يُعدُّ المنصور العباسي نظير معاوية بن أبي سفيان في تأسيس الدَّولة ومنهجها الفكري والإعلامي.
وكان أهمُّ محور في بناء الدولتين هو مواجهة أهل البيت (ع) والحيلولة دون إفادة الأمة الإسلامية من علومهم وهداهم.
أما معاوية فكانت خطته تربية الجيل الجديد على البراءة من الإمام علي (ع) وأولاده وانه مفسد في دين محمد (ص)، عن طريق افتعال أخبار كاذبة على لسان النبي (ص) في الإمام علي ، ومن ثم الاستعانة بهذا الجيل لاضطهاد شيعة الإمام علي (ع) ومركزهم الكوفة .
وأما المنصور فقد قامت خُطَّته على ثلاثة أمور:
الأول: نسبة عقيدة الإمامة إلى الأسطورة السبئية.
الثاني: وضع أخبار كاذبة وقبيحة في شخصية الإمام الحسن (ع) من اجل صد الناس عن التَّعاطف مع ثورات أولاده الحسنيين.
الثالث: تشويه تاريخ شيعة الكوفة مع أهل البيت (ع)، من اجل تبرير أي ممارسات قمعية تجاههم وكذلك تهيئة الأرضية لإسقاط وثاقتهم وصدِّ الناس عما يروُنه من أحاديث أئمة أهل البيت (ع).
والكراس الماثل بين يديك يتكفل تفصيل ذلك
فهرس المحتويات
- مقدمة المركز
- خُطَّة المنصور لتطويق الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلامومدرسته
- نهضة الإمام الصادق عليه السلام بعد انهيار الدولة الأموية وآثارها:
- خُطَّة المنصور العباسي الأولى :
- خُطَّة المنصور العباسي الثانية:
- محنة تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام بعد رحيله:
- محاولات تضعيف الإمام عليه السلام الصادق وشيعته من حملة الحديث:
- آثار مكر المنصور على علم الحديث:
- السياسة الإعلامية لبني العباس بعد فشل حركة الحسنيين
- 1. خطبة المنصور بعد أخذ عبد الله بن الحسن:
- 2.كتاب المنصور العباسي لمحمد بن عبد الله (ذو النفس الزكية):
- 3. رأي المنصور العباسي بالكوفة:
- 4. ارجوزة عبد الله ابن المعتز حفيد المنصور:
- تخطيط المنصور في الكوفة كتخطيط معاوية:
- الطبري مؤرخ جمع روايات كتابه في ضوء هدف العباسيين ورضا العامة الموالية لمعاوية:
- كتاب أبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام وحركة المختار مكرس للرؤية العباسية في أهل الكوفة:
عنوان الإصدار : خُطَّة المنصور الدوانيقي لتطويق الامام الصادق عليه السلام ومدرسته
تأليف : السيد سامي البدري
إعداد : د. السيد حسين البدري
سنة الإصدار : 2024/1445 ـ رقم (55)
نوع الإصدار : إلكتروني ـ PDF
الناشر : مركز فجر عاشوراء الثقافي
الموقع : fajrashura.com
المنصور وهو داهية بني العباس وضع خطته الجهنمية لتطويق حركة الإمام الصادق عليه السلام من خلال أساسين:
الأول: تبنّي وجوه علمية مسايرة للسلطة وفرض فتاواها وروايتها على الناس.
الثاني: تتبُّع شيعة الامام الصادق عليه السلام والرواة عنه واضطهادهم وإسقاط اعتبارهم العلمي والاجتماعي من خلال التُّهم والأكاذيب، وقد نالت محاولة إسقاط الاعتبار العلمي الإمام الصادق عليه السلام نفسه.
مقدمة المركز
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .. يُعدُّ المنصور العباسي نظير معاوية بن أبي سفيان في تأسيس الدَّولة ومنهجها الفكري والإعلامي.
وكان أهمُّ محور في بناء الدولتين هو مواجهة أهل البيت عليهم السلام والحيلولة دون إفادة الأمة الإسلامية من علومهم وهداهم.
أما معاوية فكانت خطته تربية الجيل الجديد على البراءة من الإمام علي عليه السلام وأولاده وانه مفسد في دين محمد صلى الله عليه وآله، عن طريق افتعال أخبار كاذبة على لسان النبي صلى الله عليه وآله في الإمام علي عليه السلام، ومن ثم الاستعانة بهذا الجيل لاضطهاد شيعة الإمام علي عليه السلام ومركزهم الكوفة .
وأما المنصور فقد قامت خُطَّته على ثلاثة أمور:
الأول: نسبة عقيدة الإمامة إلى الأسطورة السبئية.
الثاني: وضع أخبار كاذبة وقبيحة في
شخصية الإمام الحسن عليه السلام من اجل صد الناس عن التَّعاطف مع ثورات أولاده الحسنيين.
الثالث: تشويه تاريخ شيعة الكوفة مع أهل البيت عليهم السلام، من اجل تبرير أي ممارسات قمعية تجاههم وكذلك تهيئة الأرضية لإسقاط وثاقتهم وصدِّ الناس عما يروُنه من أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وكان العلامة البدري سَبق في بلورة خُطط معاوية إزاء الإمام الحسين عليه السلام في بحوث حول النهضة الحسينية، وكذلك بلور خُطط المنصور العباسي لتطويق الإمام الصادق عليه السلام ومدرسته وأحاديثه واثر ذلك على حركة الحديث وتدوين التاريخ.
وقد اصطلح العلامة البدري على خُطط المنصور العباسي إزاء الإمام الصادق عليه السلام واستمرار الدولة العباسية بتنفيذ تلك الخطط بـ (الإعلام العباسي).
ولم يجمع العلامة البدري بحوثه حول هذا الموضوع في مكان واحد. بل تناثرت في كتبه، مما جعل جمعها وتنظيمها أمراً مُهماً. وقد جمعناها في هذا الكراس مع مراعاة الاختصار وإضافة بعض العناوين والتقويم الجزئي لبعض العبارات،
وكانت الكتب والبحوث التي جمعنا منها المادة هي:
1. كتاب المدخل إلى مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
2. مقال الصحوة الإسلامية.
3. كتاب بحوث في النهضة الحسينية.
4. كتاب شيعة العراق.
إن هذه النظرة الجديدة لتلك الحقبة كفيلة بان تجيب عن الكثير من الشبهات التّاريخية حول أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم لاسيّما في القرن الأول الهجري، كما أنها تبلور منهجاً جديداً في التَّعامل مع أخبار التّاريخ الإسلامي الذي عَبثت به أيادي الآثمين.
د. السيد حسين البدري
مسؤول وحدة الأبحاث العلمية والإصدارات العامة
18 شوال 1445 هجرية
الموافق لـ 27/4/2024
خُطَّة المنصور لتطويق الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلامومدرسته(1)
نهضة الإمام الصادق عليه السلام بعد انهيار الدولة الأموية وآثارها:
انهارت الدَّولة الأموية على يد العبّاسيين وانصرف العبّاسيون على عَهد أبي العبّاس السَّفاح (132-136) لتثبيت ملكهم وملاحقة الأمويين وتركوا الأجواء الفكرية تتحرك على طبيعتها وتحرك الناس لنشر السُّنَّة وأخبار السِّيرة التي منع الأمويون من نشرها، وبرز الإمام الصادق عليه السلام سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام لنشر الأحاديث النبوية التي أملاها النبي صلى الله عليه وآله على علي وكتبها علي عليه السلام بخطه، وما جمعه الحسن عليه السلام من سيرة علي عليه السلام، وكان الإمام
الصادق عليه السلاميحث أصحابه على تدوين كل ذلك، وبلغ عدد الرواة عنه عليه السلام قريباً من أربعة آلاف راو، وكانت الكوفة مركزاً مهما لنشاط أولئك الرُّواة.
دوَّن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام المئات من المصنَّفات، عُرف منها اربع مائة مصنَّف لأربع مائة مصنِّف بـ (الأصول الأربعمائة) وهي خاصة في الفقه جمعت اكثرها فيما بعد في الكتب الأربعة /أقدم الجوامع الحديثية الفقهية المعتبرة لدى الشيعة/.
خُطَّة المنصور العباسي الأولى :
ثم حدثت الفاجعة على يد أبي جعفر المنصور حين أخذه الخوف من انتشار ذكر الإمام الصادق عليه السلام وتنامي عدد رواته والتفاف أهل العراق حوله، فعمل على تطويق حركته.
وقد حاول في بادئ الأمر ان يُعرِّض الإمام الصادق عليه السلام للإحراج علمياً لتقليل هيبته أمام الناس، وذلك بواسطة أبي حنيفة ومسائله في مجلس أُعدَّ لذلك الغرض غير ان المحاولة لم تنجح.
قال ابن عدي: حدَّثنا جعفر بن محمد بن حسين بن حازم، قال: حدَّثني إبراهيم بن محمد الرمّاني
أبو نجيح قال: سمعت حسن بن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة وسئل: من افقه من رأيت؟
فقال:
«ما رأيت أحداً افقه من جعفر بن محمد. لما اقدمه المنصور الحيرة، بعث إليَّ فقال: يا أبا حنيفة، ان الناس قد فُتِنوا بجعفر بن محمد فَهَيِّء له من مسائلك الصِّعاب.
قال: فهيَّأت له أربعين مسألة.
ثمَّ بعث إليَّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر (الإمام الصادق عليه السلام) جالس عن يمينه، فلما بَصُرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر (المنصور)، فسلَّمت، واذن لي فجلست.
ثمَّ التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال نعم هذا أبو حنيفة، ثمَّ اتبعها: قد أتانا، ثمَّ قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك، نسأل أبا عبد الله، وابتدأت أسأله وكان يقول في المسألة: انتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة.
ثمَّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس».
خُطَّة المنصور العباسي الثانية:
وكانت خِطة المنصور الثانية بعد ان فشلت خطته الاولى، هي تكرار خِطة معاوية وذلك بالتَّضييق على شيعة جعفر عليه السلام وتشجيع خُصومهم ممن بقي على ولائه للأمويين.
وكان ممن تجاوب معه من هؤلاء مالك بن انس وكان قد ضربه والي المنصور على المدينة سبعين سوطاً بسبب فتواه المؤيِّدة لمحمد بن عبد الله بن الحسن حين خرج على المنصور سنة 145 هجـ فاستدعاه المنصور سنة (148) وذلك قبيل وفاة الإمام الصادق عليه السلام بشهور واعتذر منه وعرض له ان يكون مفتياً للدولة.
قال القاضي عياض: «روى أبو مصعب انَّ أبا جعفر قال لمالك ضَع للناس كتاباً أحملهم عليه. فكلمه مالك في ذلك فقال ضعه فما أحد اعلم منك. فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتّى مات أبو جعفر.
وقال أبو مصعب سمعت مالكاً يقول دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت الشمس بالأرض وقد نـزل عن شماله إلى بساط وعلى البساط برذونان قائمان من حين دخلت إلى حين خرجت لا يبولان ولا يروثان أدباً وإذا بصبي يخرج ثمَّ يرجع، فقال: أتدري من هذا ؟ قلت لا. قال هو ابني وإنما يفزع من شيبتك وفي رواية انه استنكر قرب مجلسك مني ولم ير فيه أحد قط، وحقيق انت بكل خير وخليق بكل إكرام، وقد كان أدناه إليه والصق ركبته بركبته فلم يزل يسألني حتّى أتاه المؤذن بالظهر فقال لي انت اعلم الناس وفي رواية أهل الأرض. فقلت لا والله يا أمير المؤمنين. قال بلى ولكنك تكتم ذلك.
وفي رواية فما أحد اعلم منك اليوم بعد أمير المؤمنين. ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب، وفي رواية كما تُكتب المصاحف ثمَّ أعلقها في الكعبة واحمل الناس عليها.
فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان في كتابي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وقول الصحابة وقول التابعين ورأياً هو إجماع أهل المدينة لم اخرج عنهم، غير إني لا أرى ان يعلق في الكعبة.
قال: وقال له أبو جعفر وهو بمكة اجعل العلم يا أبا عبد الله علماً واحداً.
قال فقلت له: يا أمير المؤمنين ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رآه ان لأهل هذه البلاد قولاً ولأهل المدينة قولا ولأهل العراق قولاً تعدوا فيه طورهم.
فقال أما أهل العراق فلست اقبل منهم صرفاً ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم، وفي رواية فقلت له ان أهل العراق لا يرضون علمنا. فقال أبو جعفر يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط.
وفي بعضه ان أبا جعفر قال إني عزمت ان اكتب كتبك هذه نسخاً ثمَّ ابعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة أمرهم بان يعملوا بما فيها ولا يتعدها إلى غيرها.. فإنني رأيت اصل العلم رواية أهل المدينة وعملهم، فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات وأخذ كل قوم بما سبق اليهم وعملوا به ودانوا له…» (1).
وفي كتاب الإمامة والسياسة: ان أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور واستولى على السُّلطان خرج حاجاً إلى مكة، وذلك في سَنة ثمان وأربعين ومئة. فلما كان بمنى، أتاه الناس يُسلِّمون عليه، ويهينِّؤنه بما أتم الله عليهم، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم، وفقهائهم وعلمائهم، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. فكان فيمن دخل عليه منهم: مالك بن انس فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله اني رأيت رؤيا.
فقال مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي، ويلهمه الرشاد من القول ويعينه على أخير الفعل، فما رأي أمير المؤمنين ؟
فقال أبو جعفر: رأيت إني أُجلسك في هذا البيت، فتكون من عمّار بيت الله الحرام واحمل الناس على عِلمِك، واعهد إلى أهل الأمصار يُوفِدون إليك وفدهم ويرسلون إليك رسلهم في أيّام حجِّهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصَّواب والحق ان شاء الله، وإنما العلم علم أهل المدينة وانت اعلمهم.
فقال مالك: أمير المؤمنين أعلى عيناً، وأرشد رأياً، واعلم بما يأتي وما يذر، وان اذن لي أقول قلت.
فقال أبو جعفر: نعم، فحقيق انت ان يسمع منك، ويصدر عن رأيك.
فقال مالك: يا أمير المؤمنين ان أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم، ورأيت إني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية، وأما أهل مكة فليس بها أحد، وإنما العلم علم أهل المدينة، كما قال الأمير، وان لكل قوم سلفاً وأئمة. فإن رأى أمير المؤمنين اعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل.
فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفاً ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، وقد علمنا انك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها.
فقال مالك: اجل يا أمير المؤمنين، فأعفني يعف الله عنك.
فقال ابو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين، وايم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين اعلم منك ولا افقه.(1)
وفيه أيضاً: قال أبو جعفر: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتباً، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورُخص عبد الله بن عباس، وشَواذَّ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة ، لنحمل الناس ان شاء الله
على عملك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد اليهم ان لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها.
فقلت له: اصلح الله الأمير، ان أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا.
فقال أبو جعفر: يُحمَلون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طيَّ ظهورهم بالسِّياط، فتعجل بذلك وضعها (1).
أقول:(2) وهكذا فرضت مرجعية مالك في الفتيا منذ عصر المنصور ثم واصل أبناء المنصور المهدي والهادي والرشيد ذلك ومن ثم انتشرت كتب مالك في البلاد الإسلامية التابعة للعباسيين.
ويمكننا أن نتعرف على السبب الذي دعا أبا جعفر المنصور أن يقدم على تبني مالك وقد عرف
بميوله الأموية ويترك جعفر بن محمد الصادق عليه السلام /عالم الامة وهاديها بأذن الله ولم يخف ذلك على المنصور/ من الرواية المتقدمة التي يذكرها المزي عن المنصور «أن الناس فتنوا بجعفر» كانت تشير إلى حقيقة التي فرضت نفسها آنذاك، ثم خطط المنصور ليقف بوجهها ويحد من انتشارها وهي أن الصادق عليه السلام برز في أجواء ما نعبر عنه اليوم بالصحوة الإسلامية التي شقت طريقتها بعد ثورة الحسين عليه السلام وشهادته بمنهج جديد يختلف عن منهج الخوارج في الثورة وعبد الله بن الزبير في التوجه الفكري والسياسي الذي تحرك فيه وكان هذا المنهج هو منهج الحسين عليه السلام في الثورة وأطروحة علي عليه السلام في الحكم وروايته للسُّنة وتطبيقاته المعصومة لها المدونة بخطه وخط الحسن عليه السلام ثم صارت إرثا خاص للحسين ثم لعلي بن الحسين ثم للباقر ثم الصادق عليهم السلام حيث تحرك بها عندما انفرجت الأجواء بنجاح العباسيين في إسقاط حكم الأمويين وفرض أنفسهم على الناس بدلا من أن يبايعوا من عيَّنه الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وليا للأمر،
وقد برز الإمام الصادق عليه السلام علما هاديا للناس بشكل خاص في السنوات الأولى من حكمهم وهي سنوات حكم أبي العباس السفاح (132-136هـ) حيث انشغل العباسيون بتركيز مواضع حكمهم وتركوا الناس في حلقات درسهم يحضرون لمن شاءوا، وكانوا قلقين جدا من نشاط الإمام الصادق عليه السلام وتحلَّق الناس حوله في أعظم حلقة درس آنذاك إذ بلغ عدد طلاب درسه قريباً من أربعة آلاف إنسان اغلبهم من أهل العراق الذين وجدوا في الإمام الصادق عليه السلام وارث علي عليه السلام في عبادته وزهده وعلمه ، يحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته كما أحياها علي عليه السلام في زمانه في منطقتهم من خلال نشر أحاديث كتابه الذي جمع فيه كل سنة النبي صلى الله عليه وآله بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده.
كان المنصور وهو داهية بني العباس يرصد ذلك عن قرب أيام حكم أخيه أبى العباس فوضع خطته الجهنمية لإيقاف حركة الإمام الصادق عليه السلام بل تطويقها وذلك من خلال أساسين:
الأول: تبني وجوه علمية أخرى وفرض فتاواها وروايتها وتجاوب معه مالك بن انس فتبناه على امويته الظاهرة.
الثاني: تتبع شيعة الصادق عليه السلام والرواة عنه واضطهادهم وإسقاط اعتبارهم العلمي والاجتماعي من خلال التهم والأكاذيب، وقد نالت
محاولة إسقاط الاعتبار العلمي الإمام الصادق عليه السلام نفسه، واستمر مخطط المنصور هذا لأكثر من مئاة سنة بعده، ونجحت السلطة العباسية وأجهزتها الإعلامية في تطويق حركة الصادق عليه السلاموحرمت اغلب قطاعات الأمة منذ ذلك الوقت والى اليوم من التراث النبوي الصافي الذي أظهره الإمام الصادق عليه السلام.(1)
محنة تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام بعد رحيله:
عاش شيعة الإمام الصادق بعد وفاته سنة 148 أيّام المنصور وذريته الخلفاء وبخاصة أيّام الرشيد (ت193) محنة شديدة فكانوا بين سجين كمحمد بن أبي عمير (2)(ت217) «وقد دفنت أخته كتبه
(1) الى هنا انتهى ما نقلناه من صحيفة كيهان العربي، وما بعده يكون النقل من كتاب المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الاسلامي (المُعد) .
(2) قال النجاشي حكى الجاحظ في البيان والتبيين عن إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير كان وجها من وجوه الرافضة. وقال النجاشي وكان حبس في أيّام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولي بعد ذلك وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر عليه السلام. أقول والاحتمال الأخير هو الأوجه والأنسب مع طبيعة الظرف الذي عاشه وطبيعة موقع بين الشيعة.
فتلفت وكان قد صنف أربعة وتسعين كتابا منها المغازي فلما افرج عنه كان يحدِّث من حفظه» أو مطارد كهشام حيث مات وهو مختف عن أنطار السلطة.
أما الإمام الكاظم عليه السلام بن الإمام الصادق عليه السلام، فقد قضى سنوات طويلة في سجن الرشيد ثمَّ دس له السم سنة 183 هجـ.
محاولات تضعيف الإمام عليه السلام الصادق وشيعته من حملة الحديث:
وقد رافقت حملة الاضطهاد هذه محاولة رفع وثاقة شيعة الإمام الصادق عليه السلام وأولاده كالإمام موسى بن جعفر عليهما السلام بل شملت المحاولة الإمام الصادق عليه السلام نفسه كما نجد ذلك واضحاً في ترجمته عند ابن حبان (ت354) قال:
جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، كنيته أبو عبد الله، يروي عن أبيه، وكان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا روى عنه الثوري ومالك وشعبة والناس.
يحتج بروايته ما كان من غير رواية أولاده عنه لأن
في حديث ولده عنه مناكير كثيرة وإنما مرض القول فيه (أي في الأمام الصادق) من مرض من أئمتنا لما رأوا في حديثه من رواية أولاده، وقد اعتبرتُ حديثه من الثقات عنه مثل ابن جريج والثوري ومالك وشعبة وابن عيينة ووهب بن خالد ودونهم، فرأيت أحاديثه مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ورأيت في رواية ولده عنه أشياء ليس من حديثه ولامن حديث أبيه ولا من حديث جده، ومن المحال ان يلزق به ما جنت يدا غيره (1).
وقوله «إنما مرض القول فيه من مرض من أئمتنا…» يريد بأئمته نظراء البخاري ويحيى بن سعيد القطان ومالك بن انس وأبي بكر بن عياش وعبد الرحمن بن مهدي.
قال الذهبي في ترجمة جعفر عليه السلام: «أحد الأئمة الأعلام برٌّ صادق كبير الشأن، لم يحتج به البخاري».
وقال يحيى بن سعيد (أي القطان (ت198): «مجالد احب الي منه (أي من الإمام الصادق عليه السلام)، في نفسي منه شي»(2).
(1) ابن حبان: الثقات ج6/131-132.
(2) عقب الذهبي في سير اعلام النبلاء على هذا القول: انه زلة من يحيى القطان في جعفر عليه السلام. قال الرازي في الجرح والتعديل 8/361 عمرو بن على الصيرفي قال سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول لعبد الله أين تذهب قال أذهب إلى وهب بن جرير اكتب السيرة يعني عن مجالد قال تكتب كذبا كثيرا لو شئت ان يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل.
وعن الدراوردي قال: «لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس. وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك لا يروي عن جعفر حتّى يضمه إلى أحد»(1).
وقال سعيد بن أبي مريم قيل لابي بكر بن عياش (ت192): «مالك لم تسمع من جعفر وقد ادركته قال سألناه عما يحدِّث به من الأحاديث شيء سمعته قال لا ولكن رواية رويناها عن آبائنا».
وقال أبو موسى كان عبد الرحمن بن مهدي (ت198): «لا يحدث عن سفيان عنه (أي عن الإمام الصادق عليه السلام».
وقال ابن حجر: «قال ابن سعد (230) كان (جعفر) كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف، سئل مرة سمعت هذه الأحاديث من أبيك فقال نعم، وسئل مرة فقال انما وجدتها في كتبه».(2)
وقال ابن عدي: «ولجعفر بن محمد حديث كبير عن أبيه عن جابر وعن أبيه عن آبائه: ونسخا لأهل البيت برواية جعفر بن محمد» (1).
أقول:
ان نسخ أهل البيت عليهم السلام التي يرويها جعفر عليه السلام هي ما كتبه علي عليه السلامعن النبي صلى الله عليه وآله من كتب وصحف واشهرها الصحيفة الجامعة، طولها سبعون ذراعاً فيها كل أحكام الشريعة التي يحتاجها الناس إلى يوم القيام ومنها صحيفة الملاحم وتعرف أحيانا بمصحف فاطمة وقد ذكرها الإمام الصادق عليه السلام حين اخبر بنهاية الحسنيين على يد بني العباس (2).
ومنها ما جمعه الإمام الحسن عليه السلام من سيرة علي عليه السلام وفقهه.
آثار مكر المنصور على علم الحديث:
وفي ضوء ذلك نستطيع ان نفهم أي ضرر الحقه المنصور العباسي بالعَلم حين حرم الأمة من أمثال هذه الكتب المهمة، وأي ضرر الحقه مالك بن انس حين ساير السلطة العباسية في مخططها.
توفي مالك الذي كان لا يروي عن جعفر عليه السلام حتّى يضمه إلى أحد سنة 179.
وتوفي يحيى بن سعيد القطان الذي يقول في جعفر عليه السلام: في نفسي منه شى سنة 198.
وتوفي عبد الرحمن بن مهدي سنة 198 وقد كان لا يحدث عن سفيان عن الصادق مع ان الغالب على حديث عبد الرحمن هو حديث سفيان وكان يشتهي ان يسأل عن غيره من كثرة ما يسأل عنه.
وتوفي ابن سعد الذي يقول: كان جعفر كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف سنة 230 هجـ.
وهؤلاء ونظراؤهم أعلام الرواية ونقاد الرجال كما يعتقد بهم في الوسط السني.
ويضاف إلى ما قاله هؤلاء: ما ذكره ابن حبان
في ترجمة الإمام الرضا عليه السلام قال: «من سادات أهل البيت وعقلائهم وجلة الهاشميين ونبلائهم يجب ان يعتبر حديثه إذا روى عنه غير اولاده وشيعته وأبي الصلت خاصة، فان الأخبار التي رويت عنه بواطيل انما الذنب فيها لأبي الصلت، ولأولاده وشيعته لانه في نفسه اجل من ان يكذب ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته سنة ثلاث ومأتين» (1).
وقول ابن حبان «ولأولاده وشيعته»: يريد الإمام الجواد عليه السلام وأولاده ومنهم الإمامان الهادي وولده العسكري عليهما السلام.
السياسة الإعلامية لبني العباس بعد فشل حركة الحسنيين
حفظ لنا الطبري وغيره اكثر من وثيقة مهمَّة يستطيع الباحث من خلالها ان يَفهم الاتجاه الفكري والإعلامي الذي سار فيه بنو العباس وسارت فيه أجهزتهم منذ أيّام المنصور الذي كان مؤسساً لتلك السياسة ومنظّرها . ومن وثائق ذلك:
(1) ابن عدي: كتاب الثقات ج 8/456-457 وتكملة الترجمة قوله (وقبره مشهور يزار بجنب قبر الرشيد قد زرته مرارا كثيرة وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله ازالتها عني الا استجيب لي وزالت عني تلك الشدة وهذا شى جربته مرارا فوجدته كذلك اماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم اجمعين ! ! !.
1. خطبة المنصور بعد أخذ عبد الله بن الحسن:
قال المسعودي: ولمَّا أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر بالهاشمية، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمدصلى الله عليه وآله، ثمَّ قال:
«يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا.
إنَّ ولد أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلاَّ هو والخلافة فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير.
فقام فيها علي بن أبي طالب فما أفلح، وحكَّم الحكمين، فاختلفت عليه الأمّة وافترقت الكلمة، ثمَّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه.
ثمَّ قام بعدهُ الحسن بن علي، فوالله ما كان برجل، عرضت عليه الأموال فقبلها، ودسَّ إليه معاوية إنِّي أجعلك ولي عهدي، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.
ثمَّ قام من بعده الحسين بن علي، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المِدرة السوء، / وأشار إلى الكوفة / فوالله ما هي لي بحرب فأُحاربها، ولا هي لي بسلم فأُسالمها، فرَّق الله بيني وبينها / فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه، فأسلموه حتّى قتل.
ثمَّ قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده الله في الخروج وقال له: لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب، وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّره غدر أهل الكوفة، فلم يقبل، وتمَّ على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة…».(1)
وقد بَحثنا فى محله من بحوثنا في السيرة ان الاخبار التي تصف أهل الكوفة بالغدر والخِذلان وتوصلنا الى انها مما وَضعه الأخباريُّون الذي سايروا العباسيين في سياستهم الاعلاميّة لتطويق اصحاب
علي والحسن والحسين عليهم السلام وما قاموا به من نشر الاسلام برواية اهل البيت عليهم السلام.
2.كتاب المنصور العباسي لمحمد بن عبد الله (ذو النفس الزكية):
روى الطبري: في حوادث سنة 145 المكاتبات بين أبي جعفر المنصور ومحمد بن عبد الله، نذكر موضع الشاهد مما كتبه ابو جعفر المنصور الى محمد بن عبد الله:
«ولقد طلبها (اي الخلافة) أبوك بكل وجه، فأخرجها (اي السيدة الزهراء عليها السلام) نهاراً، ومرَّضها سرّاً، ودفنها ليلا، فأبى الناس إلاَّ الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السُّنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين ان الجَدَّ أبا الأُم والخال والخالة لا يرثون!
وأما ما فخرت به من علي وسابقته:
فقد حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة فأمر غيره بالصلاة،
ثمَّ أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه،
وكان في الستة فتركوه كلهم دفعاً له عنها، ولم يروا له حقا فيها،
أما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان،
وقتل عثمان وهو له مُتَّهِم،
وقاتله طلحة والزبير،
وأبى سعد بيعته واغلق دونه بابه، ثمَّ بايع معاوية بعده.
ثمَّ طلبها بكل وجه وقاتل عليها،
وتفرق عنه أصحابه، وشك فيه شيعته قبل الحكومة،
ثمَّ حَكَّم حَكمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه.
ثمَّ كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز، واسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير اهله، واخذ مالاً من غير ولائه ولا حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه.
ثمَّ خرج عمك حسين بن علي على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه حتّى قتلوه وأتوا برأسه إليه…».
وقد نتج عن هذه السياسة الظالمة ان وُضعت
أخبار كثيرة جداً لتطويق فكرة الوصية.(1)
3. رأي المنصور العباسي بالكوفة:
«يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد انتم فيه… لَلَعجب لبني أمية وصبرهم عليكم، كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريكم، ويخربوا منازلكم. أما والله يا أهل المَدَرَة الخبيثة لئن بقيتُ لكم لأذلنكم».(2)
4. ارجوزة عبد الله ابن المعتز حفيد المنصور:
يصف ابن المعتز العباسي(3) السياسة الاعلامية للعباسيين ازاء الكوفة:
واستمع الآن حديث الكوفة
مدينة بعينها معروفة
كثيرةُ الأديان والأئمة
وهمُّها تشتيتُ أمر الامة
مصنوعةٌ بكفر بَخت نَصَّر
وكفر نمرود إمامِ الكفَّر
وعشَّش الشَّرُّ بها وفرَّخا
ثم بنى بأرضها ورسَّخا
وغرق العالم من تنورها
جزاء شرِّ كان من شرورها
وهربت سفينة الطوفانِ
منها إلى الجودىِّ والأركانِ
وهم بنوا للجور صرحا حكما
فاتخذوا إلى السماء سلَّما
ولم يزل سكانها فُجّارا
مستبصرا في الشرك أو سحارا
تفرقوا وبُلبِلوا بِلبالا
وبدَّلوا من بعد حال حالا
وهم رموا في البئر إبراهيما
لما رأوا أصنامهم رميما
واخذوا وقتلوا عليا
العادل ، البَرَّ ، التقي الزكيا
وقتلوا الحسين ، بعد ذاكا
فأهلكوا أنفسهم إهلاكا
وجحدوا كتابهم إليهِ
وحرَّفوا قرآنهم عليهِ
ثم بكوا من بعده ، وناحوا
جهلا ، كذاك يفعل التمساح
فقد بقوا في دينهم حيارى
فلا يهودٌ همْ ولا نصارى
والمسلمون منهمُ براءُ
رافضةٌ ودينهم هباءُ
فبعضهم قد جَحَدَ الرسولا
وغلَّطوا في فعله جبريلا(1)
تخطيط المنصور في الكوفة كتخطيط معاوية:
دس المنصور السم للإمام الصادق عليه السلام، واضطر الإمام الكاظم عليه السلام ان يخفي إمامته سنين، ولوحق أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، بل ضعَّفوا روايته وشوهت أجبار الوصية لعلي عليه السلام قائلين انها من وضع يهودي من صنعاء اسلم اسمه عبد الله بن
سبأ(1)، وكانت سنوات الخليفة المنصور كسنوات معاوية في تشويه التاريخ وملاحقة الشيعة.(2)
ومن ثم اتجهت الدولة لبناء بغداد لتكون خالصة للعباسيين في الولاء، ووضعت سياسة اعلامية خاصة لتبرير ما صنعه العباسيون مع أولاد عمهم الحسنيين قتلا وسجنا وتشريدا وشوهت سيرة الحسن عليه السلام الاب الذي ينتسب إليه الحسنيون، وشوهت الكوفة قلعة النصرة لعلي عليه السلام والوفاء له.(3)
الطبري مؤرخ جمع روايات كتابه في ضوء هدف العباسيين ورضا العامة الموالية لمعاوية:
ومن المؤرخين الذي سايروا الإعلام العباسي
(1) وقد بحث العلامة البدري هذه الموضوع في مقال نشر في مجلة رسالة الثقلين ـ العدد 8 ـ السنة 1414 ـ 1994، تحت عنوان: رسالة جامعية في مواجهة التشيع .يمكن مراجعة المقال في الرابط التالي:https://albadri.info/hadi/221
(2) بحوث في النهضة الحسينية – مجموعة مقالات وبحوث العلامة البدري في الفكر الحسيني، اعداد السيد د. حسين البدري، ص153-158.
أبو مخنف المعروف، كتب في مقتل الحسين عليه السلام، وهو الكتاب المشهور وقد اعتمده الاعلام العباسي والمؤرخون العامة فيما بعد وسرى الاعتماد عليه إلى كثير من الخطباء.
قال فلهاوزن: وأَثبَتُ حجة … في تاريخ الشيعة طالما اتصل بالكوفة هو أبو مخنف، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم وما أطولها(1).
أقول:
الطبري مؤرخ عباسي راعى في جمع روايات موسوعته التاريخ من مصادر كتبها مؤلفوها لتحقق أهداف الاعلام العباسي ورضا العامة التي توالي معاوية فقد ذكر الرواية العباسية الرسمية لقصة وفاة الإمام علي الرضا عليه السلام وهي: انه اكثر من أكل العنب فمات فجأة(2) ولم يذكر غيرها، وذكر في الخلاف بين
(1) الخوارج والشيعة يوليوس فلهوزن ترجمه عن الألمانية الدكتور عبد الرحمن بدوي /113ط 3، الكويت 1978.
(2) تاريخ الطبري 7/15. علق استاذنا العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري حين قرأ هذه المعلومة من كتابنا الإمام الحسين في مواجهة الضلال الأموي عند زيارته إلى العراق سنة 2003 وكان نازلا عندنا مدة تلك الزيارة: لا يوجد مؤرخ من المتقدمين والمـتأخرين اكثر جناية على الحق والحقيقة عالما عامدا مثل الطبري فقد قال في ذكر ما جرى بين الصحابي البر أبي ذر والخليفة الداهية معاوية (… ذكروا أمورا كثيرة كرهت ذكر اكثرها أما العاذرون معاوية فقد ذكروا قصة رواها…) وقال في ذكر ما جرى بين معاوية ومحمد بن أبي بكر… (لا تتحمل سماعها العامة) اقول: فصلنا الحديث عن منهج الطبري في كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ.
معاوية وابي ذر رواية سيف التي تدين أبا ذر لان العامة لا تتحمل ذكر الروايات الأحرى وفيها طعن بمعاوية.
وقد اكثَرَ الطبري في تاريخه من روايات سيف بن عمر ت 191هـ في حروب الردة ومقتل عثمان وحرب الجمل، وتبين لدى التحقيق ان اكثر اخبار سيف في هذه المواضيع أما محرفة أو موضوعة(1). وهو الذي اختلق فكرة ان التشيع أساسه عبد الله بن سبا.
كتاب أبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام وحركة المختار مكرس للرؤية العباسية في أهل الكوفة:
تُعدُّ كتب أبي مخنف لوط بن يحي الازدي (توفي قبل 170هـ) في مقتل الحسين عليه السلام وحركة التوابين وحركة المختار، من اقدم واشهر المصادر
في موضوعه، وقد تبنى روايتها محمد بن سعد في الطبقات الكبرى، والطبري في التاريخ، وابن اعثم في الفتوح، والبلاذري في انساب الاشراف، وروى المسعودي طرفا منها في مروج الذهب، ثم أخذ ابن الأثير في كتابه الكامل، وابن كثير، وابن خلدون، والذهبي، برواية الطبري، لأنه أوردها كاملة، وعن هؤلاء أخذ المعنيون بالتاريخ ألإسلامي، من القدامى والمعاصرين شيعة كانوا أو سنّة.
لم يكن أبو مخنف من القائلين بإمامه علي عليه السلام والنص عليه من النبي صلى الله عليه وآله فهو ليس شيعيا بالمعنى الخاص للتشيع.
قال ابن أبي الحديد: وأبو مخنف من المحدثين وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدودا من رجالها(1).
وأكَّد ذلك الشيخ المفيد في كتابه عن حرب الجمل وقد أورد اخبار حرب الجمل عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما قال بعدها: «فهذه جملة من اخبار البصرة، وسبب فتنتها، ومقالات أصحاب
الآراء في حكم الفتنة بها، قد أوردناها على سبيل الاختصار، واثبتنا ما أثبتنا من الاخبار عن رجال العامة دون الخاصة، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة»(1).
هذا وقد عاصر أبو مخنف أربعة من الأئمة، وهم السجاد والباقر والصادق والكاظمعليهم السلام، ولم يرو عن واحد منهم بشكل مباشر الا رواية واحدة عن الإمام الصادق عليه السلام في عدد الطعنات بالحسين وقد جاءت مخالفة لرواية احد أصحاب الإمام الصادق الثقات في العدد.، نعم روى عن بعض اصحابهم بعض الروايات.
وقد وثَّقَ أبا مخنف في النقل عددٌ من اعلام الشيعة(2)، الا ان ذلك قابل للمناقشة، ونحن نحتاط على الأقل بل ونرفض قبول فقرات مبثوثة في رواياته التي ترتبط بسيرة بعض الائمةعليهم السلام أو سيرة شيعتهم في الكوفة أو علاقة الأئمة بهم في الفترة الواقعة من سنة حكم علي عليه السلام سنة 35هجرية وحروبه إلى مقتل المختار سنة 67هجرية، وذلك لأنها تعطي
رؤية تخالف الثابت عن أهل البيتعليهم السلام، أو الثابت من التاريخ عن شيعتهم في الكوفة وعلاقتهم بهم.
من قبيل: ان الحسين عليه السلام ندم على أخذ نسائه وبناته معه، وأنه تذكَّر نصيحة ابن عباس يوم العاشر لما ارتفعت أصواتهن يوم العاشر من المحرم عند احتدام القتال وسقوط القتلى.(1)
أو أن يزيد قال لعلي بن الحسين عليه السلام لما أمر بإرجاعه والسبايا إلى المدينة: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا الا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت(2).
وهناك من الرواة من أسفَّ إلى اكثر من هذا كما
(1) قال أبو مخنف حدثني عبد الله بن عاصم قال حدثني الضحاك المشرقي قال: لما سمع أخوات الحسين كلام الحسين يخاطب القوم يوم العاشر صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعليا ابنه، وقال لهما: أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن، قال: فلما ذهبا ليسكتاهن، قال: لا يبعد ابن عباس، قال: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهن. الطبري 4/321 وقال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان: أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس وقال له فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه الطبري 4/287.
فعل يزيد بن روح بن زنباغ الجذامي المعاصر لابي مخنف، يروي عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير قال: والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زُحَر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك ؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد، أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فَعَدَونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، أخذوا يهربون إلى غير وزَر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جَزرَ جَزور، أو نومةََ قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم… قال: فدمعت عين يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية أما والله لو أني
صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين(1).
أو أن شيعة علي في الكوفة أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وغيرهم كتبوا للحسين بالقدوم ثم خذلوه حتى قُتل، ثم ندموا بعد ذلك ونهضوا للأخذ بثأره.
أقول:
وفي ضوء ذلك كان من الضروري التحقيق في الرواية التاريخية التي ظهرت في فترة الخمسين سنة من حكم المنصور وولده وما بعدها سواء كانت رواية أبي مخنف أو رواية غيره وتجزئة الرواية إلى اجزاء واستبعاد الجزء الذي يلتقي مع الهدف الإعلامي للعباسيين ان لم يكن لدينا غيرها.
ان كُتّاباً وباحثين معاصرين أمثال الشيخ محمود شاكر(2) والدكتور احمد شلبي(3) والشيخ الخضري ونظرائهم قد يكونون معذورين حين يعتمدون على رواية أبي مخنف دون أن يحققوا فيها بسبب خلفيَّتهم
العقائدية التي تسوغ لهم قبول ذلك أو الأنس به، أما أن يعتمد الكاتب الشيعي الإمامي(1) على رواية أبي مخنف دون تحقيق او دون تجزئة فليس معذورا(2).
لقد شحن كتاب أبي مخنف بأخبار تشوه صورة الكوفيين وتاريخهم وتجعلهم المسؤولين عن دعوة الحسين عليه السلام إلى الكوفة وعن خذلانه وقتله، وكذلك تشوه من سيرة المختار والثوار معه وتسميه التوابين ليكفِّروا عن خذلانهم للحسين عليه السلام، في الوقت الذي كان هؤلاء في السجون، قبل مجيء الحسين عليه السلام إلى العراق. (3)
وكان ابو مخنف ممن وضع كتابه في المقتل على ما يبدو في قبال كتاب جابر بن يزيد الجعفي (رحمه الله)لتطويقه واحتوائه ارضاءً للعباسيين في خطتهم التي
(1) قد يعترض البعض علينا باعتماد مرجع الشيعة في وقته الشيخ المفيد رحمه الله على رواية أبي مخنف في كتابه الإرشاد، او في كتابه الجمل، ولكنه اعتراض غير وارد لان الشيخ المفيد في الجمل يصرح انه انما أورد اخبار الجمل من مصادر غير إمامية لأجل الاحتجاج.
(2) اشرنا إلى طرف من هذا الموضوع في كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية، /469- 480، نرجو ان نوفق إلى تفصيلها في دراسة مستقلة.
(3) راجع كتاب بحوث في النهضة الحسينية – مجموعة مقالات وبحوث العلامة البدري في الفكر الحسيني، اعداد السيد د. حسين البدري، ص153-158.
استهدفت وصف اهل الكوفة خاصة بانهم خذلوا الحسين عليه السلام وانهم المسؤولون عن قتل الحسين دون يزيد وقد نجح ابو مخنف في تحقيق ما ارادوا وصار كتابه افضل الكتب المؤلفة في بابه وتبناه المؤرخون بعده.(1)
***
تم بحمد الله
