الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / توصيات للخطباء والمبلغين في ثوبه الجديد

توصيات للخطباء والمبلغين في ثوبه الجديد

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 38
عدد الصفحات:51
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يضم هذا الكراس في إصداره الجديد مجموعة من التوجيهات السامية والارشادات النورانية الصادرة عن سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) عام عام 1438 وحتى 1441ه‍ والموجهة إلى المبلغين وخدمة المنبر الحسيني بمناسبة شهر محرم الحرام، حيث قام معد الكراس بإعادة ترتيبها وتبويبها لتسهيل الاستفادة منها في العمل التبليغي.

أبرز محاور البحث (التوصيات):

  • هوية المنبر الحسيني: تؤكد التوصيات على ضرورة أن يجسد المنبر روح الإسلام وقيم أهل البيت (ع)، بعيداً عن الميول الشخصية أو السياسية، مع التركيز على الجوانب التربوية والعقائدية الرصينة.
  • الدقة العلمية والموضوعية: يشدد المرجع الأعلى على الخطباء بضرورة التثبت من الروايات التاريخية والابتعاد عن طرح الأحاديث الضعيفة أو القصص غير الموثقة التي قد تسيء لسمعة المذهب والدين.
  • تجديد الخطاب وتنوعه: دعوة المبلغين إلى الانفتاح على قضايا العصر ومخاطبة الشباب بلغة يفهمونها، مع معالجة الشبهات المثارة بروح علمية وبصيرة نافذة، مع مراعاة التنوع الثقافي والاجتماعي للمستمعين.
  • ترسيخ الوحدة والتعايش: تركز التوصيات على دور المنبر في تعزيز اللحمة الوطنية والإسلامية، وتجنب كل ما يثير الفتن أو النعرات الطائفية، انطلاقاً من مبدأ “أنفسنا” الذي تتبناه المرجعية تجاه شركاء الوطن والدين.
  • صفات الخطيب الأخلاقية: تتناول التوصيات الجوانب الروحية للخطيب، مؤكدة أن التأثير الحقيقي يكمن في صدق المبلغ وتطبيقه لما يقول، ليكون قدوة عملية في الزهد والتقوى والخلق الرفيع.

يمثل هذا الكراس وثيقة منهجية هامة ترسم ملامح “الخطاب الرسالي” الذي تنشده المرجعية الدينية العليا، ليكون المنبر الحسيني منبراً للوعي والبناء والإصلاح الاجتماعي.

فهرس المحتويات
ترقيم الصفحات موافق للكراس المنشور
  1. مقدمة المركز
  2. المقدمة
  3. ماهية دور المنبر الحسيني
  4. مضامين الخطابة الحسينية
  5. من خصائص الخطيب الحسيني
  6. ما يجب ان يحذر منه الخطيب الحسيني
  7. الخاتمة
صفحة 1
cover image
صفحة 2

عنوان الإصدار : توصيات سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستانيK للخطباء والمبلغين في ثوبها الجديد 1438 الى 1441ه‍.

اعداد : د. السيد حسين البدري

سنة الإصدار : 144٦هـ / 202٥م

نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF

الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع : fajrashura.com

صفحة 3

الخطباء يتحملون المسؤولية الكبرى بلحاظ انهم يجسدون الوجه الاعلامي لحركة عاشوراء ولمشروع سيد الشهداءعليه السلام، ولذلك نحتاج ان نتوقف قليلا لنتساءل: هل ان المنبر الحسيني يقوم بتجسيد وتفعيل هذه المسؤولية بما ينسجم مع مقتضيات الزمان ومستجدات العصر بحيث يحقق الاثار الحسينية الشريفة في النفوس والقلوب؟ وانطلاقا من هذه النقطة نستذكر بعض الارشادات والنصائح لكل من يعلو منبر سيد الشهداءعليه السلام.

صفحة 4
صفحة 5
صفحة 6

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لك الحمد باعث الحمد ووارث الحمد وبديع الحمد ومنتهى الحمد، والصلاة والسلام على حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد وعلى وآل الطيبين الطاهرين.

وبعد، فان من بديع الزَّمان وجليل الإمكان أن يُطالعَنا مرجعَنا المفدّى سماحة آية الله العظمى السيّد علي ّالحسينيّ السّيستانيK بنصائح للخطباء والمبلّغين، الذين ألقوا على عاتقهم القيامَ بوظيفة الرُّسل والأنبياء «ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة»(1)، وهي التبليغ لا سيما في موسم المحرم الذي له مكانة رفيعة في نفوس شيعة أهل البيت عليهم السلام واتباعهم بحضورهم مآتم الحزن والبكاء على سيِّد الشهداء الذي «بذل مهجته في الله ليستنقذ


(1) نهج البلاغة: خطبة رقم (1).

صفحة 7

عباده من الجهالة وحيرة الضّلالة»، فيرتقي المنبر الخطيب الحسيني ويبدأ كلامه بآية أو حديث ويجول في شرحها وبيان ما تُأدّيه من مضامين ومعارف وعِبر، ثم ينتقل إلى الكوريز وتسكب العبرات وتحترق القلوب حزنا على مصاب سيّد الشهداء وظلامته ويختتم بالدعاء.

إنها مجالس الحسين عليه السلام عَبرة في معرفة ترتقي بالعقل وتذكي العاطفة بالاتجاه الصحيح.

إلا أن الخطيب الحسينيّ مهما بلغت مهارته، بحاجة بين الفينة والفينة أو هو في بداية الطريق، إلى تذكُّر القواعد الذّهبية المستفادة من الآيات والروايات والتي لا يُبليها الدَّهر ولا يزيدها مرور الوقت إلا ألقاً وصدقاً، لا سيّما وطريقه صعب يتطلّبُ الدِّقة والصّبر والثّبات والمراعاة والابداع والتطوير إلى جانب الاستقامة، فما أغلى وأبلغ أن يأتي التّذكير من مرجع هذه الطائفة وزَعيمِها وما توصَّل إليه فكره من بيان هو تَرجمان القلوب وصيْقل العقول ومجلى الشُّبهة عن المعنى وموجَزًا مُخفّاً على اللفظ تعاطيه وقراءته ، ليتربَّى عليه ناشئة الخُطباء والمبلغين ويَلزَمَه أواسطهم ويلهجَ به أكابرهم.

صفحة 8

في هذا العمل قُمنا بجمع التَّوصيات والنَّصائح من كلماته “K” التي وردت في موقعه الرّسمي، وهي:

• «توصيات عامّة من المرجعية الدينية العليا للخطباء والمبلّغين في شهر المحرّم الحرام لعام 1438 هـ».

• «وصايا المرجعيّة الدينيّة العليا للخطباء والمبلّغين بمناسبة قرب حلول شهر المحرّم الحرام عام 1441هـ».

وفي موقع وكيله السيد منير الخباز دام عزه في موقعه الرسمي تحت عنوان:

• وصايا المرجعية العليا لخطباء المنبر هذا العام 1440هـ.

وقد أعدنا تنظيم وتبويب هذه التّوصيات والنّصائح وأرجعنا كل صنف منها إلى أربعة عناوين أساسية تضمّنت عناوينَ فرعية:

1. ماهية دورِ المنبر الحسيني.

2. مضامين الخطابةِ الحسينية.

3. من خصائص الخطيب الحسيني.

4. ما يجب ان يحذر منه الخطيب الحسيني.

وقد حافظنا على نصِّ التَّوصيات والنَّصائح

صفحة 9

دون تَعديلٍ ولا تغيير، وأشرنا بتفصيل إلى مصادرها في الهامش.

وتجدرُ الإشارة إلى:

• أن هذه التّوصيات ليست خاصّة بالمبلّغين الرجال بل شاملة للنساء المتعلّمات اللّاتي ألقيْنَ على عاتقهن هذه الوظيفة الشريفة، والمسؤوليّةُ عليهنّ أكبر لمكان المرأة من المجتمع والتَّربية.

• إن هذه التَّوصيات والنَّصائح في عمق إنها موجّهة إلى خُطباء وخَدَمة المنبر الحسيني (مبلّغين ومبلّغات) أيّدهم الله وسَدَّدهم في أداء مهمّتهم الشريفة، هي أيضا ينتهل منها عامّة النّاس لتكون لهم مقياسا واضحاً ومنارا ً
• ساطعاً في النّظر للخطيب والخطابة الحسينيّة وتقويمِها فهي (الحَكَم) عند اختصام الظّنون وتنازع الأفكار والتصورات.

• إن هذه التّوصيات بروحها العامة أيضا أرست معالم واضحة للشُّعراء والـمُنشدين والرّواديد وصانعي المقاطع والبرامج الفديويّة واللّوحات والأعمال الفنّية فهي وإن لم تكن موجّهة إليهم بشكل مباشر إلا

صفحة 10

أنها تضمّنت ما يُسهم في صيانة مسيرتهم وقريحتهم وتكامُلها في خدمة سيّد الشّهداء وأهدافه السّامية وإحياءها باستقامة وألق وجمال.

وأخيراً وليس آخراً:

سلام عليك سيّدي يا أبا عبد الله ما دام اللّيل والنّهار، ولقد عظمت الرّزيّة وجلّت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل الإسلام، لقد أعذرت يا مولاي في الدّعاء ومنحت النُّصح وبذلت مُهجتك في الله لتستنقذ عباده من الجهالة وحيرة الضّلالة والشك والارتياب إلى باب الهدى.

د. السيد حسين البدري

م. وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة

‏30‏/07‏/2022

الموافق: 29 ذو الحجة، سنة 1443هـ
قم المشرفة

صفحة 11

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين.

﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

السلام على بقيّة المصطفين من خلقه وخليفته على عباده إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

السلام على الحسين بن علي عليه السلام سيّد شهداء هذه الأمّة والـمَثل الأعلى في التضحية والفداء والنبل والبسالة والعزّة وجميع المعاني السامية الإلهيّة والإنسانيّة، وعلى أولاده وأصحابه وأهل بيته أجمعين.

وبعد: فإنّه يقبل علينا عن قرب شهر المحرّم الحرام ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلاموالصفوة من أهل بيته وأصحابه الكرام، وهي ذكرى لأعظم حدث يمثّل مظلوميّة أهل بيت النبيّ صلوات الله عليهم في هذه الأمّة، وذلك بالرغم من كونهم

صفحة 12

العترة المصطفاة وعِدل القرآن الكريم ووصيّة النبيّصلى الله عليه وآله، فقد أُزيحوا عن مواقعهم التي رتّبهم الله سبحانه فيها وحيل بينهم وبين ريادة الأمّة وقيادتها، بل تمّ اضطهادهم وقتلهم جراء عدم خضوعهم للظلم والباطل والمنكر، ودعوتهم إلى العدل والحقّ والمعروف.

وتُمثّل هذه الذكرى مبلغ تضحية أهل البيتصلوات الله عليهم في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته وتحكيم مبادئ الرشد والحكمة والعدل والمعروف، وهو غاية إرسال الأنبياءعليهم السلام، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(1).

وقد أوصى أئمّة الهدى عليهم السلام بإحياء هذه الذكرى من خلال إقامة مجالس العزاء فيها واستذكار ما جرى عليهم من المصائب والمآسي ليكون عِبرةً وعَبرةً للمؤمنين، فكان حقّاً على المؤمنين كافّةً الاهتمام بإقامة هذه المجالس والحضور فيها والحزن معهمصلوات الله عليهم في أيّام حزنهم امتثالاً لوصيّتهم وعملاً بما أُمروا به من مودّتهم


(1) سورة الحديد: 25

صفحة 13

ومواساةً معهم، فإنّ في ذلك صلاح دينهم ودنياهم، ولينزّل كلّ واحد منهم ما وقع على أهل البيتعليهم السلام منزلة ما لو وقع شيء من ذلك عليه وعلى أعزّته وأسرته رحمةً ومحبّةً وحزناً وخشوعاً، فإنّ الله تعالى ورسوله وأهل بيتهصلوات الله عليهم أعزّ على المؤمن من نفسه وأهله.

كما ينبغي للمبلّغين الاهتمام بذكر هذه المصائب ولا سيّما في أيّام شهر المحرّم، لتكون شعار تلك المجالس ووجهها، فإنّها أساسها ومنطلقها، وبها تخشع قلوب المؤمنين، وتُستنزل بركات الله سبحانه على أهلها بتقوية إيمانهم وترسيخ عقيدتهم وحثّهم على أعمال البرّ والخير.

وقد أصبحت ذكرى فاجعة الطفّ مناراً لذكر الله سبحانه وذكر أوليائه وسبباً موجباً لحياة الدين وحفظ تعاليمه وقيمه في نفوس أتباع أهل البيتصلوات الله عليهم وسائر المسلمين.

فكان ذلك فرصةً لأهل العلم (وفّقهم الله سبحانه) لأداء وظيفتهم في التبليغ والدعوة إلى الله تعالى والتذكير بمحلّهم عليهم السلام في الدين وفي الأسوة والقدوة.

وتلك سنّةٌ حسنةٌ يجب الحفاظ عليها

صفحة 14

وصيانتها وتحرّي الحكمة في شأنها وحسن الانتفاع بها في أداء مقاصد الدين وبيان مكانة أهل البيت عليهم السلام.(1)

واستذكار هذه الحركة المباركة يلقي على عواتقنا نحن اتباع الامام الحسين بن علي عليه السلاممسؤولية كبرى وهي مسؤولية الحفاظ على استمرار هذه الحركة وترسيخ اثارها وابعادها في النفوس والقلوب، ولا يخلو انسان حسيني من نوع من مسؤولية سواء كان عالما دينيا او مثقفا او متخصصا في مجال من مجالات العلوم المادية والإنسانية المختلفة، فكل منا يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذه الثورة الحسينية المباركة من خلال اصلاح نفسه واهله واسرته ومن خلال قيامه بتوعية المجتمع الذي حوله بأهمية هذه الحركة وعظمة هذا المشروع الحسيني العظيم، ولكن الخطباء يتحملون المسؤولية الكبرى بلحاظ انهم يجسدون الوجه الاعلامي


(1) مقدمة توصيات سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني K للخطباء والمبلغين لسنة 1441هـ المنشورة على الموقع الرسمي. حيث جاء في أولها: «وصايا المرجعيّة الدينيّة العليا للخطباء والمبلّغين بمناسبة قرب حلول شهر المحرّم الحرام عام 1441هـ».

صفحة 15

لحركة عاشوراء ولمشروع سيد الشهداء عليه السلام، ولذلك نحتاج ان نتوقف قليلا لنتساءل: هل ان المنبر الحسيني يقوم بتجسيد وتفعيل هذه المسؤولية بما ينسجم مع مقتضيات الزمان ومستجدات العصر بحيث يحقق الاثار الحسينية الشريفة في النفوس والقلوب؟

وانطلاقا من هذه النقطة نستذكر بعض الارشادات والنصائح لكل من يعلو منبر سيد الشهداء عليه السلام. (1)


(1) مقدمة توصيات سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستانيK للخطباء والمبلغين لسنة 1438هـ المنشورة على الموقع الرسمي. حيث جاء في أولها: «توصيات عامّة من المرجعية الدينية العليا للخطباء والمبلّغين في شهر المحرّم الحرام لعام 1438 هـ».

صفحة 16

ماهية دور
المنبر الحسيني

ان رسالة المنبر تتلخص بالإضافة الى ذكر ما جرى على أهل البيتعليهم السلام في نشر الدين وترسيخه في عقول المسلمين وقلوبهم من خلال بيان المعارف القرآنية ودفع الشبهات بالأدلة الوافية المقنعة وتربية نفوس المؤمنين على الورع والفضيلة والقيم المثلى.

وهذا بعينه هو الدور الذي اناطه الله عزّ وجل برسوله صلى الله عليه وآله الذي هو اول من ارتقى المنبر في الاسلام، وقد شرح القرآن لنا دوره في قوله «عزّ وجل» ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ حيثُ اشارت الآية الكريمة الى ان الرسالة النبوية – التي كان المنبر اداة فاعلة لتبليغها – ترتكز على ترسيخ الدين بتزكية النفوس وتنقيتها من أدران

صفحة 17

الظلمات والامراض الروحية والاخلاقية وعرض معارفه القرآنية وغرس الحكمة في القلوب بمصاديقها المتنوعة علماً وعملاً.

كما ان الهدف الاسمى للحركة الاصلاحية التي قام بها سيد الشهداء J هو حفظ الدين وترسيخه مقابل المنهج الاموي الذي كان قائماً على هدم ركائز الاسلام وقيمه كما يظهر من شواهد كثيرة تعرف بمراجعة النصوص التاريخية. فقد قامت نهضته N في مواجهة ذلك المنهج الخطير، وكانت رسالته وتضحيته من اجل أسمى هدف وهو حفظ الدين عن الزوال والانحراف، وفي اعتقادي انه لولا تضحية الامام الحسين بتلك الصورة العظيمة في تلك المرحلة العصيبة لم يبق للإسلام أثر يذكر لأن المخطط الاموي كان متقناً ويقرب من الوصول الى اهدافه، وبما ان المنبر الحسيني هو امتداد ليوم الحسين فدوره ووظيفته تتمحور حول الدين ترسيخاً ودفاعاً وتعليماً وتربيةً.(1)


(1) توصيات سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني «دام ظله» لعام 1439هـ، النقطة الأولى، وقد نشرت في موقع تلميذه ووكيله آية الله السيد منير الخبار، حيث جاء في مقدمتها: «تشرفنا في يوم الخميس الموافق 11 ذي الحجة عام 1439هـ بزيارة المرجع الاعلى سيدنا المفدى السيد السيستاني «دام ظله» وتوجهنا اليه بطلب توصيات ابوية لنا ولعموم خطباء المنبر الحسيني بمناسبة قرب حلول شهر محرم الحرام، فتفضل علينا بهذه الكلمات النورانية المفعمة بروح العناية والغيرة والحرص على الدين، وحفظ موقعية المنبر الحسيني في اداء رسالته الخطيرة وقد افاض «دام ظله» في الحديث في نقطتين»

صفحة 18

مضامين الخطابة
الحسينية

وجه الخطاب هو القرآن الكريم:

الاهتمام بالقرآن الكريم في الخطاب اهتماماً أكيداً، فإنّه رسالة الله سبحانه إلى الخلق كافّة وثقله الأكبر في هذه الأمّة وميزان الحقّ والباطل، وقد أنزله الله سبحانه هدىً ونوراً وبصائر للناس، وهو ذكر مبارك وحكيم، وإنّما كانت سيرة أهل البيتصلوات الله عليهم وتضحياتهم تطبيقاً لتعاليمه وامتثالاً لها، فينبغي أن يكون هو واجهة الخطاب ووجهه ويكون ذكر ما سواه في ظلّه وتحت لوائه.(1)


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الاولى.

صفحة 19

ذِكر ما يُثبِّت أصول العقيدة بأدلة مُحكمة قريبةٍ من الفهم العام:

تضمين الخطاب ـ حيث يقتضي المقام بنحوٍ ما ـ ما يثبت أصول العقيدة الحقّة ودلائلها المحكمة من أدلّة قويّة ووجدانيّة بأساليب ميسّرة وقريبة من الفهم العامّ، كما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبويّة وآثار العترة الطاهرة، وذلك لمزيد ترسيخها في نفوس الناس ودفع الشكّ والشبهة عنها بما يزيح تلك الشبهة عنها ويزيل وهن التقليد والتلقين فيها، وذلك كأن يذكر المبلّغ ضِمناً دلائل وجود الله سبحانه من روائع الكون وعجائِب الخِلقة ممّا يشهده الإنسان بوجدانه أو يطّلع عليه من خلال الأدوات والحقائق العلميّة، ودلائل صدق النبيّ صلى الله عليه وآله وحقّانيّة هذه الرسالة ممّا جاء في القرآن الكريم وتضمّنته شواهد التاريخ وثوابته الواضحة.

وليذكّر المبلّغ تذكيراً مؤكّداً بالدار الآخرة وأهمّيّتها حيث يؤتى كلّ امرئ بصحيفة أعماله في هذه الحياة وتوضع موازين القسط ليوم القيامة فيكون لكلّ امرئٍ ما سعى إليه من خصال وأعمال فيجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى

صفحة 20

الذين أحسنوا الحسنى.

وليذكر في ذلك مثالاً ممّا ورد في بيان ذلك في القرآن الكريم ومحاسن أقوال النبيّ وعترتهصلوات الله عليهم ممّا جاء في هذه المقامات.

وفي خطب أمير المؤمنينعليه السلامفي نهج البلاغة مَثَل أعلى لما ينبغي أن يشتمل عليه الخطاب، حيث إنّه عليه السلاميبدأ بذكر الله سبحانه وآياته في الخلق ويذكّر الناس بحقّه العظيم عليهم بخلقه لهم وإنعامه عليهم، ويصف رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله بما اشتملت عليه من دلائل ومعانٍ، ويصف الدار الآخرة وصفاً يستحضرها به المخاطَبون حتّى كأنّها نصب أعينهم، ويذكر مكانة أهل البيت عليهم السلام في هذه الأمّة وامتيازهم كما يصف وجوهاً من الحكمة والقيم الفاضلة تزيد في الرشد وتساعد على التربية الاجتماعيّة القويمة والصالحة، ولذكر ذلك كلّه مراتب حسب اقتضاء المقام.

كما أنّ في أدعية الصحيفة السجّاديّة الشريفة مَثَل أعلى لما يمكن أن يذكره المبلّغ في خاتمة خطابه فيقتبس فقرة منها ويدعو بها ليستحضر الناس الأدعية البليغة لأئمّة الهدى صلوات الله عليهم.(1)


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الثانية.

صفحة 21

الاهتمام ببيان التعاليم والقيم الفطريّة السّامية:

الاهتمام ببيان التعاليم والقيم الفطريّة السامية الإلهيّة والإنسانيّة المتمثّلة في دعوة النبيّ وعترتهصلوات الله عليهم وفي ممارساتهم وحياتهم، وتوضيح محلّهم في الأسوة والاقتداء.

فإنّ النبيّ والمصطفين من عترتهصلوات الله عليهم هم أعلام الهدى والمثل الأعلى لهذه الأمّة في تجسيد تعاليم القرآن الكريم وقيمه الفطريّة من حيث التعلّق بالله سبحانه وعبادته، وكمال التعقّل والرشد وإيتاء الحكمة، والتحلّي بالقيم الأخلاقيّة كالعدل والصدق والإحسان والوفاء بالعهد والإنابة والعفاف وحسن الخلق.

وذلك لأنّهمصلوات الله عليهم قد نذروا نفوسهم الشريفة لهذه الغاية وضحّوا بحياتهم في سبيلها، ومن ثَمّ ينبغي عرض أصول هذه التعاليم والقيم من خلال القرآن الكريم مقروناً بما يتمثّل منها في محاسن أقوالهم ومكارم أخلاقهم وسيرتهم حتّى شهادتهم والتنبيه على مقتضياتها في العصر الحاضر.

فإنّ ذلك أوفى ببيان شخصيّتهم ومقاصدهم التي ضحّوا من أجلها مع ما فيه من القيام بوظيفة الدعوة الإلهيّة إلى الله تعالى.

صفحة 22

وقد جعل الله سبحانه المصطفين في كلّ أمّة قدوةً لسائر أفرادها وأسوةً لآحادها وحجّةً على مَن تخلّف منها، كما قال عن عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾(1)، فكان النبيّ وعترته صلوات الله عليهم هم الحجّة على هذه الأمّة والأسوة فيها، كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا﴾(2)، وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلامفي بعض كلامه لبعض ولاته بعد وصف زهده عن الدنيا: «أَلَا وإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، ولَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ واجْتِهَادٍ وعِفَّةٍ وسَدَادٍ»(3).

وعلى الإجمال فإنّه لا بدّ من تركيز المبلّغين والدعاة على عناصر الرشد والحكمة والأخلاق في أقوالهم ومسيرتهمصلوات الله عليهم واستنطاقها عنها والاهتمام بإيضاحها والدعوة إلى وعيها واتّباعها والتأسّي بها بما يلائم مقتضياتها في الزمان الحاضر.

وليسعَ الشعراء إلى تضمين قصائدهم حول أهل البيتصلوات الله عليهم المعاني الراشدة والمذكّرة


(1) الزخرف: 59

(2) الأحزاب: 21

(3) نهج البلاغة ص:417

صفحة 23

والحكيمة والفاضلة ليساعد في تنمية العقل وتحفيز الرشد وتحريك الضمير وتفعيل الفطرة ومزيد الاعتبار، اقتفاءً بكتاب الله سبحانه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وآثار عترته الطاهرينعليهم السلام ولأنّ ذلك هو السياق المناسب لعرض سيرة الأئمّةصلوات الله عليهم وتضحياتهم وما جرى عليهم، فإنّ للشعر البليغ جمالاً بالغاً وأثراً كبيراً في النفوس وقدرة فائقة على تأجيج المشاعر وتهييجها، فينبغي الانتفاع به على الوجه الأمثل للغايات الراشدة والنبيلة.(1)

الاهتمامُ بوصايا الائمةِصلوات الله عليهم:

بيان وصاياهمصلوات الله عليهم الخاصّة إلى أتباعهم ومحبّيهم، وذلك أنّ لأئمّة أهل البيتعليهم السلام ـ مضافاً إلى بياناتهم للأحكام وتوصياتهم العامّة للمسلمين وتأكيدهم على أهمّيّة الاهتداء إلى محلّ أهل البيت عليهم السلام في هذه الأمّة واصطفائهم منها ـ وصايا خاصّة لمحبّيهم وأتباعهم، فينبغي الاهتمام بإيصالها إليهم حتّى يتأدّبوا بآدابهم وتكون أعرافاً راسخةً في أوساطهم.

وتؤكّد تلك الوصايا على الالتزام العمليّ بتعاليم دينهم والتوادّ بينهم والسعي إلى


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الثالثة.

صفحة 24

التحلّي بخصالهم صلوات الله عليهم ومكارم أخلاقهم حتّى مع المختلفين في الدين والمذهب فضلاً عن المشتركين فيهما، كقول الإمام أبي عبد الله الصادقعليه السلام: «عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار وكونوا دعاة إلى الخير بغير ألسنتكم وكونوا زينا ولا تكونوا شينا» (1).

وفي الحديث عن جابر الجعفيّ عن أبي جعفر عليه السلامقال: قل لي: «يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء في عشائرهم في الأشياء»، وقالعليه السلام: «يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولّاه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعالاً، فلو قال إنّي أحبّ رسول اللهصلى الله عليه وآله فرسول الله خير من علي ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته


(1) الكافي ج:2 ، ص:77

صفحة 25

ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر، والله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلا بالعمل الورع».(1)

وفي الحديث عن معاوية بن وهب قال: قلت لهعليه السلام: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا؟ قال: «تنظرون إلى أئمّتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنّهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدّون الأمانة إليهم» (2).

وفي حديث آخر: «ما أيسر ما رضي به الناس عنكم، كفّوا ألسنتكم عنهم» .(3)(4)


(1) الكافي ج:2 ص:74

(2) الكافي ج:2 ص:636

(3) الكافي ج:8 ص:341

(4) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الرابعة.

صفحة 26

تنوع الاطروحات:

فان المجتمع يحتاج الى موضوعات روحية وتربوية وتاريخية وهذا يقتضي ان يكون الخطيب متوفرا على مجموعة من الموضوعات المتنوعة في الحقول المتعددة تغطي بعض حاجة المسترشدين من المستمعين وغيرهم.(1)

ترك الاستعانة بالأحلام والقصص الخيالية:

ان يترفع المنبر عن الاستعانة بالأحلام وبالقصص الخيالية التي تسيء الى سمعة المنبر الحسيني وتظهره انه وسيلة اعلامية هزيلة لا تنسجم ولا تتناسب مع المستوى الذهني والثقافي للمستمعين.(2)

الابداع في اختيار النصوص والأحاديث:

ان تراث اهل البيت عليهم السلام كله عظيم جميل ولكن مهارة الخطيب وابداعه يبرز باختيار النصوص والأحاديث التي تشكل جاذبية لجميع الشعوب على اختلاف اديانهم ومشاربهم الفكرية والاجتماعية انتهاجا لما ورد عنهم عليهم السلام «إنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا»، ومحاسن كلامهم هو تراثهم الذي يتحدث عن


(1) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (1).

(2) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (4).

صفحة 27

القيم الانسانية التي تنجذب اليها كل الشعوب بمختلف توجهاتها الثقافية والدينية.(1)

الاهتمام بالمشاكل الاجتماعية الشائعة:

طرح المشاكل الاجتماعية الشائعة مشفوعة بالحلول الناجعة، فليس من المستحسن ان يقتصر الخطيب على عرض المشكلة كمشكلة التفكك الاسري او مشكلة الفجوة بين الجيل الشبابي والجيل الاكبر او مشكلة الطلاق او غيرها، فان ذلك مما يثير الجدل دون مساهمة من المنبر في دور تغييري فاعل، لذلك من المأمول من رواد المنبر الحسيني استشارة ذوي الاختصاص من اهل الخبرة الاجتماعية وحملة الثقافة في علم النفس وعلم الاجتماع في تحديد الحلول الناجعة للمشاكل الاجتماعية المختلفة ليكون عرض المشكلة مشفوعة بالحل عرضا تغييريا تطويريا ينقل المنبر من حالة الجمود الى حالة التفاعل والريادة والقيادة في إصلاح المجتمعات وتهذيبها.(2)


(1) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (6).

(2) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (7).

صفحة 28

التسلط في رد الشبهات:

ان يكون الخطيب المتصدي لدفع الشبهات متضلعاً في هذا الباب متسلحاً بالخبرة ووفرة المعلومات، والا فان ما يفسده بتصديه ربما يكون اكثر مما يصلحه. والمنبر هو من أهم الوسائل المتاحة لدفع الشبهات عن العقيدة الحقة، وقد كان النبي وأمير المؤمنين مضافاً الى التصدي لبيان المعارف والتعاليم الدينية يقومان على المنبر بدفع الشبهات التي كانت في اذهان بعض المسلمين لقرب عهدهم بالجاهلية او كانت تطرأ على اذهان البعض منهم تأثراً بأفكار دخيلة على المجتمع الاسلامي، ومن هنا تتبين أهمية دور المنبر الحسيني من حيث انه امتداد واستمرار لرسالة المصطفى والمرتضى «صلوات الله عليهما وآلهما» مما يقتضي ان يكون مرتقي المنبر ذا كفاءة وجدارة وأهلية علمية.(1)

الابتعاد عن طرح الشبهات غير المتداولة:

ان الشبهات على نوعين: فبعضها رائج ومشهور، وبعضها مطروح ولكن ليس بمتداول الا في نطاق محدود، ومن المناسب بل اللازم


(1) توصيات سنة 1439هـ، النقطة الثانية، الامر الأول.

صفحة 29

التصدي بشكل مباشر لدفع الشبه المعروفة في اوساط الناس، واما الشبه غير المتداولة على نطاق واسع فليس من الحكمة استعراضها وشرحها في اوساط العامة بل الصواب في علاجها أن يؤسس المبلّغ الديني بصورة محكمة للمضمون الذي به تندفع الشبهة عن اذهان من وقفوا عليها، من غير حاجة لذكرها والتعليق عليها.(1)

التوسع في الاستفادة من علوم اهل البيت عليهم السلام:

لا بد من أقصى الاستفادة من معين علوم اهل البيت عليهم السلام المأثور عنهم بالطرق المعتبرة والمصادر الموثوقة، وقد ورد عنهم عليهم السلام «إِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ‏ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا» وتشتمل محاسن كلامهم على منظومة فكرية متكاملة متنوعة المضمون كالقرآن الكريم، ففيها من روائع الحكم ومعالم الاخلاق وإثارة دفائن العقول ودفع الشبهات ما ينير الانسان المسلم ويجعله واثقاً بعقيدته ودينه، وذلك هو مقتضى كونهم الثقل الثاني للقرآن بصريح حديث الثقلين وغيره. فعلى الخطيب الحسيني أن يهتم بهذا الجانب في خطابته كما عليه أن يهتم بذكر مصائب


(1) توصيات سنة 1439هـ، النقطة الثانية، الامر الثاني.

صفحة 30

أهل البيت عليهم السلام وما جرى عليهم في فاجعة كربلاء لما لذلك من تأثير بالغ في بقاء هذه القضية حية في النفوس.(1)

الاهتمام بالمسائل الابتلائية:

الاهتمام بالمسائل الفقهية الابتلائية في مجال العبادات والمعاملات من خلال عرضها باسلوب شيق واضح يشعر المستمع بمعايشة المنبر الحسيني لواقعه وقضاياه المختلفة.(2)

التركيز على أهمية المرجعية والحوزة العلمية:

التركيز على أهمية المرجعية والحوزة العلمية والقاعدة العلمائية التي هي سر قوة المذهب الامامي ورمز عظمته وشموخ كيانه وبنيانه.(3)


(1) توصيات سنة 1439هـ، النقطة الثانية، الامر الرابع.

(2) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (9).

(3) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (10).

صفحة 31

من خصائص
الخطيب الحسيني

مواكبة ثقافة الزمان:

ان يكون الخطيب مواكبا لثقافة زمانه، وهذا يعني استقراء الشبهات العقائدية المثارة بكل سنة بحسبها واستقراء السلوكيات المتغيرة في كل مجتمع وفي كل فترة تمر على المؤمنين، فان مواكبة ما يستجد من فكر او سلوك او ثقافة تجعل الالتفاف حول منبر الحسين عليه السلامحيا جديدا ذا تأثير وفاعلية كبيرة.(1)

الدقة في النقل:

تحري الدقة في ذكر الآيات القرآنية او نقل الروايات الشريفة من الكتب المعتبرة او حكاية القصص التاريخية الثابتة حيث ان عدم التدقيق في مصادر الروايات او القصص المطروحة يفقد الثقة بمكانة المنبر الحسيني في اذهان المستمعين.(2)


(1) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (1).

(2) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (2).

صفحة 32

جودة الاعداد:

بأن يعنى الخطيب عناية تامة بما يطرحه من موضوعات من حيث ترتيب الموضوع وتبويبه وعرضه ببيان سلس واضح واختيار العبارات والاساليب الجذابة لنفوس المستمعين والمتابعين، فان بذل الجهد الكبير من الخطيب في اعداد الموضوعات وترتيبها وعرضها بالبيان الجذاب سيسهم في تفاعل المستمعين مع المنبر الحسيني.(1)

ان يكون اسبق الناس بالعمل:

أن يهتمّ المبلّغ بمطابقة خصاله وسريرته مع توصيفاته وأقواله، فيكون أسبق من الناس في العمل بها، فإنّ ذلك أقرب إلى الصدق وأبعد من الرياء وأوجب للإخلاص والتأثير في المخاطبين، فكيف يصف المرء بصدقٍ خصال النبيّصلى الله عليه وآله وعترته النبيلة ويوصي الآخرين بها ـ من عبادتهم لله سبحانه وإعراضهم عن الدنيا وتحرّيهم للعدل والصدق والعفاف والوفاء والإحسان إلى الوالدين وسائر المعاني النبيلة ـ وهو بعيد عنها في نفسه وفي عمله، وقد قال


(1) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (5).

صفحة 33

الله سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(2)، ومن تعوّد على أن يقول ما لا يعمل نبت في قلبه الرياء وغلب على سيرته التلوّن، وذلك ممّا يحبط العمل ويفضح صاحبه إن في الدنيا أو في الآخرة، وقد يؤدّي إلى سوء العاقبة، نعوذ بالله تعالى منها.(3)

الاهتمام باللياقات اللازمة للخطابة الحسينية:

أن يتّصف المبلّغ باللياقات الملائمة لهذه الوظيفة الشريفة والسمت المناسب لها، فإنّ لكلّ وظيفة أموراً ملائمة لها من حيث المظاهر والسلوكيّات العامّة والخاصّة ولتبليغ الدين وأداء العزاء الحسينيّ أيضاً لياقات ملائمة مع ما يتضمّنه فيه من الحديث عن الحقّ وأئمّة الهدى وما يُراد به من الإرشاد والتذكرة.(4)

تمحيص النفس قبل الناس:

أن يهتمّ المبلّغ بنقد نفسه بنفسه، ممحّصاً لأقواله


(1) البقرة: 44

(2) الصفّ:2

(3) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة التاسعة.

(4) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة العاشرة.

صفحة 34

وأدائه قبل الناس، متجنّباً عن تزكية النفس، غير آمنٍ من خطئه وخطيئته، مستحضراً لحضور الله سبحانه معه ورقابته عليه في مقام دعوته وفي أحواله كلّها وسؤاله عنها في يوم القيامة، منتفعاً بنقد الناس إيّاه، منصفاً لهم من نفسه، مستجيباً للتذكير بالحقّ.

وليعلم أنّ النبيّ وعترتهصلوات الله عليهم شهداء على أهل العلم في الدين والدعاة والمبلّغين بما أدّوا وعملوا، ثمّ أهل العلم شهود على سائر الناس في مجتمعهم بما أدّوه وعملوا به، كما قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(1)، فمَن فرّط في أمر الدعوة في قول أو عمل تمّت الحجّة عليه وحُمّل نتيجة تفريطه، ومَن وفى به على وجهه ثمّ فرّط الناس في الاستجابة تمّت به الحجّة وسلم من العقاب والعتاب، وذلك أمر خطير لمن تأمّله حقّ تأمّله ووعاه حقّ وعيه.(2)


(1) الحجّ: 78

(2) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الحادية عشرة.

صفحة 35

التحلي بالتقوى والإخلاص:

وقبل ذلك كلّه وبعده تحرّي التقوى والإخلاص لله تعالى في القول والأداء والسلوك، فيجعل الله سبحانه نصب عينيه ويستحضر رقابته عليه ويسعى إلى رضاه وقبوله ويكون عمله لوجهه الكريم، فإنّ من أخلص لله تعالى حقّاً واتّقاه أوقظه في مواضع الغفلة ونبّهه على مواضع الخلل ويسّر له سبيل الرشد، ثمّ بارك له سبحانه في عمله في هذه الحياة وما بعدها.

وليس في ذلك ما يعني أنّ في نيّة المرء ما يغني عن الاهتمام بعمله وإتقانه إيّاه والانتباه إلى آثاره والاستعداد له قبل إنجازه، بل الإخلاص الحقّ ما فتح ذهن الإنسان على مزيد من التعقّل وساعد على إدراكه لمقتضى الحكمة والتفاته إلى عواقب الأمور، فيتجهّز لكلّ أمر وفق ما يقتضيه، ولا يرسل القول على عواهنه، ويعتبر بتجاربه وبتجارب الآخرين، كما جاء أنّ المؤمن كيّس وأنّه ينظر بنور الله سبحانه ولن يُلدغ من جحر مرّتين ولسانه وراء عقله بينما يكون عقل الأحمق وراء لسانه، يعمل الأعمال الصالحة وهو منها في وجل، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ

صفحة 36

وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَـئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾(1)، هذا ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (2).(3)

مراعاة المستوى الذهني للمتلقي:

ان من المعلوم ان لكل مقام مقالاً، ولذا فان على الخطيب ان يلاحظ المستوى الذهني والثقافي للمتلقين للخطاب بالمباشرة ام بالواسطة فلا يطرح من المعارف الدينية الا ما ينسجم مع المستويات الذهنية للمستمعين ويعتني بصياغة الشبهات وتوضيح الجواب عنها بمقدار نفوذها في اذهانهم، وقد ورد عن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى‏ قَدْرِ عُقُولِهِمْ».(4)


(1) المؤمنون: 60 ـ 61

(2) البقرة: 269

(3) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الثانية عشرة.

(4) توصيات سنة 1439هـ، النقطة الثانية، الامر الثالث.

صفحة 37

ما يجب ان يحذر منه الخطيب الحسيني

ان يحذر ما يوهن أهمّيّة الطاعات ويهوّن المعاصي في أعين الناس:

أن يحذر المبلّغ في بيان أهمّيّة العقائد الحقّة ومسلّمات مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم في شأن مقاماتهم الشريفة من أن يوهن أهمّيّة الطاعات ويهوّن المعاصي في أعين الناس، فإنّ أمر المؤمن لن يصلح إلّا بالخوف والرجاء، فلا بدّ من حفظ المؤمن للموازنة بينهما في نفسه وفي شأن الآخرين، ولا تأمين في الدين لأحد في ارتكاب شيء من المعاصي عدا اللمم، وهي ما يتّفق من المرء أحياناً من معصية غير كبيرة ثمّ ينتبه ويؤوب إلى الله تعالى، وعلى المبلّغ الفطن أن لا يؤمن الناس من عقاب الله تعالى على معصيته، ولا يؤيسهم من رجائه وعفوه وشفاعة أوليائه بإذنه سبحانه فيما إذا نصحوا له وآبوا إليه، وليذكروا

صفحة 38

ويذكّروا بمثل قوله سبحانه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾(2)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾(3)، وقد تقدّم من أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم ما يؤكّد ذلك.(4)

تجنب ما يثير الاخلاف والفرقة:

تجنّب طرح ما يثير الفرقة بين المؤمنين والاختلاف فيهم، والاهتمام بالحفاظ على وحدتهم وتآزرهم والتوادّ بينهم.

ومن وجوه ذلك تجنّب التركيز على جهات التمايز بينهم مثل اختلافهم في التقليد وفيما يختلف المجتهدون فيه من تفاصيل بعض المعتقدات، بل كلّ خلاف بينهم لا يـُخرِج بعضهم عن التمسّك بالكتاب والعترة حتّى لو نشأ عن الاختلاف في درجات إيمانهم أو بصيرتهم أو التزامهم أو


(1) الأنبياء: 90

(2) النجم: 39 ـ 41

(3) النساء: 123

(4) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الخامسة.

صفحة 39

رشدهم، بل حتّى لو كان عن زلّة صادرة من بعضهم.

ولا ينبغي إشهار الزلّة والتشهير بصاحبها فإنّ في ذلك ما يؤدّي إلى مزيد اشتهارها، وإلى إصرار صاحبها ومن قد يتأثّر به عليها، ويوجب وهن الحقيقة التي يُراد الحفاظ عليها فضلاً عن عدم جواز التشهير بالمؤمن وتسقيطه بزلّة صدرت منه لا سيّما فيما أوحى ذلك بعدم تقدير سائر خصائصه ومزاياه، ورُبّ زلّة خمدت بالسكوت عنها وترك ذكرها، واتّقدت ببيانها والحديث عنها، ورُبّ صمت عن شيء خير من كلام.

ثمّ الحذر الحذر من إخراج بعض أهل الإيمان بتأوّل أو شبهة أو قول عن الدين بعد إقراره الصريح بالشهادتين، أو عن الانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم السلامبعد الإذعان الواضح باصطفائهم عليهم السلام من هذه الأمّة كاصطفاء سلالات الأنبياء في الأمم السابقة للإمامة والحكم والعلم، فمن فعل ذلك فقد خالف سيرتهم وشقّ صفوف أوليائهم وأتباعهم وباء بخطأ عظيم.

بل ينبغي تجنّب ما يثير الفرقة بين المسلمين

صفحة 40

ويوجب الضغينة وسوء الظنّ فيما بينهم، فإنّ ذلك خلاف تعاليمهم وسيرتهم حيث كانوا صلوات الله عليهم يحرصون فيها على حسن التعامل مع الآخر وعدم إبراز الاختلاف على وجه يوجب وهن الإسلام أو تشويه الحقّ، حتّى وردت التوصية بالصلاة معهم والكفّ عنهم وحضور مجالسهم وتشييع جنائزهم، وذلك أمر مؤكّد وواضح في التاريخ بالنظر إلى أحاديثهم وسيرتهم، ومن ثَمّ كانوا عليهم السلام موضع احترام الآخرين وثنائهم بل اهتمّوا بالتعلّم منهم والتفقّه لديهم.

وليس في تجنّب مثل ذلك ما يقتضي تنازل المرء عن العقيدة الحقّة ولا المعاداة والبراءة ممّن ظلمهم، ولا الإغماض عنها وعن بيانها، فإنّ لبيان المعنى أساليب متعدّدة تفي كلّها به بحسب مقاماته، وعلى المتكلّم الحكيم العارف بتنوّع أساليب البيان اختيار الأسلوب الملائم لذلك كما جروا صلوات الله عليهم عليه، ولذلك جاء عنهم حثّ علماء أصحابهم على معرفة ملاحن كلامهم ـ وهي ما يلوّح إليه الكلام ـ كقولهم: «إنّا لا نعدّ الرجل منكم فقيهاً حتّى نلحن فيعرف اللحن»، أو: «حتّى يعرف معاريض كلامنا».

صفحة 41

وليتجنّب المبلّغ التحاكم إلى عامّة الناس في المسائل النظريّة والتخصّصيّة التي لم يُكلّف الناس بها، أو جاز لهم فيها الاعتماد على المتخصّصين فيها، فإنّ ذلك يجرّ إلى تسطيح المسائل، واستغلال أدعياء العلم وأصحاب الضلالة، وتغييب الموازين العلميّة، وتهوين العلم والتخصّص الحقيقيّ وأهله، ولذلك كلّه مضاعفات سلبيّة كبيرة جدّاً في أوساط المؤمنين ولا سيّما في الأمد المتوسّط والبعيد.(1)

اجتناب صيغ الكلام المنفرة والضارة والموهمة:

أن يلاحظ المبلّغون ـ فضلاً عن سلامة مضمون خطابهم ـ آثاره التربويّة على المخاطبين والمجتمع، نظير ما يلاحظونه في الحديث مع أسرتهم وأولادهم، فرُبَّ معنى صحيح أو تصرّف سائغ في نفسه ينبغي تجنّب ذكره وممارسته بالنظر إلى عدم ملاءمته من حيث الآثار التي يتركها في نفس من يسمعه ويشهده، وشأن الدعاة إلى الله تعالى هو التذكير والتزكية معاً.

كما إنّ على المبلّغ أن يصوغ المقاصد الصائبة


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الاولى.

صفحة 42

والصحيحة بصياغة ملائمة، فإنّ المعنى الواحد يمكن أن يؤدّى بصيغ مختلفة، وقد يكون بعضها ملائماً ونافعاً ومؤثّراً، وبعضها الآخر ليس بهذه المثابة، بل قد يكون مضرّاً ومنفّراً.

ومن ثَمّ لا بدّ للمبلّغ من أن يتفطّن فيما يُلقيه من القول لإيحاءاته ولوازمه وإيهاماته، فإنّ من حكمة المتكلّم أن ينتبه في كلامه لمثل ذلك، فربّما ألقى المرء كلاماً فهم الناس منه غير ما قصد، أو أوحى لهم بغير ما أراد، أو أوهم معنى أو غاية لم ينتبه إليها، أو ترك أثراً لم يكن يتوقّعه، أو استغلّه امرئ بسوء نيّة فطعن به عليه على الحقّ وشوّه به وجه الحقيقة، وهذه أمور متوقّعة جدّاً في هذا الزمان من جهة أدوات التسجيل والتصوير، فلا بدّ للمرء من أن ينتبه إلى أنّ كلامه وإن كان في مشهد محدود لكنّه عرضة للانتشار فيتكلّم بما يلائم مقام انتشاره بعد أن كان لكلّ مقام مقال ولكلّ قول موضع، ولا يكون الخطيب والشاعر خطيباً أو شاعراً حقّاً إلاّ إذا كان يلتفت إلى زوايا خطابه وشعره ويستطيع التحكّم في صياغته على وجه مناسب ويتوقّى المحاذير والإيهامات التي ينبغي له تجنّبها.

وممّا يساعد على ذلك اطّلاع المرء على وقائع

صفحة 43

التاريخ وحوادث الحاضر فيما تشتمل عليه من النقد والتجريح والاستغلال والتشهير والإشاعة، فإنّ ذلك كلّه يمثّل تجربةً لا غنى عن الاطّلاع عليها؛ لأنّها توجب التيقّظ والانتباه وتلفت إلى مواضع الحذر ومواطن الفتنة.

وليحذر المبلّغون والشعراء والرواديد أشدّ الحذر عن بيان الحقّ بما يوهم الغلوّ في شأن النبيّ وعترتهصلوات الله عليهم، والغلوّ على نوعين: إسباغ الصفات الألوهيّة على غير الله سبحانه، وإثبات أمور ومعانٍ لم تقم حجّة موثوقة عليها، ومذهب أهل البيت عليهم السلام خالٍ عن الغلوّ بنوعيه، بل هو أبعد ما يكون عنه، وإنّما يشتمل على الإذعان للنبيّ وعترتهصلوات الله عليهم بمواضعهم التي وضعهم الله تعالى فيها من دون زيادة ولا إفراط، بل مع تحذّر في مواضع الاشتباه، وورعٍ عن إثبات ما لم تقم به الحجّة الموثوقة، وإنّما المتّقي من لا يغلو فيمن يحبّ كما لا يحيف على من يبغض، ولا يصحّ بناء هذه المعاني على مجرّد المحبّة، وتصديق كلّ من زاد شيئاً، والإذعان له بمزيد الإيمان، فإنّ ذلك يؤدّي إلى المزايدة في أمر الدين بغير حجّة، وحدوث البدع، وطمع الجاهلين، وترؤّس أهل الضلالة، وتراجع المتورّعين العاملين بالحجّة والمتوقّفين

صفحة 44

عند الشبهة، وذلك يمحق الدين ويرتدّ ارتداداً معاكساً بتفريط آخرين، والزيادة في العقيدة بغير حجّة موثوقة على حدّ النقصان فيها ممّن قامت عليه الحجّة عليها، ومن زاد اليوم شيئاً بغير حجّة زيد عليه غداً حتّى أنّه ليُتّهم بالتقصير والقصور، فلزوم الحجّة والميزان أحمد وأسلم.

وليحذر المبلّغ من سَوق الخطاب على وجه ينفّر الناس، مثل تعميم القول في الذمّ والتعريض بالمخاطبين، فإذا انتقد شيئاً فليُجمل ولا يُعمّم، وإذا تأدّى الغرض بالملامة والعتاب اكتفى بها عن الذمّ والتقريع، وليقدّر بجنب ذلك الخصال الحسنة والممارسات اللائقة للآخرين، ليكون ذلك تشويقاً إليها وإذعاناً بالحسنى لأهلها.(1)

الحذر من القول بغير علم وبصيرة:

تجنّب القول بغير علم وبصيرة، فإنّ ذلك محرّم في الدين أيّاً كان مضمون القول، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(2)، وليس في حسن قصد المرء


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة الثامنة.

(2) الإسراء: 36

صفحة 45

وسلامة غايته ما يبيح ذلك، كما لا يقيه من محاذير ذلك ومضاعفاته.

ولن يتأتّى ذلك إلّا بتنمية المرء لعلمه فيما يتعلّق بمجال حديثه وسعة اطّلاعه وممارسته والالتفات إلى مواضع الوفاق والخلاف ومواطن الوثوق والشكّ والريبة والأخذ بالاحتياط في الأمور كلّها.

ومن جملة مقتضيات ذلك الاطّلاع المناسب على التاريخ وحوادثه وظروف الوقائع وملابساتها وقيمة المصادر ودرجة اعتبارها.

وعلى الإجمال: فإنّه ينبغي للمبلّغ أن يكون ذا فضيلة في العلوم ذات العلاقة، متجهّزاً بالأدوات اللازمة، ممارساً في موضوع بحثه وحديثه، مطّلعاً على المعلومات المتعلّقة بذلك، متحوّطاً فيما لا يعلمه أو لم يتعلّمه بعد.

وليحذر المرء من الابتداع والبدع، وهي إضافة شيء إلى الدين ليس منه ولا حجّةً موثوقةً عليه فيه، فإنّ الابتداع في الدين من أضرّ وجوه الضلالة فيه، وهي تؤدّي إلى تشعّب الدين إلى عقائد متعدّدة وانقسام أهله إلى فرق وأحزاب مختلفة ومتقاطعة ـ كما نشهده في كثير من الأديان والمذاهب ـ، وقد جاء عن النبيّصلى الله عليه وآله التحذير

صفحة 46

من البدعة وأنّ شرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار.

ومن القول بغير علم وبصيرة المبالغة في الشيء والتجاوز به عن حدّه، كأن يجعل الأمر النظريّ المتوقّف على الاجتهاد واضحاً وبديهيّاً، أو يجعل الأمر المختلف فيه بين وجوه أهل العلم متّفقاً عليه بينهم تصريحاً أو تلويحاً وينزّله منزلته، أو يجعل المظنون مقطوعاً، أو يجعل المحتمل مظنوناً، أو يجعل بعض الوظائف الشرعيّة فوق درجاتها فيبلغ بالمستحبّ درجة الواجب ـ من غير عنوان ثانويّ واجب ينطبق عليه ـ وبالواجب من غير الدعائم درجة دعائم الدين أو يعكس ذلك، فإنّ ذلك كلّه أمر غير مقبول شرعاً، وعلى من يتبوّأ موقع التعليم والتزكية للناس وينتسب إلى أئمّة أهل البيتعليهم السلام في التربية والتعليم بحسب التلقّي العامّ أن يتورّع عن ذلك، ولا خير في كلام من غير ورع ولا في خطاب من غير تقوى، ومن يتّقِ الله سبحانه فهو خير له وأسلم لما يقصده.

ويتوقّف تجنّب المرء عن القول بغير علم على رعاية الاحتياط في مقام نقل الروايات والحوادث، والتثبّت في الشيء قبل العرض

صفحة 47

الجازم له بضبط ما يريد قوله قبل إلقائه وتكرار المرور عليه، فلا تفلتنَّ كلمة منه من دون أن يتأمّلها حقّ تأمّلها فتكون أشبه برميةٍ من غير رامٍ، وليستحضر أنّه لا مجال له للاعتذار بعد إلقاء الخطاب في المشهد العامّ، على أنّ ترك المرء قول ما لا ينبغي له أن يقوله ـ ولو لإيهامه ـ أولى من أن يعتذر عنه أو يتصدّى لاحقاً لإيضاحه.

وليحذر المبلّغون عن أن يشمل كلامهم أو يبتني على شيء من المجادلة عن الحقّ بالباطل، فإنّه يوهن الحقّ ويشوّش عليه ويربك المنهج الصائب للاحتجاج، على أنّ في ما ثبت من الحقّ وشواهده غنىً عن التمسّك بالباطل.(1)

تجنّب ما لا يليق من الأطوار والأساليب:

وليتجنّب المبلّغ ما لا يليق بقداسة مجالس الله سبحانه ورسوله وأوصيائهصلوات الله عليهم من أساليب وأطوار، فإنّ طبيعة الموضوع تملي على المتحدّث عنه أساليب أدائيّة مناسبة، فإذا نقضها المتكلّم انتقض غرضه واختلفت هويّة القول عمّا يُفترض به، بل ربّما كان إساءةً وهتكاً.(2)


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة السابعة.

(2) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة العاشرة.

صفحة 48

مراعات العفاف عن أي مأرب دنيوي وراء أداء هذه الوظيفة:

الابتعاد عن المشاحّة في طلب المال، وتجنّب ما يوجب سوء الظنّ ويخدش بنقاء الصورة ويؤشّر على الطمع، ومراعاة العفاف عن أيّ مأرب دنيويّ من وراء أداء هذه الوظيفة.(1)

تجنب المناقضة والمنافرة:

وليتجنّب المبلّغون ـ وكذلك أصحاب المجالس والمواكب ـ من المناقضة والمنافرة والتفرّق والاختلاف، ولا سيّما في بلاد المهجر، فإنّ ذلك يخدش بالإخلاص ويحبط الأجر ويوجب سوء الظنّ بين المؤمنين ويؤدّي إلى تعطّل المشاريع التي يتوقّف إنجازها على التعاون والتكاتف، ومن استطاع أن يجعل عمله وإعانته أشبه بصدقة السرّ من دون طلب رئاسة أو شهرة أو جاه فليفعل، فإنّ ذلك خير له وأكثر بركة، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّـهُ بِمَا


(1) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة العاشرة.

صفحة 49

تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(1)، ومن يتّق الله سبحانه يرزقه من حيث لا يحتسب ويجعل له من أمره يُسراً.(2)

عدم الدخول في الخلافات الشيعية:

ان يتسامى المنبر الحسيني عن الخوض في الخلافات الشيعية سواء في مجال الفكر او مجال الشعائر فان الخوض في هذه الخلافات يوجب انحياز المنبر لفئة دون اخرى او اثارة فوضى اجتماعية او تأجيج الانقسام بين المؤمنين، بينما المنبر راية لوحدة الكلمة ورمز للنور الحسيني الذي يجمع قلوب محبي سيد الشهداء عليه السلامهي مسار واحد وتعاون فاعل.(3)

الخاتمة

نسال الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق لخدمة طريق سيد الشهداء عليه السلاموان يجعلنا جميعا وجهاء بالحسين عليه السلامفي الدنيا والاخرة.

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وآل محمّد، وترحّم على محمّد وآل محمّد، كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل


(1) البقرة: 271

(2) توصيات سنة 1441هـ، الحكمة العاشرة.

(3) توصيات سنة 1438هـ، الرقم (8).

صفحة 50

إبراهيم إنّك حميد مجيد.

اللّهمّ وفّق الداعين إليك والمبلّغين لدينك والذاكرين لأهل بيت رسولك عليهم السلام لأداء هذه الوظيفة على الوجه الأمثل، واكتب لهم الإخلاص لك والابتغاء لرضوانك، وأعنهم على التحلّي بكلّ فضيلة والابتعاد عن كلّ ذميمة، واشكر لهم سعيهم في ذلك في الدنيا والآخرة، واكتب مثل ذلك لكلّ من سعى في ذلك بإقامة تلك المجالس والمراسم والإعانة عليها والحضور فيها، ربّنا وتقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم، والحمد لله ربّ العالمين.

***

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين