت المقدس ووفاة سليمان عليه السلام.
السادسة: مرحلة عيسى عليه السلام وانشقاق بني اسرائيل إزاء دعوته إلى فريقين فريق مكذب وفريق مصدق مستضعَف، ثم انهيار دولة بني إسرائيل على يد الرومان وتشتت بني اسرائيل.
السابعة: تنتهي باصطفاء الأبرار من ذرية إبراهيم عليه السلام محمد صلى الله عليه وآلهوأهل بيته عليهم السلام.
الثامنة: تبدأ بإعطاء سيف للأبرار (محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام بعد الهجرة) لقتال جميع الكفار وفي آخرها يتم انتصارهم ويبنى البيت الأكبر لله تعالى.
التاسعة: ينكشف الحق لجميع الناس وتنتهي الحياة بالنفخة الأولى للصور.
العاشرة: تبدأ بالنفخة الثانية وقيام الناس للحساب إلى الجنة أو النار.
3.علم الملاحم والفتن (علم روايات علامات الظهور): وهي الملاحم والفتن التي أخبر عنها خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله والتي ستكون من بعده إلى آخر الدنيا، وقد شخص هذا العلم أن (المرحلة الثامنة) من مراحل التاريخ سوف تملؤها سبع فتن متعاقبة، سادستها فتنة الغرب، وسابعتها فتنة السفياني، وكلاهما سينتهي على يد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من آل محمد صلى الله عليه وآله ويرث المؤمنون في زمنه الأرض .
إن معطيات تلك العلوم الثلاثة يقينية غيبية تقوم على أساس نقد الوثيقة الغيبية والقرآن يفوز بأعلى درجات اليقين بصدوره ومعطياته العقائدية يليه المتواتر من السنة النبوية وتراث اهل البيت عليهم السلام.
4.علم التاريخ: هو العلم الذي يعنى بالحوادث التاريخية منذ بدء الحركة النبوية زمن آدم عليه السلام وإلى وقتنا الحاضر، ومصادرنا فيه هي كتب الأنبياء عليهم السلام وتراث الأمم القديمة والقرآن الكريم والآثار المادية والنقوش، والقرآن الكريم والثابت من روايات أهل البيت عليهم السلام حاكمة عليها على تفصيل قد يذكر في محله.
ومعطيات هذا العلم يقينية بقدر ما تستند إلى المعلومات التاريخية الثابتة في القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام والوثيقة المكتوبة الموثوق بها والنقل المتواتر.
5.علم الاستشراف السياسي: هو العلم الذي يعنى بدراسة الواقع السياسي المعاصر لتشخيص ظواهره وحوادثه المستقبلية المحتملة القريبة (أي خلال السنوات الخمس أو العشر القادمة التي تخيم على الواقع الساسي موضوع الاستـشراف). ومعطيات هذا العلم حدسية تخطئ وتصيب وتنطوي على مفاجئات ليست بالحساب.
آلية الارتباط بين العلوم المكونة لعلم الاستشراف المهدوي :
يؤدي (علم العقائد) إلى الإيمان بكتب الأنبياء عليهم السلام وتراثهم، ويمتلك القرآن الكريم والثابت من روايات أهل البيت عليهم السلام من بينها أعلى درجات الإيمان التفصيلي.
ويؤدي (علم مراحل التاريخ المقدرة الحتمية) المستفادة من كتب الأنبياء عليهم السلام والقرآن الكريم، وعلم الملاحم والفتن عن النبوة الخاتمة برواية أهل بيت النبوة عليهم السلام إلى تشخيص المقدار المحتوم من حوادث التاريخ.
