المولد النبوي

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 062
عدد الصفحات:31
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يتناول هذا الكراس ذكرى ولادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) من منظور عقائدي وتاريخي، مقدماً دراسة توثيقية حول هذا الحدث المفصلي.

يرتكز البحث على المحاور الأساسية التالية:

  1. مشروعية الاحتفال: يفتتح المؤلف الكراس بمناقشة فقهية وعقائدية حول مشروعية إحياء ذكرى المولد النبوي، مستدلاً بالآيات القرآنية التي تحث على “تعظيم شعائر الله” باعتبار أن حياة النبي (ص) وأحداثها تمثل أبرز الشعائر الإسلامية.
  2. سيرة الميلاد: يستعرض الكراس تفاصيل الميلاد الميمون للنبي (ص)، والظروف الكونية والاجتماعية التي أحاطت بهذا الحدث العظيم.
  3. النشأة والتنشئة: يغطي البحث مراحل مبكرة من حياة النبي (ص)، بدءاً من نسبه الشريف، وصولاً إلى نشأته في كنف جده عبد المطلب، ثم كفالة عمه أبي طالب له، مبيناً الأثر التربوي لهذه المحطات.
  4. بشائر النبوة: يتطرق الكراس إلى النصوص التاريخية التي تناولت بشارات الأنبياء السابقين ببعثة النبي محمد (ص)، مؤكداً على تسلسل الإرهاصات التاريخية التي مهدت لهذا الحدث.
  5. الجانب التاريخي: يقدم الكراس سرداً للأحداث المتزامنة مع الميلاد، معتمداً على نصوص تاريخية رصينة لتقديم صورة دقيقة لما رافق تلك الحقبة.

يُعد الكراس مادة علمية مختصرة ومنظمة تجمع بين التأصيل الشرعي والتوثيق التاريخي لمرحلة ولادة النبي (ص)، مما يجعله مرجعاً مفيداً لمن يرغب في فهم أبعاد هذه المناسبة وتاريخها.

صفحة 1
cover image
صفحة 2

عنوان الإصدار  : المولد النبوي

تأليف : السيد حسين البدري

سنة الإصدار : 2024/1446 ـ رقم (62)

نوع الإصدار  : إلكتروني ـ PDF

الناشر  : مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع  : fajrashura.com

صفحة 3

اللهم صل على محمد كما حمل وحيك، وبلغ رسالاتك، وصل على محمد كما أحل حلالك وحرم حرامك، وعلم كتابك، وصل على محمد كما أقام الصلاة، وأدى الزكاة، ودعا إلى دينك، وصل على محمد كما صدق بوعدك، وأشفق من وعيدك، وصل على محمد كما غفرت به الذنوب، وسترت به العيوب، وفرجت به الكروب، وصل على محمد كما دفعت به الشقاء، وكشفت به العماء، وأجبت به الدعاء، ونجيت به من البلاء، وصل على محمد كما رحمت به العباد، وأحييت به البلاد، وقصمت به الجبابرة، وأهلكت به الفراعنة، وصل على محمد كما أضعفت به الأموال، وحذرت به من الأهوال، وكسرت به الأصنام، ورحمت به الأنام وصل على محمد كما بعثته بخير الأديان، وأعززت به الايمان، وتبرت به الأوثان، وعصمت به البيت الحرام، وصل على محمد وأهل بيته الطاهرين الأخيار وسلم تسليما.

صفحة 4
صفحة 5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين

وبعد.. فقد يطرح سؤال لماذا الاهتمام باحياء الميلاد الشريف؟

في الإجابة على هذا السؤال من وجهة نظر شرعية ذكر العلماء أدلتهم في مشروعية هذا الاحتفال بذكرى ولادته صلى الله عليه وآله بل استحبابه.

منها: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ﴾ الحج/32، باعتبار أنّ شعائر الله تعالى هي أعلام دينه، خصوصاً ما يرتبط منها بالحجّ؛ لأنّ أكثر أعمال الحجّ إنّما هي تكرار لعمل تاريخي، وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيم عليه السلام،

صفحة 6

وشعائر الله مفهوم عامّ شامل للنبيّ صلى الله عليه وآله ولغيره، فتعظيمه صلى الله عليه وآله امر لازم. ومن أساليب تعظيمه: إقامة الذكرى في يوم مولده ونحو ذلك، فكما أنّ ذكرى ما جرى لإبراهيم عليه السلام من تعظيم شعائر الله سبحانه، كذلك تعظيم ما جرى للنبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله يكون من تعظيم شعائر الله سبحانه.(1)

ومنها قوله تعالى: ﴿قُل بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا﴾ يونس/58، إذ من المصاديق الجليّة لرحمة الله سبحانه هو: ولادة النبيّ صلى الله عليه وآله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فالفرح بمناسبة ميلاده صلى الله عليه وآله مطلوب ومراد.

ومنها قوله تعالى: ﴿وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ﴾ الشرح/4، فإنّ الاحتفالات بميلاده صلى الله عليه وآله ما هي إلاّ رفع لذكره، وإعلاء لمقامه.

ومنها قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ الاعراف/157، باعتبار أنّ إقامة الاحتفال للتحدّث عنه صلى الله عليه وآله فيه نوع من التعظيم والنصرة له.

والادلة في ذلك كثيرة اقتصرنا على موضع الحاجة.


(1) يراجع العلامة العسكري، الاحتفال بذكرى الأنبياء وعباد الله الصالحين.

صفحة 7

ان دراسة حدث الولادة وما سبقته من خلفيات في (المفهوم الديني) يقع ضمن اكتشاف ماهية حركة التاريخ وقوانينه ومحاوره ومحطاته. وتحريك العقل البشري نحو فهم مسيرة الحياة البشرية على أنها إلهية في مبدئها ومنتهاها وهدفيتها. خلافا للمفهوم المادي الذي يذهب إلى فوضوية وعبثية حركة التاريخ.

وفهم هذه المسيرة يكون بالرجوع إلى الكتب السماوية لا سيما القرآن الكريم والشواهد التاريخية وتفسيرها وربطها بالرؤية الصالحة التي جاء بها انبياء الله ورسله عن الكون والحياة.

فسبر هذا الحدث العظيم الذي غيَّر وجه التاريخ البشري سوف يُلقي بِظلاله على مستقبل البشرية وازدياد الوعي لما نحن فيه وما هو قادم في مسيرة الايام.

إن دراسة ولادة النبي صلى الله عليه وآله وخلفيات هذا الحدث العظيم تثبت لنا عدة امور:

1. ان ولادته صلى الله عليه وآله تمثل تحقق الوعد الإلهي الذي جاء به الأنبياء والميثاق الذي واثقهم به. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ

صفحة 8

جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران/81. فيجب على اتباعهم من اهل الكتاب وما سواهم الايمان به صلى الله عليه وآله واتباعه ونصرته مهما طال الزمن ومهما كانت الظروف.

2. ان ظهور النبي صلى الله عليه وآله كان من وسط الذرية المسلمة التي وعد الله تعالى استمرارها لإبراهيم واسماعيل عليهما السلام في مكة المكرمة وحفاظها على التوحيد والملة الابراهيمية. ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  128 رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  129﴾ البقرة/128ـ129

3. ان ظهور النبي صلى الله عليه وآله كان مع إعداد إلهي عام منذ خلقة آدم، وإعداد إلهي خاص منذ بناء إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما السلام ورفع القواعد من البيت واسكان ذرية إسماعيل في مكة التي سوف يظهر منها النبي الموعود صلى الله عليه وآله، واعداد اخص من زمن قصي بن كلاب الذي انتزع سدانة البيت المعظم

صفحة 9

من خزاعة وإقام الحج الابرهيمي وخدمة الحاج ثم عبد مناف ثم هاشم وعبد المطلب، وبروز شخصية آباءه صلى الله عليه وآله في الجزيرة العربية على ان مواريث ابراهيم واسماعيل عليهما السلام انتهت اليهم دون غيرهم.

4. ان ولادة النبي صلى الله عليه وآله تمثل امل الأنبياء لاستمرار خط الهداية، وامل المجتمعات البشرية التي اجتاحها الفساد والظم سواء في السياسة أو الاقتصاد او الاجتماع او الحكم او القضاء؛ لإنقاذه؛ وارجاع الانسان إلى انسانيته.

5. ان ولادة النبي صلى الله عليه وآله في ظل بشارات الانبياء السابقين تمثل الآية التاريخية والدليل الساطع على قدرة الله تعالى في تحقيق وعوده في الجانب الإنساني وليس فقط في الجانب التكويني. وهنا تجدر الإشارة إلى نقطتين:

النقطة الاولى: ان هذه الآية تفتح الآفاق نحو آخر الوعود الإلهية في المسيرة الإنسانية قبل يوم القيامة. فحال المؤمنين المنتظرين لظهور الامام المهدي عليه السلام حال المؤمنين المنتظرين لولادة النبي  صلى الله عليه وآله قبل عام الفيل.

النقطة الثانية: انه كما يوجد اعداد إلهي لظهور

صفحة 10

النبي محمد صلى الله عليه وآله، كذلك يوجد اعداد إلهي لظهور الامام المنتظر أرواحنا فداه. فعلى الانسان ان يصنع نفسه ويوطنها على انتظار الفرج ويدعو الله ان لا يحرم هذا الشرف العظيم.

وختاما يجب القول ان ولادة النبي صلى الله عليه وآله تذكرنا بقوه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ 105﴾ الأنبياء/105

د. السيد حسين البدري

مسؤول وحدة الأبحاث والإصدارات في مركز فجر عاشوراء الثقافي

السبت، 17 ربيع الاول -1446 هـ

الموافق لـ 21 / 9 / 2024

صفحة 11

الميلاد الميمون

ولد النبي صلى الله عليه وآله بعد طلوع الفجر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول في عام الفيل وهي سنة 570ميلادية في شعب بني هاشم.(1)

هذا هو المشهور بين الشيعة؛ وقد ذهب مشهور أهل السنة إلى أن ولادته كانت في الثاني عشر من ربيع الأول.

تسميته محمدا صلى الله عليه وآله

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام انه قال: قالت آمنة بنت وهب (حاكية عن ولادة النبي صلى الله عليه وآله ): «إن ابني والله سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كل شيء، وسمعت في الضوء قائلا يقول: إنَّك قد ولدت سيد الناس، فسميه محمدا».(2)


(1)  راجع تهذيب الاحكام للشيخ الطوسي، والشعب: ما انفرج بين جبلين ويكون صالحا للسكنى وشعب بني هاشم مكان معروف في مكة وهو شعب ابي طالب ويقال له ايضا شعب علي عليه السلام.

(2) الأمالي الشيخ الصدوق ص361.

صفحة 12

الإمام الصادق عليه السلام يخبرنا عن الميلاد الشريف

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان حيث طَلِقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت فقالت، إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى ؟ فقالت: وما ترين ؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذا دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما من أي شئ تعجبان ؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال: لها أبو طالب: ألا أبشرك ؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود».(1)

«وأتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه فوضعه في حجره، ثم قال:

الحمد لله الذي أعطاني

هذا الغلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان


(1) الكافي الشيخ الكليني ج8 ص302.

صفحة 13

ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال : فيه أشعارا .(1)

أحداث كونية تزامنت مع الميلاد الشريف

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال:

«كان إبليس (لعنه الله) يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى عليه السلام حُجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله حُجب عن السبع كلها.

ورميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه، وقال عمرو بن أمية، وكان من أزجر أهل الجاهلية: انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شيء، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث.

وأصبحت الأصنام كلها صبيحة مولد النبي صلى الله عليه وآله ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه، وارتجس (اضطرب وتزلزل) في تلك الليلة


(1) الأمالي الشيخ الصدوق ص 361.

صفحة 14

إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأي المؤبذان (قاضي الفرس) في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقودخيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها.

وصاح إبليس ( لعنه الله ) في أبالسته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: ما الذي أفزعك ياسيدنا ؟ فقال لهم: ويلكم، لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئا. فقال إبليس: أنا لهذا الامر. ثم انغمس في الدنيا، فجالها حتى انتهى إلى الحرم،

صفحة 15

فوجد الحرم محفوفا بالملائكة، فذهب ليدخل، فصاحوا به فرجع، ثم صار مثل الصر – وهو العصفور – فدخل من قبل حراء، فقال له جبرئيل: وراءك لعنك الله. فقال له: حرفٌ أسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض ؟ فقال له: ولد محمد صلى الله عليه وآله. فقال له: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا. قال: ففي أمته ؟ قال:نعم. قال: رضيت».(1)

فلما مضى له صلى الله عليه وآله من الوضع سبعة أيام، أَولَـمَ عبد


(1) الأمالي الشيخ الصدوق ص 360 – 362. قال: «المجلس الثامن والأربعون مجلس يوم الثلاثاء التاسع من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، قال : حدثني أبي ، عن جده أحمد بن أبي عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام». وقد ذكر الشيخ الصدوق هذه الرواية في كتبه الاخرى مثل كتاب: كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق في صفحة 91وكذا في الباب 17-18-38-39. وكذلك ذكرها الطبرسي في اعلام الورى ج1 ص55، وايضا الاربلي في كشف الغمة ج1 ص20-21، وايضا اليعقوبي في تاريخه: ج1 ص328، وعبد الملك العصامي المكي في سمط النجوم العوالي ج1 ص76 وغيرهم. وربما انكر بعض الكتّاب حدوث مثل هذه الآيات الكونية المتزامنة مع الولادة الشريفة وذكروا في ذلك وجوها افتراضية لا تستقيم امام البحث العلمي. والروايات في اوثق كتبنا دالة على ان الله تعالى اعطى نبينا ما اعطا الانبياء: عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال لي : «يا أبا محمد إن الله عز وجل لم يعط الأنبياء شيئا إلا وقد أعطاه محمدا صلى الله عليه وآله ، قال : وقد أعطى محمدا جميع ما أعطى الأنبياء». الشيخ الكليني، الكافي، ج١، ص ٢٢٥.

صفحة 16

المطلب وليمة عظيمة، وذبح الأغنام ونحر الإبل، وأكل الناس ثلاثة أيام.(1)

النسب الشريف

هو محمدصلى الله عليه وآله بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ المطَّلِبِ بن هاشم بن عبدِ مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّةَ بن كَعْب بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر بن مالك ابن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضر بن نِزار ابن مَعَدّ بن عدنان (2) .

قال ابن قدامة : هذا ما لم يختلف فيه أحد من الناس واختُلِفَ فيما بين عدنان وإسماعيل عليه السلام وفيما بين إبراهيم وسام بن نوح اختلافاً كثيراً(3) ، ولم يختلفوا


(1) مستدرك الوسائل ج15 ص134.

(2) وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال : « إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأَمسِكوا « قال العلامة البدري: وذلك لاختلاف النسابين في عدد وتسمية مَنْ بينَ عدنان وإسماعيل من الآباء ولطول المدة وبُعد العهد ، وروى ابن الكلبي في جمهرة النسب عن ابن عباس انّه قال : ولو شاء رسول الله ان يعلمه لعلمه .

(3) ذكر أهل السيرة والتاريخ : أنَّ مَعَدَّ بن عدنان كان معاصراً للنبي ارميا وكان عمره زمن بختنصر اثنتي عشرة سنة وانّ الله أوحى إلى ارميا بن حلقيا أن يعنى به وأخبره ان من صلبه خاتم الرسل (انظر السيرة النبوية لابن كثير ج1 ص74ـ75) وايضا تاريخ الطبري ج1 ص399 طبعة الاعلمي بيروت ، وذكروا أيضاً عمود نسب إبراهيم إلى آدم وهو مأخوذ عن أهل الكتاب والأصل فيه التوراة المتداولة عندهم وقد ذكرت تسعة آباء بين إبراهيم ونوح عليها السلام وثمانية آباء بين نوح وآدم عليها السلام، وهذا العدد غير كاف قطعاً لاستيعاب المدة الزمنية بين إبراهيم ونوح وقد انتبه لذاك أيضاً باحثون متأخرون من أهل الكتاب وسجّلوه على التوراة في جملة ما سجلوه عليها من إيرادات لزعزعة الثقة المطلقة بالتوراة كوثيقة تاريخية ، انظر موريس بوركاي في كتابه دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص49 .

صفحة 17

في أن عدنان من وُلد إسماعيل(1). وقد اختلف النسابون هل عدنان من ولد (نابت) بن إسماعيل أو من ولد (قِيدار) بن إسماعيل ، والذي عليه الأكثر هو الثاني(2). وقد ذهب العلامة المحقق السيد سامي البدري إلى القول الأول وان عدنانا من ولد نابت وهو بكر إسماعيل عليه السلام واسمه (نبايوت) وعرَّبوه إلى (نابت) أو (نابط) وإليه ينسب الأنباط.(3)

وقد ذكر ابن عبد البر: ان ما عليه أئمة هذا الشأن هو ان نسب النبي صلى الله عليه وآله يرجع إلى نابت.(4)

وأمّه صلى الله عليه وآله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.(5)

وقد أجمع علماء الشيعة على طهارة وإيمان


(1) التبيين في أنساب القرشيين ص36 .

(2) الطبري ج2 ص274 .

(3) السيرة النبوية ص 34 ط4 سنة 1445هـ .

(4) ابن عبد البر القرطبي، كتاب الإنباه فى ذكر القبائل الرواة : ص20.

(5) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 76.

صفحة 18

الأصلاب والأرحام التي خرج منها النبي صلى الله عليه وآله .

في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال : «يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول : إني قد حرَّمت النّار على صلب أنزلك وبطن حملك وحِجر كَفَلك، فالصُّلب صُلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب والبَطن الذي حملك فآمنة بنت وَهب وأما حِجر كفلك فحِجر أبي طالب».(1)

وعن علي عليه السلام انّه قال :

«فاستودعهم أي الأنبياء في أفضل مستودع ، وأقرَّهم في خير مستقَرّ ، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهَّرات الأرحام ، كلما مضى منهم سَلَف قام منهم بدين الله خَلَف ، حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فأخرجه من أفضل المعادن مَنْبَتاً ، وأعزّ الأرومات مَغْرَساًمن الشجرة التي صَدَعَ منها أنبياءَه ، وانتجب منها أمناءَه . عِترتُه خير العِتَر وأُسرته خيرُ الأُسر ، وشجرته خير الشجر ، نبتت


(1) الكليني، الكافي: ج1 ص446.

صفحة 19

في حَرَم ، وبسَقت في كرم ، لها فروع طوال وثمر لا يُنال ، فهو إمام من اتقى وبصيرة من اهتدى».(1) 

وعنه عليه السلام أيضاً انّه قال : «والله ما عَبَدَ أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط». فقيل له : وما كانوا يعبدون ؟ قال : «كانوا يصلُّون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسِّكين به ».(2)


(1) نهج البلاغة خطبة 93 . وقوله (تناسختهم) : أي تناقلتهم ، (نبتت في حرم) : أي نشأت في مكة ، ومعنى قوله (وثمر لا ينال) : يريد نفسه (عليه السلام) ومن يجري مجراه من اهل البيت (عليهم السلام) ، لأنّهم ثمرة تلك الشجرة وقوله (لا ينال) : أي لا ينال موقعهم ولا يباريهم أحد فيه . كما في قوله (عليه السلام) في خطبته الشقشقية : (ينحدر عني السيل ولا يرقى إلىَّ الطير) . وقوله (عليه السلام) (أعز الارومات) بفتح الهمزة جمع ارومة اصل الشجرة ، وقوله (من الشجرة التي صدع منها انبياءه) : المراد من الشجرة إبراهيم (عليه السلام) فكل الرسل الذين جاؤا بعده من نسله (عترته خير العتر) عترة الرجل ذريته ورهطه الادنون . روى ابو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله)قال : (انّي اوشك أن أدعى فاجيب وانّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل .  . وعترتي أهل بيتي ، واخبرني اللطيف الخبير انّهما لن يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض) ، ومما يوضح كونهم (عليهم السلام)ثمرة شجرة النبي (صلى الله عليه وآله)قوله (عليه السلام) لما بلغه ان قريشاً احتجوا في السقيفة لتقدمهم على الأنصار بكونهم شجرة النبي (صلى الله عليه وآله) : (احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة) (بهج الصباغة 3 : 169 ط1 بتلخيص) .

(2) كمال الدين وتمام النعمة ص174 ، الجرائح والخرائج لقطب الدين الراوندي ج3 ص1074 أقول : والسر في ذلك ان بعثة موسى (عليه السلام) نسخت قبلة إبراهيم لبني إسرائيل خاصة .

صفحة 20

وكان آباء النبي صلى الله عليه وآله يخبرون بظهوره ويبشرون بمولده. فإن (كنانة) كان يقول : « قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد فاتبعوه تزدادوا شرفا إلى شرفكم وعزًّا إلى عزِّكم».(1) وكان (كعب) يخطب ويبشر بالنبي صلى الله عليه وآله ومبعثه من مكة ويتمنى أن يكون في عهده ليقوم بنصرته، ولما مات كعب أَرَّخت قريش من موته.(2)

نشأة النبي  صلى الله عليه وآله في كنف عبد المطلب

كان ابو النبي صلى الله عليه وآله عبد الله قد توفي قبل ولادته لذا كان  صلى الله عليه وآله منذ أول أمره برعاية عبد المطلب وفي كنفه، وترعاه أمه وتَعني به، حتى إذا بلغ السادسة وثلاثة أشهر من عمره الشريف وقيل الرابعة من عمره، رافق أمّه آمنة في رحلته إلى يثرب (المدينة) لزيارة أخواله من بني عدي بن النجار، وفي مسير عودتهم إلى مكة توفيت آمنة في منزل الأبواء، ودفنت هناك.(3)


(1) الحلبي، السيرة الحلبية ج1 ص26 .

(2) تاريخ اليعقوبي ج1 ص236 ، أنساب الاشراف ج1 ص41 .

(3) الصوياني، السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، ج1، ص33.

صفحة 21

يذكر انه قد الصقت بعض المصادر بعض الاكاذيب بطفولة النبي صلى الله عليه وآله، مثل أن أول لبن شربه لبن ثويبه مولاة أبي لهب المشركة، وان الله بعث ملائكة لتشق صدره وتستخرج علقة الشر من قلبه، أو انه كان يمشي عاريا، وانه كان يأكل ذكر عليه اسم الأصنام، وانه كان على دين قومه يعبد الأصنام، وقد ناقش هذه الأكاذيب والافتراءات وغيرها مفصلا السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه الصحيح من سيرة النبي الأعظم -الجزء الثالث فراجع.

ورَقَّ عليه عبد المطلب رِقَّة لم يرقها على ولده، وكان إذا أُتي بالطعام أجلس النبي صلى الله عليه وآله إلى جانبه وربّما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه وكان رقيقاً عليه بآدابه، فربَّما أُتِيَ بالطعام وليس رسول الله صلى الله عليه وآله حاضراً فلا يمس شيئاً منه حتى يؤتى به، وكان يُفرش له في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده إجلالاً له، وكان رسول الله يأتي وهو غلام جَفْرٌ فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: مهلاً دعوا ابني ما تريدون منه ؟ ثم يقول: دعوه فإن له لَشأناً أما ترونه؟ ويُقبِّل رأسه

صفحة 22

وفمه ويمسح ظهره ويُسَر بكلامه وما يَرى منه.

كان عبد المطلب بصيراً بما سيكون من النبي صلى الله عليه وآله في المستقبل لِما عنده من العلم بخبره عن آبائه عن إبراهيم عليه السلام، وما يرى من القرائن والعلامات في رسول الله صلى الله عليه وآله، ولِما سمعه من سيف بن ذي يزن ملك اليمن وجماعة من علماء أهل الكتاب بذلك.

وعندما أدركت عبد المطلب الوفاة، بعث إلى أبي طالب، فجاءه ومحمد صلى الله عليه وآله على صدره وهو في غَمَرات الموت، فصار يبكي ويلتفت إلى أبي طالب ويقول:

يا أبا طالب انظر أن تكون حامياً (لهذا) الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة أمه.

يا أبا طالب إنْ أدركت أيامه فاعلم أنّي كنت من أبصر الناس ومن أعلم الناس به، انصره بلسانك ويدك ومالك، فإنّه عن قريب سيسود ويملك ما لم يملك أحد من آبائي.

قال ابن إسحاق: إنَّ عبد المطلب توفي ورسول الله ابن ثماني سنين(1).


(1)  انظر: امتاع الأسماع، تاريخ اليعقوبي ج2 ص12، انساب الاشراف ج1 ص119.

صفحة 23

النبي  صلى الله عليه وآله في كفالة عمه أبي طالب

وضم أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله إليه بعد موت عبد المطلب، وكان قد انتهت إليه زعامة قريش بعد أبيه (بوصية من أبيه عبد المطلب)، فكان يحبّه حبّاً شديداً ويُؤثره بالنَّفقة والكِسوة على نفسه وعلى جميع أهله. وكان لا يفارقه ساعة في ليل أو نهار، وكان لا ينام إلاّ إلى جنبه حتى بلغ، ولا يأتمن عليه أحداً.

قال أبو طالب: لم أرَ منه كِذبة قط، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضِّحك، ولا مع الصِّبيان في لعب.

وكانت فاطمة بنت أسد بن هاشم امرأة أبي طالب وأم أولاده جميعاً تحنو عليه كأنَّها أمه.

ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله لما توفيت فاطمة بنت أسد وكانت مسلمة فاضلة، أنّه قال: اليوم ماتت أمّي، وكفَّنها بقميصه، ونزل في قبرها واضطجع في لحدها.

فقيل له: يا رسول الله لقد اشتد جزعك على فاطمة !

صفحة 24

قال: إنها كانت أمي، إن كانت لَتُجيع صبيانها وتُشبِعُني، وتُشْعِثُهم وتُدْهِنُني(1).

بشائر الأنبياء بمبعثه  صلى الله عليه وآله: (2)

تم اقتباس ما يلي من المطالب من كتاب السيرة النبوية للعلامة المحقق السيد سامي البدري حفظه الله.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران/81، قال علي عليه السلام في تفسيرها: (لم يبعث الله تعالى نبيّاً آدم فمن بعده إلاّ أُخِذَ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وآله لئن بُعِثَ وهو حىّ ليؤمِنَنَّ به ولينصُرَنَّه وأمره أن يأخذ العهد على قومه) (3).

وقال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ الأعراف/157.


(1)  تاريخ اليعقوبي ج2 ص14.

(2) نقلنا هذه المعلومات عن كتاب السيرة النبوية للعلامة السيد سامي البدري مع تصرف يسير.

(3)  الدرالمنثور ج2 ص47 عن ابن جرير الطبري في تفسيره الآية.

صفحة 25

قال أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 542): حدَّثني من اثق به قال: مكتوب في التوراة في خروجه صلى الله عليه وآله من ولد إسماعيل وصفته هذه الألفاظ:

(وليشمعيل شمعتيخا هنيه برختي اتو وهفريتي اتو وهربيتي اتو بمآدمآد شنيم عاسار نسيئم يوليد ونتتوي لجوي جادول) (1).

وترجمته: (إسماعيل قبلت صلاتك له وباركت فيه وأنميته وكثرت عدده بولد له اسمه محمد يكون اثنين وتسعين في الحساب سأخرج اثني عشر إماماً ملكاً من نسله واعطيه قوماً كثير العدد) (2).

قال العلامة البدري: النّص الآنف الذكر هو الفقرة (20) من الإصحاح (17) من سفر التكوين وترجمتها في النسخ المطبوعة المتداولة هي (أما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ها أنا ذا أُباركه وأُنمّيه وأُكثِّره جداً جداً ويلد إثني عشر رئيساً وأجعله أمَّة عظيمة).

وقد أجمع علماء المسلمين وعلماء اليهود الذين


(1)  صححناه على الأصل العبري وحروفه: ולישׂ מאיל שׂמעתיך הנה ברכתי אתו והפריתי אתו והרביני אתו במאדאד מאד שׂנים עשׂר נשׁיאם יוליד ונתתיו לגוי גדול.

(2)  إعلام الورى ج1 ص59.

صفحة 26

أسلموا على أنَّ هذا النّص يبشر بمحمد صلى الله عليه وآله وأنَّ عبارة (جداً جداً) وهي ترجمة لعبارة (بمآد مِآد) العبرية الواردة في النص العبري كانت بالأصل تشير إلى اسم محمد صلى الله عليه وآله ثم حُرّفت إلى كلمة متكافئة من ناحية القيمة العددية مع اسم محمد وهي (بمآد مِآد) إذ كلاهما يساوي (92) وإذا ثبت ذلك وهو ثابت كان الإثنا عشر بعدها ممّا يرتبط بمحمد وليس بإسماعيل وهو ما كان يفهمه علماء اليهود الذين أسلموا حيث كانوا يختارون التشيُّع على غيره من المذاهب باعتباره مذهباً يقوم على الإيمان باثني عشر وصياً للنبي صلى الله عليه وآله .

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الشعراء/197

وقال أيضاً: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة/89.

وجاء في رواية ابن أبي نملة قال: كانت يهود بني قريظة يدرُسون ذكر رسول الله في كتبهم ويعلِّمون الوِلدان بصفته واسمه ومهاجره المدينة فلما ظَهَرَ

صفحة 27

حسَدوا وأنكروا(1).

قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بلغني عمّا كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله ، مما أثبته يُحَنَّس(2) الحواري لهم، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم عليها السلام، في رسول الله صلى الله عليه وآلهشيخ، أنه قال: (من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أ نيّ صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أ نّهم يعزونني، وأيضاً للرب، ولكن لا بدّ من أن تتم الكلمة التي في النّاموس، إنّهم أبغضوني مجاناً، أي باطلاً. فلو قد جاء (المنحمنا) هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القدس، هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علىَّ وأنتم و « روح القدس» أيضاً، لأ نّكم قديماً كنتم معي، في هذا قلت لكم لكيما لا تشُكُّوا).

المنحمنا (3) بالسريانية: محمد، وهو بالرومية:


(1)  الوفا لابن الجوزي ج1 ص42، دلائل النبوة للبيهقي ص40.

(2)  هو يوحنا صاحب انجيل يوحنا.

(3)  (מנחם) اقول: (منحمنا) اسم مضاف إلى ضمير الجمع المتكلم وتعني حرفياً (مسلِّينا) أو (معزِّينا)، وأصلها عبري من الفعل (نحم) (נחם) وقد ورد الاسم (מנחם) (menahem منحم) في التلمود وصفاً للمسيح المنتظر وتعني المعزي والمسلي.

صفحة 28

البرقليطس صلى الله عليه وآله (1).

قال العلامة البدري: الذي ذكره ابن إسحاق هو رواية شفوية بالمعنى للفقرات (15ـ21) من الفصل الرابع عشر والفقرتين (26ـ27) من الفصل الخامس عشر والفقرة (13) من الفصل السادس عشر من إنجيل يوحنّا وفيما يلي نصوصها:

قال: «إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد… الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبّني…» 15ـ21: 14.

وقال: «ومتى جاء المعزّي… فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء» 26ـ27: 15.

وقال: «ومتى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأ نّه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية»13: 16.

ولفظة (المعزي) جعلوها ترجمة للفظة الإغريقية


(1)  سيرة ابن هشام ج2 ص64.

صفحة 29

(البرقليطس) التي قال عنها ابن إسحاق: أنّها باللغة الرّومية، والإغريقية هي اللغة الأقدم للإنجيل.

والنصارى اليوم يقولون أنّ في اللغة الإغريقية لفظتين:

الأُولى: (باراكليتوس) (Parakletos) وتعني المعزّي، المسلّي.

الثانية: (بيريكليتوس) (Perekletos) وتعني حرفياً ما تعنيه لفظة أحمد العربية.

ثم يقولون: إنّ الذي ورد في النسخة الإغريقية للإنجيل هو اللفظة الأُولى وليست الثانية وبالتالي فلا دلالة لها على ما ذكره القرآن أنّ عيسى كان قد بشّر بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما في الآية الكريمة ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الصف/6.

ونحن نجيبهم بأمرين:

الأول: أنّ الذي ينعم النظر في النصوص الآنفة الذكر يعلم أنّها تنبئ ببعثة نبي تبقى نبوّته إلى الأبد، يخبر هذا النبي بمغيَّبات ويشهد لعيسى بالنبوَّة والرّسالة وقد تحقق ذلك بمحمَّد  صلى الله عليه وآله ولم يأت نبي بعده وقد مضى على نبوته أربعة عشر قرناً من الزمن.

الثاني: أنّ النُّسخة العبرية من الإنجيل المتداولة

صفحة 30

فعلاً ذكرت اللفظة الثانية (بيريكليتوس) (فْرَقْليطوس) (مع حركة السكون تحت حرف الفاء وحركة الفتحة تحت حرف الراء ولو كان المترجم يريد اللفظة الاُولى لكتب حركة المد بالألف تحت حرف الفاء وحرف الراء) ممّـا يدل على أنّ وجود لفظة باراكليتوس في الأناجيل الإغريقية المتداولة عند النصارى من التحريف المستحدَث.

هذا ما أردنا إثباته في هذا المختصر وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين