هجمات الدولة السعوديةالأولى على العراق

خلاصة بهجمات الدولة السعودية الاولى على العراق وتسلسل الحوادث

  • 1158/1745قيام الدولة السعودية الاولى في الدرعية / نجد .
  • 1210سقوط الاحساء بيد الوهابيين.
  • 1203- 1210 الهجمات الوهابية على عشائر المنتفق .
  • 1213حملة ثويني امير المنتفك الى الحجاز وفشلها.
  • 1214تصدي الخزاعل للوهابيين .
  • 1801 هجوم الوهابيين على مدينة عانه.
  • 1216/1802هجوم الوهابيين على كربلاء والنجف .
  • 17رمضان /1218جمعة 30/12/ 1803 قتل  عبد العزيز بن سعود
  • 1218 هجمات سعود بن عبد العزيز الانتقامية من بادية العراق والبصرة والمنتفق لظنه ان القتل بتدبير والي بغداد .
  • 8/2/ 1221-  26/4/ 1806 هجوم وهابي مفاجئ على النجف
  • 1816 بدء حملة ابراهيم بن محمد علي باشا المصرية على نجد .
  • 1818م /1233هـ سقوط الدرعية ونهاية الدولة السعودية الاولى التي عمرت ثلاثا وسبعين سنة ..

اتسعت رقعة الدولة الوهابية داخل الجزيرة العربية بضم الاحساء بما فيها (شرق الاحساء التي تحتوي على اربعين قرية انذاك) (المنطقة الشرقية الشيعية) الى نجد (1210هـ) وتنامي هجمات ال سعود على عشائر المنتفق التي كانت تقوم بمساندة الثائرين ضد ال سعود (1203-1210).فكلف السلطان العثماني واليه المملوكي سليمان باشا في بغداد يامره بالزحف على الدرعية والقضاء عليها، وراى سليمان ان يرمي ال سعود بعرب العراق الذين لم يقبلوا مبادئ الدعوة السلفية فافرج عن ثويني[1] واسند اليه امارة المنتفق بدلا من حمود بن تامر وعقد له لواء حرب ال سعود ، وجمع جيشا من المنتفق واهل الزبير والبصرة والعناصر الساخطة من بني خالد ، ولم يتجه ثويني الى الدرعية بل اتجه الى الاحساء لوجود زعيمين من زعماء بني خالد معه وهما من قادة الاحساء الموتورين من ال سعود وكون الاحساء مركز تموين للجيش لو طالت الحرب مع ال سعود،  وقُتِل ثويني غدرا على يد بعض عبيد بني خالد[2]ورجع جيشه الى العراق . واستمر ال سعود في هجومهم على العراق بعد فشل حملة ثويني فهاجم الامير سعود سوقَ الشيوخ والسماوةَ ووصل الى قرية ام العباس وقتل كثيرا من اهلها ونهب اموالها وحرق الكثير من دورها .

ووصلت سليمان باشا اوامر مشددة من الباب العالي تامره باعداد حملة قوية القضاء على الخطر السعودي، كلف سليمان كخياه علي باشا المملوكي الكرجي وجهزت الحملة من الجنود المدربين وقوة العشائر الكردية والعربية وقبائل الخزاعل الشيعة ، وقد شاهد (هارفورد جونز) الوكيل الانكليزي في بغداد الاستعدادات الضخمة في العاصمة لهذه الحملة لدى وصوله اليها في اوائل سبتمبر 1798/ربيع اول /1213هـ حيث كانت تعسكر خارج بغداد على الضفة الغربية من نهر دجلة. وقد تضاعف عدد الحملة اثناء تقدمها صوب الجنوب بانضمام اهل الزبير وسكان المحمرة والبصرة وعشائر المنتفق وبوادي شمر والظفير لها (ص210)، وقد اتجهت كسابقتها الى الاحساء وليس الى الدرعية بسبب كونها بلد كثير الخير كالبصرة في كثرة الطعام والاشجار والانهار والرز .وقد انقسمت عند البصرة الى فريقين فريق الفرسان مع علي باشا عن طريق البر قاصدا الاحساء وفريق المشاة والمدفعية والمعدات والذخائر الثقيلة تنقل عن طريق البحر بمعاونة الكويت والبحرين فقد كانوا انذاك من اعداء ال سعود وتجاوب شيعة الاحساء مع هذه الحملة ، وصمد السعوديون وفشلت الحملة في تحقيق النصر ، وعادت ومعها من تعاون من اهل الاحساء خوفا من عقاب ال سعود لهم ، ولحقت بهم قوات الامير سعود بن عبد العزيز على (ماء تاج) وكانت قوات (علي كخيا) قد نزلت على (ماء الشباك) قريبا منه ثم حصلت مفاوضات ورجع (علي كخيا) وكان ذلك مشجعا لال سعود على استمرار حملاتهم على اطراف العراق .

لم يطل الصلح بين (ال سعود) و(علي كخيا) كثيرا فقد حدث في سنة 1214هـ /1799م ان تصدت قبيلة الخزاعل الشيعية على بعض اتباع ال سعود بالقرب من النجف وقتلت منهم حوالي ثلاثمائة رجل [3] فاستغل امير الدرعية هذا الحادث وارسل يحتج لدى والي بغداد ، فكلف والي بغداد عبد العزيز بن عبد الله الشاوي بالمرور على الدرعية ومباحثة الامير عبد العزيز ووالده سعود ولم ينجح المبعوث في مهمته وراى ان سلطات الدرعية تصر على ان يكون لها غربي الفرات من عانة الى البصرة [4]. وقال له الامير سعود (اما كفى الوزير اننا تاركوه يحكم في بغداد والله عن قريب ترى جميع غرب الفرات لنا وشرقيه)[5]وعاد الشاوي الى العراق وقد اقتنع بالمبادئ السلفية وصار داعية لها [6]. وعادت القوات السعودية تهاجم اطراف العراق .

هجوم الوهابيين على بلدة عانه في عام 1801 ونهبوا بعض بيوتها وقتلوا أربعين شخصاً من سكانها ، ثم أغاروا بعدئذ على كبيسه ولكن عشيرة العبيد قاتلتهم فولوا الأدبار .

هجوم الوهابيين على كربلاء في 18ذي الحجة سنة 1216هـ /20/4/ 1802م [7].

قُتلَ ( عبد العزيز بن سعود) في يوم 17رمضان /1218جمعة 30/12/ 1803 من قبل شخص أفغاني الأصل كان يُقيم في بغداد أسمه ( ملا عثمان) قيل إنه نذر نفسهُ للدفاع عن الإسلام وعزم أن يقتل رئيس الوهابيين ، وقيل في رواية أخرى إنه من اهل كربلاء وأنه كان فيها إثناء غزو الوهابيين لها وشهدَ بأم عينيه كيف ذبحوا زوجتهُ وأطفاله فأقسم َ على الانتقام ، ومهما يكن الحال فقد ذهبَ ملا عثمان الى (الدرعيه) عاصمة الوهابيين وهو بزي درويش فأختلط بهم حتى اطمأنوا اليه ووثقوا بهِ فكان يُصلي في الصف الثالث في صلاة الجماعة وراء الأمير عبد العزيز بن سعود مباشرة وفي يوم الجمعة المذكور أنتهز الفرصة إثناء الركوع فألقى بنفسهِ على الأمير وطعنهُ بمديةٍ اخترقت بطنهُ من الخلف ، ولم يكتف بذلك بل طعنَّ عبد الله شقيق الأمير وكان يصلي بجانب شقيقه فجرحهُ جرحاً بليغاً ولكن هذا أسرع ورغم إصابته وهوى على القاتل بسيفهِ فقتلهُ ..

وتولى إمارة الوهابيين بعد عبد العزيز أبنه سعود ، وقد عزم على الانتقام لأنه ظنَّ إن القتل جرى بتحريض من والي بغداد ، فأغار على عشيرة الظفير وكانت منتشرة في البادية بموسم الربيع ونهبها نهبا ، ثم توجه نحو البصرة فهدم الجانب الجنوبي وقتل الكثيرين ، أغار على جماعة من المنتفق كانوا قرب البصرة وقتل منهم وأسر رئيسهم منصور بن ثامر السعدون وحاصر بعد ذلك الزبير لمدة اثني عشر يوما وأجهضوا الحوامل وحصد الوهابيون المحاصيل الزراعية وكانت قد نضجت ، ثم هدموا جميع القبور والمشاهد الموجودة خارج السور كمشهد طلحة بن الزبير والحسن البصري ثم عادوا من حيث أتوا ، واستمر الحال هكذا كل موسم ربيع تقريباً،