ويؤدي (علم التاريخ) إلى تشخيص المنجز من المقدر المحتوم من بدء المسيرة إلى يومنا الراهن وواقعنا المعاصر وهو أواخر ذي الحجة من سنة 1437هـ، ويفيد : أننا نعيش شوطا متقدما من المرحلة الثامنة فقد مضى عليها الف وأربعمائة وسبع وثلاثون سنة ، ومن حوادثها غيبة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام المولود سنة 255هـ وقد مضى عليها ألف ومائة وست سنين، ومن حوادثها الفتنة السادسة التي
تحدث عنها النبي صلى الله عليه وآله التي جاءتنا من الغرب وهي قيام دولة الاسرائيليين الجدد، وبالربط بين المنجز من الحوادث الواقعة والحوادث المقدرة المحتومة نعرف الباقي وهو (الفتنة السابعة من الشام وظهور المسيح الكاذب في بيت المقدس)، وظهور المسيح الصادق عليه السلام في بيت المقدس أيضا وظهور المهدي الصادق عجل الله تعالى فرجه الشريف في مكة وانتهاء الفتنتين (السادسة والسابعة) ومن تسبب فيهما على يد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وقيام دولة العدل بقيادته وانتهاء المرحلة الثامنة من التاريخ المقدر المحتوم ، والانفتاح على المرحلة التاسعة منه برجعة علي بن أبي طالب عليه السلام وولده الأئمة عليهم السلام وبهم ينتهي التاريخ البشري على الأرض.
ويجيء دور (علم الاستشراف السياسي) فيثير لنا من خلال دراسته للواقع السياسي العالمي المعاصر وفي الشرق الأوسط بعد مرور مائة عام على (معاهدة سايكس بيكو) وتطلع (الشرق الأوسط) إلى (خريطة جديدة)، إذ ستنتهى دول وتختفي حدود وتنشأ دول جديدة بحدود جديدة، وأخطر هذه الدول الجديدة المحتمل قيامها هي دولة الخلافة الإسلامية الكبرى في الشام، ومن نافلة القول الاشارة إلى أن معطيات علم الاستشراف السياسي جهد بشري يقوم على الحدس والتحليل.
وياتي أخيرا (علم الاستشراف المهدوي) ليدرس تلك المعطيات ويشخص انسجامها مع علامات روايات علامات الظهور والمرحلة التي نمر بها، فيزيد من قوة الاحتمال وتشتد متابعة حركة الحوادث في الواقع السياسي أو يضعفه فيزول الاحتمال اساسا. وفي ضوء ذلك فإن نتائج علم الاستشراف المهدوي احتمالية وليست يقينية.
فائدة علم الاستشراف المهدوي :
قد يقول قائل: ما الفائدة من هذا العلم إذا لم تكن نتائجه قطعية؟
الجواب: ليس الميزان في الحياة البشرية العملية (القطعيات) دائما، فعلى سبيل المثال قد يلتقي شخص بالطبيب مصادفة ثم يفحصه فيحتمل الطبيب من خلال معطيات محسوسة أن الشخص مصاب بالسرطان بدرجة ثلاثين بالمائة، فهل سيهمل المريض هذا الاحتمال؟ بل هل سيهمل الطبيب نفسه هذا الاحتمال؟ أو سيبعثه إلى المختبر للفحص؟ ليس من شك أن الجواب المعقول هو الثاني فيذهب الشخص إلى المختبر للفحص لإزالة الاحتمال ويطمئن المريض والطبيب كلاهما أو تقوى درجة الاحتمال فتشتد المتابعة والفحص على مستوى أكثر دقة وتفصيلا ومن ثم تبدأ خطط العلاج الوقائي أو الاستئصالي.
ومن الحقائق التي ينبغي الالتفات إليها هو أن عالم الواقع هو عالم التدرج، بخلاف عالم الفكر فهو عالم الدفعة والفجأة، فعلى سبيل المثال إن الكرسي الذي يريد النجار الماهر الخبير أن يصنعه يبرز في ذهنه بشكله الكامل دفعة واحدة، أما على مستوى الواقع فإن صناعته تستغرق مدة من الزمن، ويتكامل بالدريج لدى النجار صنع الكرسي واقعيا.
كذلك في نطفة الإنسان، قد يكون صاحبها المستقبلي هو السفياني الشامي أخبث خلق الله في آخر الزمان، فإنه في مرحلته الجنينية المبكرة لا يتميز في الظاهر عن ذلك الجنين المقدر له أن يكون إنسانا عالما نافعا، بل أحيانا لا يتميز حتى عن الحيوان إلا بالفحص المختبري الدقيق، وحين يولد هذا الجنين لابد أن يولد في أسرة شامية حاقدة على الشيعة بل على
أهل البيت عليهم السلام(1) وكذلك في أجواء اجتماعية وسياسية يسود فيه ذلك المعتقد فتبرز شمائله الخبيثة تدريجيا حتى يتأكد في صورته النهائية الواردة في الروايات.(2)
وفي ضوء هذا المثال إذا ما شخّص المتخصص بعلم الاستشراف المهدوي حين يدرس الواقع الراهن في ضوء العلوم آنفة الذكر أنَّ احتمال الظهور قائم بنسبة الأربعين بالمائة فليس عليه إلا متابعة الحوادث عمليا حتى يزول الاحتمال فيسكن القلب ويبقى على حالة الانتظار العامة التي تدعو إليها الروايات أو ينمو فيقوى الانتظار وتشتد المتابعة؛ لأن الموضوع أخطر من حالة الإصابة بمرض السرطان، فالروايات تقول: إن السفياني
(1) مثاله ما رواه الحموي في معجم الادباء ج14 / ص128 عن شخص زار الشام في عصر المامون، قال المدائني: (أمر المأمون أحمد بن يوسف بإدخالي عليه فلما دخلت ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فحدثته فيه بأحاديث إلى أن ذكر لعن بني أمية له فقلت حدثني أبو سلمة المثنى بن عبد الله أخو محمد بن عبد الله الأنصاري قال: قال لي رجل: كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي عليا ولا حسنا ولا حسينا، وإنما أسمع معاوية ويزيد والوليد قال: فمررت برجل جالس على باب داره وقد عطشت فاستسقيته فقال: يا حسن اسقه فقلت له: أسميت حسنا فقال: إي والله إن لي أولادا أسماؤهم حسن وحسين وجعفر فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ولا يزال أحدنا يلعن ولده ويشتمه وإنما سميت أولادي بأسماء أعداء الله، فإذا لعنت إنما ألعن أعداء الله فقلت له: ظننتك خير أهل الشام وإذا جهنم ليس فيها شر منك، فقال المأمون: لا جرم قد ابتعث الله عليهم من يلعن أحياءهم وأمواتهم ويلعن من في أصلاب الرجال وأرحام النساء يعني الشيعة).
(2) روى الشيخ الصدوق عن حماد بن عثمان عن عمر بن يزيد قال: قال لي أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق، يقول: يا رب ثاري والنار يارب ثاري والنار وقد بلغ من خبثه أنه يدفن أم ولد له وهي حية مخافة أن تدل عليه). (كمال الدين: ص651).
حين يظهر في سوريا يخرج في رجب ثم يغزو جيشه الكوفة وكربلاء، وليس على الشيعة منه خطر في شعبان ولا في شهر رمضان وتشتد الخطورة بعد ذلك.(1)
والقطع أو الاطمئنان أن الشامي الخارج في رجب في سوريا هو السفياني الموعود يحتاج إلى متابعة مفصلة لوضع سوريا والحركات السياسية فيها ومعرفة قادتها ومنهجهم الفكري قبل ذلك بسنوات حتى يتكون توقع علمي لظهور السفياني.
كذلك التأكد من أن الشخص الذي بدأ يتحدث كثير من الشيعة أنهم رأوه في موسم الحج بعد ظهور أمر السفياني والصيحة هو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف محمد بن الحسن العسكري عليه السلام فإنه يتضح شيئا فشيئا لوجود رايات مشتبهة قبله ومعاصرة له ، وقد ورد في الرواية عن المفضل عن الإمام
(1) النعماني، الغيبة: ص313، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثنا علي بن الحسن التيملي في صفر سنة أربع وسبعين ومائتين، قال: حدثنا الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، قال: « سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول:. . . كفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك ؟ قال: يتغيب الرجل منكم عنه، فإن حنقه وشرهه فإنما هي على شيعتنا، وأما النساء فليس عليهن بأس إن شاء الله تعالى. قيل: فإلى أين يخرج الرجال ويهربون منه ؟ فقال: من أراد منهم أن يخرج، يخرج إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان، ثم قال: ما تصنعون بالمدينة، وإنما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكة فإنها مجمعكم، وإنما فتنته حمل امرأة: تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله». مختصر بصائر الدرجات،حسن بن سليمان الحلي: ص 179 ـ 180.
الصادق عليه السلام: (قال: يا مولاي فكيف يُدرى ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإن إليه التسليم، قال عليه السلام: يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين، فيعلو ذكره ويظهر أمره، وينادي باسمه وكنيته ونسبه ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين، والموافقين لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به)(1)، ويكون ظهوره يوم العاشر من المحرم يوم السبت أي: بعد ستة شهور من ظهور السفياني وتلاوته للبيان الأول وانتظاره الخسف بجيش السفياني المرسل إليه من الشام هي العلامة الفارقة النهائية.
وخلاصة الكلام في علم الاستشراف المهدوي:
إنه علم يربط بين روايات علامات الظهور ونتائج علم الاستشراف السياسي القريب للواقع المعاصر في العراق وإيران وسوريا وفلسطين والحجاز والعالم ، بعد تشخيص المرحلة التاريخية الراهنة من المسيرة التاريخية في ضوء المراحل الحتمية للتاريخ التي افرزتها كتب الأنبياء ، ويبدأ الربط بدرجة احتمالية بسيطة ثم يزداد بالشواهد وفائدة هذا العلم للمؤمنين المنتظرين في عصر الغيبة كفائدة الفحص الطبي من الطبيب قبل الفحص المختبري ، فهو الذي يشخص الحاجة إلى الفحص المختبري ومفرداته ومستوياته وهي أبسط الفوائد المرجوة من روايات علامات الظهور وأعلاها زيادة الإيمان بتراث إمامة أهل البيت عليهم السلام ومن ثم زيادة الإيمان بهم إذ أخبروا عن أمور تفصيلية لواقع يفصل بينهم
وبينه أكثر من ألف من السنين.
أيها القارئ الكريم بين يديك محاولة أولى في تأسيس علم الاستشراف المهدوي عرضتُ تسميتها سنة 1434هـ وكانت مسبوقة بتفكير عميق في موضوعها وقراءة لما كتب فيه ومتابعة وحوار وإلقاء لمحاضرات كثيرة استغرقت نيفا وخمسين سنة خلت، أي: منذ عام 1962م، أسال الله تعالى أن يتقبل مني ومن كل المشتغلين في العلوم الممهدة لهذا العلم الذين كتبوا تجاربهم في تطبيق الروايات على واقعها، وأن يرينا الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة ويجعلنا ممن ينتصر به لدينه إنه سميع مجيب.
بدأت بكتابة هذه الخلاصة في النجف الأشرف (الكوفة الكبيرة) بلد حوزة الإمام الصادق عليه السلام (الأصل) في يوم الأحد الموافق 17 ذي القعدة/1437هـ، وانتهيت منها مساء الخميس الموافق 21 ذي القعدة/1437هـ في قم (الكوفة الصغيرة) بلد حوزة الامام الصادق عليه السلام (الفرع) حماهما الله من شر الحوادث إلى ظهور ولي أمره المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وألقيتها على مجموعة من المعنيين في المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام في مدينة قم ثم جددت النظر فيها في 16 ذي الحجة 1437هـ في النجف الأشرف ظهر الكوفة الكبيرة ولا زلنا نعيش أجواء فتوى المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الأشرف بالجهاد الدفاعي وانتصاراتها ضد الدواعش الذين كان يقول ناطقهم(1) إنهم
(1) المدعو أبو محمد العدناني هو «طه صبحي فلاحة» المتحدث الرسمي باسم تنظيم داعش، ولد عام 1977 في بلدة بنش قرب مدينة سراقب في محافظة إدلب السورية، سكن في قضاء حديثة في محافظة الأنبار في غرب العراق. وفي 30 أغسطس 2016 أعلنت وكالة أعماق الإخبارية مقتله أثناء مشاركته في أحدى المعارك بحلب. وقد قال هذا الناصبي الشامي الناطق باسم (داعش) في كلمة بثتها أو مقاطع منها بعض القنوات الفضائية وكذلك انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة التابعة للتنظيم (داعش) الإرهابي في رسالة مفتوحة وجهها إلى رئيس الوزراء في حينها المالكي: «لقد أضعت على قومك فرصة تاريخية بالسيطرة على العراق ولتلعنك الروافض ما بقيت لهم باقية، حقا إن بيننا تصفية للحساب صدقت وانت الكذوب حساب ثقيل طويل ولكن تصفية الحساب لن يكون في سامراء أو بغداد وإنما في كربلاء المنجسة والنجف الأشرك وانتظروا».
يستهدفون النجف وكربلاء حماهما الله وكل بلاد العراق من شرهم ورد كيدهم إلى نحورهم، اللهم أرنا نصرك الذي وعدتَ واجعلنا ممن تنتصر به لدينك إنك سميع مجيب.
مخطط البحث
يتألف البحث من أبواب ثلاثة:
الباب الأول: علم الحوادث المقدرة المحتومة = علم حتميات التاريخ
تعريفات، التاريخ، الحوادث البشرية، الحوادث الإلهية، علوم أربعة:
الفصل الأول: دين الله يؤخذ من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بعده.
الفصل الثاني: علم العقيدة وطرق الاستدلال.
الفصل الثالث: وثائق علم حتميات التاريخ وفيه مباحث:
المبحث الأول: نبوءات كتاب أَخنوخ.
المبحث الثاني : نبوءات القرآن كتاب محمد صلى الله عليه وآله
المبحث الثالث : نبوءات محمد صلى الله عليه وآله في احاديثه عن الملاحم والفتن.
الباب الثاني: علم الحوادث الواقعة من بعثة آدم عليه السلام إلى زماننا = علم التاريخ.
الفصل الأول: علم التاريخ القديم: موضوعه تاريخ النبوات الأولى والنبوات الإسرائيلية.
الفصل الثاني: علم التاريخ الإسلامي: موضوعه تاريخ الدولة الإسلامية التي أسسها خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله إلى سقوط آخر دولتين إسلاميتين سنة 1914م ـ 1924م على يد أوروبا العلمانية.
الفصل الثالث: علم التاريخ الحديث: موضوعه تاريخ أوروبا والغرب وغزوها للعالم الإسلامي وقيام الأنظمة الموالية لها وقيام دولة إسرائيل (من الحرب العالمية الأولى وسقوط ممالك الدولة العثمانية 1914م والقاجارية 1918م بيد أوروبا العلمانية والإلحادية منذ 1914م ـ1917م).
الفصل الرابع: علم التاريخ المعاصر: موضوعه تاريخ دولة الفقيه من قم من سنة 1979م التي حررت إيران من النفوذ الغربي الأوروبي الدولة التي شن الغرب عليها من خلال العراق ودعم الدول العربية أطول وأعنف حرب بعد الحرب العالمية الثانية، وفتح قيام دولة الفقيه من قم الباب لمرحلة جديدة في تاريخ الأمة الإسلامية، يليها دولة العراق المعاصر من سنة 2003م الذي تحكمه القوى الثلاث لأول مرة في تاريخه الحديث، يليه دول العالم العربي والعالم الإسلامي المعاصر.
الباب الثالث: علم الحوادث المتوقعة = علم المستقبل.
الفصل الأول: علم المستقبل القريب (علم الاستشراف السياسي):
موضوعه الحوادث المحتملة للسنوات الخمس او العشر القادمة.
الفصل الثاني: علم المستقبل النهائي لحركة التاريخ (علم الاستشراف المهدوي): موضوعه الحوادث المحتومة المتوقعة التي تشكل نهاية التاريخ وتعرف هذه الحوادث بالربط بين علم حتميات التاريخ وعلم التاريخ، وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: نبوءات النبوات الأولى وتحققها.
المبحث الثاني: نبوءات النبوات الإسرائيلية وتحققها.
المبحث الثالث: نبوءات النبوة الخاتمة للقرون الهجرية السبعة الأولى.
المبحث الرابع: نبوءات النبوة الخاتمة لعلامات الظهور القريبة.
المبحث الخامس: نبوءات النبوة الخاتمة لحوادث سنة الظهور وتسلسلها.
الفصل الثالث: تطبيقات احتمالية لروايات علامات الظهور على الواقع السياسي ومحتملاته التي يقدمها علم الاستشراف السياسي.
***
فهرس المصادر
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
- العهد القديم والجديد، مجمع الكنائس الشرقية.
- ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة، 1422هـ.
- ابن حجر، القول المختصر، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، 1987م.
- ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر ـ بيروت.
- ابن طولون، الأئمة الإثني عشر، منشورات الشريف الرضي، 1405هـ.
- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، دار الكتب العلمية، 1398هـ.
- ابن عدي، الكامل، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان، 1409هـ.
- ابن قولويه، كامل الزيارات، مؤسسة نشر الفقاهة، 1416هـ.
- ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، 2001م.
- أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني، ط. دار إحياء التراث العربي.
- أبو داود، مسند ابي داود، دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان.
- أحمد بن حنبل، مسند الامام احمد بن حنبل، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، 1429 ـ 2008.
- احمد محمود صبحي، في فلسفة التأريخ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1994م.
- الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمة، دار الأضواء ـ بيروت ـ لبنان، 1405هـ.
- الأشعري القمي، المقالات والفرق، مركز انتشارات علمى و فرهنگى، 1360ش.
- البدري، السيرة النبوية، دار الفقه للطباعة، 1426هـ.
- البدري، سامي، النجف مرسى سفينة نوح، مجلة تراث النجف، العدد الأول، 2009.
- الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان، 1403هـ.
- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، الشركة العالمية للكتاب، بيروت لبنان 1994م.
- الجويني، فرائد السمطين، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، 1398هـ.
- الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية.
- حسني حداد، الصهيونية المسيحية في أميركا، مجلة شؤون فلسطينية العدوان 92ـ93 10/9/1990.
- الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات، تحقيق: مشتاق مظفر، مؤسسة النشر الإسلامي.
- الحويزي، تفسير نور الثقلين، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع ـ قم، 1412.
- الخوئي، معجم رجال الحديث، مكتب المرجع، 1413هـ.
- دروزة، محمد، تاريخ الجنس العربي، بيروت الطبعة الأولى 1376هـ ـ 1957م.
- الرازي، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1371هـ.
- سبط بن الجوزي الحنبلي، تذكرة الخواص، منشورات الشريف الرضى ـ قم، 1418هـ.
- السهيلى، الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية، دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان، 1409هـ.
- السيد ابن طاووس، الاقبال، شركة الأعلمي للمطبوعات، 1996م.
- السيد هاشم البحراني، حلية الأبرار، مؤسسة المعارف الإسلامية ـ قم ـ ايران، 1411هـ.
- الشافعي، محمد بن طلحة، مطالب السؤول، مؤسسة البلاغ، 1999م.
- شمس الدين، محمد مهدي، العلمانية، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر 1996م.
- الصادقي الطهراني، محمد، رسول الإسلام في الكتب السماوية، شكرانه، 1437هـ.
- الصافي، منتخب الأثر، مكتب الشيخ الصافي، 1422هـ.
- الصدر، محمد باقر، بحث حول المهدي (ع)، ط دار التعارف.
- الصدوق، إكمال الدين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1405هـ.
- الصدوق، علل الشرائع، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف، 1385هـ.
- الصدوق، عيون اخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان، 1404هـ.
- الصفار، بصائر الدرجات، منشورات الاعلمي ـ طهران.
- الطباطبائي، تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1402هـ.
- الطبرسي، الفضل بن الحسن، اعلام الورى باعلام الهدى.
- الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان، 1415 ـ 1995م.
- طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، دار الوراق، 2009.
- الطوسي، الغيبة، مؤسسة المعارف الإسلامية ـ قم المقدسة، 1411هـ.
- العاملي، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان، 1403هـ.
- العياشي، تفسير العياشي، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ـ قم المشرفة، 1417هـ.
- الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران، 1416هـ.
- قاموس ويبستر دائرة المعارف البريطانية.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت 1405هـ.
- القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر ـ قم ـ ايران 1404هـ.
- القندوزي الحنفي، ينابيع المودة، دار الأسوة للطباعة والنشر، 1417هـ.
- الكردفاني، عبد القادر، سعادة المهتدي بسيرة الإمام المهدي، إسماعيل، تحقيق د. محمد إبراهيم أبو سليم ط1 سنة 1972 بيروت.
- الكليني، الكافي، طهران ـ دار الكتب الإسلامية، 1407هـ. ق.
- المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ لبنان، 1403.
- المحب الطبري، ذخائر العقبى، مكتبة القدسي لصاحبها حسام الدين القدسي ـ القاهرة، 1356هـ.
- محمد السماك، الخليج في الطريق إلى هرمجيدون، جريدة السفير 10/9/1990.
- المفيد، الارشاد، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان، 1414هـ.
- المهدي السوداني، الآثار الكاملة للإمام المهدي (السوداني)، جامعة الخرطوم للنشر، جامعة الخرطوم، 1990.
- الموسوعة البريطانية قسم الماكروبيديا.
- مونت كمري واط، محمد في مكة، ترجمة: بركات شعبان، الناشر المكتبة العصرية، صيدا 1952.
- النجاشي، فهرست اسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1416هـ.
- نديم البيطار، الإيديولوجية الانقلابية، بيسان للنشر والتوزيع، 2000م.
- نصر بن مزاحم، وقعة صفين، المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع ـ القاهرة، 1382هـ.
- النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، انوار الهدى، 1422هـ.
- نعيم بن حماد المروزي، الفتن، دار الفكر للطبع والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان.
- النوبختي، فرق الشيعة، دار الأضواء ـ بيروت، 1404هـ.
- النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم، دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان.
- يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي (رسالة دكتوراه)، مركز دراسات الوحدة العربية 2000م.
تم بحمد الله
- مقدمة المركز
-
البحث الأول:حول المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف والأطروحة الإلهية لآخر الزمان
- ارتباط قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بنهاية حركة التاريخ:
- الأفق المتفق عليه بين أهل الديانات السماوية الثلاث حول نهاية التاريخ:
- اختلاف المسلمين عن النصارى واليهود في هوية القائد الإلهي الموعود وكتابه:
- اختلاف الشيعة عن السنة في قضية القائد الموعود:
- الغيبة لا تعني تعطيل العمل بالأحكام الإسلامية
- علامات الظهور:
- الأساس الموضوعي لتمييز الصادق الذي يدعي المهدوية من الكاذب:
- خصائص دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المرتقبة
- مشروع انتظار القائد الموعود عند اليهود والمسيحيين:
- مشروع الحوار بين المسلمين حول المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف:
-
البحث الثاني: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن والتوراة والإنجيل
- أولا: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن الكريم:
- طريقة القرآن الكريم في بيان معارفه:
- نماذج من الآيات في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف :
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في سورة الأنبياء:
- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ :
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْم عَابِدِينَ﴾ :
- المشابهة بين نوح عليه السلام وبين خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله:
- ثانياـ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في أسفار العهد القديم:
- ثالثاـ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريففي العهد الجديد:
- أولا: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في القرآن الكريم:
-
البحث الثالث: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو التاسع من ذرية الحسين عليه السلام نظير نوح عليه السلام التاسع من ذرية آدم عليه السلام
- مشهد التناظر بين آدم عليه السلام و الحسين عليه السلام:
- أوصياء آدم عليه السلام:
- أوصياء الحسين عليه السلام من ذريته:
- الأرض التي تحرك عليها آدم عليه السلاموأوصياؤه التسعة هي السهل الرسوبي من العراق:
- الأرض التي تحرك عليها الحسين عليه السلام والأئمة التسعة من ذريته عليهم السلام هي السهل الرسوبي من العراق أيضا
- التاسع من ذرية آدم عليه السلام يستقر في الكوفة ويبني الحياة الجديدة:
- التاسع من ذرية الحسين عليه السلام صاحب العمر الطويل يستقر في الكوفة:
- البحث الرابع: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الطالب بدم الحسين عليه السلام
-
البحث الخامس: المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المنتظر والغرب
- تمهيد:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كما تعرضه المصادر الشيعية:
- الغرب كما يعرض نفسه ويراه العالم:
- الانحراف الفكري و مواجهته إلهياً:
- علم الشيخوخة (Gerontology):
- علم الآثار القديمة (Archaeology):
- هل سيستخدم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وسائل الإثبات الاركيولوجية لإثبات عمره الطويل؟
- كيف تصون العقيدة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الشيعة في عصر الغيبة من الانبهار بالغرب؟
-
البحث السادس: الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
- المقدمة
- المبحث الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام
- نص الشبهة:
- الرد على الشبهة:
- القضية الأولى: قضية تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام
- قال النوبختي في فرق الشيعة:
- وقال الأشعري القمي في (المقالات والفرق):
- أقول ويتضح من القراءة السريعة:
- ما نقله الشيخ المفيد(تـ 413 هـ) عن كتاب فرق الشيعة:
- ما ذكره الشيخ أبو سهل النوبختي:
- ما ذكره الشيخ الصدوق:
- ما ذكره الذهبي 748 هـ:
- ما ذكره ابن حزم ت 548 هـ:
- ما ذكر ه الأشعري السني في كتابه المؤلَّف سنة 297 هـ:
- القضية الثانية: قضية الحيرة في بدء الغيبة الكبرى
- أقول:
- المبحث الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين عليهما السلام لا تكون في أخوين
- المبحث الثالث: روايات أهل البيت عليهم السلام في تشخيص هوية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
- نص الشبهة
- الرد على الشبهة
- تعليق الشيخ أبي سهل النوبختي على أخبار الغيبتين:
- تعليق النعماني على أخبار الغيبتين:
- تعليق الشيخ الصدوق على أخبار الغيبة:
- تعليق الطبرسي في إعلام الورى على أخبار الغيبة:
- روايات المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في كتب الشيعة الأقدمين:
- روايات الحسن بن محبوب السّرّاد ومعاصريه في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الغيبة الكبرى:
- الغيبتان:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمةعليهم السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الحسين عليه السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الصادق عليه السلام
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام وهو من ذرية الكاظم عليه السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الرضا عليه السلام:
- علامات ظهوره و سيرته عليه السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في روايات اهل السنة:
- طرف من كتاب الملاحم لنعيم بن حماد
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من أهل البيت عليهم السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية فاطمة عليها السلام:
- المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من ذرية الحسين عليه السلام:
- رواياته عن الإمام علي عليه السلام في الملاحم:
- روياته عن ابن عباس في الملاحم:
- رواياته عن الإمام الباقر عليه السلام في الملاحم:
- خروج المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في مكة:
- الدجال:
- الإمام الباقر عليه السلام يخبر بعذاب القذف والخسف:
- أقول:
- الأمر الأول:
- الأمر الثاني:
- المبحث الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
- استدلال أبي سهل النوبختي:
- فيقال لهم:
- رد ابن قبة (ت قبل سنة 319هـ) على ابن بشار:
- كلام ابن بشار:
- رد ابن قبة:
- كلام ابن قبة في الغيبة:
- كلام ابن قبة في فساد أمر جعفر:
- رد ابن قبة على خاتمة كتاب ابن بشار:
- دعاؤه للخصم بالهداية:
- استدلال آخر:
- كلمتنا حول منهج إثبات وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف:
- المبحث الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف هو ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام
- المبحث السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
- فهرس المصادر
