لامية ابي طالب (ع)

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 067
عدد الصفحات:49
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

يقدم هذا الكراس دراسة موجزة ومركزة حول “لامية أبي طالب”، التي تُعد من عيون الشعر العربي وأبرز شواهد إيمان أبي طالب (عليه السلام). يتناول البحث الجوانب التالية:

  1. التوثيق والصحة: يبحث في صحة نسب القصيدة، مستعرضاً سندها التاريخي المتصل الذي تناقله أهل البيت (عليهم السلام) عن الإمام علي (عليه السلام)، مما يزيل الشك في نسبتها إليه.
  2. الحضور المعرفي: يسلط الضوء على المكانة الرفيعة للمتنية في التراث الإسلامي، حيث استشهد بها كبار المؤلفين في مختلف الفنون (السير، العقائد، الأدب، واللغة والنحو)، معتبرين إياها نصاً يضاهي المعلقات في البلاغة والفصاحة.
  3. التحليل والمضمون: يستعرض الكراس الظروف التي قيلت فيها اللامية والمعاني العميقة التي تضمنتها، مع تقديم نص القصيدة كاملاً مشفوعاً بشرح لها.
  4. الدلالة العقائدية: يؤكد البحث أن اللامية ليست مجرد تحفة أدبية، بل هي وثيقة معرفية وروحية تعكس العلم بالله، والرسالات، ومكانة النبي (صلى الله عليه وآله)، وموقف أبي طالب الثابت في نصرته والذود عنه.

يُعد هذا العمل مرجعاً مختصراً يجمع بين التحقيق التاريخي والذوق الأدبي في فهم هذه القصيدة الخالدة.

صفحة 1
cover image

صفحة 2

عنوان الإصدار: لامية ابي طالب عليه السلام

تأليف: د. السيد حسين البدري

سنة الإصدار: 2025/1446 ـ رقم (67)

نوع الإصدار: إلكتروني ـ PDF

الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي

الموقع: fajrashura.com

صفحة 3

قال الإمام الصادق عليه السلام : «كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أن يروى شعر أبي طالب عليه السلام، وأن يدوَّن، وقال تعلَّموه وعلِّموه أولادكم فإنّه كان على دين الله وفيه علم كثير».

قال عنها ابن كثير: «هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السَّبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا».

صفحة 4

صفحة 5

ترجمة أبي طالب عليه السلام المختصرة

اسمه: عبد مناف، واشتهر بأبي طالب(1)، وقال ابن عنبة: وسُمي بعمران.(2)

وُلد أبو طالب عليه السلام قبل ولادة النبي صلى الله عليه وآله بخمسة وثلاثين عاماً.

أبوه عبد المطلب عليه السلام سيد قومه والمبرز من رؤساء قريش الذين ترجع إليهم في أمورها، وتتحاكم لهم في منافراتها ومواريثها ومياهها ودمائها، كان على الشريعة الإبراهيمية الحنيفية.

أمّه: فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية.(3)

أبناؤه: طالب، عقيل، جعفر، علي عليه السلام، أم هانئ واسمها هند، وجمانة ورَيْطَة، وزاد بعضهم: أسماء بنت أبي طالب عليه السلام، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.(4)

وكان أبو طالب عليه السلام سيداً شريفاً مطاعاً مهيباً.

وقيل في سخائه وكرمه أن قريشاً كانت تطعم،


(1) ابن سعد، الطبقات: ج 1 / ص 121.

(2) ابن عنبة، عمدة الطالب: ص 20.

(3) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 111.

(4) ابن سعد، الطبقات: ج 1 / ص 121-122.

صفحة 6

فإذا أطعم (أبو طالب) لم يطعم يومئذٍ أحد غيره.(1)

وكان أَوَّلُ من سن القَسَامَةَ ـ على أولياء المقتول ـ في الجاهليَّة في دم عمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السنة في الإسلام.(2)

ووصفه الحلبي قائلاً: كان أبو طالب ممن حرَّم الخمر على نفسه في الجاهلية كأبيه عبد المطلب.(3)

تقلد أبو طالب عليه السلام قبل البعثة في مكة، منصبي الرفادة (ضيافة الحجيج) والسقاية (إيصال الماء إلى الحجيج)(4)، وكان إلى جنب ذلك يحترف التجارة أيضاً، فقد كان يشتري العطور والقمح، ويبيعهما.(5)

تولى أبو طالب عليه السلام بوصية من أبيه عبد المطلب عليه السلام كفالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي كان عمره حينئذٍ ثماني سنوات(6)، وقد أشار ابن شهر آشوب إلى هذه القضية بقوله: لما حضرت عبد المطلب عليه السلام الوفاة دعا ابنه أبا طالب عليه السلام، فقال له: يا بني قد


(1) البلاذري، أنساب الأشراف: ج 2 / ص 288.

(2) النسائي، سنن النسائي: ج 8 / ص 2-4.

(3) الحلبي، سيرة الحلبي: ج 1 / ص 184.

(4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 13.

(5) ابن قتيبة، المعارف: ص 575.

(6) البيهقي، دلائل النبوة: ج 2 / ص 22.

صفحة 7

علمت شدة حبي لمحمد صلى الله عليه وآله ووجدي به، انظر كيف تحفظني فيه. قال أبو طالب عليه السلام: يا أبتي لا توصني بمحمد صلى الله عليه وآله، فإنه ابني وابن أخي. فلما توفي عبد المطلب عليه السلام كان أبو طالب عليه السلام يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله.‏(1)

وكتب ابن هشام في ذلك: كان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد جدّه، فكان إليه ومعه… ولما خرج أبو طالب تاجراً إلى الشام، وتهيّأ للرحيل، وأجمع المسير صبّ به رسول الله صلى الله عليه وآلهفَـرَقّ له (أبو طالب)، وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا(2)، وكان أبو طالب عليه السلام إذا أراد أن يعشي أولاده أو يغديهم‏ يقول: كما أنتم ـ أي امسكواـ حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيأكل معهم.(3)

تؤكد جميع الوثائق التاريخية على الحماية المستمرة من قبل أبي طالب عليه السلام للرسول صلى الله عليه وآله والتصدي لقريش رغم كبر سنّه إذ ناهز ـ إبّان البعثة ـ الخامسة


(1) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبو طالب: ج 1 / ص 36.

(2) ابن سعد، الطبقات: ج 1 / ص 119.

(3) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج 1 / ص 37.

صفحة 8

والسبعين، فوقف منافحاً ومدافعاً عنه بلا أدنى تردد، بل جهر بذلك أمامَ قريش.(1)

ولـمّا عرفت قريش أن أبا طالب عليه السلام قد أبى خذلان رسول الله  صلى الله عليه وآله، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب! هذا عمارة فتى في قريش، فخذه، فلك عقله ونصره، واتّخذه ولداً، فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك فنقتله.

فقال عليه السلام: والله لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً.(2)

وتحدث النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك العطف والحنان الذي حظي به في بيت عمه، وعندما توفيت فاطمة بنت أسد قال صلى الله عليه وآله: اليوم ماتت أمي، وكفّنها بقميصه، ونزل في قبرها، واضطجع في لحدها.

فقيل له: يا رسول الله! لقد اشتد جزعك على فاطمة.

قال صلى الله عليه وآله: إنها كانت أمي، إن كانت لتُجيع صبيانها


(1) ابن هشام، السيرة النبوية: ج1 / ص 172-173.

(2) البلاذري، أنساب الأشراف: ج 1 / ص 31.

صفحة 9

وتُشبعني، وتُشعثهم وتُدهنني(1)، وقال النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاة عمه أبي طالب عليه السلام: ما نالتني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب. (2)

ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله عزيزاً ممنوعاً من الأذى ومعصوماً من كل اعتداء ومحفوظا من مكائد قريش، حتى توفى الله أبا طالب عليه السلام، وعندها جاء نداء ربّه يحمله جبرائيل عليه السلام: «أخرج من مكة فقد مات ناصرك».(3)

ترك أبو طالب عليه السلام من الشعر ما يناهز الألف بيت جمعت في ديوان أبي طالب عليه السلام، جلّها في نصرة النبي صلى الله عليه وآلهوتصديق رسالته، ومن أشهرها القصيدة اللامية التي سوف نوردها مع الشرح في هذا المقال.

كما لا يشك باحث، ولم يتردد مؤرخ في حماية أبي طالب عليه السلام للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ورعايته له والدفاع عنه طيلة حياته، بل من المؤكد: أنه كان من أشد المدافعين عنه صلى الله عليه وآله في أشد الظروف وأصعب المواقع منذ الأيام الأولى للرسالة وحتى رحيله عن هذه


(1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 14.

(2) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج 66 / ص 339.

(3) المفيد، إيمان أبي طالب: ص 24.

صفحة 10

الدنيا، ولكن وقع البحث في إيمانه، وهل أنه نطق بالشهادتين أم لا؟

فذهب أهل السنة إلى القول بأنّه مات كافراً مستندين في ذلك على رواية تشير إلى إصراره حتى اللحظات الأخيرة على البقاء على الشرك.

وذهب الشيعة بإجماع علمائهم إلى القول بأنه كان مؤمناً ومات كذلك، مستندين في ذلك إلى روايات أهل البيت عليهم السلام، وإلى جملة من الأدلة التي تثبت بما لا ريب فيه إيمانه ومفندين بذلك دعوى موته مشركاً.(1)

واختلف المؤرخون في اليوم والشهر الذي توفي فيه أبو طالب عليه السلام، فذهبت بعض المصادر الشيعية إلى القول بأنّه توفي في السادس والعشرين من رجب من السنة العاشرة للبعثة بعد ثلاث أيام من وفاة أم المؤمنين خديجة عليها السلام، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين(2)، ومنهم من جعل وفاته في الأول من ذي القعدة، ومنهم من أرَّخ لوفاته في النصف


(1) الغفاري، كبير الصحابة أبو طالب عليه السلام: ص 166؛ حسن، أبو طالب طود الإيمان الراسخ: ص 166.

(2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2 / ص35.

صفحة 11

من شوال، وقد سمّى النبي صلى الله عليه وآله ذلك العام (عام الحزن).(1)

ولـمَّا مات جاء عليٌّ عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بموته، فتوجَّعَ عظيماً وحزن شديداً، ثمَّ قال: امضِ فتولَّ غُسلَهُ فإِذا رفَعتهُ علَى سريره، فأَعلمني ففعل(2)، فاعترضهُ صلى الله عليه وآله وهو محمولٌ، فقال لهُ: وصلتك رحمٌ يا عمِّ! وجزِيتَ خيراً، فلقَدْ رَبَّيْتَ، وكفلْتَ صغيراً، ونصرْتَ وآزرْتَ كبِيراً، ثُمَّ تَبِعَهُ إِلَى حُفرتهِ، فوقف عليه، فقال: أَمَ واللَّهِ لأَستغفرنَّ لَكَ ولأَشْفَعَنَّ فيكَ شفاعةً يعجبُ لها الثَّقَلان(3)، ودفن بمكة في مقبرة الحجون‏ بجنب قبر أبيه عبد المطلب عليه السلام.(4)


(1) المقريزي، إمتاع الأسماع: ج 1 / ص 45.

(2) ابن جوزي، تذكرة الخواص: ج1 / ص145.

(3) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج 7 / ص 76.

(4) البلاذري، أنساب الأشراف: ج 1 / ص 29.

صفحة 12

لامية أبي طالب عليه السلام

إن أبا طالب عليه السلام بذل كلَّ ما بوسعه لنصرةِ النبي صلى الله عليه وآله وقد عانا من ذلك معاناةً شديدة، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ آل عمران/81. فَسَهرَ ليله، واضطرمت هواجسُِه، وأَرَّقته الخواطر، لأنه يعرف جُحود قريش وعدوانهم ويشاهد حسدهم وطغيانهم.

جسّد أبو طالب عليه السلام هذا العهد الإلهي للأنبياء السابقين بالنُّصرة واقعًا ملموسًا، إذ لم يكن دفاعه عن النبي  صلى الله عليه وآله مجرد رابطة قرابة، بل كان إيمانًا راسخًا بحقه ورسالته.

فوقف أبو طالب عليه السلام في وجه قريش متحديًا بطشها، وحمى رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه وماله ووُلده، حتى اضطُر إلى الاحتماء معه في الشعب لثلاث سنوات وعانى مع بني هاشم من الحصار القرشي القاسي، وتحمل معهم الجوع والحرمان، دون أن

صفحة 13

يتزعزع إيمانه أو يتراجع عن موقفه.

وكانت كلماته في شعره أصدق تعبير عن ولائه وثباته، ومن ذلك قوله في نصرة النبي صلى الله عليه وآله:

والله لن يصلوا إليك بجمعهمُ

حتى أُوسّد في التراب دفينًا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةٌ

وأبشرْ وقرّ بذاك منك عيونا(1)

وهكذا كان أبو طالب عليه السلام صخرة صلدة تحطمت عليها مكائد قريش، ومظلة أمان ظلّت تقي النبي  صلى الله عليه وآله من كيد أعدائه، حتى لقي ربّه بعد أن أدى رسالته في الحماية والنصرة، فكان لفقده أثرٌ بالغٌ على النبي صلى الله عليه وآله، إذ قال بحزن شديد: «ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب».(2)

فكان أبو طالب عليه السلام يؤرخ معاني نُصرته للنبي صلى الله عليه وآله في شعره البليغ، الذي قال عنه ابن كثير: «هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السَّبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا».(3)


(1) الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: ج1 / ص ٤٦٣.

(2) البيهقي، دلائل النبوة: ج2 / ص ٣٥٠.

(3) ابن كثير، البداية والنهاية: ج2 / ص142، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي.

صفحة 14

والإمام الصادق عليه السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أن يروى شعر أبي طالب عليه السلام، وأن يدوَّن، وقال تعلَّموه وعلِّموه أولادكم فإنّه كان على دين الله وفيه علم كثير».(1)

ومن قول الإمام امير المؤمنين عليه السلام هذا يتبين لنا مما في شعر أبي طالب عليه السلام من المواضيع:

العلم بالله تعالى وحكمته في تدبير الأمور.

العلم بالرسالات الإلهية والأنبياء والكتب السماوية التي أرسلها الله.

العلم برسول الله محمد صلى الله عليه وآله ومكانته العظيمة عند الله.

العلم بما لاقاه النبي صلى الله عليه وآله من أذى واضطهاد من قريش وحلفائها من العرب.

العلم بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وخلافته بعد النبي محمد  صلى الله عليه وآله.

العلم بأنساب العرب وتقاليدهم وأحداثهم التاريخية.

العلم باللغة العربية وعلومها وفنونها الأدبية.


(1) أبو طالب حامي الرسول: ص190 عن الحجة على الذاهب ص25.

صفحة 15

وقد تكون هذه الأمور وغيرها مما يمكن استخلاصه من الكتب التي تناولت إيمان أبي طالب عليه السلام، مع الاستدلال بشعره الموثوق به كدليل على ذلك.(1)

وعن الباقر عليه السلام أنه قال: «مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلما مؤمنا وشعره في ديوانه يدل على إيمانه، ثم محبته وتربيته ونصرته
ومعاداة أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وموالاة أوليائه، وتصديقه إياه بما جاء به من ربه».(2)

اللامية في كتب العلوم والفنون

قال الشيخ محمد حسن آل ياسين رحمه الله: «هذه اللامية من غرر الشعر العربي المشهور، وعدها ابن سلام أبرع ما قال أبو طالب من الشعر. وقد أكثرت المصادر من رواية أبيات اللامية متفرقة أو مجتمعة».(3)


(1) شمس الدين ابي علي فخار بن معد الموسوي( ٦٣٠هـ)، الحجة على الذاهب الى تكفير ابي طالب: ص ١٩٤.

(2) المجلسي، بحار الأنوار: ج٣٥ : ص ١١٨.

(3) ينظر تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين لـ(ديوان ابو طالب) ابو هفان صنعة المهزمي: ص 69.

صفحة 16

أقول: وقد استشهد بلامية أبي طالب عليه السلام جموع كثيرة من المؤلفين في مختلف العلوم الفنون، ونذكر ما تيسر:

أولا ــ من أهل السير والمغازي:

ابن إسحاق (ت ١٥١هـ).

ابن هشام (ت ٢١٣هـ).

البلاذري (ت ٢٧٩هـ).

ابن كثير (ت ٧٧٤هـ).

ومن جاء بعدهم.

ثانيا ــ كتب الدين والعقيدة:

الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ) في النكت الاعتقادية والفصول المختارة.

الكراجكي (ت٤٤٩هـ)، كنز الفوائد.

ابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ)، مناقب آل أبي طالب.

فخار الموسوي (ت٦٣٠هـ)، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.

ابن ابي الحديد(ت٦٥٦هـ)، شرح نهج البلاغة.

ثالثا ــ الكتب الأدبية:

الجاحظ (ت٢٥٥هـ)، البيان والتبيين.

صفحة 17

ابن سلام (ت٢٣١هـ)، طبقات فحول الشعراء.

الاصفهاني (ت٣٥٦هـ) ، الأغاني.

صدر الدين البصري(ت ٦٥٦هـ)، الحماسة البصرية.

ابن عبد ربه (ت٣٢٨هـ)، العقد الفريد.

عبد القادر البغدادي (ت١٠٩٣هـ)، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

رابعا ــ أهل المعاجم:

ابن قتیبة (ت276هـ)، المعاني الكبیر.

ابن درید (ت321هـ)، الاشتقاق.

أبو بكر الأنباري (ت328هـ)،الزاهر في معاني الناس.

أبو علي القالي (ت356هـ)،البارع.

العسكري (ت395هـ)،دیوان المعاني.

خامسا ــ الكتب اللغوية والنحوية:

سيبويه (ت١٨٠هـ)، الكتاب.

المبرد (ت٢٨٥هـ)، المقتضب.

أبو الحجاج الشنتمري (ت٤٧٦هـ) ،تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب.

صفحة 18

أبو عبيدة البكري (ت٤٨٧هـ)،سمط اللآلي.

ابن الشجري (ت٥٤٢هـ)، الأمالي الشجرية.

ابن عصور الأشبيلي (ت٦٦٩هـ)، شرح جمل الزجاجي.

ابن هشام الأنصاري (ت٧٦١هـ)، شرح جمل الزجاجي، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب.

السيوطي (ت٩١١هـ)، شرح شواهد المغني.

وغيرهم الكثير من المؤلفين.

صَحَّة اللامية

ذكرنا الكثير من المصادر فيما تقدم وأقدمهم ابن إسحاق، وايضا ذكرنا عبارة الحافظ ابن كثير حول صحة اللامية، ونذكر هنا انه قد جمع شعر أبي طالب عليه السلام:

1. صنعة أبو هفان المهزمي البصري (ت٢٥٧هـ)(1) وهو أحد جامعي أشعار أبي طالب


(1) عبد الله بن أحمد بن حرب المهزمي العبديّ، أبو هفان: رواية، عالم بالشعر والأدب، من الشعراء، من أهل البصرة، سكن بغداد. وأخذ عن الأصمعي وغيره. له « أخبار الشعراء» و «صناعة الشعر» و«أخبار أبي نواس – ط». يراجع: الزركلي، الإعلام.

صفحة 19

عليه السلام وقد ذكر سندها قال: «أنشدني عمي خالد بن حرب، عن عبد اﷲ بن العباس بن الحسين بن عبيد اﷲ بن العباس بن علي بن ابي طالب ــ رضوان اﷲ عليهم».(1)

ويتضح من خلال هذا السند أن رواة شعر أبي طالب عليه السلام هم أهل بيته، الذين تناقلوه عن جدهم الإمام علي عليه السلام، امتثالًا لوصيته التي تم ذكرها فيما تقدم من البحث.

وهذا الأمر يُلغي أي مجال للشك أو الطعن في صحة هذه القصيدة أو نسبتها إلى أبي طالب عليه السلام، سواءً أكان ذلك كليًا أم جزئيًا، وذلك لأنها مروية بسند صحيح ومعروف.

2. علي بن حمزة البصري ثم البغدادي (ت375هـ) لغوي، أديب، من أصحاب المتنبي، ضيّفه علي بن


(1) صنعة المهزمي، ديوان ابي طالب بن عبد المطلب، تحقيق: محمد حسين ال ياسين: ص ٦٩. ومن الطريف ان نذكر ما رواه ابو هفان حول تربية ابي طالبعليه السلام لولده، قال: مرأبو طالب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعليعليه السلام عن يمينه وجعفر مع أبي طالب يكتمه اسلامه فضرب عضده وقال: اذهب فصِل جناح ابن عمك، وقال: ان عليا وجعفرا ثقتي عند احتدام الأمور والنوبأراهما عرضة اللقاء لذا ساميت أو أنتمي إلى حربلا تخذلا وانصرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم وأبيوالله لا أخذل النبي ولا يخذله من بني ذو حسب

صفحة 20

حمزة في بيته ببغداد حين زار المتنبي بغداد، وهو أول من جمعَ شعر المتنبي، فقيل له (راوية المتنبي)(1)، وديوانه مخطوط توجد منه نسخة في مكتبة آية الله العظمى البروجردي رحمه الله برقم568.

وقبل أن يروي لنا أشعار أبي طالب عليه السلام، استشهد علي بن حمزة بمجموعة من الأبيات التي نظمها أبو طالب عليه السلام، والتي وردت فيها ألفاظ مثل «محمدًا»، «الرسول»، و«النبي»، ليستدل بها على إيمان عم النبي صلى الله عليه وآله وصحة إسلامه، ثم أتبع ذلك بقوله: «وقوله ــ يعني أبا طالب عليه السلام ــ القصيدة الطويلة التي تعوذ فيها بالله وآلائه وحرمه وشرائع حجه، مما لا يشك من سمعها أن قائلها من أفاضل المسلمين».(2)

وقال ابن أبي الحديد : بعد أن أورد جملة من شعر أبي طالب عليه السلام: «فكل هذه لأشعار قد جاءت مجئ التواتر، لأنه إن لم يكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك، وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من


(1) مصطفى الشكعة (2007م). أبو الطيب المتنبي في مصر والعراقين، عالم الكتب: ص 61.

(2) ديوان أبي طالب بن عبد المطلب، تحقيق: محمد حسين ال ياسين: ص١٥٩.

صفحة 21

قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحاداً ، ومجموعها متواتر يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف. قالوا : واتركوا هذا كله جانباً: ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قِفَا نَبْكِ ؟ فإن جاز الشك فيها أو في شيء من أبياتها ، جاز الشك في: قفا نبك».(1)

وكلام ابن أبي الحديد لا يدع مجالا للشك في ثبوت القصيدة.

بقي الكلام في عدد أبياتها فقد قال العلامة الاميني رحمه الله: «هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته أربعة وتسعين بيتاً وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة. وذكر ابن كثير اثنين وتسعين بيتاً في تاريخه وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير».

وأضاف رحمه الله: «وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب ، في مائة وأحد عشر بيتاً ، ولعلها تمام القصيدة».(2)


(1) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2 ص315.

(2) الأميني، الغدير:ج7 / ص340.

صفحة 22

ظَرفُ لاميةِ أبي طالب عليه السلام

قال ابن إسحاق (ت151هـ): «فلما خَشي أبو طالب دهماء(1) العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مُسَلِّمٍ رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا تاركه لشيء أبداً ، حتى يهلك دونه».(2)

وتفصيل الكلام عن الطبرسي رحمه الله (ت548هـ)(3): فان قريشاً حين شاهدت آية الإسراء بمحمدصلى الله عليه وآله إلى بيت المقدس ازدادوا عُتوًّا وكفرا، فكتبوا صحيفة المقاطعة وفيها: «أن لا يواكلوا بني هاشم


(1) دهماء يعني: عامة الناس وجماعتهم.

(2) ابن هشام، السيرة النبوية: ص199، طبعة مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، بمصر، تحقيق وضبط وتعليق : محمد محيي الدين عبد الحميد. وابن كثير، السيرة النبوية: ج1 / ص486، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان 1976م. قال ابن حجر: «قالها لما تمالأت على النبي صلى الله عليه وآله ونفَّروا عنه من يريد الإسلام» فتح الباري : ج3 / ص442.

(3) استفاد الطبرسيرحمه الله في كتابه من مرويات أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي في السيرة النبوية «المبدأ والمبعث والمغازي»، وهو من كبار أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وكبار الفقهاء والمحدِّثين.

صفحة 23

ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجوا إليهم ولا يحضروا معهم حتى يدفعوا محمدا إليهم فيقتلونه ، وأنهم يد واحدة على محمد صلى الله عليه وآله ليقتلوه غيلة أو صراحا».(1)

ثم قال: «وختموا الصحيفة بأربعين خاتما ختمه كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة ، وتابعهم أبو لهب على ذلك». (2)

فخرج إليهم أبو طالب عليه السلام مهددًا إياهم بشأن ابن أخيه.

«وحَصَّن الشِّعب ، وكان يحرسه باللَّيل والنهار ، فإذا جاء اللَّيل يقوم بالسَّيف عليه، ورسول اللهصلى الله عليه وآله مُضطجع ثم يُقيمه ويُضجعه في موضع آخر ، فلا يزال الليل كُله هكذا ، ويوكل وُلدَه وَوُلدَ أخيه به يحرسونه بالنهار، وأصابهم الجُهد.

وكان من دخل من العَرب مكة لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئا، ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله.

وكان أبو جهل ، والعاص بن وائل السهمي ، والنَّضر بن الحارث بن كَلدة ، وعُقبة بن أبي معيط


(1) الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1 ص 125.

(2) الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى: ج1 / ص 126.

صفحة 24

يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكة ، فمن رأوه معه مِيرة (1) نَهوه أن يَبيع من بني هاشم شيئا ، ويحذِّروه إن باع شيئا منهم أن ينهبوا ماله ».(2)

«وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج في كل موسم ــ يعني موسم الحج ــ فيدور على قبائل العرب فيقول لهم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة) وأبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه فإنه ابن أخي وهو كذاب ساحر.

فلم تزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم ، ولا يشترون ولا يبايعون إلا في الموسم.

فأصاب بني هاشم الجُهد وجاعوا .

وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمدا حتى نقتله ونملكك علينا ، فقال : أبو طالب قصيدته الطويلة اللامية التي يقول فيها :

فلما رأيت القوم لا ود فيهم

وقد قطعوا كُلَّ العُرى والوسائل

فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه».(3)

أقول: ولا يبعد أن بعض أبيات هذه القصيدة


(1) الطعام.

(2) الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى: ج1 / ص 127.

(3) المصدر نفسه.

صفحة 25

الطويلة ربما قيلت في فترات زمنية متفرقة قبل هذه الحادثة أو بعدها.

ويُستفاد من النص المتقدم عن الطبرسي رحمه الله أن قريشاً المشركة، حين عجزت عن مجاراة منطق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بآيات ربه، لجأت إلى خيار العنف والتَّصفية، وقررت قتله للتخلص من دعوته. ولولا موقف أبي طالب عليه السلام ومعه بني هاشم في حماية النبي صلى الله عليه وآله ، لتمكنت قريش من تنفيذ مخططها منذ ذلك العهد المبكر.

إلا أن ممارسات قريش لم تقتصر على التكذيب والتعذيب، بل توسعت لتشمل حملات اعلامية ممنهجة تهديف إلى التشويه، حيث أطلقت على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مختلف التُّهم الباطلة، فوَصفوه بالشّاعر والمجنون والـمَسحور، واتهموه بالكذب وزعموا أن هناك من يُعلِّمه.

ولم تكتفِ قريش بهذه الافتراءات داخل مكة، بل سعت إلى نشرها بين قبائل العرب بهدف صد الناس عنه وإبعادهم عن الاستماع إليه أو اتباعه.

فأشاعوا الخوف في قلوب العرب من النبي صلى الله عليه وآله (فوبيا) حتى أنهم كانوا يأمرون أحلافهم بأن يضعوا في آذانهم القطن كي لا يستمعون إلى تلاوة

صفحة 26

النبي صلى الله عليه وآله القرآن الكريم؛ مدعين بأنه يسحر من يسمعه.(1)

وكان الغرض من إيجاد هذه الأجواء الإعلامية والأرضية المناسبة لإخراج النبي صلى الله عليه وآله وأبي طالب عليه السلام وجميع بني هاشم من مكة.

قال العلامة الشيخ علي الكورانيرحمه الله: «يكشف شعر أبي طالب عليه السلام عن أمور وأحداث في السيرة النبوية لم يسجِّلها الرواة والمؤلفون، أو عتَّموا عليها، فمنها أن قريشاً قررت إجلاء بني هاشم من مكة إن لم يسلموهم النبي صلى الله عليه وآله ليقتلوه! وعملوا لتنفيذ ذلك فأحبطه (قال) أبو طالب عليه السلام:

كذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نُبْزَى مُحَمّدًا

وَلَمّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلٍ

وَنُسْلِمُهُ حَتّى نُصْرَعَ حَوْلَهُ

وَنَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالحَلائِلِ

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَتْرُكُ مَكّةً

وَنَظْعَنُ إلا أَمْرُكُمْ فِي بَلابِل»(2)

ومع هذا الترويج الإعلامي المكثف الذي قادته قريش، خشي أبو طالب عليه السلام من تنفيذ قريش مخططهم ضدّه وضدّ النبي صلى الله عليه وآله، لذا، قرر أن يعلن موقفه بوضوح وحزم، مستخدماً الشِّعر كسلاح


(1) كما في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي.

(2) الكوراني، السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام: ج1 / ص246.

صفحة 27

لمواجهة إعلام قريش المضلِّل، إذ كان الشِّعر آنذاك الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيراً.

المعاني الـمُضمَّنةُ في اللامية

1. تَعوُّذ أبو طالب عليه السلام (أي: التِجائه و استجارته) بالله تعالى ربُّ البيت مما أَلَـمَّ به من أذى وسوء ومقاطعة وتحامل اجتماعي على مستوى قبائل الجزيرة العربية اثر نصرة النبي صلى الله عليه وآله يقول:

أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طاعِن

عَلِيْنا بِسُوء أَوْ مُلِحٍّ بِباطِلِ

ومِنْ كاشِح يَسْعى لَنا بِمَعيبَة

ومِنْ مُلحِق في الدِّين مالَمْ نُحاوِلِ

وهذه الأبيات إلى جانب كونها تضرع إلى الله تعالى وشكوى إليه بالألم؛ تظهر إيمانه بالله تعالى الأحد الفرد الصمد وبحرمة البيت وبسنن إبراهيم عليه السلام.

وقد أعقب أبو طالب عليه السلام هذا التعوذ بقوله «إن الله ليس بغافل».

2. كما أن أبيات القصيدة تكشف بوضوح عن حقيقة ممارسات قريش ضد النبي عليه السلام، فأبو طالب عليه السلام يبين أنَّ عداءهم لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن على حجَّة أو منطق، بل إن دافع هذا العداء هو البَغي والظُّلم والحسد ومخالفة الحق، فرجالات قريش

صفحة 28

الكفّار لم يعارضوا دعوة النبي صلى الله عليه وآله لأنها باطلة أو غير مقبولة، بل لأنها تُشكِّل تهديدًا لمصالحهم الدنيوية:

لقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكذَّبٌ

لَدَيْنا، ولا يُعْنى بِقَوْلِ الأباطِلِ

3. كشفت هذه الأبيات زيف ادعاءات قريش أمام الناس، وأظهرت أن ما تروِّجه من تُهم بحق النبي صلى الله عليه وآله لم يكن إلا أكاذيب مختلقة تهدف إلى تشويه صورته ودعوته صلى الله عليه وآله، لثني الناس عن الاستماع إليه واتباعه.

فقد أوضح أبو طالب عليه السلام في لاميته عداوة بطون قريش وأذاها وقطعها الرَّحم وتحالفها ضد بني هاشم، وقد وصفهم أبو طالب عليه السلام كما يلي:

– «طاعِنٍ بسوء»: أي يتقول بأقوال سيئة تطعن وتشكك فينا.

– «مُلحٍّ بباطل»: أي الإلحاح والإصرار على إلصاق الباطل بنا.

– «كاشح يسعى لنا بمعيبة»: اي شديد العداوة أو مضمر للعداوة الشديدة يبحث عن العيب ليفشيه في الناس ويُحقِّدهم علينا.

– «مُلحق في الدِّين ما لم نُحاول»: أي يكيل ضدنا

صفحة 29

التُّهم والأكاذيب بدين إبراهيم عليه السلام التي تحطِّم سمعتنا بين الناس.

4. بَيَّن أبو طالب عليه السلام في أبيات القصيدة أسلوبه في التعامل مع الأزمة التي صنعتها قريش وفيه جانب عميق من حكمته وبُعد نظره، وهو الصبر وحماية الرسول صلى الله عليه وآله، فلم يلجأ إلى رد العدوان بمثله، بل اختار الصَّبر الحليم في مواجهة العداوة، والتسامح في مواضع الأذى، مع ثبات لا يتزعزع على موقفه.

لقد حمل أبو طالب عليه السلام على عاتقه مسؤولية الإمساك بأمر بني هاشم خلال فترة الحصار في الشِّعب، كحماية لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأيضًا كوسيلة لدرء سفك الدماء، بأسلوب يُحبط مخططات قريش دون أن يمنحها ذريعة للتمادي، فجمع بين الحزم والحكمة، فكان سَدًّا منيعًا في وجه المؤامرات، ودرعًا يحمي الدعوة إلى الله من قبل أن تُجهَض في مهدها.

صَبرتُ لَهم نَفْسِي بِسَمْراءَ سَمْحَة

وأَبْيَضَ عَضْب مِنْ تُراثِ المَقاوِلِ

5.وصف أبو طالب عليه السلام البلد الحرام وما فيه من المواضع المشرفة بلسان صادق لم يُسمع مثله، فبدأ بذكر الجبال الثلاثة في مكة: ثَوْر وثَبير وحِراء، ثم

صفحة 30

البيت وما فيه من الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام وسائر الأماكن المشرفة في عرفة وجُمَع ومِنى وما فيها وذكر بعض النُّسك ومعانيها.

6. سلط أبو طالب عليه السلام الضوء في شعره على المكانة الرفيعة للنبي عليه السلام، مبرزًا كريم صفاته وسمو أخلاقه وعناية الله تعالى به، ومؤكدًا أنه لا مجال للشك أو الارتياب في صدقه وصدق رسالته.

7.في هذه الأبيات، يعكس أبو طالب عليه السلام ولاءه العميق للنبي صلى الله عليه وآله، ويؤكد إخلاصه التام له، متعهدًا بعدم التخلي عنه تحت أي ظرف كان، مهما بلغت التَّحديات أو عَظُمت التَّضحيات. فهو لا يُعبّر عن مجرد التزامٍ عاطفي أو ديني فحسب، بل يتعداه إلى موقف وجودي حاسم، حيث يضع النبي صلى الله عليه وآله في صدارة أولوياته، مقدمًا استعداده لفدائه بأغلى ما يملك، حتى لو اقتضى ذلك التضحية بنفسه وولده. هذه الكلمات ليست مجرد بلاغة شعرية، بل هي شهادة إيمان ووفاء تعبّر عن قيم النصرة والتضحية، والتي استمر حضورها فيما بعد بقوة في ذرية أبي طالب حتى وقعة كربلاء الدامية.

كان موقف أبي طالب عليه السلام في مواجهة قريش

صفحة 31

موقفًا فريدًا لا يستطيع أحد غيره القيام به، فهو خليفة عبد المطلب، الذي لقّبته العرب بـ «إبراهيم الثاني»، وابن سيد البطحاء الشريف المطاع، الذي كان صاحب منصب الرِّفادة والسِّقاية. وبفضل مكانته الرفيعة، كان لكلمته وزنٌ كبيرٌ بين العرب.

لذا كان لشعره هذا اثر كبير في الحيلولة دون تنفيذ مخطط قريش المشركة في إخراج النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم من مكة. ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً 76﴾ الإسراء/76.

هل استجاب الله تعالى استغاثة أبي طالب عليه السلام؟

يقول أبو طالب عليه السلام بعد أن يتعوَّذ ويتضرع إلى الله وهو يُمسك بوصائل بيته:

وبالبَيْتِ، حَقُّ البَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ

وبالله إِنَّ الله لَيْسَ بِغافِلِ

كان هدف تلك المقاطعة هو طرد بني هاشم ونفيهم من مكة لتَصفوا طاعة الناس لقريش المشركة في الدين عامة وأمر الحج والموسم خاصة وتثبت الزعامة الدينية بيدهم.

صفحة 32

يُطاعُ بِنا العُدّى، وَوَدُّوا لَوْ أَنَّنا

تُسَدُّ بنا أبوابُ ترك وكابُلِ(1)

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَتْرُكَ مَكَّةَ

ونَظْعَنُ إلاّ أمْرُكُمْ في بَلابِلِ

ولكن الله تعالى شاء أن يغيِّر الموقف بآية من سنخ آياته التي يعطيها لأصفيائه.

قال الطبرسي رحمه الله: فلما أتى لرسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابَّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، ونزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أبا طالب.

فقام أبو طالب عليه السلام ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه ، فلما بصروا به قالوا : قد ضجر أبو طالب وجاء الان ليسلم ابن أخيه.

فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا إليه وعظموه وقالوا : يا أبا طالب قد علمنا أنك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا وأن تسلم ابن أخيك إلينا!

قال: والله ما جئت لهذا ، ولكن ابن أخي أخبرني


(1) العُدّى جمع عاد من عدا عليه يعدو كما قالوا غاز وغُزَّى.

صفحة 33

ــ ولم يكذبني ــ أن الله أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابَّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله ، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلا دفعته إليكم فإن شئتم قتلتموه وإن شئتم استحييتموه.

فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة ــ وعليها أربعون خاتما ــ فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا: باسمك اللهم.

فقال لهم أبو طالب عليه السلام: يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه.

فتفرق القوم ولم يتكلم أحد ورجع أبو طالب عليه السلام إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها:

ألا من لهم آخر الليل منصب

وشعب العصا من قومك المتشعب

وخرج النبي صلى الله عليه وآله من الشعب ورهطه وخالطوا الناس.

ومات أبو طالب عليه السلام بعد ذلك بشهرين وماتت خديجة عليها السلام.

صفحة 34

يبرز النص السابق مشهدًا بالغ الدلالة، تتجلى فيه الاستجابة الإلهية لدعاء أبي طالب عليه السلام، الذي لجأ إلى الله تعالى بتضرع وخشوع، مستغيثًا به، ومعوذًا بحرم بيته الحرام، في لحظة اشتدت فيها المحنة وعظمت فيها المعاناة.

إن هذا الموقف يعكس إيمان أبي طالب عليه السلام ويقينه بالقضية التي يدافع عنها، وإدراكه بأن النصر والفرج لا يأتيان إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

وقد جاءت الاستجابة الإلهية بطريقة تحمل في طياتها دلالة عظيمة، إذ لم تكن مجرد إبطال لصحيفة الظلم والجور، بل كان ذلك بأسلوب كشف زيف قريش وفضح ظلمها، من خلال تلك الدودة الصغيرة التي أكلت الصحيفة وأتت على كل ما كتب فيها من قطيعة رحم وظلم وجور، ولم تبقَ إلا ذكر اسم الله.

إن هذه الحادثة لم تكن مجرد واقعة تاريخية، بل هي تجلٍّ لقانون إلهي أزلي يقضي بأن الباطل، مهما اشتد وتجبَّر، فإن مصيره إلى زوال، وأن كلمة الله تبقى هي العليا، وأن الجحود والطغيان يحمل في داخله عوامل فنائه.

صفحة 35

ولا نحتاج إلى التَّعمُّق في دوافع أبي طالب عليه السلام في نصرة النبي صلى الله عليه وآله بعد معرفة أنه من الأمة المسلمة التي ذكرها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في دعائهما: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾(1) وهو من الأوصياء الذين وصفهم علي عليه السلام: «كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ».(2)

مُلخَّص ما سبق

تناولنا فيما سبق الدور المحوري لأبي طالب عليه السلام في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله والدفاع عنه أمام قريش، حيث تحمَّل المعاناة والحرمان خلال حصار الشِّعب، ولم يكن موقفه مجرّد عاطفة القرابة، بل كان تعبيرًا عن إيمان راسخ برسالة النبي صلى الله عليه وآله، وقد جاءت قصيدته اللامية لتعكس هذا الالتزام، حيث أكد فيها استعداده للتضحية بحياته فداءً للنبي صلى الله عليه وآله وحفاظا على رسالته.

أبرز المحاور التي ناقشناها:

1. موقف أبي طالبعليه السلام في نصرة النبي صلى الله عليه وآله:


(1) البقرة/128.

(2) نهج البلاغة الخطبة رقم 94.

صفحة 36

o رأينا كيف جسّد أبو طالب عليه السلام العهد الإلهي للأنبياء السابقين في حماية النبي صلى الله عليه وآله والدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة.

o وقف صامدًا في وجه قريش، وشارك النبي صلى الله عليه وآله في حصار الشعب لثلاث سنوات دون أن يتزعزع.

2. شعره كوثيقة تاريخية:

o اكتشفنا أن لاميَّته تُعدُّ من أعظم القصائد العربية، بل إنها تفوقت على المعلقات السَّبع في البَلاغة والقوَّة.

o إن كبار المؤرِّخين مثل ابن إسحاق، وابن هشام، وابن كثير وغيرهم، استشهدوا بها كدليل على مواقفه المبدئية.

3. الرسائل المضمَّنة في شعره:

o تعكس أبيات القصيدة مظلومية النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم، حيث سلط الضوء على اضطهاد قريش لهم.

o إن معارضة قريش للنبي صلى الله عليه وآله لم تكن قائمة على حجج منطقية، بل على الحسد والعدوان والمصالح الشَّخصية.

صفحة 37

o توقفنا عند حكمة أبي طالب عليه السلام في إدارة الأزمة، فقد جمع بين الحزم والصبر دون اللجوء إلى المواجهة الدَّموية.

o وجدنا أن أبا طالب عليه السلام هو أصدق لسان في وصف النبي صلى الله عليه وآله والإبانة عن صفاته الأخلاقية.

4. دور أبي طالبعليه السلام في إحباط مخططات قريش:

o بيّنا كيف حاولت قريش عزل النبي صلى الله عليه وآله أو تصفيته، لكن أبو طالب عليه السلام كان العقبة التي منعت تنفيذ مخططاتهم.

o رأينا كيف استخدَم الشعر كسلاح ضد إعلام قريش المضلِّل، فكان سلاحه الأقوى في مواجهة إعلامهم المغرض.

o لفتنا النظر إلى أن تعوّذه بالله في شعره يكشف عن إيمانه العميق بالله وأنبيائه.

5. معجزة الدودة التي أبطلت الصحيفة:

o وضّحنا أن الله تعالى استجاب لدعاء أبي طالب عليه السلام عندما بعث دودة أكلت صحيفة قريش الظالمة، ولم تُبقِ إلا اسم الله سبحانه وتعالى.

o أشرنا إلى أن هذا الحدث كان نقطة تحوّل

صفحة 38

حاسمة مكّنت بني هاشم والنبي صلى الله عليه وآله من الخروج من الحصار.

في النهاية، توصلنا إلى أن أبا طالب عليه السلام لم يكن مجرد عمٍّ محبٍّ للنبي صلى الله عليه وآله، بل كان شخصية رسالية انتهت إليه وصية إبراهيم عليه السلام من خط إسماعيل عليه السلام وكان الحجر الأساس في الدفاع عن الإسلام في مراحله الأولى، وقصيدته تُعد شهادة تاريخية حية على موقفه الرِّسالي، وهي واحدة من أعظم ما قيل في نصرة النبي صلى الله عليه وآله.

قال النبي صلى الله عليه وآله في حقه: «ما نالت مني قريشٌ شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب».(1)


(1) السيرة النبوية، ابن هشام: ج 1/ ص 417.

صفحة 39

نَصُّ اللامية

وفيما ما تيسر اختياره من شعر أبي طالب عليه السلام (1):

خَليلَيَّ ما أُذُنِي لأوَّلِ عاذلٍ

صَغواءَ في حَقٍّ ولا عِنْدَ باطِلِ(2)

خَليلَيَّ إِنَّ الرِّأْيَ لَيْسَ بِشِرْكَةٍ

ولا نَهْنَه عِنْدَ الأُمورِ البَلابِلِ(3)


(1) ابن هشام ، السيرة: ج1 / ص272ـ280. وقد أوردنا النص مع الشرح من كتاب السيرة النبوية للعلامة السيد سامي البدري مع بعض التصرف.

(2) خَليلَـيَّ: مثنى خليل (خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي ص208 ). تعبير عن مشاعره بطريقة مؤثرة لان شعره سوف لن يستمع إليه العدو ولا يتفكر فيه بل الصديق المحب. عاذل: يعني كثير اللوم والانتقاد، الصغو: الميل. وأصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه. فان قريشا قد أكثرت العتاب على أبي طالب في نصرته للنبيعليه السلام.

(3) أراد ان الرأي الجيد يكون بمشاركة العقلاء، فإن لم يتشاركوا: بأن كانوا متباغضين لم ينتج شيئا والرأي ما لم يتخمر في العقول كان فطيراً. والنهنه بنونين وهاءين كجعفر: المضى والنيّر الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها وأصله الثوب الرقيق النسج، ومن شأنه ان لا يمنع النظر إلى ما وراء، وهـو معطوف على شركة. والبلابل اما جمع بلبلة بفتح الباءين، او جمع بلبال بفتحهما، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر، كزلازل جمع زلزلة وزلزال بالفتح، وهو اما على حذف مضاف أي ذات البلابل، او انها بدل من الامور.

صفحة 40

وَلَـمَّا رَأَيْتُ القَوْمَ لا وُدَّ فيهِمُ

وقَدْ قَطَعُوا كُلَّ العُرى وَالوَسائِل(1)

وَقَدْ صارَحُونا بالعَدواةِ وَالأَذى

وَقَدْ طاوَعُوا أَمْرَ العَدوَّ المُزايِل(2)

وَقَدْ حالَفُوا قَوْماً عَلَيْنا أَظِنَّةً

يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنا بِالأَنامِلِ(3)

صَبَّرتُ لَهم نَفْسِي بِسَمْراءَ سَمْحَة

وأَبْيَضَ عَضْب مِنْ تُراثِ المَقاوِلِ(4)


(1) أراد بالقوم مشركي قريش، وعلى نحو الخصوص أراد من انحرف من بني عبد مناف. والعُرا: جمع عروة وهي معروفة، وأراد بها هنا ما يتمسك به من العهود مجازا و الوسائل: جمع وسيلة وهي ما يتقرب به.

(2) صارحونا: كاشفونا بالعداوة صريحا، والمزايل: اسم فاعل من زايله مزايلة وزيالا: فارقه وباينه وإنما يكون العدو مفارقا إذا صرح بالعداوة فلا تمكن العشرة. ومن قال: المزايل: المعالج، وظنه من المزاولة لم يصب.

(3) التحالف: التعاهد والتعاقد على أن يكون الأمر واحداً في النصرة والحماية، وبينهما حلف أي عهد، والحليف: المعاهد. والأظنة جمع ظنين، وهو الرجل المتهم، والظنة بالكسر: التهمة.

(4) الصبر: الحبس. والسمراء: القناة. والسمحة: اللينة التي تسمح بالهز والانعطاف. والأبيض: السيف، والعضب: القاطع. والمقاول: جمع مقول بكسر الميم: الرئيس، وهو دون الملك، كذا في المصباح عن ابن الانباري، وقال السهيلي في الروض الانف: أراد بالمقاول آباءه، شبههم بالملوك، أقول: وفي لسان العرب القيل والمقول الملك سمي بذلك لأنه نافذ القول والأمر.

صفحة 41

وأَحْضَرْتُ عِنْدَ البَيْتِ رَهْطي وإِخْوَتِي

وأَمْسَكْتُ مِنْ أَثْوابِهِ بِالوَصائِلِ(1)

قِياماً مَعاً مُسْتَقْبِلينَ رِتاجَهُ

لَدى حَيْثُ يِقْضي حَلْفَهُ كُلُّ نافِل(2)

أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طاعِن

عَلِيْنا بِسُوء أَوْ مُلِحٍّ بِباطِلِ(3)

ومِنْ كاشِح يَسْعى لَنا بِمَعيبَة

ومِنْ مُلْحِق في الدِّين مالَمْ نُحاوِلِ(4)

وثَور ومَنْ أَرْسَى ثَبيراً مَكانَهُ

وَراق لِبِر في حِراءَ ونازِلِ(5)

وبالبَيْتِ، حَقُّ البَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ

وبالله إِنَّ الله لَيْسَ بِغافِلِ

وبالحَجَرِ المُسْوَدِّ إِذْ يَمْسَحونَهُ

إذِ اكْتَنَفُوهُ بالضُحى والأَصائِلِ(6)


(1) الوصائل: ثياب مخططة يمانية كان البيت يكسى بها.

(2) الرتاج: الباب العظيم، والنافل: فاعل من النافلة وهو التطوع. وفي ديوان أبي هفان: حيث يَقضي نُسكه كل قافِل.

(3) مُلِحّ: اسم فاعل من الح َّعلى الشيء: اذا اقبل عليه مواظباً.

(4) المعيبة: العيب والنقيصة.

(5) ثور: معطوف على رب الناس. وهو وثبير وحراء، جبال بمكة. والبر: خلاف الإثم. وهو رواية ابن إسحاق وغيره، أَقسَم بطالب البـر بصعوده في حراء للتعبد فيه وبالنازل منه.

(6) الأصائل جمع أصيلة والأصيلة: لغة معروفة في الأصيل. وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب.

صفحة 42

وَمَوْطِئِ إِبْراهيمَ في الصَّخْرِ رَطْبَةً

عَلى قَدَمَيْهِ حافِياً غَيْرَ ناعِلِ(1)

ومَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مِنْ كُلِّ راكِب

ومِنْ كُلِّ ذِي نَذْر ومِنْ كُلِّ راجِلِ

فَهَلْ بَعْدَ هذا مِنْ مَعاذ لِعائِذ

وَهلْ مِنْ مُعيذ يَتَّقي اللهَ عاذِلِ(2)

يُطاعُ بِنا العُدّى، وَوَدُّوا لَوْ أَنَّنا

تُسَدُّ بنا أبوابُ ترك وكابُلِ(3)

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَتْرُكَ مَكَّةَ

ونَظْعَنُ إلاّ أمْرُكُمْ في بَلابِلِ(4)

كَذَبْتُم وبَيْتِ اللهِ نُبْزى مُحمَّداً

ولـمّا نُطاعِن دُونَه ونُناضِلِ(5)


(1) موطئ إبراهيم عليه السلام: هو موضع قدمه على الصخرة وجعلها الله تعالى آية. وفي نسخة ابي هفان: بدل رطبة، وطأة.

(2) المعاذ بالفتح: اسم مكان من عاذ فلان بكذا، إذا لجأ إليه واعتصم به. والمعيذ: اسم فاعل من أعاذه بالله أي عصمة به. وعاذل: صفة معيذ، بمعنى غير جائر.

(3) العُدّى جمع عاد من عدا عليه يعدو كما قالوا غاز وغُزَّى.

(4) أي والله لا نترك مكة ولا نظعن منها، لكن أمركم في هموم ووساوس صدر.

(5) الواو للقسم وفي قوله (وبيت الله)، ونُبزى جواب القسم على تقدير لا النافية، فإنّها يجوز حذفها في الجواب كقوله تعالى: (تالله تفتؤ) أي لا تفتؤ. ونبزى بالبناء للمفعول، أي نُغْلَب ونقهر عليه، يقال أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره، كذا في الصحاح. ولـمّا: نافية جازمة، والجملة المنفية حال من نائب فاعل نبزى. والطعن يكون بالرمح، والنضال يكون بالسهم.

صفحة 43

ونُسْلِمُه حتى نُصرَّعَ حَوْلَهُ

ونَذهَلُ عَنْ أَبْنائِنا والحَلائِلِ(1)

وينْهَضَ قَوْمٌ في الحَديدِ إليْكُمُ

نُهوضَ الرَّوايا تَحْتَ ذاتِ الصَّلاصِل(2)

وحتَّى نَرَى ذَا الضِّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ

مِنَ الطَّعْنِ فِعْلَ الأَنْكَبِ المُتَحامِلِ(3)


(1) ونسلمُه بالرفع معطوف على نبزى، أي لا نسلمه، من أسلمه بمعنى سلَّمه لفلان، أو من أسلمه بمعنى خذله. ونصرَّع ونُذهل بالبناء للمفعول. والحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة.

(2) ينهض بفتح الياء وهو منصوب معطوفاً على نصرع، والنهوض في الحديد عبارة عن لبسه واستعماله في الحرب. والروايا: جمع راوية، وهو البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه. وذات الصلاصل هي المزادة التي ينقلب فيها الماء، وتسميها العامة الراوية. والصلاصل: جمع صلصلة بضم الصادين وهي بقية الماء في الاداوة. يريد: ان الرجال مثقلين بالحديد كالجمال التي تحمل المياه مثقلة، شَبَّه قعقعة الحديد بصلصلة الماء في المزادات.

(3) نرى بالنون من رؤية العين. والضغن بالكسر الحقد. وجملة يركب حال من مفعول نرى، يقال للقتيل. ركب ردعه: اذا خر لوجهه على دمه. والردع بفتح الراء وسكون الدال: اللطخ والأثر من الدم والزعفران. ومن الطعن متعلق بيركب. والأنكب: المائل إلى جهة، وأراد كفعل الانكب، والمتحامل بالمهملة: الجائر والظالم. وفي ديوان أبي هفان: وحتى يرى ذو البغي يكب ردعهمن الضغن فعل الانكب المتحامل

صفحة 44

وإنَّا لَعْمرُ اللهِ إِنْ جَدَّ ما أَرَى

لَتَلْتَبِسَنْ أسْيافَنا بالأماثِل(1)

بِكَفَّيْ فَتىً مِثْلُ الشِّهابِ سَمَيْدَع

أَخِي ثِقَة حامِي الحَقيقَةِ باسِلِ(2)


(1) عمر الله مبتدأ والخبر محذوف أي قسمي، وجملة لتلتبسن جواب القسم، والجملة القسمية خبر ان. وقوله ان جد ان شرطية، وجد بمعنى لج ودام وعظم، وما موصولة، وأرى من رؤية البصر، والمفعول محذوف وهو العائذ، وجواب الشرط محذوف وجوباً لسد جواب القسم محله. والالتباس: الاختلاط والملابسة، والنون الخفيفة للتوكيد، وأسيافنا فاعل تلتبس. والأماثل: الأشراف، جمع امثل. والمعنى ان دام هذا العناد الذي اراه تنل سيوفنا أشرافكم.

(2) بكفي: تثنية كف، والباء متعلقة بقوله تلتبس. وقوله: مثل الشِّهاب، يريد انّه شجيع لا يقاومه أحد في الحرب، كأنّه شعلة نار يحرق من يقرب منه. والسَّميدع بفتح السين، السيِّد الموطأ الأكناف. قال المبرد في أول الكامل: معنى موطأ الأكناف: ان ناحيته يتمكن فيها صاحبها. والثقة: مصدر وثِقت به اثِق: إذا اتمنته والأخ يستعمل بمعنى الملازم والمداوم. والحقيقة: ما يحق على الرجل ان يحميه. والباسل: الشجيع الشديد الذي يمتنع ان يأخذه أحد في الحرب، والمصدر البسالة، وفعله بسُل بالضم. قال البغدادي: وقد حقق الله ما تفرسه أبو طالب يوم بدر. قال العلامة السيد سامي البدري: على يد علي بن ابي طالب عليه السلام خاصة حيث قتل نصف قتلى قريش في بدر وقد شارك المسلمين في النصف الاخر ولقد كان أبو طالب عليه السلام على عِلْم بالتّقدير الإلهي أنَّ ناصر النبي صلى الله عليه وآله هو ولده علي عليه السلام والأوصاف في البيت لا تنطبق إلا على علي عليه السلام، وقد كان أهل الكتاب أيضا يعلمون أنَّ الله تعالى سيُؤيِّد النبي صلى الله عليه وآله المكي بعلي عليه السلام (أنظر حديث أبي طالب عليه السلام مع فاطمة بنت أسد في قصة ولادة النبي صلى الله عليه وآله وأيضاً قصة خيبر من هذا الكتاب). وقد ورد اسم علي عليه السلام مقرونا باسم النبي صلى الله عليه وآله في انجيل يوحنا الاصحاح الأول الفقرة 19.

صفحة 45

وَما تَرْكُ قَوم لا أبا لكَ، سَيِّداً

يحوطُ الذِّمارَ غَيْرَ ذَرْب مُواكِلِ(1)

وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ

ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ(2)


(1) ما استفهامية تعجبية مبتدأ عند سيبويه وترك خبر المبتدأ، وعند الاخفش بالعكس. وقوله: لا أبا لك يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الاول: ان يراد نفي نظير الممدوح بنفي ابيه، ووجه الثاني: ان يراد انّه مجهول النسب، والمعنيان محتملان هنا. والسيد من السيادة وهو المجد والشرف. وحاطه يحوطه حوطا. رعاه وفي الصحاح: (وقولهم فلان حامي الذمار، أي اذا ذمر وغضب حمي، وفلان امنع ذماراً من فلان. ويقال الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه ان يحميه، لانّهم قالوا: حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة. وسمي ذماراً لأنه يجب على اهله التذمر له، وسميت حقيقة لانه يحق على أهلها الدفع عنها. وظل يتذمر على فلان: اذا تنكر له وأوعده). والذرب بفتح الذال المعجمة وكسر الراء، لكنه سكنه هنا، وهو الفاحش البذي اللسان. والمواكل: اسم فاعل من واكلت فلاناً مواكلة: اذا اتكلت عليه واتكل هو عليك ورجل وكل بفتحتين، ووكلة كهمزة، وتكلة، أي عاجر بكل امره إلى غيره ويتكل عليه.

(2) أبيض: معطوف على سيد المنصوب بالمصدر قبله، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، وهكذا أعربه الزركشي في نكته على البخاري المسمى بالتنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، وقال: لا يجوز غير هذا وتبعه ابن حجر في فتح الباري، وكذلك الدماميني في تعليق المصابيح على الجامع الصحيح، وفي حاشيته على مغني اللبيب ايضا. وزعم ابن هشام في المغني: ان ابيض مجرور برب مقدرة وانها للتقليل، والصواب الأول، والأبيض هنا بمعنى الكريم. قال السمين في عمدة الحافظ: عبر عن الكرم بالبياض، فيقال: له عندي يد بيضاء أي معروف، واورد هذا البيت. والبياض اشرف الالوان، وهو اصلها اذ هو قابل لجميعهاوقد كُنِّيَ به عن السرور والبِشر، وبالسواد عن الغم، ويستسقى بالبناء للمفعول، والجملة صفة ابيض. والثمال: العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي. والعصمة: ما يعتصم به ويتمسك، قال الزركشي: يجوز فيهما النصب والرفع. والأرامل جمع أرملة وهي التي لا زوج لها، لافتقارها إلى من ينفق عليها، وقال ابن السكيت: الأرامل: المساكين رجالاً كانوا او نساء.آل السهيلي في الروض الانف ج1 ص179: (فإن قيل: كيف قال ابو طالب: وابيض يستسقي الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقى به، انما كانت استسقاءاته عليه الصلاة والسلام بالمدينة في سفر وحضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له؟ فالجواب: انّ أبا طالب قد شاهد ذلك في حياة عبد المطلب ما دله على ما قال) انتهى. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه! فقال له بعض أصحابه: كأنّك يا رسول الله أردت قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل، قال: أجل.

صفحة 46

يَلوذُ بِهِ الهُلاّكُ مِنْ آلِ هاشِم

فَهُمْ عِنْدَهُ في رَحْمَة وفَواضِلِ(1)

جَزَى اللهُ عَنّا عَبْدَ شَمْس وَنَوْفَلاً

عُقوبَةَ شَرٍّ عاجِلاً غَيْرَ آجِلِ(2)

بِميزانِ قِسْط لا يُخِسُّ شَعيرَةً

لَهُ شاهِدٌ مِن نَّفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ(3)


(1) يلوذ صفة اخرى لموصوف سيد. والهلاك: الفقراء والصعاليك الذي ينتابون الناس طلباً لمعروفهم من سوء الحال! وهو جمع هالك.

(2) نوفل هو ابن خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وهو ابن العدوية، وكان من شياطين قريش، قتله علي عليه السلام يوم بدر.

(3) بميزان متعلق بجزى الله. والقسط بالكسر: العدل. وخسَّ يَخَس من باب ضرب: اذا نقص وخف وزنه فلم يعادل ما يقابله. وله أي للميزان، شاهد أي لسان من نفسه، أي من نفس القسط، غير عائل صفة شاهد أي غير مائل، يقال عال الميزان يعول: اذا مال.

صفحة 47

ونَحْنُ الصَّميمُ مِنْ ذُؤابةِ هاشِم

وآلُ قُصَيّ في الخُطوبِ الأوائِلِ(1)

وسَهْمٌ ومَخْزومٌ تمالَوْا وألَّبوا

عَلَيْنا العِدا مِن كُلِّ طِمْل وخامِلِ(2)

ورهطُ نُفَيْل شَرُّ مَن وَطِئَ الحَصى

والأمُّ حاف مِن مَّعَدٍّ وناعِلِ

فأَبْلِغْ قُصيّاً أنْ سَيُنْشَرُ أمْرُنا

وبشِّرْ قُصيَّاً بَعْدَنا بالتَّخاذُلِ(3)

فكلُّ صديق وابنِ أُخْت نَعِدُّه

لَعَمْري وَجَدْنا غِبَّهُ غيرَ طائِلِ(4)

سِوى أنَّ رَهْطاً مِن كِلابِ ابن مُرَّة

بُراءٌ إليْنا مِن مَعَقَّةِ خاذِلِ(5)


(1) الصميم: الخالص من كل شيء. والذؤابة: الجماعة العالية، وأصله الخصلة من شعر الرأس.

(2) ألبوا: اجتمعوا، والطمل: الرجل الفاحش.

(3) قال العلامة السيد سامي البدري: قوله (سينشر أمرنا) الأمر هنا هو رسالة النبي صلى الله عليه وآله، ويفيد هذا البيت أنَّ أبا طالب عليه السلام كان على يقين أن رسالة النبي صلى الله عليه وآله سوف تنتشر وتبوء كل محاولات قريش بالخذلان والبيت يؤكد أيضا إيمان أبي طالب عليه السلام برسالة النبي صلى الله عليه وآله.

(4) الغِب بالكسر: العاقبة. ويقال هذا الأمر لا طائل فيه،اذالم يكن فيه غناء ومزية، مأخوذ من الطول بمعنى الفضل.

(5) قال السهيلي: (يقال قوم براء بالضم وبراء بالفتح وبراء بالكسر: فأما براء بالكسر فجمع برى مثل كريم وكرام، واما براء فمصدر مثل سلام، والهمزة فيه وفي الذي قبله لام الفعل، ويقال رجل براء ورجلان براء وإذا كسرتها او ضممت لم يجز الا في الجمع، وأما براء بضم الباء فالأصل فيه برآء مثل كرماء واستثقلوا اجتماع الهمزتين فحذفوا الأولى، وكان وزنه فعلاء فلما حذفوا التي هي لام الفعل صار وزنه فعاء وانصرف لأنه أشبه فعالا). والمعقة بفتح الميم: مصدر بمعنى العقوق.

صفحة 48

ونِعْمَ ابنُ أُخْتِ القَوْمِ غيرَ مُكَذَّب

زُهَيْرٌ حُساماً مُفْرداً مِنْ حَمائِلِ(1)

أشَمُّ مِنَ الشُّمِّ البَهاليلِ يَنْتَمي

إلى حَسَب في حَوْمَةِ المَجْدِ فاضِلِ(2)

لَعَمري لَقَدْ كُلِّفتُ وَجداً بأحمد

وإخْوَتِهِ دَأبَ المُحِبِّ المُواصِلِ(3)


(1) قال ابن هشام في السيرة: (زهير هو ابن أبي امية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وامه: عاتكة بنت عبد المطلب) انتهى. وزهير هو المخصوص بالمدح مبتدأ، وجملة نعم ابن أخت القوم هو الخبر وغير مكذب بالنصب حال من فاعل نعم وهو ابن. والحسام: السيف القاطع وهو منصوب على المدح بفعل محذوف أي يشبه الحسام المسلول في المضاء، والمفرد: المجرد. والحمائل: جمع حمالة وهي عُلاقة السيف.

(2) الشَّمَم: ارتفاع في قصبة الانف مع استواء اعلاه، وهذا مما يمدح به، وهو اشَم من قوم شُمّ، والبهاليل: جمع بهلول بالضم، والبهلول من الرجال: هو الحيي الكريم.

(3) كلفت بالبناء للمفعول والتشديد: مبالغة كلفت به كلفا من باب تعب: اذا أحببته وأولعت به، وأراد أبو طالب بإخوة النبي صلى الله عليه وآله: أولاده جعفراً وعقيلاً وعلياً رضى الله عنهم، فإن أبا طالب كان عم النبي صلى الله عليه وآله، والعم أب فأولاده إخوة النبي صلى الله عليه وآله (أقول: مضافا الى انه تربى معهم في بيت واحد فهو أخوهم). ودأب مصدر منصوب بفعله المحذوف أي ودأب المحب، يقال فلان دأب فيعمله: اذا جد وتعب.

صفحة 49

فلا زالَ في الدُّنْيا جَمالاً لأهْلِها

وزَيْناً لِمَنْ والاهُ ذَبُّ المَشاكِلِ(1)

فَمَنْ مِثْلُهُ في النّاسِ أىُّ مُؤَمَّلٌ

إذا قاسَهُ الحُكّامُ عِنْدَ التَّفاضُلِ(2)

حَليمٌ رَشيدٌ عادِلٌ غُيْرُ طائِش

يُوالي إلهاً ليسَ عَنْهُ بِغافِلِ(3)

فأيَّدَه رَبُّ العِبادِ بِنَصْرِهِ

وأظهَرَ ديناً حَقُّه غَيرُ باطِلِ(4)

لقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكذَّبٌ

لَدَيْنا، ولا يُعْنى بِقَوْلِ الأباطِلِ(5)

ولا شَك أنَّ اللهَ رافعُ أمرِهِ

ومُعليه في الدُّنيا ويوم التَّجادُل


(1) الذب: الدفع، والمشاكل: جمع مشكلة. وفي ديوان ابي هفان: وزينا على رغم العدو المخابل.

(2) (أي) هي الدالة على الكمال، خبر مبتدأ محذوف أي هو، والمؤمل الذي يرجى لكل خير: والتفاضل بالضاد المعجمة، وهو التغالب بالفضل.

(3) أي هو حليم. والطيش: النزق والخفة: ويوالي إلها أي يتخذه وليا، وهو فعيل بمعنى فاعل. من وليه: إذا قام به. ومنه: (الله ولي الذين آمنوا).

(4) الناصل: الزائل المضمحل، يقال نصل السهم: اذا خرج منه النصل، ونصل الشعر ينصل نصولا: زال عنه الخضاب.

(5) في النهاية: (يقال عُنِيتُ بحاجتك أُعنَى بها فأنا بها مَعنىّ، وعُنيت بها فأنا عان، والأول أكثر، أي اهتممت بها واشتغلت) انتهى وهو من باب تعب.

تم بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث العناوين