وفي أواخر نيسان من عام 1806 جاءت الأنباء إلى اهل النجف بأن الوهابيين قادمون لغزوها ، فأخذ الكثيرون من الناس يهربون من البلدة مخافة ان يفعل الوهابيون بها مثلما فعلى بكربلاء قبل أربعة أعوام ، وفي الليلة التاسعة من صفر سنة 1221 هجريه قبل الصبحِ بساعة هجم الوهابيون على النجف حتى ان بعض اصحابهِ صعدوا السور وقد أوشكوا ان ينجحون في غارتهم المفاجئة لولا ان عالجهم النجفيون من السور فكسروهم شر كسرة .

في عام اثنين وعشرين ومائتين وألف للهجرة (1222هـ) صدر أول أمر لحاكم مصر محمد علي [8]لإعداد حملة عسكرية، وتوجيهها إلى الجزيرة العربية، لاستعادة الحجاز والقضاء على الـدولة السعودية الأولى في عقر دارها، وفي عام ستة وعشرين ومائتين وألف للهجرة (1226هـ) جند لها محمد علي كـافة طاقاته، ولكنها لم تحقق النجاح الذي كان يرجوه، ولذا فقد أخذ في تجهيز حملة جديدة لمحاربة السعوديين، فجهزها في مدة تربو على ستة أشهر.

بداية جمادى الأولى عام ألف مائتين واثنين وثلاثين للهجرة (1232هـ) ، نقل الباحث الروسي في كتابه عن تاريخ المملكة العربية السعودي ما جاء في التقارير الموثوقة [9] قال:[ يقول كاتب التقرير : (رأينا مؤخرا في المصير الرهيب الذي كان من نصيب ضريح الإمام الحسين مثالا مرعبا على قساوة تعصب الوهابيين . فمن المعروف أنه تجمعت في هذه المدينة ثروات لاتعد ولا تحصى وربما لايوجد لها مثيل في كنوز الشاه الفارسي . لأنه كانت تتوارد على ضريح الحسين طوال عدة قرون هدايا من الفضة والذهب والأحجار الكريمة وعدد كبير من التحف النادرة … وحتى تيمورلنك صفح عن هذه الحضرة ، وكان الجميع يعرفون أن نادر شاه قد نقل إلى ضريح الإمام الحسين وضريح الإمام على قسما كبيرا من الغنائم الوافرة التي جلبها من حملته على الهند 1738م /1152هـ وقدم معه ثروته الشخصية ، وها هي الثروات الهائلة التي تجمعت في الضريح الأول تثير شهية الوهابيين وجشعهم منذ أمد طويل .. فقد كانوا دوما يحلمون بنهب هذه المدينة وكانوا واثقين من نجاحهم لدرجة أن دائنيهم حددوا موعد تسديد الديون في ذلك اليوم السعيد الذي تتحقق فيه أحلامهم .

وها قد حل هذا اليوم في الأخير ، وهو 20 نيسان (إبريل) 1802 . فقد هجم 12 ألف وهابي فجأة على ضريح الإمام الحسين . وبعد أن استولوا على الغنائم الهائلة التي لم تحمل لهم مثلها أكبر الانتصارات تركوا كل ما تبقى للنار والسيف … وهلك العجزة والأطفال والنساء جميعا بسيوف هؤلاء البرابرة . وكانت قساوتهم لا تشبع ولا ترتوي فلم يتوقفوا عن القتل حتى سالت الدماء أنهارا … وبنتيجة هذه الكارثة الدموية هلك أكثر من أربعة آلاف شخص … ونقل الوهابيون ما نهبوه على أكثر من أربعة آلاف جمل . وبعد النهب والقتل دمروا كذلك ضريح الإمام وحولوه إلى كومة من الأقذار والدماء . وحطموا خصوصا المنائر والقباب لأنهم يعتقدون بأن الطابوق الذي بنيت منه مصبوب من ذهب) .

وبنفس هذه الصيغة تقريبا يصف ( ف. منجين ) تدمير كربلاء ولكنه يقول: أن الوهابيين أقدموا على مجزرة في المدينة ، غير أنهم رأفوا بالنساء والأطفال والشيوخ والمعجزة . ودمروا قبة ضريح الحسين . وحصل الوهابيون على أغنى الغنائم ، ومنها سيوف مرصعة بالأحجار الكريمة ، ولؤلؤة هائلة بحجم بيضة الحمام . وقد استأثر سعود شخصيا بالسيوف واللؤلؤة . واستولوا كذلك على مزهريات وفوانيس من المعادن النفيسة وحل ذهبية ملبسة على الجدران وسجاجيد فارسية ونحاس ملبس بالذهب من السطوح . ووقعت في أيدي الوهابيين كذلك احتياطات فوطات كشمير والأقمشة الهندية وألفان من السيوف العادية وألفان وخمسمائة بندقية وعبيد سود ومبالغ هائلة من النقود المعدنية . واستمر النهب ثماني ساعات . وعند الظهر غادر الوهابيون كربلاء .

وكتب المؤرخ الوهابي ابن بشر عن هذا الحادث يقول : (سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل والعتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك وقصد أرض كربلاء … فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت . وهدموا القبة الموضوعة (بزعم من اعتقد فيها) على قبر الحسين. وأخذوا ما في القبة وماحولها وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرسوفة بالزمرد والياقوت والجواهر وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها قريب ألفي رجل) .

ولم يواجه الوهابيون أية مقاومة تقريبا . ويعزى ذلك إلى أن قسما من السكان توجهوا للزيارة إلى النجف .

ومن المحتمل كذلك أن حاكم كربلاء [10]، وهو سني متعصب ، لم يتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن هذه المدينة .

كان تدمير كربلاء أفدح هزيمة لسليمان باشا العجوز. وكان السلطان يتحين الفرصة من زمان لتنحية هذا الوالي المستقل الذي كان له داخل العراق أيضا خصوم يتحلون بقدر كاف من الفتوة والنشاط . ومما زاد في تدهور وضع الوالي إلى أن الشاه الفارسي فتح علي كان يلومه دوما متهما إياه بالعجز عن تأمين حراسة العتبات الشيعية ، ويهدده بإرسال قوات فارسية إلى كربلاء . وبالفعل فبعد بضع سنين من تدمير كربلاء بدأت فارس تحارب ولاية بغداد . إلا أن المسئولين في بغداد كانوا يعتقدون بعدم إمكان إلحاق الهزيمة بالوهابيين في أعماق الجزيرة العربية . ولذا وجهوا جل اهتمامهم لتعزيز المدن وترميم كربلاء وضريح الحسين ].

قتل عبد العزيز الآمر بغزو كربلاء :

في يوم 17رمضان /1218جمعة 30/12/ 1803 قُتلَ (عبد العزيز بن سعود) من قبل شخص أفغاني الأصل كان يُقيم في بغداد أسمه (ملا عثمان) قيل إنه نذر نفسهُ للدفاع عن الإسلام وعزم أن يقتل رئيس الوهابيين ، وقيل في رواية أخرى إنه من اهل كربلاء وأنه كان فيها إثناء غزو الوهابيين لها وشهدَ بأم عينيه كيف ذبحوا زوجتهُ وأطفاله فأقسم َ على الانتقام ، ومهما يكن الحال فقد ذهبَ ملا عثمان الى (الدرعيه) عاصمة الوهابيين وهو بزي درويش فأختلط بهم حتى اطمأنوا اليه ووثقوا بهِ فكان يُصلي في الصف الثالث في صلاة الجماعة وراء الأمير عبد العزيز بن سعود مباشرة وفي يوم الجمعة المذكور أنتهز الفرصة إثناء الركوع فألقى بنفسهِ على الأمير وطعنهُ بمديةٍ اخترقت بطنهُ من الخلف ، ولم يكتف بذلك بل طعنَّ عبد الله شقيق الأمير وكان يصلي بجانب شقيقه فجرحهُ جرحاً بليغاً ولكن هذا أسرع ورغم إصابته وهوى على القاتل بسيفهِ فقتلهُ ..

سقوط الدرعية [11] عاصمة الدولة السعودية الاولى [12] :

1. في عام اثنين وعشرين ومائتين وألف للهجرة (1222هـ) صدر أول أمر لحاكم مصر محمد علي[13] لإعداد حملة عسكرية، وتوجيهها إلى الجزيرة العربية، لاستعادة الحجاز والقضاء على الـدولة السعودية الأولى في عقر دارها، وفي عام ستة وعشرين ومائتين وألف للهجرة (1226هـ) جند لها محمد علي كـافة طاقاته، ولكنها لم تحقق النجاح الذي كان يرجوه، ولذا فقد أخذ في تجهيز حملة جديدة لمحاربة السعوديين، فجهزها في مدة تربو على ستة أشهر وقد اشتمل برنامج إعدادها على :

الاستعداد بالمؤن والمعدات والذخائر و الأسلحة من مدافع وغيرها وقد حملها ستة آلاف جمل وقيل عشرة آلاف، كما استخدم لنقل لذلـك عن طريق البحر؛ أسطولاً مكونًا من ثمان وعشرين سفينة، أُعدت لذلك، وعلى الشاطئ المقابل تم بناء مستودعات ضخمة لتخزين تلك المعدات والمؤن .ولقد اشتملت تلـك المعدات على أسلحـة نارية لم تُعهد في جزيرة العرب، ولا يعرفها أهلها، وهي من أحدث الأسلحة المتاحة يومئذ والمصنوعة في فرنسا.

الاستعداد بالرجال من مقاتلة وغيرهم، حيث بلغ عدد أفراد الحملة من المقاتلة أكثر من سبعة آلاف رجل بين مصريين وترك وشركس ومغاربة، أُقيمت لهم المعسكرات التدريبية حيث يتم فيها تدريب الجنود الذين اُختيروا للحملة تدريبًا عنيفًا، كما كان بصحبة الحملة بعض شيوخ الأزهر الذين كلفهم محمد علي بتفنيد آراء السعوديين الدينية، وقد اختارهم من علماء المذاهب الأربعة؛ وقد اصطحبت الحملة معها مجموعة من الأطباء والصيادلة الإيطاليين، بالإضافة إلى بعض المهندسين والخبراء العسكريين الفرنسيين من ضباط حملة نابليون العسكرية .

العمل على تلافي كل الأخطاء التي أحاطت بالحملات السابقة مما ساعد كثيرًا في نجاح هذه الحملة، من ذلك:  بناء الحصون واتخاذها مراكز للجنود . استمرار التدريبات العسكرية للجنود، واستعمال الشدة مع كل من يخالف الأوامر. ترتيب النقاط داخل الجزيرة لتأمين خط الرجعة، ولضمان عدم انقطاع المدد من مصر. اصطحاب بعض أمراء البلدان التي يحتلها ليأمن من حربهم له فيما لو هُزم وأراد الانسحاب.

2.أما قيادة الحملة فقد أناطها محمد علي ببكر أولاده إبراهيم[14]، وبالفعل تحركت الحملة، حيث أبـحرت في الثـاني عشر من شهر شوال عام واحد وثلاثين ومائتين وألف للهجرة (1231هـ) ووصلت في التـاسع من ذي القعـدة من السنة المذكورة، وأول عمل قام به هو: إجراء مناورة عسكرية كان الهدف منها:إدخال الرعب في قلوب خصومه ومن تسول له نفسه المخالفة من الأعراب المحيطين به، ونجحت الخطة حيث انـهال عليه أهالي القرى وأفراد القبائل لتقديم ولائهم له. استمر إبراهيم باشا في العمل على استمالـة الأعراب بالتـرغيب والترهيب، مدة زادت على ستة أشهر بذل فيها من الأموال والخلع والهدايا الشيء الكثير، مما كان قد أعدّ له أبوه حيث أرسل معه من صناديق الأموال ما لا يدخل تحت حصر، مما جمعه بمصر من كل وجه ، كما استعمل إبراهيم القسوة البالغة مع من لم ينفع معهم الترغيب مما دفع كثيرًا من شيوخ البدو أن يندمـجوا مع الباشا خوفًا من قسوة رجاله الساعين إلى النهب، وبالفعل كان أثر هذا التعامل واضحًا على القبائل المتجاورة .ولم يزل إبراهيم متقدمًا حتى وصل الحناكية بلدة تبعد عن المدينة المنورة أكثر من مائة كيل من الأمتار، وهي من المحافظات التابعة لها، حمد الجاسـر، المرجع نفسه : 1/361 . ، وقريبًا منها التقى بالقوات السعودية بقيادة الإمام عبد الله بن سعود [15] ، حيث جرت معركة كانت الدائرة فيها على الإمام عبد الله وجنوده ومُني بخسائر فادحة، وكانت هذه المعركة هي بداية أفول نجم الدولة السعودية الأولى وصعود نجم إبراهيم باشا ، الذي واصل تقدمه قاصدًا الدرعية، فكانت الرس [16] أول عقبة وقفت في طريقه حيث مكث مدة من الـزمن محاصرًا لها قبل أن يتمكن من دخولها صلحًا في ذي الحجة عام اثنين وثلاثين ومائتين وألف للهجرة (1232هـ)، مع أنه وصلهـا في شهر شعبـان من نفس العام ، وكانت عنيزة [17] هي محطته التالية، التي سلّمت دون قتال يذكر، وكذلك بريدة [18].

وهكذا استمر إبراهيم باشا قي تقدمه بعد التأكد من امتلاك البلاد التي وراءه وعدم وجود قوات مناوئة خلفه، و ذلك ليجعل جيشه متصلاً بخطوط تموينية من القاهرة إلى مراكز القيادة في ساحات المعارك، وهو الأمر الذي ساعده معنويًا وماديـًا.

ثم رحل في طريقه إلى الدرعية فنزل شقراء [19] صالحه اهلها بعدما قطع من نخلها أكثر من النصف وقيل الثلثين، ومنها انطلق إلى ضرما [20] فوصلها في الرابع عشر من ربيع الثاني وضرب حولها حصارًا بسبب امتناع أهلها عن التسليم، حيث قاوم الأهالي ومن عندهم من المرابطة ثلاثة أيام؛ وفي صبح اليوم الرابع تم اقتحامها وأعملوا قتلاً في الأهالي في البيوت والسكك والمساجد، ونهب ما فيها، وقد مهّد سقوط ضرما الطريق إلى الدرعية، حيث كان وصول الغزاة إليها مع بداية جمادى الأولى عام ألف مائتين واثنين وثلاثين للهجرة (1232هـ) ،

3.وكان الإمام عبدالله قد رتب جموع أهل الدرعية ومن كان عنده من أهل الآفاق، استعدادًا للمقاومة وقد استمرت المقاومة مدة تزيد على ستة أشهر، حصل خلالها أكثر من ثماني عشرة موقعة، كان بعضها يستمر عدة أيام، ضربت خلالها المدافعُ بلدة الدرعية بالقذائف والكتل النارية والحمم ضربًا مستمرًا ليل نهار؛ حتى اتقدت فيها النيران وأصبحت أتونًا مشتعلاً استخدمت المدافع الضخمة والقبوس النارية فاضطرمت فيها النيران و هلك كثير من الناس، وأخطر ما حصل من جراء ذلك؛ هروب بعض المقاتلين من أهل الآفاق، حيث حصل من بعضهم خيانة كانت السبب الرئيسي في التعجيل بسقوط الدرعية، حيث أطلعوا جيش ابراهيم  على عورات المدينة ومواضع الضعف فيها، مما ساعدهم على التقدم ودخول بعض أحياء الدرعية وتضييق الحصار عليها بشكل جعل السكان يطلبون الصلح.

ولما رأى الإمام عبدالله انفضاض الناس عنه، خشي على النساء والذرية، وافق على إجراء المفاوضات مع ابراهيم وانتهت بتسليم نفسه للقوات الغازية على أن يغادر إلى مصر ومنها إلى الأستانة، وبالفعل غادر إلى مصر بحراسة كتيبة من الجند تقدر بأربعمائة رجل، وكان وصوله إليها في شهر المحرم عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف للهجرة (1234هـ)، وغادرها إلى دار السلطنة في تاسع عشر منه حيث قتل هناكِ

وصدرت الأوامر لإبراهيم باشا بتدمير  الدرعية ، فاصدر أمره لنائبه في الدرعية وسمح للجند بدخول الدرعية ينهبونها ويدمرون دورها ويحرقونها على من فيها، ويسيئون لأهلها، ويعذبون ويقتلون، بل إن قائد الحملة بادر عند دخولها إلى قتل عدد من الأعيان الذين كانوا فيها، وقد شمل الإفساد غير ذلك من قطع وحرق للنخيل، وتخريب للمزارع، وردم للآبار، وهدم لأسوار الدرعية وغيرها من بلدان نجد، وهدم للبيوت، وإشعال الحرائق فيها، والمساجد كذلك لم تسلم بل أضرمت فيها النيران.

4.وبسقوط الدرعية انتهت الدولة السعودية الأولى؛ هذا السقوط لم يأتِ من فراغ بل كانت هناك أسباب مادية ومعنوية ساعدت في وقوعه ولعل من أهمها :وقوع فئام من الناس في الغفلة عن دين الله والإعراض عنه، والتهاون في أوامره وارتكاب ما نهاهم عنه وزجر والتمادي في ذلك، وهذا هو سر كل بلاء ومحنة وسبب كل نقص وفتنة؛ قال الله تعالى ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31)﴾ الشورى/30ـ31: يعني أن ما أصابكم من المصائب فهو بسبب معاصيكم وما اجترمتم من الآثام، وهذا ما حصل في الدولة السعودية الأولى وكانت قوة ظهوره بعد وفاة الإمام عبدالعزيز بن محمد ابن سعود .

قال البدري : ليس الامر كما بين الباحث بل هو انتقام الهي لغزوهم حرم الامام الحسين في واهانتهم لضريحه وحرق صندوق قبره  وما سفكوا من دماء ساكني مدينته وزواره .فكانت واحدة بواحدة ولاسواء ولا سواء واعظم منه ما ادخر لهم من العذاب العظيم في جهنم وبئس المصير .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  ثويني بن عبدالله من ال شبيب الت اليه زعامة المنتفق وكانت علاقته طيبة بال سعود ولكن ثويني اقحم نفسه في النزاع بين ال سعود وبني خالد (1200/1786م) ثم هاجم قرى القصيم النجدية ولم يتمكن من الاستيلاء على القصيم لرجوعه الى البصرة للاستقلال بها فخرج اليه سليمان باشا وهزمه ، ففر ثويني الى نبي كعب ومن هناك الى الدرعية 1203/1789)وعامله عبد العزير معاملة حسنة وضل طوال اقامته عنده يراسل سليمان باشا للعفو عنه فعفا عنه بشرط اقامته في بغداد فوافق وعاد اليها وظل بها حتى كلفه بحرب ال سعود (1211-1796) واسند اليه امارة المنتفق .(الدولة السعودية ص206)

[2]  هو عبده الأسود : طعيس ، وهو وهابي متعصب .

[3]   هذا الرقم من القتلى خلاف ما ذكره الشيخ محمد كاظم الطريحي في كتابه ( النجف الأشرف مدينة العلم والعمران ) قال  (ذكر ياسين بن خير العمري في كتابه المخطوط (غرائب الأثر ص56) , في سنة (1214هـ/1799م) , قدمت قافلة من نجد إلى العراق فباعت القافلة ما عندها في (بغداد) , وحملت ما أرادت وعزمت على المسير إلى بلادها , وتوجه معها من العراق بقصد الحج جماعة , وساروا حتى وصلوا (المشهد) فوجدوا هناك فرقة من الخزاعل , وهم رفضة , فنظر فوارس الوهابي إلى أمير الخزاعل يقبل عتبة باب حجرة الإمام علي (رضي الله عنه ) فحملوا عليه وقتلوه , ودام القتال ثلاث ساعات بينهم وبين الخزاعل , وقتل وجرح من رجال الوهابيين مائة رجل , ومثلهم من عرب الخزاعل , ونهبت أموال الحاج العراقي , وجمال والوهابيين وخيلهم , وتوجه إلى نجد من سلم منهم , وعاد إلى (بغداد) الحاج العراقي) .و

[4]   الدولة السعودية ص 216نقلا عن د. عبد العزيز نوار داود باشا /ص39.

[5]  الدولة السعودية ص 216 غت عثمان بن سند البصري :مطالع السعود ص 27

[6]  الدولة السعودية 216عن العزاوي تاريخ العراق ج6/161.

[7]  كان المشهور عند المستشرقين الاوربيين والسوفييت ان تاريخ الهجوم هو نسيان 1801م ، ولكن الباحث الروسي استظهره في 20نيسان /1804 اقول وهو الصحيح الموافق في يوم الثلاثاء 18 من ذي الحجة 1216هـ .

[8]  هو محمد علي أصله من الأرناؤوط (الألبان)، جـاء إلى مصر ضمن عسكر العثمانيين، حكم مصر مدة من الزمن، توفي 1265هـ

[9]  قال فاسليف :وصل هذا التقرير من العراق إلى سفارة روسيا في الاستانة وكتب قبل صيف عام 1803 . فالشخص الذي عاش آنذاك في العراق وتحدث شخصيا مع شهود عيان عن تدمير كربلاء من المستبعد أن يخطئ لعام كامل بخصوص تاريخ هذا الحادث الهام . وبالمناسبة فإن مقارنة ذلك بنص التقرير الوارد من العراق عن تدمير كربلاء على يد الوهابيين والذي تضمنه كتاب ج. روسو بعد ست سنوات تدل على تماثلهما الحرفي تقريبا .

[10]  هو عمر اغا العثماني متصرف كربلاء (1215-1217هـ )قالوا عنه انه سهل امر دخول الوهابيين إذ فر هاربا .

[11]  العاصمة السعودية الأولى، تقع في الجانب الغربي من وادي حنيفة، وتعد الدرعية الآن من محافظات منطقة الرياض، حمد بن محمد الجاسر، المعجم الجغرافي:1/445، ومقبل الذكير،العقد الممتاز في أخبار تهامة والحجاز:ورقة30 (مخطوط).

[12]   فصل تمهيدي من اطروحة دكتوراه  لم يذكر اسم مؤلفه منشور على الانترنيت موقع جامعة ام القرى وموقع باسمها ، اختصرناه وحذفنا كثيرا من مصادره .ثم علقنا عليه بسطرين.

[13]  هو محمد علي أصله من الأرناؤوط (الألبان)، جـاء إلى مصر ضمن عسكر العثمانيين، حكم مصر مدة من الزمن، توفي 1265هـ

[14]  هو إبراهيم باشا بن محمد علي قائد عسكري خاض كثيرًا من الحروب في الجزيرة العربية والشام أسـرف فيها في القتل والظلم، ولي الإمارة في حياة والده وتوفي قبله عام 1264هـ. عبدالرزاق البيطار، المرجع نفسه:1/15

[15]  هو عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود آخر أئمة الدولة السعودية الأولى، ولي الأمر بعد وفـاة والده عام 1229هـ، في فترة حرجة، قتل في القسطنطينية صـبرًا . عبدالرحمن بن قاسم، المرجع نفسه (التراجم): 12/49 .

[16]    تقع الرس في جنوب غرب منطقة القصيم في منتصف المسافة بين المدينة والدرعية، وتعد اليوم من محافظات  منطقة القصيم الكبرى، محمد بن عثمان القاضي،الموسوعة في تاريخ نجد:37.

[17]  عنيزة من أكبر محافظات القصيم وتقع في الركن الجنوبي الشرقي من القصيم، محمـد القاضي،الموسوعة في تاريخ نجد:17.

[18]   عنيزة من أكبر محافظات القصيم وتقع في الركن الجنوبي الشرقي من القصيم، محمـد القاضي،الموسوعة في تاريخ نجد:17.

[19]  تقع في إقليم الوشم وتعد قاعدته، وهي تتبع منطقة الرياض إداريًا، حمد الجاسر،المرجع نفسه :1/657.

[20]  بلدة تقع في وسط المملكة إلى الغرب من مدينة الرياض وتبعد عنها حـوالي 70 كيلاً، محمد عبدالعزيز القباني، ضرما (سلسلة هذه بلادنا):15.

عدد الزوار : 96

معلومات الاصدار

نوع الاصدار: مقالة
العنوان: هجمات الدولة السعوديةالأولى على العراق
تاليف:
العلامة المحقق السيد سامي البدري
الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي