تكامل الذكر والأثنى في الحياة

اصدر مركز فجر عاشوراء الثقافي الكراس رقم (50) بعنوان «تكامل الذكر والأثنى في الحياة» لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني، يتناول هذا الكراس دراسةٌ موجزةٌ في تكاملِ الجنسينِ ونقدِ الاتجاهاتِ الشاذَّة الحديثةِ .

إنّ أحد الأسس الفطرية المهمة للحياة الإنسانية والنوع الإنساني هو التنوع البشري الرائع المنقسم إلى الذكر والأنثى، وتكاملهما في هذه الحياة من خلال الاقتران الزوجي الأسري، وتوزيع اقتضاءات الأسرة على الجنسين وفق الملاءمات الفطرية مع تكونهما الجسدي والنفسي والسلوكي ومشاركتهما إنجاب الأولاد. إلا أنّ هذا الأساس تعرض في العصر الحاضر لتحدٍ خطير من خلال اتجاهات ونظريات متعددة انتشر تسويقها باسم العلم والأدوات العلمية. والواقع أنّ هذه النظريات تمثل انتكاسة كبيرة في الفكر الإنساني المعاصر، بل تقهقر غريب لما يطرح باسم العلم وعجز كبير عن رصد البديهيات الفطرية الإنسانية التي يدركها عامة العقلاء الراشدين وفق ما يجدون بوجدانهم و يشهدونه بالخبرة العامة، وقد وقع من قبل التنكّر لمبادئ بديهية أخرى باسم العلوم الإنسانية.

المحتويات

«صفحة 1»

صورة الغلاف

«صفحة 2»

هوية الكتاب:

عنوان الإصدار : تكامل الذكر والأنثى في الحياة ـ الجزء الاول
تأليف : السيد محمد باقر السيستاني
سنة الإصدار : 2023/1445 ـ رقم (50)
نوع الإصدار: إلكتروني ـ PDF
الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي
الموقع: fajrashura.com
ملاحظة: الترقيم مواقف لصفحات للاصدار المنشور

«صفحة 3»

تكامل الذكر والأثنى في الحياة

دراسةٌ موجزةٌ في تكاملِ الجنسينِ ونقدِ الاتجاهاتِ الشاذَّة الحديثةِ

تاليف : السيد محمد باقر السيستاني

«صفحة 4»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على جميع الأنبياء والمرسلين، لا سيما محمّد خاتم النبيين وآله الطاهرين.

إنّ أحد الأسس الفطرية المهمة للحياة الإنسانية والنوع الإنساني هو التنوع البشري الرائع المنقسم إلى الذكر والأنثى، وتكاملهما في هذه الحياة من خلال الاقتران الزوجي الأسري، وتوزيع اقتضاءات الأسرة على الجنسين وفق الملاءمات الفطرية مع تكونهما الجسدي والنفسي والسلوكي ومشاركتهما إنجاب الأولاد.

إلا أنّ هذا الأساس تعرض في العصر الحاضر لتحدٍ خطير من خلال اتجاهات ونظريات متعددة انتشر تسويقها باسم العلم والأدوات العلمية.

«صفحة 5»

ومن أبرز تلك النظريات نظريتان:

١ – نظرية تحور معنى الذكورة والأنوثة ـــ وهما أمران معروفان للإنسان منذ نشأة الإنسانية ــــ بادعاء أنهما لا يتمثلان في التنوع الفطري الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي للإنسان، بل هما يعبّران عن انطباع الإنسان عن نفسه.

فإذا رأى الذكر جسدياً أنه أنثى كانت هويته أنثى سواء احتفظ بخصائصه الجسدية الذكرية، أم سعى إلى تغييرها، فله أن يتأنّث ويظهر ويتصرف ويتزوج كأنثى تماماً ويكون بين الإناث في اجتماعهن، وعلى الأسرة والمجتمع أن يتقبله ويتعامل معه كذلك رغم خصائصه الذكرية الكاملة، وكذلك الحال في الانثى!.

بل يجوز أن يختار الشخص أن يكون ذكراً وأنثى في آن واحد، أو يكون حالة وسطى بمزيج من المظاهر والسلوكيات الذكورية والأنثوية حسبما يشاء!

وقد عبّر عن مورد الانطباع المغاير للجسد عن الذات بالتحول الجنسي، كما عبّر منذ حين عن

«صفحة 6»

الهوية التي يختارها الشخص لنفسه ـــ سواء كان موافقا لجسده أم لا ـــ بالنوع الاجتماعي.

٢- نظرية أخرى تنقض تكامل الذكر والأنثى في الحياة كما تقتضيه الفطرة الإنسانية بادعاء أنّ الميول الشاذة (المماثلة) هي ميول طبيعية، وأنّ الاقتران الشاذ بالمماثل يمثل خياراً للزواج على حد زواج الذكر والأنثى!.

فهاتان نظريتان تبرران السلوكيات والاقترانات والميول الشاذة، وتعتبرها أموراً طبيعية وخيارات مقبولة ومشروعة على حد الخيار السائد في المجتمع البشري من تمايز الجنسين وتكاملهما في الحياة.

وقد حدثت هاتان النظريتان في هذا العصر في بعض الأوساط العلمية على أساس أنهما من جملة معطيات العلم الحديث!.

ومن الملفت أنّه يجري تسويقهما ثقافياً واجتماعياً بقوة واندفاع بالغ في المجتمعات البشرية من خلال جميع الإمكانات المتاحة المحلية والدولية من الجوانب المالية والقانونية

«صفحة 7»

والسياسية والإعلامية والثقافية والتربوية.

والواقع أنّ هذه النظريات تمثل انتكاسة كبيرة في الفكر الإنساني المعاصر، بل تقهقر غريب لما يطرح باسم العلم وعجز كبير عن رصد البديهيات الفطرية الإنسانية التي يدركها عامة العقلاء الراشدين وفق ما يجدون بوجدانهم و يشهدونه بالخبرة العامة، وقد وقع من قبل التنكّر لمبادئ بديهية أخرى باسم العلوم الإنسانية.

كما أنّ تسويقها في المجتمع الانساني عملياً يمثل تحدياً خطيراً للإنسانية في أحد أهم ركائزها وبناها في وجودها وديمومتها وقيمها وأخلاقها ونظمها الأسري والاجتماعي.

وهذه دراسة موجزة تتضمن توضيح تكامل الذكر والأنثى في الحياة وفق القواعد العامة الراشدة للتفكير المبنية على مبادئ خمسة

١.الإدراك السليم.

٢.الفطرة الإنسانية الجسدية والوظيفية.

٣.الفطرة النفسية والسلوكية.

٤.الضمير الإنساني الذي يمثل الهدي الملائم للإنسان ويحدد ما يحسن وما يقبح منه.

«صفحة 8»

٥.الحكمة الصائبة التي ترعى الصالح الإنساني.

هذا مع دراسة الموضوع وفق هذه المبادئ في المستوى الفطري، وفي المستوى العلمي المعتمد على العلوم ذات العلاقة بهذه المبادئ، من جهة وجود أبعاد للموضوع ذات علاقة بكل واحد من هذه المبادئ الخمسة.

كما تضمنت الدراسة توضيح بداهة هذا المبدأ ـــ نعني التكامل بين الجنسين ـــ في الدين بداهة بالغة لا مزيد عليها، فإنه ملء تعاليم الدين ونصوصه في ذِكْر الذكر والأنثى وأحكامهما، على أنّ الدين يتضمن التأكيد على أنّ هذا التكامل مطابق مع المبادئ الفطرية والأخلاقية والحكمية.

وكنت قد أعددت دراسة أكثر تفصيلاً من بعض النواحي قبل ثلاث سنوات عندما بلغني استفحال هذه النظريات في أوساط الجاليات الإسلامية في بعض بلاد المهجر، وحدثت ظروف حالت دون إنهائها، وقد حدث في هذه

«صفحة 9»

الأيام سعي بليغ إلى نشر هذه الأفكار الخاطئة في داخل البلاد الاسلامية فاهتممت بإيجاز البحث مع بعض الإضافات ليكون أسهل تناولاً.

وقد أعددت هذا البحث في الأصل لإلقائه كمحاضرات على طلبة الجامعات ولكن حالت الظروف عن إلقائها، ولذلك اكتفيت بنشره وذلك ليكون مذكِّراً لمن عُني بالتبصر في الموضوع وتحفيز معاني الرشد والفطرة والأخلاق والحكمة في المجتمع الإنساني بشكل عام وللمجتمع الديني على وجه خاص، وبالله التوفيق.

«صفحة 10»

تمهيد

لقد تضمنت هذه الدراسة توضيح أمرين:

الامر الأول:

إنّ الذكورة والأنوثة اللتين تمثلان الهوية الجنسية في الإنسان ترتكز على الفوارق الجسدية الكاملة المعروفة بين الجنسين، وتترتب عليها الميول والمشاعر النفسية المستقيمة، والتي تؤثر بدورها في السلوك السليم والملائم، فالفوارق الجسدية ليست مظاهر محضة في الإنسان، بل هي تنوع ضارب في العمق الجسدي والنفسي للإنسان، وجزء من بنيته التي بُني عليها، وراسم للسلوك السليم والحكيم والملائم للإنسان، فهذا هو معنى الذكورة والأنوثة بحسب إدراك العقل السليم وشهادة الفطرة التي فُطر

«صفحة 11»

الإنسان عليها جسدياً ونفسياً وأخلاقياً وبدلالة الحكمة التي تفرضها سنن الحياة الاجتماعية وبحسب معطيات العلوم ذات العلاقة جميعاً مثل علم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا).

وهذا القسم من البحث يبيّن الخطأ الفاحش للغاية في افتراض هوية جنسية للإنسان على أساس شعوره عن نفسه ورغبته في تعامل الآخرين معه وإن كان متقاطعاً مع وضعه الجسدي، ويفنّد الاتجاه المتجدد في الموضوع الذي فصل الهوية الجنسية للإنسان عن التكوين الجسدي واعتبرها أمراً طارئاً وعارضاً لأسباب ثانوية، وأنّها تابعة لانطباع الإنسان عن نفسه، وقد عبّر عن هذه الهوية الُمفْترضة للإنسان بالنوع الاجتماعي(1)، كما عبِّر عن افتراض

ـــــــــــــــــــــــ

(1) والمراد بالنوع الاجتماعي الذي يطلق في مقابل الجنس الجسدي البيولوجي كل شيء يتعلق بالذكورة والانوثة في الإنسان غير البعد الجسدي العيني بدء من انطباع الإنسان عن جنسه ومروراً بالميول والسلوكيات الغريزية وانتهاء بسائر السلوكيات والأدوار التي يقوم بها على أنها تلائم هذا الجنس أو ذاك كلها مما يتلقاه الإنسان من المجتمع، ولذلك فهي لا تزيد على أمور مكتسبة من خلال التربية الاجتماعية، ولا تنطلق من ذاته وداخله وجنسه الجسدي (البيولوجي).

ويُفرّع على هذا الأصل أمور ثلاثة:

1-إنّ شيئاً من هذه الانطباعات والميول والسلوكيات والأدوار ليست فطرية بتاتاً فلا موجب للالتزام والإلزام بها على أساس أنها الحالة الطبيعية والفطرية، كما لا يصح اعتبار التخلف عنها حالة مرضية وغير مستقيمة فلو أنّ الذكر جسدياً رأى نفسه أنثى اجتماعياً وأراد أن يتزوج بذكر آخر على أنه أنثى ويتزيا ويتزين ويظهر كالإناث فإنه لا مانع من ذلك من المنظور الفطري بحسب افتراضهم.

2- كما أنّه ينبغي أن يجوز ذلك كله قانوناً للذكر جسدياً وللأنثى في الدول كلها استناداً إلى مبدأ الحرية الشخصية في قانون حقوق الإنسان، وأي قانون يحدد ذلك ولو اعتمد على الدين والشريعة الإسلامية والأعراف الاجتماعية السائدة فإنّه لا بدّ من العمل على إلغائه لأنّه ينافي المواثيق والاتفاقيات الدولية في حقوق الإنسان والمرأة.

وبناء على ذلك فإنّ من الضروري المساواة التامة بين الذكر والأنثى في القانون والتشريع في الحقوق والواجبات، لأنّ التفاوت بينهما جسدي محض ولا اقتضاءات فطرية له في شأن السلوك والأدوار والحقوق والواجبات.

3- إنّه لا بدّ من تمكين الأنثى كما الذكر من استيفاء حقوقه القانونية وإصلاح الأعراف الاجتماعية التي تحول دون وصول المرأة الى تلك الاستحقاقات من خلال العمل الثقافي والاجتماعي.

وبالنظر إلى هذا الأمر الثالث نرى أنه قد يفرع على نظرية النوع الاجتماعي الحاجة إلى إنصاف المرأة في دورها الاجتماعي وإحقاق ما يستحقها قانوناً ورفع الحيف الاجتماعي عنها.

فهذه أمور ثلاثة تُفرع على نظرية النوع الاجتماعي.

والأمران الأولان يخالفان بديهة الدين والشريعة الإسلامية، من حيث القبول بانطباع الشخص عن جنسه على خلاف جسده والإذعان بالميول والاقترانات الشاذة، والتسوية بين الجنسين في الأحكام الشخصية مثل الستر والحجاب والعدة وغير ذلك.

وأمّا الأمر الثالث فهو في حدّ نفسه وعلى إجماله لا يخالف الدين والتشريع الاسلاميً، ولا يتفرع بالضرورة على نظرية النوع الاجتماعي، لأنه يدعو الى تمكين المرأة مما ثبت لها في التشريع، وإزاحة العوائق الاجتماعية دون ذلك، ولا يدعو الى تشريعٍ مختلف كما هو الحال في الأمرين الأولين.

ولكن من الملاحظ وقوع الالتباس في شان هذا المصطلح وسوء استخدامه في مقامات حساسة للغاية قد تكون له تبعات ثقافية وقانونية سلبية جداً، حيث أطلق النوع الاجتماعي على الرجل والمرأة بمعناهما العرفي، وتمّ تغليب دلالة المصطلح على إنصاف المرأة فحسب أو بتصوّر أنّ مؤدى هذا المصطلح لا يزيد على إفادة ذلك، من غير التفات إلى عمق متبنيات مصطلح النوع الاجتماعي من نفي أي اقتضاء فطري للذكورة والأنوثة الجسدية في شأن الهوية الجنسية والميول المقبولة والسلوكيات المشروعة والادوار الملائمة، ولا ما يقتضيه هذا المصطلح من تجويز الانطباعات والميول والسلوكيات الشاذة.

و من جملة الموارد التي أطلق فيه هذا المصطلح على وجه غير دقيق:

١- نصوص قانونية وقرارات تشريعية وتنفيذية في بعض الدول الإسلامية كانت غايتها إنصاف المرأة بإيفاء حقوقها الشرعية الدستورية والقانونية فحسب، ولكنها استخدمت في التعبير عن ذلك مصطلح النوع الاجتماعي.

٢-توقيع بعض الدول الإسلامية على اتفاقيات دولية وثنائية بمحورية هذا المصطلح، كانت غايتها من منظور تلك الدول الإسلامية إنصاف المرأة فحسب، بينما كان منظور الطرف الاخر هو المصطلح بجميع متبنياته ولوازمه.

٣- أذونات صدرت من الدولة لمنظمات وجمعيات ومؤسسات تقوم بنشاطات على اساس مصطلح النوع الاجتماعي كان الغرض من الإذن أنصاف المرأة فحسب بينما استغلت تلك المنظمات الأذونات الصادرة للعمل وفق ما يعنيه مصطلح النوعي الاجتماعي وتثقيف الناس على أن الذكر والأنثى لا يختلفان إلا جسدياً وأنّ كون الشخص امرأة أو رجلاً ناشئ عن التربية الاجتماع فحسب، علما أن العديد من تلك المؤسسات مرتبطة مالياً وثقافياً بمنظمات أجنبية تعمل على مبادئ هذا المصطلح بعمقه وليس على إنصاف المرأة بالمنظور المفهوم في البلاد الاسلامية.

إذن من المفروض تصحيح النصوص المتقدمة وأمثالها وإيضاح المراد بها على نحو مؤكّد كي لا يظن الإقرار فيها والالتزام من خلالها بالمعنى المصطلح وشرعية أبعاده المخالفة لثوابت الدين التي كان عدم مخالفتها شرطاً دستورياً في صحة أي تشريع أو قرار أو تعليم، كما ينبغي تثقيف الناس على ما يعنيه هذا المفهوم من تجاوز قواعد الفطرة وثوابت الدين وأصول الثقافة الإسلامية والشرقية والعربية والاعراف المبنية عليها فلاحظ.

هذا وكون النوع الاجتماعي بالمعنى الذي ذكرناه أمر ظاهر وبديهي لمن اطلع على المصطلح، وفهمه فهما فنياً، وفق سياقات استعماله في هذا العصر وبيان معناه في مصادر الموضوع كافة، ولم يبن في معناه على انسباق ذهني ناشئ عن استعمالات غير دقيقة أو ارتكازات سائدة في بيئة الشخص، ولا يتوقف ذلك على أن يكون متخصصاً في علم النفس والاجتماع المعاصر، فمن البديهي أنّه لا يراد به الرجل والمرأة وفق الخصائص الجسدية، ولذلك يعد النوع الاجتماعي لمن كان ذكراً ولكن يرى نفسه أنثى هو الأنوثة لا الذكورة، والنوع الاجتماعي لمن كان أنثى ولكن يرى نفسه ذكراً هو الذكورة لا الأنوثة، والنوع الاجتماعي لمن يرى نفسه ذكراً وأنثى في آن واحد هو ازدواج الهوية لا الذكورة محضاً وإن كان ذكراً جسداً ولا الأنوثة محضاً وإن كان جسداً أنثى.

ويكفي منبهاً على ذلك تأمّل معنى جملة (النوع الاجتماعي) وفهمه، فالتعبير بالنوع بدلاً عن الجنس الذي يعبر عن الذكر والأنثى إنّما كان ناظراً إلى أمر مختلف، كما أنّ توصيف النوع بالاجتماعي يعني أنّ هذا التنوع ليس أمراً فطرياً بل هو أمر اجتماعي ناشئ عن التربية الاجتماعية والأعراف الموضوعة السائدة.

وقد يتساءل عن العلاقة بين النوع الاجتماعي بالمعنى المعروف الذي بيّناه وبين الاقتران الشاذ بالمماثل.

والجواب أنّ هناك علاقة بينهما فعلاً، من وجهين:

١- أنّ الاقتران الشاذ بالمماثل يقع على وجهين:

الأوّل: أن يكون مع إذعان كل من المقترنين بجنسه، فهما مثلاً ذكران ويريان أنفسهما ذكرين فعلاً.

والثاني: أن يكون الاقتران الشاذ بالمماثل جسدياً على أساس اعتقاد أحد الطرفين عن نفسه بخلاف جنسه، فيقترن ذكر يرى نفسه ذكراً بذكر آخر يرى نفسه أنثى.

ومن الواضح أنّ الاقتران الشاذ في الوجه الثاني مبني على فكرة النوع الاجتماعي الذي يتضمن أنّ الهوية الجنسية للإنسان إنما تكون وفق انطباع الإنسان عن نفسه، وليس على أساس خصائصه الجسدية، فاقترن شخصان ذكران جسدياً بعضهما ببعض على أساس أنّ أحدهما ذكر والآخر أنثى بحسب النوع الاجتماعي.

٢- إنّ فكرة النوع الاجتماعي من حيث مبناها تعتمد على أنّ كل ما يتعلق بالجنس عدا البعد الجسدي هو أمر غير فطري، بل مكتسب من البيئة والتربية الاجتماعية، ويندرج في ذلك طبعاً الميل الغريزي للإنسان إلى الجنس المخالف، فهذا الميل هو ميل مكتسب حسب التربية الاجتماعية، وليس الاقتضاء الفطري كما يراه جمهور العقلاء وذكره القرآن الكريم بقوله إنكاراً على قوم لوط اصحاب الفعل الشاذ: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (سورة الشعراء: آية 165 ـــ 166).

وعليه فلو أنّ الإنسان تربّى على الميل الشاذ إلى المماثل كان ذلك في حقه طبيعياً وسائغاً كما هو الحال إذا كان على الميل المتعارف إلى الجنس المغاير، وكيف لا يكون الميل الشاذ إلى الجنس المماثل مقبولاً وفق مبنى اتجاه النوع الاجتماعي الذي يرى مشروعية انطباع الانسان عن جنسه على خلاف جسده!

على أنّ هناك من يتوسع في إطلاق النوع الاجتماعي وما يرادفه في اللغات الاجنبية ويطلقه على مجموعة العناصر غير الجسدية المتعلقة بالذكورة والانوثة وهي اربعة:

١-انطباع الإنسان عن جنسه سواء كان على وفق جسده أم لا.

٢-ميله إلى الجنس المخالف أو المماثل جسدياً أو إليهما معاً.

٣-السلوك الغريزي الفعلي مع المخالف والمماثل أو معهما.

٤- المظاهر والسلوكيات والأدوار التي يميل الشخص إليها مثل الزي والزينة وغير ذلك.

وعلى هذا المعنى فإنّ النوع الاجتماعي يتضمن التعبير عن التنوع في الميل والسلوك الغريزي.

وقد يطرح أنّه متى كان المقصود بالنوع الاجتماعي الإشارة الى التنوع الجسدي إلى الأنثى (المرأة) والذكر (الرجل) دون المعنى المعروف فلا ضير في التعبير به، إذ لا ينبغي المشاحة في التعبير.

ولكن يلاحظ بشأن ذلك أنّ دقة التعبير مهمة في النصوص القانونية والاتفاقات الرسمية إذ يجري الاحتجاج بالمفهوم الفني، ولا يُعتنى بدعوى التوسع والمسامحة في التعبير، وذلك أمر ظاهر ومعروف، كما أنّ ذلك مهم من البعد الثقافي لأنّه يكون مدخلاً إلى تمرير أفكار خاطئة وخطيرة من حيث لا يحتسب المخاطبون، وهو من الأساليب الناعمة للتأثير على الآخرين وتزريقهم بالأفكار المقصودة من حيث لا يشعرون، وقد نبه بعض علماء المنطق كالعلامة المظفر في مباحث التصورات إلى دور غموض المصطلحات والتعابير في التأثير في أفكار العامة وإثارة مشاعرهم في اتجاه المقصود من غير أن ينتبهوا إلى ذلك.

إذن دقة التعبير أمر مهم، ولكن لا ينبغي استغلال ذلك لغايات أخرى.

«صفحة 12»

الإنسان لنفسه هوية جنسية على خلاف جسده بالتحول،

«صفحة 13»

ويراد به تحوّل الإنسان من الذكورة والأنوثة عن

«صفحة 14»

وضعه الجسدي سواء سعى إلى تغيير الوضع

«صفحة 15»

الجسدي من خلال العمليات الجراحية إلى ما يلائم انطباعه عن نفسه أم لا.

الأمر الثاني:

إنّ طبيعة الخلية الأسرية الإنسانية ــ وفق الفطرة المشهودة التي خلق عليها الإنسان جسداً ونفساً وأخلاقياً ووفق الحكمة الراشدة والدين الإلهي جميعاً ــ مؤلفة من ذكر وأنثى، وعليه يكون الميل الغريزي المستقيم هو الميل إلى الجنس

«صفحة 16»

الآخر وليس إلى الجنس المماثل.

وهذا القسم من البحث يوضح الخطأ الفاحش في الميول والاقترانات المماثلة ويُفنّد الاتجاه المتجدد حديثاً من القبول بهذه الاقترانات كضرب من الاقتران المشروع في الحياة على حد الاقتران الزوجي بين الذكر والأنثى.

وقد كان هذا الاتجاه الثاني مؤثراً في البناء على الاتجاه الأوّل بعض الشيء؛ لأنّ رغبة الشخص في افتراض هوية جنسية لنفسه على خلاف خصائصه الجسدية يبتني كثيراً على الميل الغريزي الشاذ إلى الجنس المماثل.

على أنّ فصل مطلق السلوكيات الاجتماعية ـــ بما فيها الزواج والاقتران الأسري ـــ عمّا فطر عليه الإنسان في الأبعاد الجسدية والوظيفية والنفسية والسلوكية يعني أنّ الاقتران بين الجنسين هو مجرد توجه اجتماعي غالب في الأعراف والتقاليد وليس نظماً فطر عليه الجنسان، وهذا بطبيعته يعني مشروعية التوجه الغريزي إلى الجنس المماثل.

«صفحة 17»

هذا وكان الموجب للاهتمام بهذا البحث ـــ كما أشرنا من قبل ـــ هو أنّ ثنائية الذكر والأنثى وتكامل أحدهما بالآخر واشتراكهما في تكوين الأسرة وما يتفرّع عليه من الإنجاب هي مسألة أساسية وعميقة وبالغة الأهمية في الحياة الإنسانية لأجل سلامتها واستقامتها ودوامها، وهذا الأمر جزء أساس في الحضارة والثقافة البشرية، كما أنّ ذلك من جملة ثوابت الدين الإلهي الجامع بين الرسالات كلها، وإنّ الاتجاهات الحديثة الخاطئة التي أشرنا إليها والتي تؤصّل للحالات غير المستقيمة لهي تلاعب خطير ذو آثار كارثية على تكوين الإنسان الجسدي والنفسي والأسري والاجتماعي وبنيته التي فطر عليها من غير حجة علمية حقيقية ولا مستند موضوعي بتاتاً بعد التأمّل الجاد والجامع في مباني هذه الاتجاهات، كما أنّه مصادمة للبديهة الدينية التي تتفق عليها الأديان والرسالات الإلهية التي جرت وأكدت على الفطرة الإنسانية في تكامل الرجل والأنثى.

وبذلك كان من الضروري إيضاح الموقف

«صفحة 18»

الراشد في الموضوع، وإثارة قواعد الفطرة ودفائن العقول ومبادئ الأخلاق والحكمة الراشدة في هذا الشأن..

وإنّي أشهد شهادة ناصح تأمّل المبتنيات العلمية المدعاة لهذه النظريات بجد مع تروٍ وأناة أنّ القانون الذي فطر عليه الإنسان وأودع في داخله وبُني عليه كيانه هو ما جرى عليه عامّة العقلاء ولا يزال عليه جمهورهم وفق استرسالهم الفطري من تكامل الرجل والمرأة في الحياة الأسرية.

وأشهد أنّ الاتجاهات الحديثة البديلة أوهام خاطئة للغاية تشبثاً بأمور واهنة وهي تنطلق في منطلقاتها من أسباب غير موضوعية وواهمة، وتستند إلى حجج تفتقر إلى الدقة في مناهج البحث والتحري ومفرداته جميعاً.

ولست أنطلق في هذه الشهادة من عصبية ضيّقة أو مبادئ موروثة، أو مآرب خاصة ولا عن نية الإساءة إلى الآخرين بتاتاً.

ولكني أشهد بذلك نصحاً لله سبحانه الذي

«صفحة 19»

خلق الزوجين الذكر والأنثى وفطر الإنسان على ذلك وسنّ سنتهما في عمق تكوين الإنسان وكان معنياً بالإنسان، ومحذراً له عن تغيير الخلق(1) بالوساوس والأوهام.

ونصحاً للحقيقة والعلم في غاياته الراشدة من المعرفة الصائبة والفهم الصحيح للأمور، وصيانة للإنسان عن الغباء والشقاء.

ونصحاً للإنسانية الكريمة التي بنيت في تكوينها الجسدي والنفسي وألهمت في عقلها الباطن وضميرها الأخلاقي بتكامل الذكر والأنثى، وذلك أداء لحق الوشائج الفطرية من وشيجة الأخوّة الإنسانية نفسها ثمّ سائر الوشائج القائمة من الأخوّة في الدين والقربى والعشرة والجوار والانتماء وغيرها.

ونصحاً للدين الحق والرسالات الإلهية التي جاءت لتُثْير دفائن العقول وكوامن الفطرة ولتؤكد على المسيرة الراشدة والسليمة المبنيّة على

ـــــــــــــــــــــــ

(1) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (سورة النساء: آية 119).

«صفحة 20»

التعقل والهدى حقاً والتي أخذت على أهل العلم تبليغ الحق وإشاعة الرشد بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولذلك كلّه فإنّ من وظيفة كلّ إنسان راشد أن يقي نفسه من الوقوع في هذه الاتجاهات الخاطئة ويحافظ على نقاء الفطرة وطهارتها في الاكتمال بين الرجل والمرأة، كما أنّ وظيفة الأسرة والمراكز التعليمية والمجتمع العام والدولة وأجهزتها جميعاً السعي في تعليم الأطفال وتربيتهم وفق المبادئ الفطرية وتحفيز تلك المبادئ في نفوسهم بالطرق الملائمة وصيانة الأجيال من الانحراف الذميم والخاطئ.

وليس تعذر خلاص قلة ممن ابتلي بالانحراف ـــ عن الوجهة الفطرية ـــ من وساوسه تلك بالذي يبرّر بحالٍ شرعنة الحالات الخاطئة وتأصيلها كخيار تعليمي وتربوي وقانوني، بجنب الاقتران الفطري المبني على تكامل الرجل والمرأة من خلال الزواج.

ومن الغريب للغاية أن يُزعم أن المجتمع

«صفحة 21»

البشري منذ نشأته حتى هذا العصر اشتبه في أمر أساس مقوّم في الحياة وهو تحديد مناط الذكورة والأنوثة وظن خطأ أنّ الجانب الفطري الجسدي يستبطن الانطباعات والادعاءات المختلفة فهي أيضاً أمور فطرية حتى تقدم علم النفس فاكتشف هذا الخطأ الذريع في أمر بنيوي ومفصل مهم من مفاصل الحياة الإنسانية المؤثر في عامة أبعادها الفردية والاجتماعية.

ويغلب الظن أنّ من الأسباب الأساسية في الاتجاهات الحديثة الخاطئة والآثمة والغاية التي ترمي إليها هي التسوية التامة بين الذكر والأنثى وإلغاء جميع الفوارق بالمقدار الممكن لينحصر الفرق بينهما في الجانب الجسدي المحسوس بعد تعريته عن أي معنى سلوكي ووظيفي واجتماعي تماماً استشعاراً للنقيصة من أي فرق آخر للمرأة عن الرجل! فألغيت معاني الأنوثة والرجولة وجُعلتا حالة معارة متاحة للرجل والمرأة.

وبذلك أفرغت هذه الاتجاهات الذكورة والأنوثة عن محتواهما وعن دورهما، وتم

«صفحة 22»

تفكيكهما إلى قطع متفرقة غير مترابطة بعد أن كانتا بحسب الفطرة كُلّاً مترابطاً في المستوى الجسدي والنفسي والوظيفي والأسري والاجتماعي، وتشوّه بذلك جسد الإنسان، وتكدرت نفسه وتفككت الأسرة الإنسانية، وساءت أحوال المجتمع ولا سيما الأطفال الذين هم الجيل الصاعد، ولم يزل الأمر على أوّله بعدُ، ريثما تضع الأمور أوزارها وتظهر نتاجها عبر الأجيال القادمة، ولن يمكن إرجاع الأمور إلى نصابها في المجتمعات التي انزلقت بعد أن اتجه الناس إلى المسار الخاطئ، وتجذّر ذلك في الأعراف والثقافة الاجتماعية.

إنّ المرء ليجد بالتأمّل في الطروحات الحديثة أنّ كثيراً منها حقاً قبيحة تشمئز منها النفس البشرية النقية بفطرتها وتستحي منها، ولكن من المؤسف أن بعض الثقافات الحديثة قد انمحقت فيها المشاعر الفطرية في الأمور الجنسية مثل حسن العفاف وقبح العهر وتصرفات معيبة أخرى واستخف فيها بمشاعر إنسانية راقية مثل

«صفحة 23»

صفة الحياء والغيرة ونحوها، ولذلك قد لا يجد المرء لغة مشتركة لمخاطبتها بالخطاب الوجداني المبني على هذه المعاني الفطرية الرائعة التي قدرت لها أدوار مناسبة ومؤثرة وأساسية في بُنية الإنسان والمجتمع الإنساني.

وإني لأرى بصدق أنّ مثل هذه الاتجاهات لهي ــ دون تحامل ــ واهنة إلى حد السخف والغباء، وهي مهزلة من مهازل الفكر البشري التي حدثت باسم العلم الرصين والحرية المستحقة للإنسان وليست منهما في شيء، اللهم إلّا صورة مستعارة وتجميلاً متكلفاً.

«صفحة 24»

منهج البحث

وقد جاء البحث في مقدمة وقسمين وخاتمة..

أمّا المقدمة فهي تتضمّن عرضاً توضيحياً للهدي الفطري الداخلي للإنسان بأقسامه من الهدي الإدراكي والهدي الجسدي والوظيفي والهدي النفسي والسلوكي والهدي القانوني والأخلاقي والهدي الحِكَمي كما يتضمن بيان اشتمال الهدي الفطري إجمالاً على تأصيل العفاف والحياء وتكامل الذكر والأنثى كما يشمل على تفصيل للاتجاه الفطري في شأن الذكورة والأنوثة والذي كان ولا يزال يجده جمهور العقلاء بما جهزوا به في تكوينهم الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي وألهموا به في ضميرهم الأخلاقي والحكمي، وأكدته تجاربهم

«صفحة 25»

في الحياة، هذا مع عرض الاتجاهات الحديثة في مقابل الاتجاه الفطري.

وأما القسم الأوّل من البحث فكان حول الهوية الجنسية للإنسان (وهي الذكورة والأنوثة) وبيان أنّها مبنية بحسب الفطرة والعلم والدين جميعاً على الاختلاف الجسدي المشهود مع ما يرافقه ويرتبط به من الاختلاف النفسي والسلوكي بين الجنسين، ولا يصح بناء هذه الهوية على الميول والاتجاهات الشاذة المكتسبة على خلاف الوضع الجسدي للإنسان.

وأما القسم الثاني فهو حول أنّ الميل والسلوك المستقيم للجنسين بحسب الفطرة والعلم والدين هو ما كان ملائماً مع وصفهما الجسدي من خلال تكامل الذكر والأنثى بالاقتران الزوجي الأسري، وأنّ أيّ ميل واقتران شاذ فهو حالة غير مستقيمة نفسياً وسلوكياً وأخلاقياً.

وقد اشتمل البحث في هذين القسمين على أبحاث مختلفة متعلقة بالموضوع، منها أمران:

1.بيان أنّ الدراسات الحديثة في العلوم

«صفحة 26»

الإنسانية هي عرضة للأخطاء الكبيرة في رصد الأمور الوجدانية، وذكر نماذج واضحة من تلك الأخطاء.

وهذا البحث يجيب عن استبعاد خطأ الدراسات الحديثة في اتجاهها في تحليل الذكورة والأنوثة.

2.ذكر الأسباب الحقيقية للاتجاهات الحديثة حول الذكورة والأنوثة غير ما تتذرع من الوجوه العلمية المدعاة، وهي في حقيقتها نحو استخدام للأدوات العلمية الصناعية في غير موضعها الفني.

وأما الخاتمة فهي في توصيات تذكر المجتمع الإنساني بشكل عام والمجتمع الديني بشكل خاص والمجتمع الإسلامي على وجه أخص بالوظائف العقلية والشرعية الراشدة في العمل على مبدأ (تكامل الذكر والأنثى) في الحياة وصيانة الفرد والمجتمع عن الانحراف عن هذا المبدأ المهم والرائع، والأساس في الحياة الإنسانية.

«صفحة 27»

وأؤكد أنّ هذا البحث موجّه لطلاب الجامعات وما يعادل الدراسات الجامعية والمراحل التي بعدها، كما أنّه ناظر إلى خصوص من وقف أو دخلته الشبهة في إثر الاتجاهات الحديثة الخاطئة التي استعاضت عن ثنائية الذكر والأنثى، أو افترض هوية جنسية واهمة للإنسان وفق تخيله عن نفسه بعيداً عن خصائصه الجسدية، ولا حاجة إلى اطلاع سائر الناشئين عليه ممن يجري على فطرة الانسجام مع نفسه والتكامل بين الجنسين الذكر والأنثى، على أنني راعيت الأدب الملائم للحديث الاجتماعي العام في مثل هذه المواضيع ما استطعت، واكتفيت بالبيان العام أو الإشارة أحياناً تجنباً عن ذكر تفاصيل لم تكن ضرورة إلى ذكرها، ويستطيع أهل العلم من المراجعة إلى المصادر الخاصة إذا وجدوا حاجة إلى ذلك.

وقد استوثقت عموماً من المعلومات التي ذكرتها من خلال مطالعة مصادر ودراسات وأبحاث وأخبار مختلفة وإن لم أثبتها كي أرجع

«صفحة 28»

إليها عند تدوين هذا البحث، ومن خلال الأدوات العلمية الملائمة مع العلوم ذات العلاقة بالموضوع، من التأمل التحليلي والاستبطان الذاتي والخبرة العامة الحاصلة من استقراء الأحوال الاجتماعية، واهتممت في بعض الموارد بإرجاع المخاطب الحصيف إلى أمور وجدانية يجدها ولا يتوقف فيها من خلال ما يشهده بوجدانه أو يطلع عليه من خلال معايشته للحياة.

ومن الجائز أن تكون بعض الجزئيات فيما ذكرت محل نظر أو مناقشة، إلا أنّ ذلك نوعاً لا يوثر على نتيجة البحث، لأنني لم اعتمد في البناء على موقف ما والوصول إلى نتيجة معينة على شاهد مفرد، بل استوثقت في مجمل ما ذكرته بتامل الموضوع من الزوايا المختلفة وسوق الشواهد المتعددة والمتنوعة على الوقف الذي تم ترجيحه، حتى يكون واضحا جلياً.

والله أسأل أن ينفع بذلك المتبصّرين في الحق والباحثين عن الحقيقة والساعين إلى واقع العلم ومعطياته الناضجة، وهو سبحانه ولي التوفيق.

«صفحة 29»

المقدمة

1.الهدي الفطري الداخلي للإنسان:

لا شك بحكم الوجدان المشهود لدى كل إنسان راشد أنّ الله سبحانه جهّز الإنسان فيما جهزه به بقواعد الإدراك والسلوك السليم الملائم مع خلقه وصلاحه، كما جهز سائر الكائنات الحية عامة والحيوانات خاصة في تكوينها وصياغتها وهندسة وجودها بسنن وقواعد ملائمة لها كما يجده علماء الأحياء.

وقد أكّد الدين الإلهي من خلال رسالاته على تجهيز الإنسان بالفطرة السليمة، وعلى ضرورة جري الإنسان وفقها، كما قال سبحانه في القرآن الكريم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾(1)، وقال

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الروم: آية 30.

«صفحة 30»

عز من قائل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(1).

وقد أقسم القرآن الكريم في الموضع الأخير بكل ما يجده الإنسان ويحيط به من ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾(2) على أنّ فلاح الإنسان في هذه الحياة وفي ما بعدها مرهون برعاية ما أودع في باطنه من مبادئ التقوى والفضيلة، وتجنّب ما أُلهم الابتعاد عنه من وجوه الفجور والرذيلة، وحذّره من الخيبة والخسران في هذه الحياة وما بعدها إذا استرسل في السلوك وفق الشهوات والانفعالات والآمال الخادعة.

فالقواعد التي ينبغي أن يرعاها الإنسان ليست ـــ في أصولها ـــ محددات خارجية تفرض عليه، بل هي المبادئ التي كُوِّن عليها فهي ضاربة في أعماق وجوده من أقصى مراتب اللاوعي الإنساني

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشمس: آية 6 ـــ 7.

(2) سورة الشمس: آية 1 ـــ 7.

«صفحة 31»

حتى مرتبة الوعي التفصيلي الذي يجده على وجه واضح.

فإذا راعى الإنسان تلك القواعد والمبادئ بورك له في حياته وأثمرت في هذه الحياة إنساناً فاضلاً سليماً ومجتمعاً سالماً مستقيماً، وأورثت فيما بعد هذه الحياة سعادة وقرباً شأن الشجرة الطيبة التي تؤتي ثماراً طيباً، وإن انتهك تلك المبادئ أورث ذلك للإنسان في المستوى الفردي والاجتماعي في هذه الحياة ثم فيما بعدها عناء وشقاء ومرارة وسقماً.

المراد بالفطرة الإنسانية

والمراد بالفطرة الإنسانية خلق الإنسان وتكوينه الخاص بأبعاده المختلفة، فإنّ للإنسان تكويناً جسدياً وإدراكياً ونفسياً وسلوكياً وأخلاقياً وحكمياً خاصّاً، كما هو ملحوظ بالوجدان وهو أمر ظاهر في علوم التشريح ووظائف الأعضاء والطبّ وفي علوم النفس بأنواعها.

«صفحة 32»

وهذا التكوين يملي على الإنسان وفق قواعد الإدراك السليم بعيداً عن وجوه التفكير الارتغابي استجابات وحدوداً وقوانين خاصّة لسلوكه هي ملائمة مع هذا التكوين، وهي أشبه بالتوضيحات التي تقرن بالأجهزة الصناعية في بيان أسلوب تشغيلها والانتفاع بها وصيانتها.

فهذه الاستجابات والحدود نعبّر عنها بالاقتضاءات الفطرية؛ لأنّها مما فطر عليها الإنسان.

وتقع في مقابل ذلك اقتضاءات وحوائج مكتسبة ينجذب الإنسان إليها في إثر عوامل حادثة كالانفعالات والعادات والأعراف وحدوث الإدمان عليها وغير ذلك.

فالفارق بين الاقتضاءات الفطرية والمكتسبة أنّ الاقتضاءات الفطرية هي اقتضاءات ثابتة كامنة في تكوين الإنسان كما هو الحال في الأكل والشرب والنوم والحركة وطلب الراحة والمعاشرة والزواج والتوليد والاستطلاع والنظافة.

«صفحة 33»

وأما الاقتضاءات المكتسبة فهي ما يتعلق بها الإنسان وفق عوامل متجددة، نظير أكثر تفاصيل العادات الغذائية والاجتماعية، فإنها ليست بهذه التفاصيل مما تتضمنه خلقة الإنسان، بل هي مناحي مكتسبة لتعلقات فطرية، فالإنسان مفطور على تناول الطعام، ولكنه ليس مفطوراً على تناول هذا الطعام أو ذاك، وإنما يحصل التعلق بطعامٍ ما من خلال العادات والميول المتجددة.

وتختلف الاقتضاءات الفطرية عن الاقتضاءات المكتسبة من وجهين:

الوجه الأوّل: اختلافهما في تقديرها والاعتبار بها في القوانين الفطرية.

فالاقتضاءات الفطرية المتعارفة ذات دلالات تشريعية وأخلاقية ودينية، بمعنى أنّ ممارسة الإنسان لما فطر عليه يكون على الإجمال أمراً مشروعاً وأخلاقياً وشرعياً لا محالة، فيجوز للإنسان الأكل والشرب والزواج والتوليد ونحوها.

وأما الاقتضاءات المكتسبة فليس لها دلالات

«صفحة 34»

من هذا القبيل، بل القبول بها بحسب القانون الفطري يتوقف على شرطين:

1. عدم مجافاتها مع الحاجات الفطرية ومع القانون الفطري.

2. أن لا يكون الإيفاء بها خلاف الحكمة لعدم ملاءمتها مع الصلاح الإنساني.

ولذلك فإنّ حاجة المدمن على المخدرات مثلاً ليست حاجة مشروعة في التقدير العقلائي العام وإن كان هناك شعور قوي بها، لعدم توفر أيٍّ من الشرطين فيها.

أما الشرط الأول: ــــ وهو عدم المجافاة مع الفطرة ــــ فلأنّها من جهة أضرارها مجافية مع الحاجة الفطرية إلى الصحة والسلامة النفسية.

وأما الشرط الثاني: ــــ وهو عدم مخالفتها مع الحكمة والصلاح ــــ فلأنّها توجب ابتلاء الآخرين بها فينافي الصلاح الإنساني العام.

إذاً يستخلص من ذلك أن كون الإنسان مطبوعاً على اقتضاءات معينة متعارفة دليل صوابها ومشروعيتها بحسب القانون الفطري،

«صفحة 35»

فلا يصح المنع عما بني عليه الطبع واقتضته الفطرة.

فإن انطوت الفطرة العامة التي اقتضت تلك الحاجة على اتجاه محدد كانت دليلاً على مشروعية ذلك الاتجاه الخاص دون ما يغايره، وإن خلت الفطرة العامة عن أي اتجاه محدد ينبغي الانتباه إلى مقتضى الحكمة في شأن القبول العام بهذا الاتجاه أو ذاك من خلال تقدير الصالح العام بالنظر إلى آثار كل اتجاه سلوكي على الإنسان والمجتمع الإنساني، فإن لم يكن هناك محدد حكمي لاتجاه معين تعين القبول بكل اتجاه مكتسب والبناء على مشروعيته، وإن كان هناك محدد حكمي لاتجاه ما لموافقته للصلاح العام دون غيره لزم تحديد مشروعية تلك الحاجة بالاتجاه الحكيم.

الوجه الثاني: الفارق بين الاقتضاءات الفطرية والاقتضاءات المكتسبة، هو ما يتعلق بالمنظور الطبي، وذلك في مقام التشخيص بين الحالة السليمة والحالة المرضية وشبهها.

وذلك أنّ الاقتضاءات الفطرية تكون حالات

«صفحة 36»

سليمة من المنظور الفطري، ولن تُعتبر حالات مرضية بتاتاً، بل يكون فقدانها ووجود أضدادها حالة مرضية أو شبه مرضية استوجبها اختلال في أصل الخلق من خلال تشوّه الإنسان عند نشأته حيث كان جنيناً، أو اختلال طارئ لاحقاً في أثر حوادث خاصة.

وأما الاقتضاءات المكتسبة فيجوز أن تكون حالات غير سليمة حتى وإن تجذّرت بحيث لم يمكن التخلص منها كما هو الحال في الإدمان على الأشياء على وجه يشلّ النشاطات الطبيعية للإنسان، وكذلك الحالات المستدامة من الكآبة والقلق والاضطراب والخوف والوسوسة والهلاوس البصرية والسمعية والتخيلات الواهمة، وكذلك الحال في الميول الغريزية إلى الأطفال والحيوانات والميل إلى ممارسة العنف الزوجي والأسري والاجتماعي (السادية)، أو الميل إلى أن يقع الإنسان مورد العنف الزوجي ونحوه (المازوخية).

ومما يتعلق بهذا الفرق هو المحددات الصحية

«صفحة 37»

للتغذية الإنسانية وللنشاطات التي يمارسها وللبيئة التي يعيش فيها، فما كان ملائماً مع الحاجات الفطرية الإنسان فإنها تكون صحية طبعاً وما كان منافراً لها فإنها لن تكون صحية، وهناك محددات صحية لكل ذلك معروفة لدى العقلاء وفق الخبرات العامة وأخرى يهتدي إليها بعض دون بعض، وتتكفل علوم الطب والصيدلة بتوضيح الأبعاد المتشابهة في ذلك، كما يحدد آلية للتعامل مع الحالات الطارئة مثل العوارض المرضية على وجه ملائم لرفعها أو تخفيفها والحد من أذاها، فالتعليمات الصحية فيما يتعلق بالتغذية والنشاط والبيئة هي نوع من القانون الذي تمليه فطرة الإنسان وخلقه بتكوينه البدني والنفسي الخاص.

هذا وقد حدّدنا الحاجات الفطرية ذات الدلالة القانونية والأخلاقية والصحية بالمتعارفة منها للاحتراز عمّا يمكن أن يتفق أحياناً من حالات مرضية أو شبه مرضية خارجة عن النسق العام والمعتدل، فإنّ مثل ذلك لن يكشف

«صفحة 38»

عن مشروعية السلوك الذي يقتضيه بشكل عام حتى لو كان مبنياً على اقتضاء جيني نادر مثلاً، ولم يكن حالة مكتسبة في إثر حادث ما أو بيئة معينة وتشتبه العديد من الأمور الفطرية بالأمور المكتسبة فيظن ما هو فطري مكتسباً من جهة تعليم الإنسان عليها قبل موعد انفتاقها الفطري فيكون أشبه بالمعلومات المتعلقة بالجنس التي يطلع عليها الطفل قبل الموعد المناسب، أو يظن ما هو مكتسب فطرياً من جهة التربية الإنسانية العامة عليها، ولكن يمكن تمييز أحد القسمين عن الآخر عند الاشتباه باختبار مدى عموم الشعور بالحاجة وتجذرها والآثار السلبية المترتبة على إهماله وغير ذلك كما ذكر في العلوم ذات العلاقة.

أقسام الهدي الفطري

ينقسم الهدي الفطري المودع في داخل الإنسان إلى عدة أقسام بالنظر إلى الأبعاد الوجودية المتعددة للإنسان..

 

 

«صفحة 39»

البعد الأوّل: فطرة الإدراك (الهدي الإدراكي).

والمراد بها ما جهز به الإنسان وألهم به من أمور ثلاثة:

1-ضرورة سلوك المنهج الملائم للتفكير في مقابل التفكير الارتغابي ـــ وهو ما ينشأ عن الرغبات والميول النفسية ـــ كما قيل في المثل إنّ حُب الشيء يعمي ويصمّ.

2-الإدراكات العامة السليمة التي تمثل رأس المال الفكري والمعرفي للإنسان، كالقضايا الرياضية مثل (1+1=2) أو الفلسفية مثل أنّه لا يعقل كون الشيء في آن واحد موجوداً ومعدوماً، أو أنّ لكل شيء حادث سبباً لا محالة.

3-الإدراكات الخاصة ونعني بها ما ألهم به من الشعور بأشياء خاصة مثل إيداع الشعور بالخالق في داخل الإنسان، وكذلك الشعور بالبقاء بعد هذه الحياة، وإيداع الشعور بالأم في نفس الطفل.

البعد الثاني: فطرة الجسد (الهدي الجسدي).

والمراد بها أن تتمثل حاجة الإنسان في ما جهز

«صفحة 40»

به من أعضاء وأدوات، فإن التفاصيل الجسدية للإنسان لها مقتضياتها ودلالاتها، بالنظر إلى نشاطاتها ومتطلباتها، فالدماغ ـــ مثلاً ـــ بأجزائه التي يختص كل جزء منها بنشاطات خاصة إدراكية وشعورية يشير إلى الحاجات المتعددة للإنسان.

وكذلك أدوات الإحساس والحركة والأكل والشرب وغيرها تمثل حوائج فطرية للإنسان، وعلى هذا المثال سائر الأعضاء والخصائص الجسدية فلكل مقتضياتها ومسالكها.

وتشمل فطرة الجسد نوعين:

1-الخصائص التشريحية من الأعضاء وما بمثابتها من الخصائص الدقيقة كأجزاء الخلية مثلاً.

2-الخصائص الوظيفية، وهي الوظائف التي تؤديها الأعضاء والخصائص الجسدية.

 

 

«صفحة 41»

البعد الثالث: فطرة النفس والسلوك (الهدي النفسي والسلوكي).

والمراد بفطرة النفس الميول والغرائز والمشاعر التي طبع الإنسان عليها من قبيل الميل إلى التفكير والاطلاع والاجتماع والإحساس والراحة والحركة والاختيار الحر ونحوها، فهذه الميول الفطرية العامة تمثل حوائج للإنسان.

وتتطابق فطرة النفس وفطرة الجسد لدى الإنسان نوعاً، بمعنى أن كل حاجة جسدية تقترن بميل نفسي ملائم لها، كما أنّ كل ميل نفسي مقرون بجزء من بدن الإنسان يكون أداة أو مساعداً على ممارسة هذا الميل، ولكن قد يكون ذلك على وجه غامض.

فيلاحظ أن الإنسان ــ مثلاً ــ يحتاج إلى الأكل للبقاء والنشاط، وهناك أدوات في بدنه لممارسة الأكل، كما أن له ميلاً نفسياً ورغبة له إليه، فكانت تلك الأدوات الجسدية والميل عاملين متكاتفين على الإيفاء بهذه الحاجة الجسدية والغريزية.

«صفحة 42»

وأما فطرة السلوك فالمراد بها ما جُبل عليه الإنسان أو الحيوان مطلقاً من السلوكيات الخاصة من غير أن يكون هناك صفة نفسية بالضرورة مثل ما جُبل عليه بعض الطيور من بناء عُشّها في أعالي الأشجار، حيث لا يحرز أنّها تنطلق من الخوف النفسي الفعلي في بنائها في أدناها من جهة خطر افتراسها من قبل الحيوانات المفترسة على الأرض، ولكن ذلك سلوك جبلت عليه في داخلها.

البعد الرابع: فطرة القانون والأخلاق (الهدي القانوني والأخلاقي).

وهي حدود مودعة في داخل الإنسان في قوة يعبر عنها بالوجدان أو الضمير الإنساني أو القانون الطبيعي والفطري أو العقل العملي، وينطوي على أصول اللياقات السلوكية للإنسان، وهي حدود متفق على أصولها بين العقلاء.

فكان مما جهزه به من السلوكيات الحميدة

«صفحة 43»

حسن الصدق والوفاء بالالتزام والعدل والعفاف والإحسان والرحمة والحقوق المترتبة على الوشائج المختلفة، مثل حقّ الله سبحانه في معرفته وشكره والإصغاء لرسله، وكالحق العام للإنسان على أخيه الإنسان، وحق الوالدين والأولاد والأرحام والأزواج والجوار والأصحاب، كما جهزه بقبح السلوكيات الذميمة كالكذب والخيانة والظلم والفحشاء والإساءة والقسوة وهدر الحق، وكذلك جهزه بتسويغ سلوكيات أخرى له أن يفعلها أو يتركها حسب مذاقه ومزاجه ودواعيه الخاصة.

وتبتني هذه الحدود على رعاية ما يلائم الإدراك السليم وكذلك التكوين الجسدي والنفسي، وحاجات الإنسان وصلاحه الشخصي والنوعي بالنظر إلى ذلك.

ولذلك تكون تلك الحدود مناسبة للحاجات الفطرية الإنسانية في المستوى الجسدي والنفسي كما تراعي الحاجات المكتسبة أيضاً على وجه ملائم.

«صفحة 44»

وقد دعمت المبادئ الأخلاقية في داخل الإنسان بمشاعر نفسية ملائمة لها مثل الشعور بالاستحسان والاطمئنان النفسي عند فعل ما ينبغي فعله، والشعور بالاستياء والحزازة والنكد والاستقباح والاستهجان النفسي عند فعل ما لا ينبغي فعله، وذلك ما يعبّر عنه العرف بقولهم (هذا عيب أو معيب)، فهذه مشاعر راقية تساعد الإنسان على الالتزام بالمبادئ السلوكية والقانونية والأخلاقية، واستئصال هذه الصفة أو إخمادها وإسكاتها في شأن أمر قبيح ومنكر يؤدي إلى إزالة المصدات النفسية والاجتماعية عن الأمور المنكرة.

البعد الخامس: فطرة الحكمة (الهدي الحكمي).

وهو يشتمل على أمرين:

1-النزوع إلى الحكمة والصلاح بنحو عام في مقابل الاستجابة للرغبات والانفعالات العاجلة ذات الآثار السيئة التي ينبغي أن تكون صارفة للإنسان على الاستجابة لها.

«صفحة 45»

2-ما أُلهم به الإنسان من وجوه الصلاح النوعي من خلال توجهات مودعة في تكوينه الداخلي بالعمل ضمن مسار معين يوجهه إلى مقتضيات صلاحه كما هو الحال في الحيوانات، وهو بمثابة برنامج حِكَمي زُوّد به الإنسان فيما عليه فعله، وشبهه ما نجده في الحيوانات من سلوكيات يبدو أنها برمجت عليها، وهناك أمور لا يتضح وجه الحكمة فيها إلا بمزيدٍ من النظر والبحث والمتابعة أو التخصص العلمي.

فهذه شؤون فطرية خمسة كامنة في الهوية الإنسانية العامة.

هذا، ويظهر بالتأمل والمتابعة التطابق الكبير بين هذه الأبعاد الفطرية وانسجامها وتناغمها كما أشرنا إلى ذلك في شأن التطابق بين الفطرة الجسدية والفطرة النفسية، وسيأتي مزيد توضيح لذلك خلال أصل البحث.

 

«صفحة 46»

2.اشتمال الهدي الفطري على تأصيل العفاف والحياء وتكامل الذكر والأنثى

ومن جملة ما فَطَرَ الله سبحانه الإنسان عليه وأودعه في تكوينه النفسي والأخلاقي والحكمي أمران:

الأمر الأوّل: تأصيل ضرورة العفاف.

وهو حفظ الخصائص الجسدية الخاصّة ـــ في الذكر والأنثى ـــ عن الآخرين، سواء كان ذلك باطلاع الآخرين عليها أو لمسها أو أيّ نحو من مساسهم بها.

فهذا التأصيل مما يجده الإنسان كهدي فطري أخلاقي، حيث يجد أنه لا ينبغي له إبداء الخصائص الجسدية أمام الآخرين أو مساسهم

«صفحة 47»

بها، بل ينبغي حفظها وسترها، وهذا وجدان مشترك ومشهود لدى جميع المجتمعات البشرية على اختلاف بين مستويات رعايته فيها.

وهذا الهدي هو كسائر المبادئ الأخلاقية المودعة في الضمير الإنساني مدعوم بمشاعر الاستحسان والاستقباح فيشعر الإنسان بحسن التستر مما يدفعه إلى الثناء على صاحبه كما يشعر بقبح التكشف والاستهتار مما يدفعه إلى ذم فاعله ولومه على ذلك.

وكذلك يجد الإنسان هذا التأصيل كهدي نفسي من خلال الشعور بالحياء، وهو شعور راق قد دُعم به أصل العفاف في داخل الإنسان، ويجد الإنسان الشعور بالحياء منذ الطفولة بعد نمو الوعي لديه بعض الشيء، حيث يسعى إلى حفظ المواضع الخاصة من بدنه عن الآخرين حتى الوالدين اللذين كانا معنيين بحوائجه الخاصة، فيحافظ على خصوصيتها ويجد حرجاً في انكشافها وملامستها والحديث عنها من قبل الآخرين، وهكذا ينمو فيه هذا الوعي

«صفحة 48»

حتى مرحلة المراهقة فما بعدها ما لم تشوّه فطرته البيئات الخاطئة.

فلهذه الصفة التي فُطر عليها الإنسان دور أساس في صيانة الإنسان عن السلوكيات الذميمة المجافية للأخلاق، كما هو ملحوظ بالوجدان.

ومن الأمور الخطيرة إلغاء صفة الحياء على أساس أنه ليس هناك ما يصح أن يستحى منه بذريعة أنّ الإنسان خلق على هذا الوضع الخاص جسدياً و غرائزياً، فلا ضير في أي تصرف غير مؤذٍ للآخرين.

ووجه الخطورة في ذلك أنّ هذا الموقف إلغاء لصفة أساسية في فطرة الإنسان فلسفتها الحد من الأمور الغريزية والانغماس فيها وإيجاد التوازن في شخصية الإنسان بين رغباته الغريزية وبين سائر مصالحه كالجوانب الروحية والمعنوية والأخلاقية، فالإنسان كما زوّد بالغريزة لتكوين الأسرة وبقاء النوع فقد زوّد بصفة مضادة لها تحد من الاسترسال فيها وهي صفة الحياء، وتلك

«صفحة 49»

هي تركيبة النفس الإنسانية بظرائفها ودقائقها، ولا يصح بتر شيء من صفاتها، بل ينبغي إدراك مواضعها والدور المفترض لها وصيانتها عن التفريط والإفراط.

بل هناك شعور إنساني آخر راقٍ يحمي مبدأ العفاف، وهو يتمثل في صفة الغيرة التي تمدّ الإنسان بالإباء عن وقوع محذور أخلاقي للآخرين خاصة من يتعلق بالإنسان ولا سيما الإناث كالزوجة والأم والبنت والأخت.

وهذه الصفة أيضاً يسعى البعض لإلغائها على أساس أنها ضرب من الأنانية أو التدخل في شأن الآخرين وهو خطأ ناشئ عن عدم فهم تركيبة النفس الإنسانية.

ويستبطن تأصيل العفاف والحياء في داخل الإنسان هدياً حكمياً في داخل الإنسان، لأنّ هاتين الصفتين تضمنان للإنسان التوازن في الاستجابة للغريزة مما يساعد على السعادة ويقيه من كثير من وجوه المضرة مما ينافي الصالح الخاص والعام.

«صفحة 50»

وهكذا نلاحظ أنّ الإنسان مزود بتأصيل العفاف في كل من هديه الأخلاقي والنفسي والحكمي.

ويبقى الحديث عن الهدي الإدراكي والجسدي تجاه العفاف:

فأمّا الهدي الإدراكي: فهو يقتضي صيانة النفس عن الخطأ في رصد مكونات النفس الإنسانية وتركيبتها الظريفة وعن التفكير الارتغابي في إثر طغيان الراغبات الغريزية ونحو ذلك مما يمنع عن رصد هذا الأصل المهم، فلا بدّ من تأمّل المرء للموضوع على منهج ناضج وسليم وعلى وجه جامع ومن أفق عال ينظر إلى جميع أبعاد الموضوع ومقتضياته.

وأما الهدي الجسدي: فليس فيه مؤشر ظاهر بشأن الموضوع(1).

ـــــــــــــــــــــــ

(1) نعم قد يتلقى وضع الأعضاء الخاصة في موضع مستور وملائم للستر في البدن ذا مغزى فطري كدلالة على لزوم الستر على وجه عام، لأنه موضع مناسب مع هذه الغاية، لكن نجد في الحيوانات أيضاً أنّ موضع الأعضاء الخاصة كموضعها لدى الإنسان مع أنه لا يستنبط مثل هذا المغزى منها، بل المغزى الأحيائي الذي هو الحفاظ على هذه الأعضاء الحساسة، لكن ليس هناك ما يمنع من احتمال رعاية هذا البعد أيضاً في التكوين الجسدي للإنسان.

«صفحة 51»

وربما يُظَنّ أنّ في خلق هذه الأعضاء للإنسان ما يقتضي إباحة التعري وإظهارها لتبدو كما هو الحال في الحيوانات فالتستر صناعة مجتمعية لا موجب لها وفق الفطرة، وكذلك الحال في تحديد الغريزة وتجنب الاسترسال فيها.

وهذا الظن خطأ فاحش للغاية فإنّ من المهم ملاحظة خصوصية الإنسان بالنسبة إلى الحيوانات من جهة وملاحظة مجموعة ما زُود به من معان كالذي يشتمل عليه الضمير الإنساني والمشاعر الراقية التي تحد الغريزة ومن جملتها صفة العفاف والحياء كما تقدم توضيح ذلك.

والأمر الثاني: مشروعية الاقتران الحميم مع الجنس الآخر.

وهذا الأمر في الحقيقة هو استثناء من أصل العفاف ومشاعر الحياء.

ويتبلور هذا الهدي في داخل الإنسان تدريجاً

«صفحة 52»

من خلال ما زرعه سبحانه في الإنسان من الشعور بالحاجة الغريزية إلى شخص آخر من نوعه، وهي حاجة تدعو إلى المعايشة مع هذا الشخص في حياة مشتركة يكوّنان به أسرة واحدة تفي لهما بالحاجة الغريزية التي طبعا عليها ويتبادلان المودة والمحبة وينجبان الأولاد ويتشاركان مسؤوليات الحياة داخل البيت وخارجه، ويكونان بذلك سبباً لاستمرار النوع الإنساني.

ثم من خلال هذا الشعور الذي لا يجد الإنسان مناصاً منه أُلهِم الإنسان بمشروعية الاقتران الحميم.

ولأجل ذلك خُلِقَ الإنسان بصورة جنسين رائعين متكاملين ذكراً وأنثى، فزوِّد كل منهما جسداً ونفساً وسلوكاً بمميزات وخصائص يفقدها الآخر ويجد فيها روعة وجمالاً حتى ينجذب كل منهما إلى الآخر بما يجده فيه من الخصائص الجسدية والنفسية المغرية.

فكانت ثنائية الرجل والمرأة بذلك ثنائية رائعة ومذهلة ومميزة للغاية من روائع الخلق

«صفحة 53»

بما تتضمنها من التناسق الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي.

وبيان ما ذكرناه من انفتاق هذا الهدي في داخل الإنسان وتبلوره تدريجاً:

إننا عرفنا أنّ هذا الشعور الإنساني الغريزي بالحاجة إلى العلاقة الغريزية هو نحو استثناء من الشعور الأولي العام بالعفاف والحياء الموجب لحفظ خصوصية المواضع الخاصة عن الآخرين، والذي يجده الإنسان بشكل فطري منذ اكتساب شيء من الوعي ويشتد إلى مرحلة المراهقة.

ثمّ يبدأ هذا الشعور الغريزي بالانفتاق بشكل طبيعي في وقت متأخر عن الشعور بالحياء، فهو ينقدح في داخله عند تكامل الاستعداد الجسمي والنفسي والذهني للإنسان ببلوغ المراهقة فيبدأ هذا الشعور عنده بما يجده من إحساس غريزي غريب لديه إلى الجنس الآخر، وقد يتهم الشاب المراهق نفسه عندما يجد هذا الشعور لأوّل وهلة بالخروج عن مقتضيات الحياء الفطري، إلا أنه مع اشتداد هذا الشعور يُلهم بأن ذلك شعور

«صفحة 54»

فطري ولا يعتبر مثلبة فيه، ومن المفروض أن يستجيب له من خلال تكوين علاقة حميمة مع آخر من غير جنسه.

ثمّ يتجدد له مضافاً إلى الداعي الغريزي داعي الحاجة إلى تكوين الأسرة، ومعناها هو أن يعيش الإنسان مع قرينه عيشاً مشتركاً حميماً وتكون بينهما مودة و ورحمة خاصة وتعاون على الإيفاء بشؤون الحياة.

ثمّ يتجدد له تدريجاً الشعور بالرغبة في الأبوة والأمومة من خلال الإنجاب.

وبذلك تكتمل لديه المشاعر الثلاثة المترابطة، والتي يعين بعضها على بعض، وهي الشعور الغريزي والحاجة إلى المعايشة الأسرية والرغبة في الأبوة والأمومة.

وتزداد مشروعية ذلك وضوحاً للمراهق بالانتباه إلى جريان السلوك الإنساني العام للبالغين من حوله على هذا الأمر حيث يرى زواج كل اثنين ـــ من رجل وامرأة ـــ بعضهما من بعض واتفاقهما على العيش معاً وتكوين أسرة

«صفحة 55»

وإنجاب أولادٍ، كما هو حال أبويه اللذين أنجباه، وهكذا يجد بفطرته أنّ تلبية هذه الحاجات الثلاثة من خلال الزواج بالجنس الآخر استثناء من قاعدة الحياء وحفظ الخصوصية أمام الآخرين.

على أنه قد ألهم الإنسان أنّ الاستجابة لهذه الحاجة الغريزية محفوفة بلياقات وحدود خاصة لن يسوغ له تجاوزها، فهي باقية تحت أصل العفاف والحياء الذي تمّ إيداعه وتأصيله في النفس الإنسانية بنحوٍ ما.

فكان من تلك الحدود:

1. إن الارتباط الغريزي الذي تنبثق عنه فطرة الإنسان بعد البلوغ التدريجي إنما يكون بين الجنسين (الذكر والأنثى) دون اثنين من جنس واحد، كما يؤشر عليه تكامل الجنسين بالتفاوت الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي، فالارتباط بين اثنين من جنس واحد داخل تحت تأصيل العفاف والحياء.

2. إنّ الارتباط بين الجنسين لا بدّ أن يكون على أساس التعاقد المسبق على الاقتران بين

«صفحة 56»

اثنين (رجل وامرأة معنيين) ولا يصح أن تكون ممارسة ابتدائية، ولا أن تكون انفلاتاً للرجل تجاه أية امرأة أو للمرأة تجاه أي رجل، فذلك أمر غير لائق بالإنسان، ولا هو جزء من غايات زرع هذا الشعور في الإنسان بتاتاً فهو داخل تحت أصل العفاف والحياء.

2. أن يكون الارتباط الغريزي بين شخصين لا يكون أحدهما من محارم الآخر فلا يصح الارتباط بين الابن والأم، ولا بين البنت والأب، وكذلك لا يصح الارتباط بين الأخت والأخ، وما إلى ذلك، فالمحرمية بمراتبها لن تلائم ـــ بحسب ما فطر عليه الإنسان ـــ الفطرة النظر الغريزي إلى الآخر.

3. أن يكون الارتباط بين شخصين بالغين، فلا يصح بين شخصين يكون أحدهما أو كلاهما غير بالغ، لعدم انبثاق الغريزة أو عدم نضجها؛ لعدم صلاحية الاقتران قبل البلوغ.

4. إنّه لا بدّ من حفظ الزوجين للارتباط

«صفحة 57»

الخاص أمام الآخرين؛ رعاية لأصل العفاف والحياء العام، وإن كان أصل التعاقد والمعايشة المشتركة بين الزوجين أمراً معلناً وليس سريّاً.

وهكذا فطر الإنسان وألهم باقترانه بآخر من الجنس المغاير.

ويتيح هذا الاقتران بين الزوجين (الذكر والأنثى) من خلال التعاقد الإنجاب ورعاية الأولاد على وجه مشترك، حيث أُلهم الزوجان بأنهما حيث كانا سبباً في وجود الأولاد بينهما فإنّ عليهما من البعد الفطري الأخلاقي والبعد الحكمي مسؤولية رعايتهم حتى البلوغ و الرشد والاستقلال، وهما يجدان بمشاعرهما الفطرية النفسية اندفاعاً إلى ذلك من جهة أنهما يشعران بأنّ الأولاد هم منهما وجزء من كيانهما واستمرار لهما، كما جاء عن الإمام علي (عليه السلام) قوله لابنه الحسن (عليه السلام): «يا بني وجدتك بعضي بل وجدتك كلي»(1).

وهكذا نجد أنّ الإنسان قد أُلهم ما أودع في

ـــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة: 391.

«صفحة 58»

خلقه وفطرته بقواعد الحياة وسننها في هذا البعد الأساس من أبعاد تكوينه النفسي والاجتماعي وما يترتب عليها من استحقاقات ومسؤوليات في إطار الاقتران والإنجاب.

ولذلك كانت ثنائية الرجل والمرأة في الحياة بما تتضمنه من روعة وانسجام تمثّل صيغة الاقتران الراشد والحكيم واللائق بالإنسان، وهي تمثل قوانين الطبيعة والفطرة التي تنبثق من داخل الإنسان بما تجسده من مقتضيات التكامل والتآزر والتعاون والسعادة والتعلق والحب والمودة واللذة والمتعة والسكينة والاستقرار والستر والألفة والأنس والإنتاج والتوليد والتضحية والوفاء والائتمان والثقة الشيء الكثير.

فالاقتران بين الجنسين هو الصيغة المثلى لحياة الإنسان في توفير صديق حميم للعيش الكريم إذا أحسن الإنسان الاختيار وراعى مبادئ الرشد والحكمة والعدالة والإحسان، على أن هذه الحياة لن تخلو بحال عن عناء واختبارات مختلفة للإنسان.

«صفحة 59»

ومن ثَمّ كانت سنة الحياة الإنسانية عبر التاريخ عموماً قائمة بوحي من فطرته التي فُطر عليها على تحديد الهوية الجنسية للإنسان وفق الحالة العضوية الكاملة وتحديد الاقتران المقبول والعلاقة السليمة باختلاف الجنس وبنائها على ثنائية الذكر والأنثى، والرغبة في تكوين الأسرة المؤلّفة منهما المبنية على تكاملهما، ثمّ إنجاب الأولاد من خلال العلاقة بينهما.

وقد اتضح من العرض السابق إجمالاً دلالة الفطرة الإنسانية على مشروعية الاقتران الزوجي بنحو تكامل الذكر والأنثى حصراً من خلال الهدي الداخلي بوجوهه المتنوعة والمنسجمة.

1.فالهدي الجسدي والوظيفي يرشد إلى تكامل الذكر والأنثى من خلال خصائصهما العضوية التشريحية المختلفة المنسجمة والوظائف العضوية لتلك الأعضاء.

2.والهدي النفسي والسلوكي يرشد إلى اتجاه الشعور الغريزي والعاطفي إلى الجنس المغاير، وتميز كل من الجنسين بخصائص سلوكية مختلفة

«صفحة 60»

ولكي متلائمة مع خصائص الآخر.

3.والهدي القانوني ــ ونعني القانون الفطري ــ والأخلاقي يرشد إلى استثناء الاقتران بين الجنسين حصراً من مبدأ العفاف والحياء، ويبقى غيره من وجوه الاقتران ذميماً وباقياً تحت أصل العفاف.

4.كما أنّ الهدي الحكمي ــ الذي يجده عامة العقلاء ويحفزه تجارب الحياة ــ يدل على أنّ تكامل الجنسين بالاقتران موافق مع الصلاح الجسدي والنفسي والاجتماعي للفرد وللمجتمع الإنساني.

وأمّا الهدي الإدراكي فإنّ شأنه في الموضوع هو حسن فهم وتلقي إشارات الفطرة وهديها من النواحي الجسدية والنفسية والأخلاقية والسلوكية، ولذلك يصح القول إنّ الرغبات الشاذة تنشأ في الحقيقة عن نوع من الغباء عن تلقي إشارة الفطرة والطبيعة إلى مسار الاقتران بين الجنسين، أو حدوث حواجب تحول دون تلقي هذه الإشارة داخلياً.

«صفحة 61»

وقد جاء الدين مؤكداً لهدي الفطري، حيث نجد أنّ مشروعية الاقتران بين الجنسين حصراً من جملة ثوابت الأديان عامة والدين الإلهي برسالاته المتعددة خاصة وأبرزها الرسالات الإبراهيمية الثلاثة الموحدة لله سبحانه وهي رسالة موسى (عليه السلام) ورسالة عيسى (عليه السلام) ورسالة الإسلام.

وقد نبّه الدين على هذه الثنائية ـــ التي تسري في معظم الحيوانات أيضاً ـــ كآية من آيات الله سبحانه في الكون والحياة، ونعمة بالغة على الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(1)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ أن اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(2).

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الروم: آية ٢١.

(2) سورة النساء: آية 1.

«صفحة 62»

فكان الاقتران المشروع في الدين هو الزواج بين الجنسين، وهو الذي يمثّل إرادة الله سبحانه في الإنسان ويكون موضعاً لبركاته تعالى.

وقد اعتبر السلوك الشاذ في الدين عملاً شنيعاً للغاية من المنظور القانوني والأخلاقي الذي فطر عليه الإنسان، ومخالفاً مع مؤشرات خلق الإنسان جسدياً ونفسياً الدالة على تكامل الجنسين، فهو بذلك من جملة أفحش الفواحش وأكبر الكبائر والآثام، حتّى جاء إرسال الله عز وجل رسولاً ــــ يعرف بـ(لوط) (عليه السلام) ــــ إلى قومٍ تعارف عندهم السلوك الشاذ فلمّا لم يستجيبوا إليه وتحدّوه نزل عليهم عذاب الاستئصال الذي أفناهم عن آخرهم.

وعلى ذلك جرى علم الطب حتى عهد قريب ــ قبل عدة عقود ــ حيث اعتبر التعلق الشاذ من جملة الأمراض النفسية من قبل الأكاديميات الطبية العالمية، والمراد أنّها ميول غير مستقيمة ولا طبيعية تخالف ما فُطر عليه الإنسان في خَلقه (من الأعضاء المختلفة للجنسين المتكاملة بهما معاً)،

«صفحة 63»

وفي خُلقه وسلوكه (من التوجه الغريزي إلى الجنس المغاير)، ولكن تغير الموقف الرسمي في تلك المراكز التعليمية بعد ذلك.

«صفحة 64»

3.تفصيل مقومات ثنائية الذكر والأنثى بحسب المنحى الفطري والعقلائي العام

إنّ الأساس في الهوية الجنسية للإنسان الذكورة والأنوثة في المنظور الفطري والعقلائي الذي أوضحناه هو البعد الجسدي المتمثّل في الأعضاء الظاهرة المعروفة والأخرى الباطنة والتي كانت جملة منها معروفة في علم التشريح القديم، وقد زاد العلم الحديث من معرفة أبعاد جسدية أخرى للفرق، منها: في المكوّنات الجينية لخلايا الذكر والأنثى، ومنها: الفرق في الإفرازات الهرمونية من الغدد الخاصة فيهما المسمّاة بهرمون الذكورة والأنوثة.

فهذه الخصائص من جهة تشترك في تعلّقها بأصل الجنس الذي هو بعد خاصّ من أبعاد

«صفحة 65»

كيان الإنسان وله خصائص وظيفية مشتركة في أصولها.

ومن جهة أخرى فإنّها تفترق في تفاصيل التمثّلات الجسدية للجنس وفي الأدوار الوظيفية الخاصة التي تؤدّيها.

ويترتّب على هذه الخصائص الأوّلية الفارقة بين الذكر والأنثى بحسب الرؤية الفطرية والعقلائية أمور مرتبطة بها أو متفرّعة عليها، وهي على أنواع ثلاثة:

1. فوارق جسدية أخرى تابعة لهذه الفروق الجنسية الجسدية مثل الفوارق التشريحية أو الوظيفية في الدماغ والعظام والعضلات ومناطق الشعر والأوتار الصوتية وغيرها، كما يفصّل ذلك كلّه في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء.

ولأجل هذه الفروق الجسدية والوظيفية الواسعة بين الجنسين يُهتمّ في علوم الطبّ والصيدلة دائماً بمعرفة جنس المريض، وكونه ذكراً أو أنثى، كما هو ملحوظ للجميع في

«صفحة 66»

المراجعات الطبّية، وذلك يجري في جميع فروع الطبّ تقريباً من الباطنية وطبّ الدماغ وطبّ الغدد الصمّاء وطبّ الصدر وطبّ العظام وغيرها، كما يهتمّ في مقام اختبار الأدوية غالباً اختبارها على كلٍّ من الجنسين ومعرفة مدى الاستجابة وعوارض الدواء لدى كلٍّ منهما.

2. فوارق نفسية، والأمور النفسية على قسمين: أمور مشتركة وفوارق مختصّة.

فالمشتركات النفسية الجنسية بين الرجل والمرأة هو أصل الرغبة الغريزية، وكذلك الرغبة إلى تكوين الأسرة والاحتياج إلى العلاقة المنفتحة داخلها، وكذلك العلاقة إلى ما يترتّب عليه من الإنجاب والتناسل، حيث يشعر الرجل بحبّ الأبوّة وتشعر المرأة بحبّ الأمومة، وهو أقوى وآكد فيها.

ومن المشاعر الفطرية المشتركة في أصلها بين الجنسين هي رغبة كلٍّ من الجنسين في إظهار جنسه وتميّزه عن الجنس الآخر، فيحبّ الذكر أن يظهر بما يبيّن أنّه ذكر، كما تحبّ الأنثى أن تظهر

«صفحة 67»

بما يبيّن أنّها أنثى، ولذلك كانت هناك عناية في جميع المجتمعات بمظاهر وسلوكيات فارقة بين الذكر والأنثى، وتنبع تلك المظاهر والسلوكيات عن عدّة أمور من جملتها حبّ كلٍّ من الجنسين تميّزه عن الآخر، ولذلك كان تشبّه الرجل بالمرأة والعكس أمراً مستهجناً في العرف والدين جميعاً.

وأمّا الفوارق النفسية الجنسية بين الجنسين فهي صنفان:

أ. فوارق في المشاعر والرغبات الغريزية مبنية على الخصائص الجنسية الجسدية، حيث يلاحظ رغبة الذكر إلى الأنثى دون ذكرٍ مثله بتأثير تحفيز الدماغ وإفراز الهرمونات الذكرية، ورغبة الأنثى إلى الذكر دون أنثى مثلها لمثل ذلك.

ب. فوارق في مشاعر نفسية أخرى، حيث يتميّز الرجل بالحزم والرغبة في التحكّم والإدارة وسرعة الاستجابة للإغراء والغيرة على الأنثى، وتتميّز الأنثى بالعاطفة الجيّاشة، وبالاهتمام بالجمال في نفسها وفي ما حولها، وفي الميل إلى الاستناد على الدعم والإسناد النفسي (من

«صفحة 68»

الرجل)، وبالرغبة في الإغراء وفي الإثارة وإظهار الجمال وبالحياء المميّز وبحفظ الخصوصية عن الرجال، وبمشاعر الأمومة المؤكّدة التي تساعد تحمّلها على مصاعب تربية الطفل ومشاقّها.

وقد يُدّعى أنّ بعض هذه الفوارق إنما تلحظ في المجتمعات المحافظة بالنظر إلى بيئتها الخاصة دون المجتمعات الحديثة، ولكن الواقع أننا لا نزال نجد شواهد على هذه المشاعر ولو بنحو خافت في المجتمعات الحديثة.

ومن الفوارق النفسية الأخرى بين الجنسين هو التفاوت بينهما في قائمة الأولويات في الاهتمامات المشتركة بينهما، كما يتضح من المقارنة بين أولويات الجنسين المشهودة في الكلام وفي صرف الوقت وفي صرف الأموال وغير ذلك.

فهذه فوارق نفسية متعلّقة بالفوارق الجسدية الجنسية بين الجنسين، ولذلك نجد أنّ الطبّ النفسي أيضاً ــــ بمختلف أنواعه ــــ يعتني بكون المريض ذكراً أو أنثى سواء الطبّ النفسي الجنسي أو الطبّ النفسي العامّ.

«صفحة 69»

هذا، والميول عموماً ليست عوامل قاهرة للنفس الإنسانية على السلوك الملائم لها، فيبقى اختيار الإنسان وإرادته الحرّة هو الذي يعيّن صدور فعلٍ ما عن الإنسان من عدمه، وإنّما تمثّل الميول دواعي على الفعل، ولذلك يتحمّل المرء مسؤولية أفعاله الغريزية كغيرها من ممارساته وسلوكياته، ويحسن لدى العقلاء بالإنسان على العموم الاستجابة للميول الفطرية على نحو ملائم ومعتدل، وتجنّب السلوك الشاذّ والمؤذي للآخرين.

3. فوارق سلوكية بين الرجل والمرأة، وهي على أصناف ثلاثة:

أ. فوارق في الأدوار التي يؤدّيها كلٌّ من الرجل والمرأة في النشاطات الغريزية والأسرية والإنجابية والاجتماعية.

ب. فوارق في الحركات التي تمثّل طبيعة شخصية الإنسان، حيث إنّها تختلف بين الذكر والأنثى.

ج. فوارق في المظاهر التي يظهر بها كلّ من

«صفحة 70»

الذكر والأنثى أمام الآخرين من حيث ترتيب البدن مثل مدى إطالة الشعر وترتيبه أو من حيث الكشف عن البدن وستره، أو من حيث طبيعة الملابس وخصوصياتها، حيث نلاحظ وجود فارق بين مظهر الجنسين نوعاً حتّى في المجتمعات المهتمّة بإلغاء فوارق الذكر والأنثى وإثبات مماثلتهما تماماً.

وهذه الفوارق السلوكية هي على أقسام متعددة:

1.سلوكيات طُبع عليها كل من الجنسين، فهي بنفسها جزء من فطرتهما والبرنامج المودع فيها، ويجري عليها الجنسان بشكل تلقائي من غير حاجة إلى حدوث استجابة نفسية خاصة نظير السلوكيات التي طُبع عليها بعض الحيوانات في بناء مساكنها من غير أن تستحضر بالضرورة خوفاً على نفسها وعلى نتاجها.

2.سلوكيات طبيعية من جهة اختلاف الخصائص الجسدية بين الجنسين مثل حمل المرأة وإنجابها وارضاعها.

«صفحة 71»

3.سلوكيات تصدر من الجنسين استجابة للميول النفسية المختلفة التي زوّدا بها من مستوى الحياء والميل إلى إبراز الجمال والذوق الجمالي ونحو ذلك، فالمرأة حيث كانت أشد حياء من الرجل تصدر منها سلوكيات تمثل ذلك لن يصدر مثلها من الرجل، كما أنها حيث كانت بفطرتها أميل إلى إبراز جمالها تصدر منها أفعال وتصرفات تمثل ذلك لن يصدر مثلها من الرجل طبعاً.

فهذه السلوكيات ذات أصول فطرية، ولكن قد تتدخل الأعراف الاجتماعية في كيفية إبرازها والتعبير عنها، مثل اختلافها في أسلوب ستر المرأة الذي ينشأ عن صفة الحياء أو عن أسلوب تجملها الذي ينشأ عن صفة حب الجمال.

ومن الميول المؤثرة في اختلاف سلوكيات الجنسين هو حب التميز فالرجل والمرأة يرغبان في مظاهر فارقة تعرف جنسهما فلا يرغبان أن يظهرا بمظاهر لا يتميز صاحبها أنه ذكر أو أنثى.

«صفحة 72»

وذلك أمر يتمثل في عامة المجتمع البشري، وهذا الميل يؤدي إلى العديد من الاختلافات التي نشهدها لديهم في المظاهر، فهي تنطلق في مبناها ـــ أو في جزء من مبناها ـــ إلى حب تميزهما عن الآخر، وهو مما يختلف باختلاف الأعراف.

4.سلوكيات تكون استجابة لرغبة الآخر، والتقرب إليه حيث إنّ من الملحوظ مثلاً أنّ الأنثى معنية بسلوكيات توجب إغراء الرجل فيوافق ذوق الرجل في ما يجب أن يراها عليه، كما أنّ الرجل قد يعنى بسلوكيات توجب تقبل المرأة له، وذلك أمر قد تختلف الأعراف في بعض تمثلاته وتفاصيله.

5.سلوكيات تقتضيها الأعراف الاجتماعية التي تلائم الزمان والمكان والبيئات الخاصة وهي عموماً تأتي تحرياً لما هو الأكثر ملاءمة لطبيعة الجنسين ومظهرهما أو صلاحهما.

وبهذا العرض يتضح أنّ السلوكيات العامة المشتركة بين المجتمعات البشرية الفارقة بين الجنسين تمثلٌ لأمور فطرية للجنسين، كما أنّ

«صفحة 73»

السلوكيات الخاصة ببعض المجتمعات ذات مناشئ متفاوتة فمنها ما يكون تمثلاً لأمور فطرية بنحو ما أيضاً، ولكن تختلف لدى الأقوام لأنّ كلاً يترجمها ويعبر عنها بطريقة تلائم ذوقه ومزاجه وخصائصه وبيئته، كما أنّ منها ما يكون تحرياً لما هو الأصلح للجنس أو للأسرة أو للمجتمع العام مما يمكن أن يختلف باختلاف الزمان والمكان والبيئات الاجتماعية.

فهذه هي ما تجري عليه الرؤية العقلائية والفطرية العامّة.

وعلى هذه الرؤية تؤكّد النصوص الدينية ويرتكز عليها تشريعاتها في شأن الجنسين، فهي تقدّر الاختلاف بين تكوينهما الجسدي والنفسي وما يترتّب عليه من السلوك الملائم في الحياة العامّة والمشتركة للجنسين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾(1)، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّـهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ

ـــــــــــــــــــــــ

(1) )) سورة آل عمران: 36.

«صفحة 74»

نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾(1).

حالات غير مستقيمة في ثنائية الذكر والأنثى والتعامل معها

وهناك بجنب الحالة العامة المتعارفة حالات تشذ عن القاعدة المتقدمة كما هو الحال في سائر الأمور التي فطر عليها الإنسان، حيث إنّه قد تتشوّه فطرة المرء فيها إدراكياً أو جسدياً أو نفسياً أو أخلاقياً، وتتجه إلى منحى مختلف سلوكاً للطريق الخاطئ وقد يساعد على ذلك عوارض مرضية أو حوادث غير اختيارية أو نحو ذلك(2).

ولذلك كانت هناك حالات عدّة ترتبك فيها تلك الثنائية (الذكر والأنثى) وما يترتب عليها من فوارق بين الجنسين.

وهي تندرج في ثلاث حالات:

الحالة الأولى: انحراف الميل الجنسي للإنسان،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) )) سورة النساء: 32.

(2) علماً أن ما أثر من هذه النزعات الشاذة عموماً قبل العصر الحاضر لم ترق إلى درجة القبول بالاقتران المماثل كنوع من الزواج، بل كانت ممارسات خارج إطار الزواج.

«صفحة 75»

بمعنى أن يميل الشخص إلى إقامة العلاقة مع الجنس المماثل، فيميل الذكر إلى العلاقة مع ذكر آخر، أو تميل الأنثى إلى العلاقة مع أنثى أخرى، ومثله ما لو مال الشخص إلى العلاقة مع كلٍّ من الجنسين.

هذه الحالة كانت تتّفق في الأزمنة القديمة، إلّا أنّ التلقّي العقلائي العام كان ولا يزال على اعتبار ذلك ضرباً من الاضطراب النفسي الجنسي، وخارجاً عن القوانين الفطرية التي ألهم بها الإنسان وسنّت عليها مصالحه النوعية وتكوينه النفسي والبدني فهي حالات لا أخلاقية أو مرضية وليست حالة مستقيمة، وهي تنشأ عن عوارض جسدية أو نفسية أو سلوكية أو حوادث أخرى ـــ كما سيأتي بيانها ـــ، ولا يصح لصاحبها أن يقيم علاقة على أساس الميول والمشاعر المخالفة للتمثل الجسدي، كما هو الحال في سائر التعلقات الشاذة الغريزية مثل التعلق بالأطفال، وإذا أعلن صاحبها عن مثل ذلك رُدع عن ذلك

«صفحة 76»

صيانة للجو الإنساني العام عن حدوث الشذوذ.

الحالة الثانية: اضطراب الشخصية الجنسية، بمعنى أن يكون الإنسان ذكراً جسدياً تماماً لكنّه يميل إلى أن يكون أنثى أو يشعر فعلاً بأنّه أنثى محبوسة في جسم ذكر وقد خلق في الجسد الخطأ، أو يكون الإنسان أنثى جسدياً، ويميل أو يشعر بأنّه ذكر، أو يميل الإنسان إلى أن يكون ذكراً وأنثى في آنٍ واحد، وتُعرف هذه الحالة في اللغة بـ(المخنّث).

وهذه الحالة لم تكن تلقى إقراراً من عامة العقلاء، بل كانت تُتلقى ضرباً من الوهم، وربما يوجهه أهل الخرافة بتلبّس جنّ ذكر بالأنثى جسدياً مثلاً أو جنّ أنثى بالذكر جسدياً، ويحلّلون هذه الحالة على هذا السبيل.

الحالة الثالثة: اضطراب الشخصية الجنسية للإنسان جسدياً، بمعنى أن يكون للشخص مثلاً الأعضاء الخاصّة لكلٍّ من الذكر والأنثى، أو بعضها، أو لا يكون له شيء منهما ولو ظاهراً، وتسمّى هذه الحالة في اللغة بـ(الخنثى)، وكأنّ

«صفحة 77»

أصل هذه اللفظة هي لفظة الأنثى مع إضافة الخاء بدلاً عن الهمزة للإشارة إلى الأنوثة المشوّهة.

وهذه الحالة كانت تعتبر قديماً وحديثاً طبّياً ضرباً من التشوّه في خلقة الإنسان كما هو الحال في سائر التشوّهات الخلقية النادرة.

فهذا توصيف الانطباع العقلائي العام والتاريخي حول ثنائية الذكر والأنثى.

«صفحة 78»

4.الاتجاه الحادث في شأن ثنائية الذكر والأنثى

ولكن استجد في العصر الحاضر في ضمن التغيرات الطارئة في المنظومة الأخلاقية في بعض المجتمعات البشرية اتجاهات تنكر المبدأ الفطري العام السائد في المجتمع الإنساني المبني على ثنائية الجنس الإنساني (الذكر أو الأنثى) وتمثلهما في الوضع الجسدي للإنسان، فاعتبرت الحالات الثلاثة المتقدمة(1) التي تشذّ عن ذلك أموراً طبيعية ومقبولة كما اعتبرت العلاقات والسلوكيات الشاذة المترتب عليها أمور مشروعة وسائغة.

ويبدو أنّه كان هناك نحو تدرّج في الإذعان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المقصود في الحالة الثالثة (أي الاضطرابات الجسدية) بعض مواردها، لأنّ التشوه في بعضها الآخر ظاهر ولا مجال لاعتباره أمراً طبيعياً.

«صفحة 79»

بتلك الحالات الشاذّة كحالة مشروعة ومقبولة ومستقيمة.

وكان أوّل ما اتّفق ـــ كمرحلة أولى ـــ هو الإذعان والقبول بـ(الحالة الأولى) أي الميول الشاذّة المتماثلة.

وقد تطوّرت المدعيات التي كان يوجه بها قبول ذلك وشرعنته تطورا كبيراً.

1-فقد كان الطرح الأوّل مبنياً على أنّ الميول والمشاعر غير المتعارفة بين المتماثلين ليست حالة اختيارية، ومن ثمّ يكون منع إقامة العلاقة وفقها مخالفاً للعدالة.

وهو طرح ضعيف بطبيعة الحال؛ لأنّ أصحاب الاتجاه الحديث لا يلتزمون في سائر الموارد بأنّ المشاعر والميول (غير الاختيارية) تجعل السلوك الموافق لها سلوكاً غير اختياري تماماً، حتى في الأمور الغريزية، ولذلك لم يتقبلوا ــــ غالباً ـــ الاقتران والزواج بالمحارم البالغين وكذلك لم يتقبلوا التعلّق الغريزي بالأطفال أو الحيوانات، واعتبروا ذلك ضرباً من الاضطراب

«صفحة 80»

النفسي الجسدي الذي لا بدّ لصاحبه من الحيلولة دون الاستجابة له في سلوكه وعلاقاته.

2-ثم تطور الطرح ــ بعد التوسع في مساحة الحرية الفردية التي يستحقها الإنسان في الثقافة الحديثة ــ، فطُرِح قبول الاقتران الشاذ بالمماثل على احترام اختيار الإنسان ما دام أنه لا يؤذي الآخرين؛ فإذا اتفق اثنان بالغان متماثلان على الاقتران الزوجي فليس في ذلك أذى لأحد، ولذلك فلا موجب للمنع عنه، وأدّى ذلك إلى رفع الاقتران بالمماثل إلى درجة التأصيل في الحياة على حد الاقتران الزوجي بين الرجل والمرأة.

وكان هذا التعليل أيضاً واهناً مرة أخرى؛ لأنّ أصحاب هذا الاتجاه لا يلتزمون في سائر الموارد بجواز أي سلوك اختياري للإنسان إذا لم يكن مؤذياً، ولذلك لم يكونوا يتقبلون ـــ عموماً ـــ الزواج بالمحارم قانوناً، كما لا يتقبلون الانتحار ويحولون دونه وإن كان خياراً اختيارياً للشخص، وهو لا يؤذي الآخرين بذلك.

3-ثمّ تطور الطرح، فأنكروا أن يكون الوضع

«صفحة 81»

الطبيعي المستقيم للإنسان يقتضي الميل إلى الجنس المخالف وإن كان ذلك هو الغالب، وقالوا إنّ الميل إلى الجنس المماثل أيضاً ميل طبيعي مستقيم، وقالوا إنّ الميل الغريزي لا تتحدّد وجهته على أساس عضوي رغم التناسق الجسدي الملحوظ بين الذكر والأنثى، بل تتدخّل فيه عوامل أخرى طبيعية كالبيئة الأسرية والاجتماعية وما يتّفق خلالها من مشاهد وتجارب وأحداث.

وفي هذا الطرح تغافل ظاهر عن الانسجام بين الخصائص الجسدية والميول النفسية المستقيمة، فإذا كانت الخصائص العضوية التشريحية والوظيفية للذكر والأنثى تدلّ على أنّ غاية خلقهما ونسق تكوينهما هو تكامل بعضهما ببعض فإنّه يدل على أنّ الميول النفسية المستقيمة هي التي تتوافق مع ذلك وتتّجه إلى الجنس المغاير كما هو الحالة المتعارفة لدى الجنسين والتي لا يختلف عنها إلا موارد شاذة؟

وفي المرحلة الثانية تجدد باسم العلم ما هو أكثر غرابة، وهو الإذعان بالحالة الثانية، وهي التي

«صفحة 82»

يرى الإنسان فيها جنسه على خلاف جسده، فهو مثلاً أنثى جسدياً لكنّه يشعر بأنّه ذكر، أو هو ذكر جسدياً لكنّه يشعر بأنّه أنثى.

فهذه الحالة هي اضطراب إدراكي واضح كما تلقاه المجتمع البشري من قبل، وهي تنشأ عن شدّة ميل الإنسان إلى أن يتعامل هو مع الآخرين ويتعامل الآخرون معه على أنّه من الجنس الآخر، فتمارس الأنثى أدوار الذكور ويمارس الذكر أدوار الإناث بعضها أو كلّها، وتساعد على حدوث هذا الاضطراب معرفة الشخص أنّ الجنس الآخر لن يتقبل ذلك إلا إذا ادعى أنه من ذلك الجنس الآخر وتبرأ من جنسه، فالإناث لا يقبلن أن يتعاملن مع ذكر بالغ كأنثى بتاتاً، ويشعرن تجاهه بحفظ خصوصيتهن، ولذلك فإنّ الذكر الراغب في أن يكون معهن ويسلك سلوكهن يضطر إلى أن يقول عن نفسه أنّ هويته هي هوية الأنثى، وإنما هو ذكر جسداً، وأنه لا يرغب في تلك الخصائص الذكرية ويسعى إلى إزالتها.

«صفحة 83»

لكن سير الأفكار في العصر الحديث اتّجه إلى الإذعان بشعور الإنسان عن نفسه على أنّه شعور مستقيم، بل جُعل ذلك هو حقيقة الهوية الجنسية للإنسان، وفُصّلت هذه الهوية (الذكورة والأنوثة) عن الخصائص الجسدية المتمثلة بالأعضاء الخاصة الباطنية والظاهرية وكذلك الكروموسومات المكوّنة للخلية الذكرية والأنثوية وخصائصها الجينية، وبُنيَ على أن مقتضى الأبحاث النفسية أنّ هذه الهوية تابعة للشعور النفسي الوجداني، تصديقاً لمزاعم القلة النادرة والشاذة من الناس ممن يرى نفسه على خلاف جنسه الجسدي، وعليه فإذا شعر الإنسان بأنه ذكر فإن هويته الجنسية تكون هي الذكورة ولو كان أنثى من حيث الجسم، وكذلك العكس، فالأعضاء الخاصة إنما تمثل ذكورة جسدية (بيولوجية) فحسب، ولكن هوية الإنسان تكون بحسب انطباعه الذهني عن نفسه وتعريفه لذاته، فإذا كان يعرّف نفسه على أنّه ذكر فهو ذكر وإن كان أنثى من حيث الجسد، وإذا

«صفحة 84»

كان يعرّف نفسه على أنّه أنثى فهو أنثى وإن كان ذكراً من حيث الجسد.

وكان من نتيجة ذلك إضافة نوعين آخرين في الهوية الجنسية الإنسانية:

إحداهما: مزدوج الهوية، وذلك إذا شعر الإنسان بأنه ذكر وأنثى في حال واحد وإن كان ذكراً جسدياً أو كان أنثى جسدياً، لكنه يكون وفق شعوره ذكراً وأنثى.

والآخر: فاقد الهوية الجنسية، وذلك إذا لم يشعر الإنسان أصلاً بكونه ذكراً ولا أنثى ورغم أنه كان جسدياً ذكراً أو أنثى.

وكأن الطرح الأوّل للهوية الجنسية كان ينطوي على جميع الأبعاد الاجتماعية التي يختلف فيها الذكر والأنثى بما فيها البعد الغريزي ميلاً وسلوكاً، بمعنى أنّ المفروض بالذكر الذي يرى نفسه أنثى أن يكون كالأنثى في الرغبة الغريزية والسلوكيات الغريزية، وكذلك المفروض بالأنثى التي ترى نفسها ذكراً أن تكون كالذكر في الرغبة الغريزية والسلوكيات الغريزية.

«صفحة 85»

ولذلك فإنّ من كان يجد لنفسه هوية جنسية مغايرة لجسده فإنّه كان يسعى غالباً إلى أن يتحول جسدياً فيتخلص من الأعضاء التي كانت له في الأصل ويزرع ما يشبه الأعضاء التي تكون ملائمة لهويته الجنسية وفق انطباعه.

لكن ربما تطور هذا الطرح تدريجاً وبُني على أنّ انطباع الإنسان عن جنسه إنما يقتضي رغبته في التعامل الاجتماعي العام معه كذلك ويُصنف ضمن هذا الجنس أو ذاك، ولا يستلزم بالضرورة انجذاباً غريزياً ملائماً أو سلوكاً غريزياً ملائماً مع الجنس الذي يفترضه لنفسه، فيمكن أن يكون الشخص ذكراً جسدياً، وينجذب كالذكر إلى الأنثى ويقترن كذكرٍ بالأنثى أيضاً، ولكنه يشعر أنه أنثى.

هذا وقد بلغ الأمر تدريجاً إلى تجزئة الهوية الجنسية وتبعيضها بمعنى أنّ الشخص يميل إلى بعض سلوكيات الذكر وبعض سلوكيات الأنثى، فيكون حالة مُبعّضة ووسطى، وقد تولد بطبيعة الحال حالات متوسطة كثيرة تبعاً

«صفحة 86»

للسلوكيات التي يختارها الشخص مما يضاف إلى كل من الجنسين.

وعلى ضوء ذلك كلّه حدث مفهوم النوع الاجتماعي، وبُني على أنّ الهوية الجنسية للإنسان حالة اجتماعية، والمراد بها ما يحب الإنسان أن يظهر به أمام الآخرين ويتعامل الآخرون معه على وفق ذلك، فإذا أحب الذكر جسدياً أن يكون كالأنثى فيلبس ملابس الإناث ويتزيّا بزيّهن ويتزيّن بزينتهن ويحضر بينهن ويكون معهن ويقتفي سلوكياتهن في أسلوب القول والحركات وغيرها فإنّه يكون أنثى من حيث الهوية الجنسية الاجتماعية، وإذا أحبت الأنثى جسدياً أن تلبس ملابس الذكور وتتزيّى بزيّهم وتكون معهم فإنّها تكون ذكراً من حيث الهوية الجنسية الاجتماعية.

فهذا بُعدٌ آخر جنسي للإنسان مختلف عن البعد الشخصي الجسدي والبعد النفسي الغريزي والبعد السلوكي الغريزي.

ثم كان الافتراض الأولي في هذا الاتجاه أنّ انطباع الإنسان عن نفسه حالة قهرية ومتجددة

«صفحة 87»

وغير اختيارية وثابتة يجدها الإنسان من نفسه وليس مجرد رغبة منه في أن يتقمص دور هذا الجنس أو ذاك.

ولكن تطور الموقف تدريجاً: فأصبح توصيف الشخص والتعامل معه تابعاً لرغبته ولاختياره، فإن اختار أن يعتبر ذكراً وجب توصيفه والتعامل الاجتماعي معه كذلك، وإن اختار أن يعتبر أنثى وجب توصيفه بها، وأجيز أن يكون هذا الاختيار متغيراً فهناك من يكون اختياره ملائماً مع وضعه الجسمي لسنين ثم يجد اختياراً مختلفاً، فيكون ذكراً في الأصل لسنين ثم تطرأ عليه المشاعر الأنثوية ويختار أن يكون أنثى.

ونظراً إلى عدم تقبل جمهور الناس لهذه الحالة وتعاملهم مع الشخص المتظاهر بغير جنسه الجسدي بما يدل على استهجان ذلك ازدادت العناية بالتثقيف على سلامة من يختار التحول عن جنسه والدفاع عن حقه في هذا الاختيار، وكان من مظاهر هذه العناية في بعض البلاد ما يلي:

«صفحة 88»

1-إنّه يجب استخدام التسمية الحديثة للشخص، والتعابير اللغوية التي يختلف فيها الجنسان في حق الشخص المتحول فيتم استخدام ضمائر الإناث أو الضمائر المحايدة مثلاً مع الذكر المتحول إلى الأنثى، ولو استخدم مع التسمية القديمة ضمائر الذكور اعتبر ذلك ضرباً من الإهانة والاستفزاز الذي يؤاخذ عليه القانون.

2-ترتيب الوثائق الرسمية في ذكر جنس صاحبها على وفق ميوله ومشاعره الحاضرة دون جنسه الجسدي، فمن كان ذكراً جسداً ومحتفظاً بخصائصه الجسدية الذكورية إذ عرّف نفسه على أنّه أنثى يسجّل في وثائقه أنّه أنثى، وقد جرت بعض الدول على ذلك.

وكان من إفرازات هذا الاتجاه في شأن الأطفال:

1.عدم تحديد الجنس في بيان الولادة إيكالاً إلى اختيار الشخص نفسه بعد البلوغ والرشد.

2.لا بد من تعليم الأطفال في المدرسة مبكراً الأمور الجنسية ومن جملتها الفرق بين الجنس

«صفحة 89»

الجسدي والهوية الجنسية، وكذلك أنواع الاقتران من الاقتران المغاير والاقتران المماثل الشاذ بين ذكرين أو أنثيين.

3.إنّه يجب أن يُسأل الطفل بعد بلوغ المراهقة ــ رغم عدم الرشد العام المحدد بـ(18) سنة ــ عن هويتهم الجنسية ويخيَّرون بين أن يختاروا هوية الذكر أو الأنثى أو المزدوج.

4.إنّ أيّ مؤشر تربوي لتوجيه الطفل من قبل والديه وفق وصفه الجسدي على أنّه الخيار الملائم والصحيح يُعتبر تعدياً على الطفل وإذا تكرر فإنّه قد يؤدي إلى سلب المحكمة لصلاحية الوالدين في حضانة الطفل فينتزع منهما الطفل ـــ على رغم إرادتهما بل وإرادة الطفل أيضاً ـــ ويوكل إلى أسرة أخرى(1).

وهكذا ادُعيَ أنّ العلم الحديث من خلال

ـــــــــــــــــــــــ

(1) وقد تكون تلك الأسرة وفق تلك المبادئ مؤلفة من رجلين في حين يكون الطفل أنثى مراهقة منتزعة من عائلة محافظة مسلمة أو مسيحية، أو تكون تلك الأسرة مؤلفة من امرأتين في حين أن الطفل يكون فتى مراهقاً! وهكذا تؤتمن تلك الأسرة الشاذة على الطفل المراهق من جنس المخالف!

«صفحة 90»

التحليل النفسي والاستقراء الواسع ينفي الرؤية السائدة ــ التي جرى عليه الإنسان منذ القديم حتى العصر الأخير وأكّد عليها الدين الإلهي في رسالاته المتعددة من اليهودية ثمّ المسيحية ثمّ الإسلام من تحديد الهوية الجنسية للإنسان على أساس خصائصه الجسدية والعضوية ــ بادعاء أنّ العلم يقدّم رؤية جديدة، ويبني على أنّ الهوية الجنسية للإنسان حالة اجتماعية محضة تنشأ عن التربية والبيئة، وهي متميّزة عن التمثيل الجسدي والعضوي، فيجوز أن يكون الإنسان أنثى جسدياً ولكنه يكون ذكراً أو العكس.

وقد جرى الاهتمام بهذا الموضوع بشكلٍ ملفت من بين القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، كما يتمثل في التصريحات السياسية من بعض المسؤولين الدوليين، وكذلك مسؤولي بعض الدول المؤثرة والنافذة.

وفي المرحلة التالية وقع الإذعان بالحالة الثالثة ــ حيث يكون هناك اضطراب في الخصائص الجسدية للذكر والأنثى ــ وهي الحالة التي

«صفحة 91»

كانت تتلقى من قبل ضرباً من التشوه في الجنين، واعتبر واجدية للشخص لأعضاء كلا الجنسين أو لبعض الأعضاء من كل واحد من الجنسين عموماً ــ يما عدا حالات خاصة ــ ضرباً من التنوع في الجنس الجسدي، وذلك لإبطال ثنائية الذكر والأنثى حتّى في المستوى الجسدي.

عناصر الهوية الجنسية النفسية وأنواعها وفق الاتجاه الحديث

لقد انتهى الأمر في ضوء ذلك كله إلى البناء على أنّ البعد الجنسي للإنسان يتمثل في عناصر متعددة ليست متجمعة بالضرورة وإن كانت مترابطة في كثير من الحالات:

1-الوضع الجسدي، بمعنى وجود الخصائص الجسدية للذكر أو الخصائص الجسدية للأنثى أو خصائصهما معاً أو فاقد لذلك كله.

والذي يكون واجداً للخصائص الجسدية للجنسين فإنّه يمكن أن يكون على وجوه عديدة لأنّه لا يكون واجداً لجميع الخصائص معاً، بل

«صفحة 92»

يأخذ من كلٍ بعضاً، وعليه يختلف البعض الذي يكون واجداً له من الخصائص الجسدية الذكرية والأنثوية.

2-الشعور النفسي للإنسان نفسه عن أنه ذكر أو أنثى، أو ذكر وأنثى معاً، أو هو عديم الشعور بشيء من ذلك.

ومن يشعر عن نفسه بأنّه ذكر أو أنثى يمكن أن يكون على وجوه مختلفة لأنّ الذكورة والأنوثة الاجتماعية تتمثل في مظاهر وسلوكيات مختلفة، ولا يمكن أن يكون الشخص جامعاً لجميع المظاهر والسلوكيات للجنسين معاً للتضاد بينهما فيأخذ من هذا بعضاً ومن ذاك بعضاً، فقد يجعل شعره كالإناث وملبسه كالرجال وقد يفعل العكس وهكذا. ولذلك فإنّ الهوية الجنسية الاجتماعية سوف تكون على أنواع كثيرة للغاية.

3-الانجذاب الغريزي وهو ـ كما قيل ـ أمر وراء الشعور النفسي للإنسان عن جنسه، ولا ملازمة بين الأمرين فقد يكون انطباع الشخص عن نفسه أنّه ذكر وهو ينجذب إلى الأنثى، كما

«صفحة 93»

هو المتعارف، أو إلى الذكر أو إلى كل منهما أو لا ينجذب إلى شيء منهما، فكل ذلك أمر جائز وواقع، وكذلك الحال فيمن يرى نفسه أنثى، أو يرى نفسه مزدوج الجنس، أو يرى نفسه عديم الجنس، فيجوز أن ينجذب إلى المغاير جسدياً أو إلى المماثل أو إلى كل منهما أو لا ينجذب إلى شيء منهما.

ومن يميل إلى كل من الجنسين قد يكون على وجوه حسب النسبة المئوية لميله إلى كل من الجنسين، فهل هو بالتساوي أو بالتفاضل وكيف يكون ذلك.

4-السلوك الغريزي، وهو ـــ كما قيل ـــ أمر وراء كل ما تقدم حتى الانجذاب الغريزي، لأنّ من الجائز أن يكون الانجذاب وفق المتعارف إلى الجنس المخالف مثلاً، ولكن يكون التفضيل العملي للعلاقة الشاذة مع الجنس المماثل.

5-سائر الميول والسلوكيات والأدوار التي

«صفحة 94»

تُعتبر للذكر والأنثى من الزواج(1) ورعاية الطفل وترتيب الشعر والملابس ووجوه الزينة والأعمال وغير ذلك.

وهكذا نلاحظ كيف أنّه قد تم تفكيك الجانب الجنسي إلى عناصر خمسة على خلاف ما يشهده الوجدان الإنساني العام من أنّ هذه العناصر تكون مرتبطة ومتطابقة في الإنسان المستقيم، وحالات الانفكاك بينها حالات شاذة وغير مستقيمة.

ـــــــــــــــــــــــ

(1) إنما ذكرنا الزواج في هذه الفقرة مع ذكر الرغبة الغريزية والسلوك الغريزي في الفقرتين السابقتين، لأنّ الزواج بين الرجل والأنثى تعاقد بين الطرفين على الاقتران، وذلك يعتبر وفق هذا الاتجاه عرفاً مستقلاً، فقد جرى العرف بتزويج الشخص من الجنس الآخر، وعليه من الجائز أن يتزوج الشخص من الجنس الآخر وإن لم يلائم ذلك رغبته وسلوكه الغريزي.

«صفحة 95»

5.موقف الدين ومساعي التشكيك فيه

لقد جاءت تعاليم الدين برسالاته المتعددة وآخرها رسالة الإسلام واضحة ومؤكدة للغاية في بناء الهوية الجنسية للإنسان على الخصائص الجسدية وحصر الاقتران الزوجي المشروع بالاقتران بين الجنسين وتحريم الفعلة الشاذة وتقبيحها للغاية من المنطلق الفطري وضرب المثل للأمم والأقوام بقوم استحلوا هذه الفعلة فبعث الله رسولاً (وهو لوط) إليهم بالنهي عن ذلك حتى إذا تحدّوه بفعلة خاطئة أنزل عليهم عذاباً مدمراً كانوا به عبرة ومثلاً للأمم والأقوام من بعدهم.

ولكن أدّت الاتجاهات الجديدة التي رسخت في فريق من الناس لـموافقتها لرغباتهم وعوامل

«صفحة 96»

أخرى تدريجاً إلى سعي بعض هؤلاء ممن كان يريد أن يحافظ على انتمائه إلى الدين إلى التشكيك في موقف الأديان والرسالات الإلهية التي كانت واضحة في ثنائية الذكر والأنثى تبعاً للوضع الجسدي وتكاملهما حصراً بالاقتران الزوجي وفي تكوين الأسرة، وحاول هذا البعض حمل نصوصها على ما يسلب دلالتها على حظر الشذوذ والاقتران الشاذ، وادُعي على سبيل المثال أنّ ما جاء من نزول العذاب على قوم لوط الذين كانوا يمارسون هذه الفعلة الشاذّة لم يكن على أساس فعلتهم هذه، بل على أساس تعرضهم للرسل الضيوف على النبي لوط (عليه السلام).

وهذه تشكيكات ومساعٍ متكلفة ومجافية بوضوح لتعاليم الدين ونصوصه، كما يجده أي باحث في نصوص الدين حتى إذا لم يكن ممن يعتقدوا بالدين.

وأمّا نزول العذاب على قوم لوط في أثر تعرضهم لضيوف الرسول (عليه السلام) بالفعل الشاذ فهو صحيح إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّ

«صفحة 97»

الله سبحانه قد أرسل لوط إلى قومه لنهيهم عن الفعل الشاذ فكان التحذير منه معلماً رئيسياً في رسالة هذا النبي.

على أنّ نزول العذاب على قوم لوط في إثر تعرضهم لضيوف الرسول لا ينفي علاقة نزول العذاب بامتناعهم عن الإيمان بلوط ورسالته وتعاليمه ومن أبرزها التحذير عن الفعل الشاذ، فإنّ العذاب قد لا ينزل على الأمم إلا بعد تحدي الرسول بعمل ما فكان نزول العذاب على قوم لوط بصنيعهم ذاك باعتباره حدثاً تمّت به الحجة على هؤلاء حيث بلغوا الغاية في العناد على هذه الخطيئة الفاحشة، وكان تحدياً للرسول، فاستوجبوا به العذاب كما نزل العذاب على قوم صالح بعقر الناقة، وسيأتي توضيح ذلك في موضعه.

«صفحة 98»

6.معطيات التأمل الجامع في الموضوع

ولقد تأمّلت هذا الموضوع تأمّلاً جامعاً وتابعت مبادئه من العلوم المختلفة ابتداءً بالقواعد الفطرية العامّة للمعرفة الإنسانية والتي تمثّل العقلانية الراشدة التي يجري عليها عامة العقلاء في المجتمع الإنساني.

ومروراً بالعلوم الإنسانية المختلفة ذات العلاقة ـــ التي لم أكن بعيداً عنها من قبل ـــ من علم التاريخ العام والمعاصر وعلوم النفس بأقسامها وعلم الاجتماع والقانون والأحياء وعلم الطبّ بأنواعه وعلوم الأحياء والتشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الطب بأقسامه لا سيما طبّ الجهاز التناسلي والطبّ النفسي ــ بالمقدار الذي يتوقف عليه تبيّن هذا الموضوع وما أتيح لي من ذلك ــ.

«صفحة 99»

وانتهاءً بالعلوم الدينية المختلفة من أصول وقواعد المعرفة الدينية وتاريخ المجتمعات الدينية والأديان والرسالات خاصّةً رسالة الإسلام وعلوم القرآن وتاريخه وعلوم السيرة والحديث وعلوم أصول الدين وعلوم التشريع الإسلامي كعلم الفقه والقواعد الفقهية وفلسفة التشريع وأصوله وأنواعه وعلم أصول الفقه بأبوابه وعلوم اللغة من أدب وبلاغة ومفردات لغوية حسبما يتعلّق منها بالموضوع.

ولقد تأكّد لي بملاحظة ذلك كله عدة حقائق:

1.إنّ أصل مسألة الذكورة والأنوثة وأصول الأمور المتعلقة بهما ليست مسائل تخصصية وبعيدة عن متناول عامة العقلاء فيما يجدونه بوجدانهم و يشهدونه بخبراتهم العامة، بل هي جزء من الإدراك الوجداني والهدي الإنساني العام في أبعاده المتعددة الذي تؤكده المعايشة الاجتماعية المتحققة لدى جمهور العقلاء، ولذلك فلا يصح تخطئة تدخل جمهور العقلاء في هذه المسألة على أساس أنّ ذلك مسألة تخصصية،

«صفحة 100»

نعم يستطيع أهل الاختصاص إذا ساروا وفق المنهج السليم والملائم للموضوع من توصيف هذا الموضوع من خلال الأدوات الفنية والمصطلحات العلمية.

2. إنّ العقل السليم والوجدان الإنساني العام يدرك بأنّ حقيقة الذكورة والأنوثة التي هي جزء من الهوية الفطرية للإنسان إنّما تتمثّل في جسد الإنسان، وهو الذي يوافق التكوين الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي.

وأمّا افتراض كونها أمراً منفصلاً عن الخصائص الجسدية كأن يرى الذكر جسدياً نفسه أنثى وترى الأنثى جسدياً نفسها ذكراً فإنّما هو ضرب من الوهم والخيال، وما يتفق من الحالات الشاذة على خلاف ذلك تنشأ عن بقاء الهوية الحقيقية في مرحلة الكمون في اللاوعي الإنساني لحواجب مانعة من بروزها.

3. إنّ الفطرة الإنسانية تنطوي بوضوح على أن الميل الفطري المستقيم إنّما هو الميل الذي يربط بين الرجل والمرأة الباعث على تكامل بعضهما

«صفحة 101»

ببعض، حيث إنّه هو المنسجم مع تكوينهما المبني على هذا التكامل بشكل واضح من خلال مئات الخصائص الجسدية والتشريحية الوظيفية الظريفة والأخرى النفسية والسلوكية التي لاءمت بين الجنسين، ولذلك كان مقتضى الفطرة ـــ فطرة الخَلْق التي تتمثل في الجسد، وفطرة الخُلُق ونعني بها التكوين النفسي والسلوكي للإنسان ــــ تكامل الرجل والمرأة، كما أنّ معطيات العلوم الإنسانية التي تعتمد المنهج الصحيح في تحري مقتضيات الفطرة تلائم ذلك.

4. إنّ الضمير القانوني والأخلاقي للإنسان ينطوي على مبدأ العفاف عن أيّة علاقة غريزية عدا الاقتران الزوجي بين الجنسين ويستقبح التعلقات والاقترانات الشاذة استقباحاً شديداً وينظر إلى من يمارسها بعين الضعة والاستهجان والشذوذ والانحراف، ويرى أنّ الاقتران المشروع بل والمحبّذ هو الاقتران الزوجي بين الجنسين الذي جُهّزا له جسداً ونفساً وكانا بذلك مصنع الإنسان بإنجاب الأولاد واستمرار وجوده النوعي.

«صفحة 102»

5. إنّ الحكمة والصلاح الإنساني الشخصي والنوعي والتي قد أُلهمها الإنسان يقتضي جري الإنسان على مبدأ تكامل الرجل والمرأة حصراً، واعتبار الهوية الجنسية للإنسان وفق تكوينه الجسدي، وأنّ أيّ اتّجاه مختلف لهو دون أدنى مبالغة خطأ فظيع في مسألة بنيوية في الحياة الإنسانية وفق المبادئ الراشدة للسلوك الإنساني الملائم والصائب وله آثار نفسية وتربوية واجتماعية كارثية ومدمّرة جدّاً للفرد وللمجتمع الإنساني.

6. إنّ العلوم المختصة ذات العلاقة بالموضوع بغض النظر عن بعده الديني تؤكد جميعاً الرؤية الفطرية في أبعادها المتعددة الإدراكية والنفسية والتشريعية والأخلاقية والحكمية شريطة نضج البحث والانتباه إلى الأبعاد المتعددة للموضوع وسلوك المنهج الملائم مع الموضوع في كل واحد من أبعاده علماً أنّ الأبعاد المتعددة للموضوع توجب ارتباطه بعلوم متعددة ارتباطاً قريباً.

ومن جملة تلك العلوم:

«صفحة 103»

1-علم المعرفة الذي يشتمل على التفريق بين الأمور الخارجية والتي تندرج فيها الذكورة والأنوثة الجسدية، والأمور الاعتبارية والتخيلية والتي تندرج فيها الذكورة والأنوثة المفترضة بانطباع الإنسان عن نفسه.

2-علم الفلسفة الذي يساعد على أسلوب تحليل المفاهيم، ومن جملتها مفهوم الذكورة والأنوثة.

3-علم المنطق الذي يحدد قواعد تحصيل المعرفة الموضوعية الموثوقة، ويشتمل على بيان العناصر المختلفة التي تؤثر سلبياً على سلامة المعرفة مثل الرغبات المشبعة التي تنتج التفكير الارتغابي والقصور التحليلي.

4-علم المناهج الذي يبين المناهج المختلفة الملائم مع العلوم المختلفة من العلوم الرياضية والعلوم العقلية والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية مثل علم النفس والأخلاق والاجتماع والتاريخ والأدب، وإلى العلوم الإنسانية ينتمي الموضوع محل البحث، ويصون بذلك الباحث

«صفحة 104»

عن أن يبحث في علم بمنهج علم آخر، وقد ينتمي علم المناهج إلى علم المنطق بمعنى عام، لأنه يبين طريقة الاستدلال في هذه العلوم.

5-علم النفس العام الذي يبين أنواع الأمور النفسية بالمعنى الشامل والأمور الذهنية والسلوكية ويحلل السلوكيات المختلفة لدى الإنسان والحيوانات ويبين الغائية فيها، ويوضح الظواهر الظاهرة والأخرى الكامنة في مرحلة اللاوعي الإنساني وكيفية انفتاقها وتأثيرها على السلوك، كما يبين أنواع الاضطرابات النفسية والعقلية والسلوكية.

6-علوم التشريح التي تبين تفاصيل ما يشتمل عليه جسد الإنسان ويفترق فيه الذكر والأنثى من الخصائص المشهودة والأخرى الدقيقة.

7-علم وظائف الأعضاء الذي يبين الدور الوظيفي للخصائص العضوية والدقيقة ويبين الغايات المنظورة بكل من تلك الخصائص.

8-علوم الطب بأقسامه خاصة الطب النفسي والطب التناسلي ويبين الظواهر الصحية

«صفحة 105»

والمرضية وقواعدها ومميزاتها ومناشئها.

9-علم الاجتماع الذي يحلل تأثير الاجتماع في النفس ومحلل الظواهر الاجتماعية ومناشئها ويرصد السنن الاجتماعية العامة ويحدد الصلاح العام، ومنها العديد من الأعراف المرتبطة بالجنسين الذكر والأنثى.

10-علوم القانون والأخلاق التي تبين حقيقة القانون والأخلاق ومناشئه ومصادره، ومنها ما أودع في داخل الإنسان من القانون الفطري (الطبيعي) ويبين الاستحقاقات الاجتماعية على الفرد وحدود الحرية المستحقة للأفراد.

فهذه جملة من العلوم ذات العلاقة بالموضوع.

ولقد لاحظت خلال البحث تأثير الاتجاه الحادث فعلاً بعدة مؤثرات سلبية في هذه العلوم(1).

ـــــــــــــــــــــــ

(1) من جملتها:

1-ضعف التحليل الفكري العام من جهة عدم الممارسة في الفلسفة وأسلوب تحليل المفاهيم، وقد تمثّل ذلك في عدة موارد منها:

أ. أصل تفسير (الذكورة والأنوثة) على أساس الانطباع الداخلي للإنسان عن نفسه من غير أن يكون لهما حينئذٍ أي معنى محدد، وربما تساعد عليه نظريات فلسفية خاطئة بوضوح لدى عامة العقلاء مثل نسبية الحقيقة.

ب. في أسلوب الجمع بين ما يتراءى من مؤشرات مختلفة، بل ومتعارضة على ما يتراءى أوّلاً مما يجعل الموضوع معقداً في المنظور العلمي، ويكون استخلاص نتيجة ملائمة من المنظور الجامع بحاجة إلى حسن تقدير الأمور، وتقدير كل شيء بحدّه وعدم التجاوز به عما يناسبه.

ج. في الاحتجاج بأمور غير مطردة بوضوح مثل الاحتجاج بالحرية الشخصية في ما لا أذى فيه إلى الآخرين، وهم لا يلتزمون بذلك، أو يمنعون أموراً لا أذى فيها للآخرين مثل الزواج بالمحارم، كالزواج بين الأم والابن أو الأب والبنت، وكذلك الاحتجاج بعدم كون الانطباع المغاير للإنسان عن جنسه اختيارياً، وهم لا يلتزمون باحترام الميول غير الاختيارية كما في الميول الشاذة إلى الحيوانات والإدمان على المخدرات وغير ذلك.

2-الضعف المنهجي من جهة التعامل بجفاء مع الاقتضاءات الفطرية للإنسان مما يتمثل في البعد الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي والأخلاقي والحكمي، فجرى التعامل معها وفق المنهج الملائم في العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء، ولذلك تم تفكيك بنية الإنسان الجنسية إلى أمور منفصلة، فتم تفكيك البعد الجسدي التشريحي والوظيفي عن البعد النفسي والسلوكي، كما تمّ تفكيكهما عن البعد القانوني (الفطري) الأخلاقي، وتم تفكيك ذلك كله عن البعد الحكمي الضامن لصلاحه النوعي الذي أُلهم به الإنسان، فأصبح كيان الإنسان ـــ المبني كسائر الكائنات الحية على ملائمة هذه الأبعاد وتطابقها ـــ كياناً مقطّعاً حتى كأنهم يفككون بذلك أجزاء مادة ما ويفصلون بعضها عن بعض في المختبر، حتى يكون لكل استخدامه، وترتب على ذلك ظاهرة تشويه الجسد والقلق حول الهوية الجنسية وتفريغ الأخلاق وخفاء وجه الحكمة.

وكان وقوع هذا الخطأ الفاحش بالرغم من أنّ فهم الصلة بين تلك الأبعاد الداخلية للإنسان ليس بالأمر الصعب وفق تأمّل أحوال الكائنات وخصائصها حيث يلحظ التكامل بينها بوضوح فيما لا يحصى من الحالات في علم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وسائر العلوم ذات العلاقة.

3-المغالاة في شأن بعض القيم الفطرية الثابتة في أصلها، ومن المعلوم أنّ الإفراط في إثبات الحقوق كالتفريط فيها خروج عن القيمة المفترضة إلى أضدادها، ومنها:

أ-المغالاة في حدود الحرية الشخصية في مقابل الصلاح الاجتماعي العام مما أدى إلى شرعنة الميول الشاذة الخاصة في مقابل السنن الاجتماعية السليمة الحكيمة والضامنة للصلاح العام فالحرية الشخصية على الإجمال قيمة فطرية، إلا أنّها محدودة بحدود ملائمة للصالح العام بحسب القانون الفطري كما أوضحناه في موضعه (لاحظ كتاب اتجاه الدين في مناحي الحياة في بحث الدين والحرية الشخصية).

ب-المغالاة في حدود المساواة بين الناس فلا بدّ من تسوية أصحاب الانطباعات الخاطئة عن جنسهم والميول الشاذة بأصحاب الانطباعات الراشدة والميول المستقيمة.

والصحيح أنّ المساواة بين الناس التي تفرضها الفطرة الإنسانية لا تنافي تحديد الحالات الخاطئة بحسب الفطرة، وليس من المساواة التسوية بين السلوك الخاطئ الذي يجب الحذر منه وبين صاحب السلوك السليم الذي ينبغي الاقتداء به في الحياة، وإنما هو على حدّ طلب التسوية بين السليم وبين المريض بمرض معدٍ في حرية الحركة والاختلاط.

4-هوان قسم من القيم الأخلاقية التي تمثل أصول القانون الفطري (الطبيعي) المتبع في الحياة، من جملتها:

أ-ما يتعلق بالشؤون الغريزية، حيث نشهد السماح بمشاهد مثيرة وفاضحة في الملأ العام بشكل عام، أو في مقامات خاصة مثل السباحة والرياضة، وبانتشار المشاهد الفاضحة للغاية من خلال الأجهزة حتى أصبحت ميسرة للقصّر والمراهقين.

ب-ما يتعلق بحقوق الجنسين من الرجل والمرأة وبكيان الأسرة حيث اعتمدت المساواة بمنظور يتنكر للفوارق القائمة بين الجنسين جسدياً ونفسياً وسلوكياً والتي تقتضي تفاوتاً في الأحكام الملائمة لهما، ويُجمّل ذلك بعناوين جميلة محبّبة تستهوي النفوس على إجمالها، ولكنها تطبّق على وجه خاص تسعى إلى فقدان المرأة لخصائصها كالحياء والأمومة وتربية الأطفال.

ج-ما يتعلق بحقوق الجنسين حيث يعطي حق إسقاط الجنين للأم حتى بعد وضوح ولوج الروح فيه من غير عذر وجيه، مع أنّ الجنين حينئذٍ إنسان كامل لا يختلف عن الوليد حديثاً، فكيف يصح القبول بقتله عمداً، ومثل هذه الاختلالات ناشئة عن خلل في المنهج في رصد القانون الفطري (الطبيعي) والقيم الأخلاقية.

وقد يبرر مثل ذلك بنظريات خاطئة في شأن القانون الفطري والقيم الأخلاقية، مثل نسبية القيم واختلافها بحسب الزمان والمكان، أو بدراسات خاطئة حول مكونات النفس الإنسانية تؤدي إلى إنكار بعض العناصر المهمة فيها كالحياء والغيرة.

فهذه نماذج من وجوه الضعف العلمي في النظريات الحديثة التي تشرعن الانطباعات والسلوكيات الشاذة.

والواقع أنّ العديد مما ذكر في مقام التوجيه العلمي للانطباعات المغايرة عن الذات والميول الشاذة لهي من قبيل اصطناع الشبهة في مقابل الأمور الوجدانية، فهي تجد مشكلة في التسليم لها، ولهي أقرب إلى ما يسمى في هذا العصر بـ(شبه العلم) منها بالعلم الحقيقي.

«صفحة 106»

7. إن الاتجاه الصائب في الموضوع واضح

«صفحة 107»

وفق الاسترسال الفطري العام، فقد تأكّد لي

«صفحة 108»

من خلال البحث والمتابعة أنّه ليس هناك من حاجة حقيقية في الاهتداء إلى الرأي الصائب في هذا الموضوع إلى هذا العناء في تأمّل العلوم ذات العلاقة ومقتضاها في الموضوع، بل يكفي الاسترسال الفطري وعدم الوقوع في الشبهات المشوّهة للفطرة والموجبة للتشويش في مقتضياتها والخبرة العقلانية العامة في الحياة التي تُكتسب من خلال مشاهد الحياة وتجاربها.

«صفحة 109»

ولكن إذا وقعت الشبهة وصيغت بأدوات علمية فلا بدّ من حلّها ورفع الالتباس الحاصل في ذهن من يقف عليها ويتوقف عندها وفق تلك الأدوات ذاتها، وذاك عناء تستوجبه إثارة الشبهات لمن تأثّر بها وليس نابعاً من كون المسألة ذات أبعاد نظرية تخصّصية، ويتّفق مثل هذا في الكثير من المسائل ذات البعد الوجداني، حيث إنّ الشعور الوجداني المسترسل أيسر الطرق وأقصرها لإدراك الحقيقة فيها، ولكن عندما تثار الشبهة فيها لا بد لمن تأثّر بها من الصبر على التحقّق منها.

وإنني أؤكد أنّ من الخطأ أن يحتكر جماعة من الباحثين في العلوم ادّعاء الحقيقة والعلم في مقابل ما يجده عامّة العقلاء ومنهم أهل العلم في سائر الحقول من خلال الخبرة العامة بتأمل حالة الاستبطان الذاتي والتجارب التي يشهدونها حولهم على أساس أنّ البحث من خلال الأدوات العلمية إنّما يتأتّى من الباحثين العلميين في هذا الحقل، فإنّ ما يختص به أهل العلم في المسائل

«صفحة 110»

العقلانية العامة إنّما هو التوصيف الفني وليس واقع الشواهد والمنبهات والأدلة، فإنّها متاحة من خلال الخبرة التامة.

بل لوحظ في العديد من الموارد أنّ انطباع عامّة العقلاء وانتزاعهم المعلومات من الحالات التي يشهدونها ويقفون عليها ويجرّبونها بشكل طبيعي أسلم وأصفى من انطباع بعض أهل الاختصاص العلمي الذين يتعثرون في التحليل الصحيح للوقائع، ويتأثرون بالمؤثرات الخاصة في حياتهم الشخصية والقوى النافذة والظواهر الاجتماعية والعواطف المبالغ فيها والشعارات البراقة.

8. إنّ الدين الإلهي من خلال رسالاته المتعدّدة ــ وآخرها رسالة الإسلام الثابتة ثبوتاً تاريخياً قاطعاً ــ يؤكّد على تكامل الرجل والمرأة في الحياة تأكيداً بالغاً وتعتبر أيّة علاقة شاذّة أمراً محظوراً بل كبيرة من الكبائر في الدين ومخالفة صارخة لقانون الخلق والفطرة، وتنعت الفعلة الشاذّة بكلّ نعت ذميم كما جاء في القرآن الكريم نعتها ــ

«صفحة 111»

باللفظ أو بالمعنى ــ بأنّها (فاحشة قذرة، شهوانية، ذميمة، إسراف، عمل مبغوض، منكر، تجاوز، فساد، جهل، شذوذ حادث، مجافٍ للفطرة، مخزٍ، فاضح، منافٍ للرجولة، غير رشيد، خبيثة، عمل سيّء، فسق، ظلم، جرم، ممارسة سكرى(1)).

وقد قصّ القرآن الكريم ــــ كما ذكرنا قريباً ــــ قصة النبي لوط (عليه السلام) حيث جاء أنّ الله سبحانه قد أرسله إلى قوم انتشرت عندهم الفعلة الشاذّة حتّى أنّهم كانوا يستحلّونها ويجاهرون بها ليأمرهم بالإقلاع عنها، وعندما لم يستجيبوا له وحاولوا الاعتداء على ضيوفه أنزل عليهم عذاباً أليماً صار مضرباً للأمثال لدى سائر الأمم واللغات المختلفة، وكانت مساكنهم المدمّرة لم تزل مشهودة للعرب في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) حتى وقع الاستشهاد ببقاياها التي تدل على تدميرها في القرآن الكريم.

ـــــــــــــــــــــــ

(1) أي غير واعية جداً كالذي يحدث عند السكر، وهو إشارة إلى قوله تعالى في وصف قوم لوط: ﴿سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (سورة الحجر: آية 72).

«صفحة 112»

ونحن في هذا البحث نوضح بإيجاز هذه الحقائق حسب ما يتيسر مع الاهتمام بسهولة الأداء وتجنب المصطلحات التخصصية ما أمكن، وذلك في ضمن المنهج المتقدم المشتمل على تقسيم البحث إلى قسمين:

1-قسم سيتحدث حول هوية الذكر والأنثى بحسب الإدراك السليم.

2-وقسم يتحدث عن الاقتران السليم بحسب الفطرة الإنسانية وهو ما كان تكاملاً بين الجنسين.

***

عدد الزوار: 294

معلومات الاصدار

الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *