الرئيسية / الإصدارات / الكراسات الكترونية / سيرة الامام الحسن المجتبى عليه السلام

سيرة الامام الحسن المجتبى عليه السلام

العلامة-السيد-سامي-البدري2
الكراس رقم : 042
عدد الصفحات:63
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يتمحور هذا الكراس حول إبراز إمامة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوصفها “إمامة إلهية ومرجعية دينية واجتماعية في فعل الخير”، مستعرضاً تجليات ذلك في مرحلة ما قبل الصلح وما بعدها، ومؤكداً على أن دور الإمام لم ينحصر في الجانب السياسي، بل كان منطلقاً من مسؤوليته الإلهية تجاه الأمة.

أبرز محاور البحث:

  • المرجعية في فعل الخير: يركز العلامة البدري في هذا الكراس على جانب كبير من سيرة الإمام (ع) وريادته في أعمال البر والإحسان، حيث كان يمثل المرجعية العليا التي يقصدها الناس في شؤونهم كافة، مجسداً رحمة جده المصطفى (ص).
  • الإمامة قبل الصلح وبعده: يوضح الكراس أن “مرجعية فعل الخير” كانت ثابتة ومستمرة؛ فقبل الصلح كان الإمام يدير شؤون الأمة من موقع الخلافة بهذا النفس الإنساني، وبعد الصلح استمر في دوره كمرجع روحي واجتماعي يقود حركة الإصلاح والبناء الفردي والمجتمعي.
  • الصلح كاستطراد: يتناول البحث موضوع الصلح مع معاوية بشكل استطرادي (حيث للعلامة البدري دراسة منفصلة ومفصلة حول الصلح)، معتبراً إياه محطة فرضتها الظروف من اجل رأب صدع الامة الذي أوجه معاوية بحيله ومكره.
  • التكافل والمسؤولية الاجتماعية: يسلط الضوء على القصص والمواقف التاريخية التي تعكس كرم الإمام الحسن (ع) وجوده، مبيناً أن هذا السلوك كان استراتيجية لترسيخ قيم التكافل في المجتمع الإسلامي وتثبيت دعائم مدرسة أهل البيت (ع) في قلوب الناس.
  • إعادة قراءة الشخصية: يهدف الكراس إلى تحرير شخصية الإمام الحسن (ع) من الحصر في زاوية “الصلح” فقط، وإعادة تقديمها للأمة كنموذج للإمام المرجع الذي يهتم بشؤون الناس، ويقضي حوائجهم، ويقودهم نحو الكمال الأخلاقي والعملي.
فهرس المحتويات
ترقيم الصفحات موافق للكراس المنشور
  1. مقدِّمة المركز
  2. المبحث الأول
  3. مراحل حياته   عليه السلام
  4. طفولته  عليه السلام مع النبي  صلى الله عليه وآله  سبع سنوات
  5. أحداث سنوات محنة أبيه  عليه السلام مع الخلفاء (خمس وعشرون سنة)
  6. أحداث السنوات الخمس من حكم أبيه  عليه السلام
  7. المبحث الثاني سيرت عليه السلام ه في سنوات الصلح
  8. عبادته  عليه السلام وخوفه من الله تعالى
  9. كرمه وتعامله  عليه السلام مع المال
  10. رأفته  عليه السلام ونبله وتقييمه للنفوس النبيلة
  11. سعيه  عليه السلام في قضاء حوائج المؤمنين
  12. تربيته  عليه السلام للشباب
  13. نشاطه  عليه السلام اليومي
  14. نشاطه  عليه السلام العلمي
  15. إجابته  عليه السلام على الأسئلة الفقهية تاكيدا لفتاوى أبيه علي  عليه السلام
  16. سفراته  عليه السلام إلى الشام وحواراته مع معاوية ورجاله
  17. سؤدده  عليه السلام وهيبته وحلمه
  18. قصته  عليه السلام مع معاوية بن حديج سنة 44هجرية
  19. تعليمه  عليه السلام
  20. حسن خلقه  عليه السلام
  21. طرف من كلماته  عليه السلام
  22. بيعته وحكومته  عليه السلام  سبعة اشهر
  23. أولاده  عليه السلام وأمهاتهم
  24. أوصافه  عليه السلام
  25. وفاته  عليه السلام
  26. مدفنه  عليه السلام
صفحة 1
cover image

صفحة 2

عنوان الإصدار  : سيرة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام امامته الدنية ومرجعيته في فعل الخير

تاليف : السيد سامي البدري

سنة الإصدار : رمضان المبارك ـ 2023/1444

نوع الإصدار  : إلكتروني ـ PDF رقم الكراس (42)

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع  : fajrashura.com

صفحة 3

وسأل النبي  صلى الله عليه وآله علياً  عليه السلام إن كان قد سَمّاه؟ فقال  عليه السلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله.

فقال  صلى الله عليه وآله : وما كنت لأسبِق ربّي باسمه،

فأوحى الله تعالى إليه:

أنَّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون .

قال: وما اسم ابن هارون؟

قال: شُبَّر.

قال: لساني عربي.

قال: سمِّه الحَسن فسمّاه الحَسن.

صفحة 4

صفحة 5

مقدِّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد.. فان الإمام العظيم الشَّأن الحسن بن عليّ سبط النَّبي  صلى الله عليه وآله البكر حاز على مكانة رفيعة في قلوب المسلمين، وذلك حين رأى المسلمون الرِّعاية الخاصَّة من النَّبي  صلى الله عليه وآله له منذ ولادته، وما سمعوه ووعوه من أقوال وتوصيات بحقه والتي منها:

1. «اللهم إني أُحبُه فأَحبَّه وأحبَّ من يُحبُّه» . (1) وفي رواية أخرى: بينما الحسن بن علي  عليه السلام يخطب بعدما قُتل عليٌّ  عليه السلام إذ قام رجل من الأزد آدم طوال، فقال: لقد رأيت رسول الله  صلى الله عليه وآله واضعه (اي الحسن) في حبوته (2) يقول: «من أحبني فليحبه فليبلغ الشاهد الغائب»،


(1) رواه اصحاب الصحاح والمسانيدكالبخاري، ج2ص747. وصحيح مسلم ج5 ص 35، وسنن الترمذي ج5ص620 وسنن ابن ماجة ج1 ص51 و…

(2) الحبوة: هوما يُحتبى به، أي ما يُشتمل به من ثوب وغيره.

صفحة 6

ولولا عَزمة رسولِ الله  صلى الله عليه وآله ما حدثتكم.

وفي حديث آخر كان رسول الله  صلى الله عليه وآله ذات يوم يصلي بالناس فأقبل الحسن والحسين  عليهما السلام وهما غلامان فجعلا يتَوثَّبان على ظهره إذا سجد فأقبل الناس ُعليهما يُنحِّيانِهما عن ذلك ، فقال : «دعوهما بأبي وأمي من أحبَّني فليحب هذين» . (1)

2. «هو مني وأنا منه». (2)

كان رسول الله  صلى الله عليه وآله يصلي بالناس وكان الحسن بن علي يثب على ظهره إذا سجد ففعل ذلك غير مرة، فقالوا له : والله إنك لتفعل بهذا شيئاً ما رأيناك تفعله بأحد، قال المبارك فذكر شيئا ثم قال: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تبارك وتعالى به بين فئتين من المسلمين » . (3)

3. «من آذى هذا (أي الحسن) فقد آذاني» . (4)

4. «ان الحسن والحسين ريحانتاي من


(1) سنن البيهقي ج2 ص263.

(2) عن البراء بن عازب اخرجه ابن عساكر وذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى. راجع الحديث في كنز العمال ج13 ص 662، ذخائر العقبى، ج133.

(3) مسند أحمد ج5 ص44 عن أبي بكرة.

(4) كنز العمال ج12 ص 125، والمعجم الكبير للطبراني، ج3 ص42

صفحة 7

الدنيا» . (1)

5. «الحسن والحسين سبطان من الأسباط» . (2)

6. «الحسنان صفوة الله» . (3)

7. « الحسن والحسين، خير الناس جدا وجدة وأما وأبا» . (4)

8. «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» . (5)

9. ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الأحزاب/33. دعا النبي  صلى الله عليه وآله حسنا وحسينا وفاطمة وعلي وادخلهم في الكساء وتلا الآية وقال: «اللهم ان هؤلاء أهل بيتي وخاصتي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» . (6)


(1) صحيح البخاري، ج5 ص2234، وسن الترمذي ج5 ص615، والخصائص للنسائي ج5 ص150، ومسند احمد ج2 ص 208، ومسند ابي داود الطياليسي ج8 ص260.

(2) اخرجه الطبراني وابو نعيم، راجع كنز العمال ج12 ص119.

(3) تاريخ بغداد ج1 ص259.

(4) كنزل العمال ج6 ص221، والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص 66.

(5)

(6) صحيح مسلم ج5ص37، وسنن الترمذي ج5 ص656ومسند احمد ج7 ص415، وتفسير الطبري ج12 ص6، واسد الغابة ج4 ص110 وذخائر العقبى ص21.

صفحة 8

10.  ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ الشورى/23. قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال  صلى الله عليه وآله «علي وفاطمة وابناهما» . (1)

11. ونزلت فيهم آية المباهلة من سورة آل عمران فكان الحسن والحسين  عليهما السلام هم الأبناء المقصودون بها. (2)

12. وهو ممن نزلت فيهم سورة الدهر . (3)

13. الحسن بن علي  عليه السلام من آل البيت الذين يصلىّ عليهم عند الصلاة على النبي  صلى الله عليه وآله . عَلَّم النبيُّ  صلى الله عليه وآله أصحابه كيفية الصلاة عليه فقال قولوا: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد» . (4)

وقال الشافعي في ذلك:


(1) راجع تفسير الزمخشري ج3 ص467، وتفسير الرازي ج27 ص166 والدر المنثور ج7 ص346، وذخائر العقبى ص 25.

(2) راجع الزمخشري والرازي في ذيل تفسير الآية، والشبلنجي في نور الابصار ص 100. وغيرهامن المصادر الكثيرة.

(3) تفسير الطبري والدر المنثور والمزمخشري والرازي وغيرها، الآية.

(4) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ج5 ص 2338ـ صحيح مسلم ج1 ص381 والمصادر كثيرة.

صفحة 9

يا أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكم

فرضٌ من اللهِ في القرآنِ انزله

كفاكم من عظيم الشَّأن أنكم

من لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ له (1)

والحسن  عليه السلام ممن قال عنهم النبي  صلى الله عليه وآله :

14.  «مثلُ أهلِ بيتي كسفينةِ نوحٍ من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق» . (2)

15. وقال  صلى الله عليه وآله : «النُّجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف». (3)

16. وقال  صلى الله عليه وآله : «أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا أوراقها واصل الشجرة في جنة عدن وسائر ذلك في سائر الجنة». (4)


(1) الصواعق المحرقة ص 77.

(2) المستدرك على الصحيحين ج 2 ص343، المعجم الكبير للطبراني ج12ص27،ومجمع الزوائد ج9ص168، وحلية الأولياء ج4 ص306، والصواعق المحرقة ص 186و…

(3) المستدرك على الصحيحين ج3 ص149، الصواعق المحرقة ص 152، وكنز العمال ج12 ص103.

(4) المستدرك على الصحيحين ج3 ص160. وميزان الاعتدال ج1 ص505 واللئالي المصنوعة ج1 ص405.

صفحة 10

17.  وقال  صلى الله عليه وآله : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر

صفحة 11

كتابُ اللهِ حبل الله ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرَّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» . (1)

***

هذا غَيْضٌ من فَيضِ الأحاديث الشريفة التي تكشف عن عظيم منزلة أهل بيت النبي  صلى الله عليه وآله لاسيما الحسن بن علي  عليه السلام ، ومن دلالات هذه النصوص:

أولا: إن الوحي والبصيرة النبوية وليست العاطفة وراء هذه الأحاديث.

ثانيا: تحوَّلت أحاديثه  صلى الله عليه وآله في أهل بيته  عليهم السلام من بعده إلى آيات حين شاهد الناس تصديقها في سيرتهم.


(1)  منها: سنن الترمذي ج5 مناقب أهل بيت النبي ح3876 ص329 ط. 1403هـ دار الفكر بيروت. يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة ص148: «ثم اعلم أن لحديث التمسُّك بذلك طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا، ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبهة ، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوادع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال (ذلك) لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مر ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها ، اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة».

صفحة 12

ثالثا: من اهم ما تشخِّصه أحاديث النبي  صلى الله عليه وآله في أهل بيته  عليهم السلام مفهوم الذين أنعم الله عليهم في أمة محمد صلى الله عليه وآله وهم آله الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والصراط المستقيم يتمثل بهم، ومفهوم المغضوب عليهم وهم أئمة الضلال الذين اجتهدوا في محو ذكر وآثار آل محمد صلى الله عليه وآله ، والضالُّون وهم الذين لم يعرفوا آل محمد صلى الله عليه وآله .

رابعا: إن اتّباع آل محمد واجب وفريضة على كل مسلم آمن بالله واليوم الآخر.

خامسا: إنهم الأمناء على الوحي وعندهم علم الكتاب ورثوه من النبي  صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى.

سادسا: إنهم  عليهم السلام عباد الله الـمُخلَصون وان مودتهم في هذه الدنيا واجبة وفي الآخرة يُسأل النّاس عنها.

سابعا: إن النبي  صلى الله عليه وآله كَلَّفهم حفظ الرسالة من بعده، يفتحون الطريق إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله  صلى الله عليه وآله .

ثامنا: إن الله شرفهم بالأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة والاصطفاء ليكونوا أُسوةً حسنةً للناس سابقون بالخيرات بهم يُعرف المعروف ويُنكر الـمُنكر .

صفحة 13

تاسعا: ان الله تعالى خصهم بالشفاعة في الدنيا والآخرة.

عاشرا: ان آل محمد صلى الله عليه وآله هم العباد الصالحون الذين وَعَدَهُم اللهُ بوراثة الأرض في آخر الزمان.

تلك عَشرة كاملة.

***

الكراس الماثل بين يدي القارئ الكريم بعنوان: «سيرة الإمام الحسن المجتبى  عليه السلام إمامته الدينيَّة ومرجعيَّته في فعل الخير» هو بحث مستل من كتاب «الإمام الحسن في مواجهة الضلال الأموي» للعلامة المحقق السيد سامي البدري.

تناول في المبحث الأول مراحل حياته من طفولته  عليه السلام مع النبي  صلى الله عليه وآله  وأحداث سنوات محنة أبيه  عليه السلام مع الخلفاء وأحداث سنوات حكم أبيه  عليه السلام  خمس سنوات .

وتناول في المبحث الثاني سيرته في سنوات الصلح وقد ذكر نحو تسعة عشر عنوانا وآخرها شهادته ومدفنه  عليه السلام .

كان منهج العلامة البدري في هذا المختصر هو ذكر المعلومات الموثوقة من المصادر المعتبرة والتحليل في موارد معينة مثل رأيه التحقيقي في

صفحة 14

عدم صحة رواية اشتراك الحسنين  عليهما السلام في حركة الفتوح وتفسيره المبدع في علة إعطاء الإمام عليه السلام أموالا كثيرة لبعض الفقراء والسائلين، وغرضه الأساسي هو عرض صورة سريعة ومختصرة عن الإمام الحسن  عليه السلام لدعم رؤيته التحليلية المفصلة عن الصلح. ويجد القارئ الكريم غالِب هذه الآراء بعد قوله (أقول) سواء في المتن أو الهامش.

ولابد أن نشير إلى أننا نشرنا سابقاً كراساً
خاصاً يتناول صلح الإمام الحسن  عليه السلام بشكل تحليلي وفق تحقيقات سماحة العلامة البدري يتناول مفردات الصلح والنتائج التي ترتبت عليه وكيف انه كان كصلح الحديبية فتحا مبينا .

اقتصر عملنا في هذه المادة على إعادة تقسيم المباحث وتعديل بعض العناوين وتلافي بعض الأخطاء وتشكيل بعض الكلمات.

د. السيد حسين البدري

م. وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة

13 رمضان المبارك 1444 هجرية
الموافق لـ2023/4/4

صفحة 15

المبحث الأول:

مراحل حياته  عليه السلام

ولد الحسن في 15رمضان من السنة الثالثة من الهجرة وتوفي في صفر أو ربيع الأول سنة 50ه‍، وقيل سنة 49ه‍ وقيل سنة 51 ه‍ والأول اشهر وقد اخترناه في هذا البحث وبذلك يكون قد عاش 47 سنة تقريبا تفصيلها كما يلي:

سبع سنوات مع جده النبي  صلى الله عليه وآله .

خمس وعشرون سنة عاش مع أبيه علي  عليه السلام في محنته مع الخلفاء في المدينة.

خمس سنوات مع بيعة أبيه في حكمه.

سبعة شهور من بيعته حاكما.

عشر سنوات في عهد صلحه (سنوات مرجعيته الدينية المستقلة عن السلطة).

صفحة 16

طفولته  عليه السلام مع النبي  صلى الله عليه وآله  سبع سنوات:

ولد الحسن بن علي  عليهما السلام في المدينة ليلة النصف من رمضان وكان يشبه النبي  صلى الله عليه وآله (1) .

وسأل النبي  صلى الله عليه وآله علياً  عليه السلام إن كان قد سماه؟ فقال  عليه السلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله.

فقال  صلى الله عليه وآله : وما كنت لأسبق ربّي باسمه، فأوحى الله تعالى إليه:

أنَّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون .

قال: وما اسم ابن هارون؟

قال: شُبَّر.

قال: لساني عربي.

قال: سمِّه الحسن فسمّاه الحسن. (2)

أخذه النبي  صلى الله عليه وآله من فور ولادته فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ثم عق عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة فكان وزن درهما وشيئا وأمر فطلي راسه طيبا وسُنَّت بذلك سُنَّة العقيقة والتصدُّق بوزن الشعر.

روى ابن عساكر عن شعبة، قال: سمعت بريد


(1)  الطبري، تاريخ الطبري ج2 ص68.

(2)  المجلسي، بحار الانوار ج43 ص177.

صفحة 17

ابن أبي مريم يحدث عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي  عليه السلام : ما تذكر من رسول الله   صلى الله عليه وآله ؟

قال  عليه السلام : أذكر من رسول الله   صلى الله عليه وآله أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في فـيَّ قال: فنزعها رسول الله  صلى الله عليه وآله بلعابها فجعلها في التمر.

فقيل: يا رسول الله ما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟

قال: إنّا آل محمد لا تَحِلُّ لنا الصدَّقة. (1)

قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة.

قال  عليه السلام : وكان يعلِّمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت . (2)

وروى الدولابي قال حدثنا أحمد بن يحيى نا عبد الحميد بن صالح نا أبو شهاب عن مسعر عن أبي مصعب السلمي قال: حدثني ثلاثة رجال


(1)  احمد بن حنبل، مسند احمد ج2 ص345، ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة 1993م، ج2ص39، الطبراني، المعجم الكبير ج3 ص76، أبو يعلى الموصلي، مسند أبي يعلى ج5 ص167.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص6.

صفحة 18

منهم: الحسن بن علي  عليه السلام : أن النبي  صلى الله عليه وآله كان يقول: «اللهم أقلني عثرتي واستر عورتي وآمن روعتي واكفني من بغى علي وانصرني ممن ظلمني وأرني ثاري منه» . (1)

وروى أيضا حدثنا أبو جعفر ـ أحمد بن يحيى الصوفي نا إسماعيل بن صبيح اليشكري نا صباح بن واقد الأنصاري عن سعد الإسكاف عن عمير بن مأمون عن الحسن بن علي قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من صلى الفجر فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار» . (2)

وروى أبونعيم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا يوسف القاضي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا مبارك بن فضالة: حدثنا الحسن، حدثني أبو بكرة قال:

كان النبي  صلى الله عليه وآله يصلي بنا فيجئ الحسن ـ وهو ساجد ـ صبي صغير حتى يصير على ظهره ـ أورقبته ـ فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى صلاته


(1)  محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية، تحقيق سعد المبارك الحسن، الدار السلفية ـ الكويت 1407ه‍، ص118ـ119.

(2)   محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية ص119.

صفحة 19

قالوا: يا رسول الله إنك لتصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد؟! فقال: «إن هذا ريحانتي وإن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» . (1)

وروى الحاكم في المستدرك: عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أوالحسين فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله صليه الله عليه وسلم قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أوكان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته. (2)


(1)  أبو نعيم، حلية الأولياء ج2، ص44.

(2)  الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج3 ص183.

صفحة 20

وفي تهذيب الكمال ان: الحسن بن علي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فيركب ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر. (1)

روى ابن عساكر بسنده عن نصر بن علي أنا علي بن جعفر بن محمد حدثني أخي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده: أن النبي أخذ الحسن والحسين فقال: «من احبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة». قال ابن عساكر: أخرجه الترمذي عن نصر بن علي. (2)

وروى أيضا بسنده عن سفيان عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي جلل عليا وحسنا وحسينا وفاطمة كساء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم اذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا» ، فقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أنا، وأنا منهم؟ قال انك إلي


(1)  المزي، تهذيب الكمال، ج2 ص586.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص33.

صفحة 21

خير. (1)

وروى عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ الأحزاب/33 قلت يا رسول الله الست من أهل البيت؟ قال انك إلى خير، انك من أزواج رسول الله، قالت: وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين. (2)

وروى عن سالم بن أبي الجعد عن قيس بن أبي حازم عن حذيفة بن اليمان قال: بت عند رسول الله ليلة فرأيت شخصا فقال لي النبي هل رأيت قلت نعم، قال فإن ملكا هبط عليَّ من السماء لم يهبط عليَّ إلا ليلتي هذه فبشرني «أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» . قال الراوي وحدثونا به انه قال وأبوهما خير منهما. (3)

وروى عن أبي إسحاق عن زيد بن ارقم قال: أني لعند رسول الله  صلى الله عليه وآله إذ مرَّ علي وفاطمة والحسن والحسين  عليهم السلام .

فقال رسول الله  صلى الله عليه وآله : «أنا حربٌ لمن حاربهم


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص34.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص42.

(3)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص43.

صفحة 22

سلمٌ لمن سالمهم» . (1)

وروى عن عبد الرحمن بن أبي ذئاب حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله  صلى الله عليه وآله دخل على ابنته فاطمة وابناها إلى جانبها وعلي نائم فاستسقى الحسن فأتى رسول الله  صلى الله عليه وآله ناقة لهم تحلب فحلب منها ثم جاء به فنازعه الحسين أن يشرب قبله حتى بكى فقال يشرب أخوك ثم تشرب فقالت فاطمة كأنه آثر عندك منه؟

قال: ما هو بآثر عندي منه وانهما عندي بمنزلة واحدة، وانك وهما وهذا المضطجع معي في مكان واحد يوم القيامة. (2)

أحداث سنوات محنة أبيه  عليه السلام مع الخلفاء (خمس وعشرون سنة):

قال في ينابيع المودة أخرج الدارقطني: إن الحسن جاء لابي بكر وهو على المنبر، فقال: انزل عن مجلس أبي وفي رواية عن منبر أبي. فقال: صدقت، والله إنه لمجلس أبيك. ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضى الله


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص51.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص56.

صفحة 23

عنه: أما والله ما كان عن رأيي. فقال: صدقت، والله ما اتهمتك. (1)

انسحبت ظلامة أبيه فلم يرع الخلفاء حقه وحق أبيه، وتبنوا تقديم عبد الله بن عباس في المجتمع  (2) .

أما الرواية التي تقول انه  عليه السلام كان في جيش الفتوح زمن عثمان فهي موضوعة.

أحداث السنوات الخمس من حكم أبيه  عليه السلام :

حضر الجمل وصفين والنهروان. ولم يسمح علي  عليه السلام له ولا لأخيه الحسين أن يشتركا في القتال


(1)  القندوزي، ينابيع المودة، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة للطباعة والنشر 1416ه‍، ج2 ص 465.

(2) أقول: وقد دفع أمير المؤمنين ابن عباس ان يساير عمر في رغبته ان يقربه، وعلمه ماذا يستفيد من هذا التقريب من تصريحات ينتزعها منه في أوقات الانبساط، روى البخاري بسنده عن يحيى بن سعيد قال سمعت عبيد بن حنين يقول سمعت ابن عباس يقول أردت أن اسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثت سنة فلم أجد له موضعا حتى خرجت معه حاجا فلما كنا بظهران ذهب عمر لحاجته فقال أدركني بالوضوء فأدركته بالإداوة فجعلت أسكب عليه ورأيت موضعا فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا قال ابن عباس فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. فهو ينتظر حالة انشراح عمر سنة كاملة حتى يسال سؤالا قد اعده في ذهنه والسؤال يرتبط بقوله تعالى ﴿ إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ  4﴾ التحريم/4.

صفحة 24

واثر عنه كلامه فيهما في يوم صفين: أملكوا عنى هذين الفتيين، أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله . (1)

عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أقبلنا مع الحسن وعمّار بن ياسر من ذي قار (2) حتى نزلنا القادسيّة، فنزل الحسن وعمّار ونزلنا معهما، فاحتبى (3) عمّار بحمائل سيفه، ثمّ جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم …

قال: فلمّا دخل الحسن وعمّار الكوفة اجتمع إليهما الناس، فقام الحسن فاستنفر الناس، فحمد الله وصلّى على رسوله، ثمّ قال:

أيّها الناس! إنّا جئنا ندعوكم إلى الله، وإلى كتابه، وسنّة رسوله، وإلى أفقه من تفقّه من المسلمين، وأعدل من تُعدّلون، وأفضل من تُفضّلون، وأوفى مَن تُبايعون، من لم يعِبْه القرآن، ولم تُجَهِّلْه السنّة، ولم تقعد به السابقة. إلى من قرّبه الله تعالى إلى رسوله قرابتين: قرابة الدين،


(1)  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج1 ص184.

(2)  ذُوقار: موضع بين الكوفة وواسط، وهو إلى الكوفة أقرب، فيه كان «يوم ذي قار» بين الفرس والعرب (تقويم البلدان: 292).

(3)  الاحتباء: هو أن يضمّ الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدّه عليها (النهاية: 1 / 335).

صفحة 25

وقرابة الرحم. إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثره. إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم مُحجِمون، وصدّقه وهم يُكذّبون. إلى من لم تُردّ له رواية ولا تُكافأ له سابقة، وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحقّ، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثّلوا بعمّاله، وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم الله، فمُروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون . (1)

قال أبو مخنف: حدثني جابر بن يزيد، قال: حدثني تميم بن حذيم الناجي، قال: قدم علينا الحسن بن علي  عليه السلام وعمار بن ياسر، يستنفران الناس إلى علي  عليه السلام ، ومعهما كتابه، فلما فرغا من قراءة كتابه، قام الحسن ـ وهو فتى حدث، والله اني لأرثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه ـ فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون اللهم سدد منطق


(1)  شرح نهج البلاغة عن أبي مخنف عن موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ج14 ص225 226، وقد تقدم الخبر.

صفحة 26

ابن بنت نبينا فوضع يده على عمود يتساند إليه، وكان عليلا من شكوى به، فقال:

الحمد لله العزيز الجبار، الواحد القهار، الكبير المتعال، (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أمتن علينا بنبوته، واختصه برسالته، وأنزل عليه وحيه، واصطفاه على جميع خلقه، وأرسله إلى الإنس والجن، حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان، وجحد الرحمن، فصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين.

أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ أرشد الله أمره، وأعز نصره ـ بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، وإلى العمل بالكتاب، والجهاد في سبيل الله، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله. ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه، ثم شهد مع رسول

صفحة 27

الله صلى الله عليه وآله جميع مشاهده. وكان من اجتهاده في مرضاه الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيا عنه، حتى غمضه بيده وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعداته، وغير ذلك من أموره، كل ذلك مِنْ مَنِّ الله عليه. ثم والله ما دعا إلى نفسه، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه، ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه. فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته، والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته، وألهمنا وإياكم تقواه، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه. واستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرحبة، فهيا منزلا لابيه أمير المؤمنين. قال جابر: فقلت لتميم كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه فقال ولما سقط عني من قوله أكثر، ولقد حفظت بعض

صفحة 28

ما سمعت . (1)

قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل: وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن على  عليه السلام بعد خطبة عبد الله ابن الزبير:

حسن الخير يا شبيه أبيه

قمت فينا مقام خير خطيب

قمت بالخطبة التي صدع الله بها

عن أبيك أهل العيوب

وكشفت القناع فاتضح الأمر

***


(1)  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج14 ص226.

صفحة 29

المبحث الثاني
سيرته في سنوات الصلح

عالج الإمام الحسن  عليه السلام الانشقاق الذي كان ينطوي على مخاطر جسيمة على الرسالة والأمة تحدثنا عنها في الفصول السابقة، وفتح الشام لمشروع علي  عليه السلام الإحيائي للسنة ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وأقام حكومة المجتمع المدني وقدم اختيار أهل الشام على أهل العراق مؤقتا، محتفظا لنفسه بموقع الإمامة الهادية الذي لم يأته ببيعة الناس بل بالوصية من النبي  صلى الله عليه وآله وهو موقع لا يزيده الحكم شيئا ولا ينقصه شيئا.

وقد سجلت له كتب التاريخ من فعل الخير وعبادة الله تعالى في هذه السنوات ما يجعله مصداقا لقوله تعالى ﴿وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ الأنبياء/73 الأمر الذي جعله يرتقي

صفحة 30

في الشرف عند الناس ما لم يبلغه احد إلا رسول الله  صلى الله عليه وآله ، ويكون يوم وفاته كيوم وفاة النبي  صلى الله عليه وآله حين حشد أهل المدينة انفسهم جميعا الرجال والنساء والأطفال لكي يحضروا جنازته. وفيما يلي طرف من أعمال الخير هذه قد اقف عند بعضها بتحليل مختصر، واترك الباقي لوضوحها في الإفصاح عن نفسها:

عبادته  عليه السلام وخوفه من الله تعالى:

عن المفضل بن عمر، قال قال الصادق  عليه السلام : حدثني أبي، عن أبيه  عليهما السلام «إن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام :

كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم،

وكان إذا حج حج ماشيا، وربما مشى حافيا،

وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل،

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب

صفحة 31

السليم، ويسأل الله تعالى الجنة، وتعوذ به من النار،

وكان  عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه،

وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا» . (1)

وقال ابن عساكر عن عبد الله بن العباس قال: «ما ندمت علي شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا، ولقد حج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه» . (2)

كرمه وتعامله  عليه السلام مع المال:

روى ابن عساكر عن أبي هشام القناد، قال: كنت أحمل المتاع من البصرة إلى الحسن بن علي وكان يُماكِسُني فلعلي لا أقوم من عنده حتى يهب عامته، ويقول: إن أبي حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المغبون لا محمود ولا


(1)  الشيخ الصدوق، الأمالي، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة 1417ه‍، ص140.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص72، الذهبي، سير اعلام النبلاء، ج4 ص387.

صفحة 32

مأجور» . (1)

وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب سمع إلى جنبه رجلا يسأل أن يرزقه الله عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه.

قال هشام بن حسان، عن ابن سيرين: إن الحسن بن علي كان يجيز الرجل الواحد بمئة ألف.

قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات وخرج من ماله لله تعالى مرتين. (2)

سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال له ائت بحمال يحمل لك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه فقال هذا كرى الحمال.

وجاءه بعض الأعراب فقال: اعطوه ما في الخزانة، فوجد فيها عشرون ألف درهم فدفعت إليه، فقال الأعرابي يا مولاي إلا تركتني أبوح بحاجتي وانشر مدحتي؟ فانشأ الحسن يقول:


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص74.

(2)  المزي، تهذيب الكمال ج2 ص590 591، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص74.

صفحة 33

نحن أناس نوالنا خضل

يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال انفسنا

خوفا على ماء وجه من يسل (1)

أقول:

من الواضح إن هذا التصرف من الحسن  عليه السلام يستهدف الضغط على معاوية وإثارته ليقتدي بالحسن  عليه السلام وليكون اكثر كرما منه وبذلك يتحرك المال الذي اكتنزه معاوية في خزانته في المجتمع لقضاء حوائج الناس. ومع ذلك كله فان معاوية لا يلحق بالحسن  عليه السلام لأنه  عليه السلام قاسم الله عز وجل ثلاث مرات ماله حتى انه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطى خفا ويمسك خفا. وخرج من ماله مرتين (رواه ابن حبيب). (2)

رأفته  عليه السلام ونبله وتقييمه للنفوس النبيلة:

روي أنه  عليه السلام كان ماراً في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف، فقال له


(1)  المجلسي، بحار الأنوار ج43 ص253 نقل عن المناقب لابن شهر آشوب ص14.

(2)  ومثله عن المدائني المحمودي 9.

صفحة 34

الحسن: ما حملك على أن شاطرته فلم تغابنه فيه بشيء؟ فقال: استحت عيناي من عينيه أن أغابنه. فقال له: غلام من أنت؟ قال: غلام أبان بن عثمان. فقال له: والحائط؟ قال: لابان بن عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك. فمر فاشترى الغلام والحائط وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك. فقام قائما فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي. قال: فقد اشتريت الحائط وأنت حر لوجه الله والحائط هبة مني إليك. قال: فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. (1)

سعيه  عليه السلام في قضاء حوائج المؤمنين:

روى ابن عساكر عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين  عليهما السلام قال: خرج الحسن  عليه السلام يطوف بالكعبة فقام إليه رجل فقال: يا أبا محمد اذهب معي في حاجتي إلى فلان.

فترك  عليه السلام الطواف وذهب معه، فلما ذهب خرج إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه،


(1)  الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج6 ص33، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص75.

صفحة 35

فقال: يا أبا محمد تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟ قال: فقال له الحسن: وكيف لا أذهب معه؟ ورسول الله  صلى الله عليه وآله قال: «من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجة وعمرة وإن لم تقض له كتبت له عمرة» . فقد اكتسبت حجة وعمرة ورجعت إلى طوافي. (1)

تربيته  عليه السلام للشباب:

قال محمد بن سعد: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثنا مسعود ابن سعد، قال: حدثنا يونس بن عبد الله بن أبي فروة، عن شرحبيل أبي سعيد، قال: دعا الحسن بن علي  عليه السلام بنيه وبني أخيه، فقال:

يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أويحفظه فليكتبه وليضعه في بيته. (2)


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص76.

(2)  ترجمة الامام الحسن  عليه السلام من طبقات ابن سعد القسم المفقود ج1 ص292. الدارمي، سنن الدارمي، الاعتدال دمشق 1349ه‍، ص91، البخاري، التاريخ الكبير، لمكتبة الإسلامية ـ ديار بكر – تركيا، ج8 ص281.

صفحة 36

نشاطه  عليه السلام اليومي:

قال محمد بن سعد، أخبرنا علي بن محمد، عن محمد بن عمر العبدي، عن أبي سعيد: إن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن بن علي.

قال: يا أمير المؤمنين،

إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله رجل له شرف إلا أتاه فيتحدثون.

حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين، ثم نهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه.

ثم ينصرف إلى منزله ثم يروح فيصنع مثل ذلك.

فقال: ما نحن معه في شيء. (1)

نشاطه  عليه السلام العلمي:

كان يتتبع ما تفرق من سيرة أبيه ومسائله وخطبه يجمعها من أصحاب أبيه.


(1)  ترجمة الامام الحسن  عليه السلام من طبقات ابن سعد ج1 ص297، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص71، البلاذري، انساب الاشراف ج3 ص274.

صفحة 37

إجابته  عليه السلام على الأسئلة الفقهية تاكيدا لفتاوى أبيه علي  عليه السلام :

حدثني أبي قال حدثنا حسين بن حسن قال حدثنا شريك عن خارجة الصيرفي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:

سألت الحسن بن علي  عليه السلام عن قول علي في الخيار؟

فدعا بربعة فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي  عليه السلام في الخيار. (1)

سفراته  عليه السلام إلى الشام وحواراته مع معاوية ورجاله:

روى أبو عثمان الجاحظ قال:

دخل الحسن بن علي   عليهما السلام على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير وكان معاوية يحب أن يُغري بين قريش فقال يا أبا محمد أيُّهما كان اكبر سنا علي أم الزبير؟

فقال الحسن  عليه السلام : ما اقرب ما بينهما وعلي أسنّ من الزبير، رحم الله عليا.


(1)  احمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال تحقيق: الدكتور وصي الله بن محمود عباس، دار الخاني الرياض1408ه‍، ج1 ص346.

صفحة 38

فقال ابن الزبير رحم الله الزبير.

وهناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب، فقال يا عبد الله وما يهيجُك من أن يترحَّم الرجل على أبيه.

قال: وأنا أيضا ترحمت على أبي.

قال: أتظنه نداً له وكفؤا.

قال: وما يعدِل به عن ذلك؟ كلاهما من قريش، وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له.

قال: دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش، ومن الرسول  صلى الله عليه وآله حيث تعلم. ولما دعا إلى نفسه أتُّبِع فيه وكان رأسا، ودعا الزبير إلى أمر وكان الرأس فيه امرأة، ولما تراءت الفئتان نكصَ على عقبيه وولى مُدبِرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه، أويدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجلٌ لو قِيسَ ببعض أعضائه لكان اصغر، فضرب عنقه وأخذ سَلََبه وجاء برأسه، ومضى عليٌّ قُدُما كعادته مع ابن عمه! رحم الله عليا.

فقال ابن الزبير: أما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلِم.

فقال: إن الذي تُعرِّض به يرغب عنك.

وكفَّه معاوية فسكتوا.

صفحة 39

وأخبرت عائشة بمقالتهم. ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا أبا سعيد انت القائل لابن أختي كذا، فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا، فقال: إن الشيطان يرانا ولا نراه.

فضحكت عائشة وقالت: لله أبوك ما اذلق لسانك. (1)

سؤدده  عليه السلام وهيبته وحلمه:

روى ابن عساكر: عن رجل من أهل الشام قال: قدمت المدينة فرأيت رجلا جُهريا كحالة (أي ذا منظرا وهيئة حسنة).

فقلت: من هذا؟

قالوا: الحسن بن علي  عليه السلام .

قال: فحسدت والله عليا أن يكون له ابن مثله،

قال: فأتيته.

فقلت: أنت ابن أبي طالب؟

قال: أني ابنه.

فقلت: بك وبأبيك وبك وبأبيك.

قال: وأزم لا يرد إلي شيئا،

ثم قال: أراك غريبا فلو استحملتنا حملناك،


(1)  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج11 ص16، ابن عبد ربه، العقد الفريد ج3 ص205.

صفحة 40

وإن استرفدتنا رفدناك، وإن استعنت بنا أعناك.

قال فانصرفت والله عنه وما في الأرض أحد أحب إلي منه. (1)

قال وحدثنا ابن أبي الدنيا حدثني سليمان بن أبي شيخ حدثني أبي صالح بن سليمان قالا قدم رجل من المدينة وكان يبغض عليا  عليه السلام فقطع به فلم يكن له زاد ولا راحلة فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة فقال له عليك بحسن بن علي  عليه السلام ، فقال له الرجل: ما لقيت هذا إلا في حسن وأبي حسن فقيل له فإنك لا تجد خيرا إلا منه فأتاه فشكا إليه فأمر له بزاد وراحلة.

فقال: الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقيل للحسن  عليه السلام أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة قال أفلا اشتري عرضي منه بزاد وراحلة. (2)

قصته  عليه السلام مع معاوية بن حديج سنة 44هجرية:

عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية قال حج


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص75، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج18 ص417.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص76.

صفحة 41

معاوية بن أبي سفيان وحج معه معاوية بن حديج وكان من أسبِّ الناس لعلي  عليه السلام فمر في المدينة في مسجد الرسول الله   صلى الله عليه وآله والحسن بن علي  عليه السلام جالس في نفر من أصحابه فقيل له هذا معاوية بن حديج الساب لعلي رضي عنه فقال علي بالرجل فأتاه الرسول فقال أجب قال من قال الحسن بن علي  عليه السلام ، يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن بن علي رضي الله عنه أنت معاوية بن حديج قال نعم فرد عليه ثلاثا فقال له الحسن الساب لعلي فكأنه أستحيى فقال له الحسن رضي الله عنه: أم والله إذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وقد خاب من افترى. (1)

وروى ابن عساكر عن عبد الرزاق، قال: قال لي عبد الله بن مصعب:

كان رجل عندنا قد انقطع في العبادة، فإذا ذكر عبد الله بن الزبير بكى، وإذا ذكر عليا نال منه!


(1)  الطبراني، المعجم الكبير ج3 ص91 ـ 92 حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي ثنا سعيد بن خيثم الهلالي عن الوليد بن يسار الهمداني عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية.

صفحة 42

قال: فقلت: ثكلتك أمك لروحة من علي أوغدوة منه في سبيل الله خير من عمر عبد الله بن الزبير حتى مات.

وعن عبد الله بن عروة أخبره قال: رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي  عليه السلام في غداة من الشتاء باردة، قال: فوالله ما قام حتى تفسخ جبينه عرقا!.

قال: فغاظني ذلك فقمت إليه فقلت: يا عم. قال: ما تشاء؟ قلت: رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي فما قمت من عنده حتى تفسخ جبينك عرقا! قال: يا ابن أخي انه ابن فاطمة لا والله ما قامت النساء عن مثله. (1)

وقيل للحسن عليه السلام : فيك عظمة!

فقال  عليه السلام : «بل فيَّ عزة» ، قال الله: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ (2) .

وقال معاوية لعبد الله بن الزبير سنة 44 حين زار المدينة:

ألا ترى الحسن زارني مرة واحدة …

قال: ان مع الحسن مائة ألف سيف لوشاء ضربك بها.


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص69 70.

(2)  المجلسي، بحار الانوار ج43 ص251.

صفحة 43

قال محمد بن إسحاق: ما بلغ احد من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ما بلغ الحسن بن علي . كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما يمر احد من خلق الله إلا جلس إجلالا له فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس. ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى فما من خلق الله احد إلا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص فقد نزل ومشى إلى جنبه. (1)

وقال مدرك بن زياد لابن عباس وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما:

انت اسن منهما تمسك لهما بالركاب؟

فقال: يا لكع وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله أوليس مما انعم الله علي به ان امسك لهما واسوي عليهما! (2)

قال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي عليه السلام عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك. (3)


(1)  المجلسي، بحار الانوار ج43 ص254 نقل عن المناقب.

(2)  المجلسي، بحار الانوار ج43 ص237، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج14 ص155، ابن عساكر تاريخ مدينة دمشق ج14 ص68.

(3)  المجلسي، بحار الانوار ج43 ص251.

صفحة 44

تعليمه  عليه السلام :

روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي برزة الأسلمي قال: ولد للحسن بن علي   عليهما السلام مولود فأتته قريش فقالوا: يهنئك الفارس، فقال: وما هذا من الكلام؟ قولوا: «شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ الله به أشده، ورزقك بِرَّه» . (1)

وروى عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الرحمن بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري رفعه قال: إن الحسن بن علي عليهما السلام خرج من الحمام فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالاست ههنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم العرق؟ قال: طاب حمامك: فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟

قال: طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك. (2)


(1)  الكليني، الكافي ج6 ص. 19

(2)  الكليني، الكافي ج6 ص515. بيان: قال الفيروزآبادي: استحم اغتسل بالماء الحار، والماء البارد ضد وقال: ولا يقال ” طاب حمامك وإنما يقال: طابت حِمَّتك بالكسر أي حميمك أي طاب عرقك، انتهى. ولعله عليه السلام قال: ما تصنع بالاست، على وجه المطايبة لكون الاست موضوعا لأمر قبيح، وإن لم يكن مقصودا ههنا تنبيها له على أنه لابد أن يرجع في تلك الأمور إلى المعصوم، ولا يخترعوا بآرائهم، ويحتمل أن يكون المراد أن الألف والسين والتاء الموضوعة للطلب غير مناسب في المقام فيكون إشارة إلى أن الاستحمام بمعنى الاغتسال لغة غير فصيحة (بحار الا نوار ج44 ص341)

صفحة 45

حسن خلقه  عليه السلام :

عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال :

ما تكلم عندي أحد كان احب إلي إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه كان بين حسين بن علي وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في ارض فعرض حسين أمرا لهم لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم انفه قال فهذا اشد كلمة فحش سمعتها منه قط. (1)

روى ابن سعد قال: جلس رجل إلى الحسن بن علي فقال انك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن. (2)


(1)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج14 ص80، ابن سعد، الطبقات الكبرى القسم الناقص ج1 ص279، المزي، تهذيب الكمال ج2 ص591، الزبير بن بكار، جمهرة نسب قريش وأخبارها، ص24

(2)  ابن سعد، الطبقات الكبرى، القسم الناقص ج1 ص281، ابن أبي شيبة، المصنف ج5 ص243، السيوطي، تاريخ الخلفاء ج1 ص225.

صفحة 46

طرف من كلماته  عليه السلام :

قال  عليه السلام : ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.

وقال  عليه السلام : اللؤم أن لا تشكر النعمة.

وقال  عليه السلام : لبعض ولده: يا بني لا تواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره فإذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة.

وقال  عليه السلام : ما أعرف أحدا إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه.

وقال  عليه السلام : من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة وأخا مستفادا وعلما مستطرفا ورحمة منتظرة وكلمة تدله على الهدى أوترده عن ردى وترك الذنوب حياء أوخشية.

وقال  عليه السلام : إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به.

قال  عليه السلام : إن من طلب العبادة تزكى لها. إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها.

وقال  عليه السلام : اتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب، وبادروا العمل قبل مقطعات

صفحة 47

النقمات وهادم اللذات فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعها ولا تتوقى في مساويها، غرور حائل، وسناد مائل، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالأثر. وازدجروا بالنعيم. وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا.

وقال  عليه السلام : إذا لقي أحدكم أخاه فليقبل موضع النور من جبهته.

ومرَّ  عليه السلام في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه (1) فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وقصر آخرون فخابوا. فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه والمسيء مشغول بإساءته، ثم مضى. (2)


(1)  المضمار: المدة والأيام التي تضمر فيها للسباق. وموضع السباق.

(2)  ابن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة1414ه‍، ص167.

صفحة 48

قال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطوة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشي‏ء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب.

وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا

صفحة 49

بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا على بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء- من أهل تستر- ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه- يعنى الحسن- عن أشياء من المروءة،

فقال: يا بنى ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف،

قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.

قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المرء ماله.

قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير.

قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه.

قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر واليسر.

قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا.

قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة

صفحة 50

والرخاء.

قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.

قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.

قال: فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وملك النفس.

قال فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ، فإنما الغنى غنى النفس.

قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شي‏ء.

قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس.

قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية؟

قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران.

قال: فما الكلفة قال: كلامك فيما لا يعنيك.

قال: فما المجد. قال: أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم.

قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته.

قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.

صفحة 51

قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح.

قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، والرّفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم.

قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الإخوان، وحفظ الجيران.

قال فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة،

قال فما الغفلة؟. قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد.

قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك.

قال ثم قال علي: يا بنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:

«لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الإيمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم

صفحة 52

النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر» ثم قال على: يا بنى لا تستخفن برجل تراه أبدا، فان كان أكبر منك فعدّه أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة). (1)

أقول: ورواه المزي ثم قال بعده قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا: في هذا الخبر من جوابات الحسن أباه عما سائله عنه من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه وحفظه ورعاه، وعمل به، وأدب نفسه بالعمل عليه وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده، وفيما رواه في أضعافه أمير المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مالا غنى لكل لبيب عليم، ومدره حكيم عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتقبله، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله.


(1)  ابن كثير، البداية والنهاية، ج‏8، ص: 40. ورواه المزي في تهذيب الكمال.

صفحة 53

قال المزي تابعه أبو عمر خشيش بن أصرم البصري، عن أحمد بن عبد الله الحبطي. أخبرنا به أبو الحسن ابن البخاري، قال: أنبأنا أبو سعد ابن الصفار، قال: أخبرنا أبو عبد الله الفزاري، قال: أخبرنا أبو عثمان الصابوني، قال: حدثنا الأستاذ أبو منصور محمد بن عبد الله بن حمشاذ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمان بن عبد المؤمن الجرجاني بجرجان، قال: أحسب عليكم هذا الحديث بمئة حديث. (1)

وكشفت القناع فاتضح الام

وأصلحت فاسدات القلوب

لست كابن الزبير لجلج في القول

وطاطا عنان فسل مريب

وأبى الله أن يقوم بما قام به

ابن الوصي وابن النجيب

إن شخصا بين النبي ـ لك الخير

وبين الوصي غير مشوب (2)


(1)  المزي، تهذيب الكمال ج6 ص241.

(2)  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج1 ص136.

صفحة 54

بيعته وحكومته  عليه السلام  سبعة اشهر:

بويع الحسن  عليه السلام على الحكم الإسلامي بعد وفاة ابيه  عليه السلام في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40 هجرية.

قال الدولابي أخبرني أبو القاسم كهمس بن معمر: أن أبا محمد إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب حدثهم: حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد بن حسين بن زيد عن الحسن بن زيد بن حسن بن علي عن أبيه قال: خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه رايته ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن الوصي

صفحة 55

وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله والسراج المنير وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل فينا ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذين ﴿أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهير﴾ . وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبيه: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا﴾ . فاقتراف الحسنة: مودتنا أهل البيت. (1)

وقال حدثنا أحمد بن يحيى الأودي نا إسماعيل بن أبان الوراق نا عمرو عن جابر عن أبي الطفيل وزيد بن وهب وعبد الله بن نجي وعاصم بن ضمرة عن الحسن بن علي قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه أحد كان قبله ولم يخلف بعده مثله وهو علي بن أبي طالب حبيب رسول الله وأخوه. (2)

وقال أخبرني أحمد بن شعيب أخبرني إسحاق بن إبراهيم أنا النضر بن شميل نا يونس بن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: خرج إلينا الحسن بن علي وعليه عمامة سوداء فقال: لقد


(1)  محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية ص109ـ111.

(2)  محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية ص111.

صفحة 56

كان فيكم بالأمس رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ولا يرد رأسه حتى يفتح الله عليه. (1)

أقول: صالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادى الأولى سنة 41 هجرية. فكانت مدة حكمه المباشر سبعة اشهر وأربعة وعشرين يوما. وإذا أضفنا إليها عشر سنوات بعد ذلك حيث كان المؤسس لإطارها العام من الأمان والحرية الفكرية والحكم بالدستور الكتاب والسنة تكون مدة تأثيره الإيجابي الفاعل في الساحة الإسلامية والسياسية مدة عشر سنوات وسبعة اشهر وأربعة وعشرين يوما. ويكون يوم وفاته ونقض معاوية للعهد الذي أعطاه للحسن من الأمان والعمل بكتاب الله وسنة نبيه هو بداية حكم بني أمية الذي استمر مدة ألف شهر تقريبا، وتساوي ثلاث وثمانين سنة، بينما إذا حسبناها


(1)  محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية ص114 115.

صفحة 57

من سنة 41 للهجرة تكون مدة حكم بني أمية ثلاث وتسعين سنة أي ألف ومائة وعشرين شهرا تقريبا.

أولاده  عليه السلام وأمهاتهم:

أولاد الحسن بن علي عليهما السلام خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى:

الحسين بن الحسن الملقب بالاثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن، أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيدالله التيمي.

زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية.

والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية.

وعمرو بن الحسن وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد.

وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد.

وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن  عليه السلام لأمهات شتى. (1)


(1)  المجلسي، بحار الانوار ج44 ص375.

صفحة 58

أوصافه  عليه السلام :

قال الدولابي سمعت أبا عبد الله جعفر بن علي بن إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن … يقول: سمعت أحمد بن محمد بن أيوب المغيري يقول: كان الحسن بن علي بن أبي طالب أبيضا مشرب حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه إبريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ـ ليس بالطويل ولا القصير ـ مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن. (1)

قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وأشبه الناس به الحسن بن علي رضي الله عنهم. (2)


(1)  محمد بن أحمد الدولابي، الذرية الطاهرة النبوية، ص119ـ 121.

(2)  الطبراني، المعجم الكبير ج3 ص25.

صفحة 59

وفاته  عليه السلام :

قال المدائني: سقي الحسن السم اربع مرات. (1)

قال الامام الصادق  عليه السلام : ان الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين  عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن وابنه محمد شرك في دم الحسين. (2)

عن حنبل بن إسحاق قال سمعت عبيد الله بن محمد بن عائشة قال مات الحسن بن علي سنة إحدى وخمسين ويقال سنة خمسين. وعن أبي قتيبة من ولد أبي بكرة قال اخبر أبو بكرة بموت الحسن بن علي فاسترجع وماتا في سنة إحدى وخمسين. عن شعبة عن أبي بكر بن حفص قال توفي الحسن بن علي بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين. (3)

أقول: وسيأتي في الفصل الآتي تحقيق عن وفاته  عليه السلام بالسم.


(1)  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج16 ص211

(2)  المجلسي، بحار الانوار ج42 ص367.

(3)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج13 ص123.

صفحة 60

مدفنه  عليه السلام :

روى سبط بن الجوزي بسنده إلى ابن سعد عن الواقدي لما احتضر الحسن قال: ادفنوني عند أبي يعني رسول الله  صلى الله عليه وآله … فقامت بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكان واليا على المدينة فمنعوه! قال ابن سعد ومنهم عائشة وقالت: لا يدفن مع رسول الله احد. (1)

وروى ابوالفرج الاصفهاني: ان عائشة ركبت على بغل واستعونت بني أمية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو قول القائل: فيوما على بغل ويوما على جمل. وروا المسعودي ان القاسم بن محمد بن أبي بكر قال لعائشة: يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين ان يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت.

ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسد بن هاشم. (2)

قال الواقدي: عن ثعلبة بن أبي مالك: شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه إبرة ما وقعت إلى على راس


(1)  الذهبي، تذكرة الخواص ص275.

(2)  أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبين ص82.

صفحة 61

إنسان. (1)

وروى ابن عساكر أيضا قال: بكى على الحسن بن علي بمكة والمدينة سبعا النساء والصبيان والرجال. (2)

وفي الطبقات الكبرى: عن أبي جعفر قال: مكث الناس يبكون على حسن بن علي سبعا ما تقوم الأسواق. (3)

روى ابن عساكر عن جهم بن أبي جهم قال: لما مات الحسن بن علي بعثت بنوهاشم إلى العوالي صائحا يصيح في كل قرية من قرى الأنصار بموت حسن فنزل أهل العوالي ولم يتخلف أحد عنه. (4)

وروى ابن كثير قال قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر


(1)  ابن حجر، الاصابة ج1 ص495. الحاكم، المستدرك ج3 ص190، ابن سعد، الطبقات الكبرى القسم المتمم ج1 ص351، المزي، تهذيب الكمال ج2 ص601، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص118.

(2)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص118، ابن كثير، البداية والنهاية ج8 ص43.

(3)  ابن سعد، الطبقات الكبرى القسم الناقص ج1ص352، الحاكم، المستدرك ج3 ص189.

(4)  ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق ج14 ص118، ابن سعد، الطبقات الكبرى القسم الناقص ج1 ص350.

صفحة 62

بنت المسور. قالت: الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام‏ نساء بنى هاشم عليه النوح شهرا. وقال حدثتنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بنى هاشم على الحسن بن على سنة. (1)

***


(1)  ابن كثير، البداية والنهاية، ج‏8، ص: 43.

تم بحمد الله

One تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين