حمزة بن عبد المطلب

hussain_badri_2019
الكراس رقم : 005
عدد الصفحات:56
مؤشرات المضمون 📘
علمي 95%
ثقافي 75%
اجتماعي 65%
1
👁

قد جسّدت سيرة حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) في العهد المكي والمدني اجمل صور النصرة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والذود عنه والتفاني في حمايته والدين الذي جاء به  (صلى الله عليه وآله)، وهذا الحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والتفاني فيه قد تلقاه حمزة أولا من أبية عبد المطلب الذي كان بصيرا بحفيد محمد (صلى الله عليه وآله) حين اوصى به ابوطالب، ثم تأكّد ذلك اكثر بما شاهده ورآه من اخيه الاكبر ابوطالب من النصرة وكذلك التأييد الالهي لهذه النصرة خصوصا في ايام حصار قريش لبني هاشم في الشعب وايضا بما شاهده من آيات ومعان إلهية عظيمة في شخصية ورسالة ابن اخيه محمد (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن هذا الحب والود من طرف واحد فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبادل حمزة بشعور عظيم ظهر على كلماته (صلى الله عليه وآله) ورثائه حين استشهد يوم احد.

    صفحة 1
    cover image

    صفحة 2

    عنوان الاصدار: حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه)

    المؤلف: الدكتور السيد حسين البدري

    تصحيح لغوي: السيد جعفر البدري

    الإصدار: الأول ـ 1441 ه‍ 2020 م

    نوع الإصدار: الكتروني ـ PDF

    الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي

    الموقع: fajrashura.com

    صفحة 3

    صفحة 4

    المقدمة:

    حمزة بن عبد المطلب، هو عمّ النبي محمد صلى الله عليه وآله، ومن شهداء غزوة أحد، والملقّب بأسد الله، وأسد رسوله، وسيد الشهداء. وكان من اكابر قريش وصناديدهم وهو أحد أبرز مساندي الدعوة النبوية الى جنب اخيه ابي طالب، وكان من أقوى حماة رسول الله صلى الله عليه وآله مقابل الإيذاءات والممارسات العدوانية التي كان صلى الله عليه وآله كثيراً ما يتعرّض لها من قبل مشركي قريش خصوصا في العهد المكي.

    وبإعلان إسلامه على ملأ قريش بعد وفاة ابي طالب لم تتجرأ قريش على ايصال الأذى للنبي صلى الله عليه وآله، وقد شارك بني هاشم في محنتهم ايام الحصار في شعب أبي طالب عليه السلام ثم هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وحضر غزوتي بدر ثم أحد التي استشهد فيها في سنة 3 هـ.

    وقد جسّدت سيرة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في العهد المكي والمدني اجمل صور النصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله والذود عنه والتفاني في حمايته والدين الذي جاء به  صلى الله عليه وآله، وهذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وآله

    صفحة 5

    والتفاني فيه قد تلقاه حمزة أولا من أبية عبد المطلب الذي كان بصيرا بحفيد محمد صلى الله عليه وآله حين اوصى به ابوطالب، ثم تأكّد ذلك اكثر بما شاهده ورآه من اخيه الاكبر ابوطالب من النصرة وكذلك التأييد الالهي لهذه النصرة خصوصا في ايام حصار قريش لبني هاشم في الشعب وايضا بما شاهده من آيات ومعان إلهية عظيمة في شخصية ورسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله، ولم يكن هذا الحب والود من طرف واحد فكان رسول الله  صلى الله عليه وآله يبادل حمزة بشعور عظيم ظهر على كلماته  صلى الله عليه وآله ورثائه حين استشهد يوم احد.

    وقد استفد ت في هذه المختصر عن سيد الشهداء حمزة  رضي الله عنه بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله من كتاب اعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الامين وكتاب السيرة النبوية للعلامة المحقق السيد سامي البدري (الوالد) وما ورد فيه من تحقيقات وايضا جملة من كتب التراجم المتنوعة التي تناثرت فيها الكثير من المعلومات والروايات والتي بلغت اثنين وثلاثين مصدرا ومرجعا.

    السيد حسين البدري

    قم المقدسة 1441 الخامس عشر من شوال

    صفحة 6

    نسبه ولقبه:

    هو حمزة بن عبدِ المطَّلِبِ بن هاشم بن عبدِ مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّةَ بن كَعْب بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر بن مالك ابن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضر بن نِزار ابن مَعَدّ بن عدنان (1). قال ابن قدامة: هذا ما لم يختلف فيه أحد من الناس واختُلِفَ فيما بين عدنان وإسماعيل وفيما بين إبراهيم وسام بن نوح اختلافاً كثيراً (2)، ولم يختلفوا في أن عدنان من وُلد إسماعيل(3). وقد اختلف النسابون هل عدنان


    (1) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله انّه قال: «إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأَمسِكوا» قال العلامة البدري: وذلك لاختلاف النسابين في عدد وتسمية مَنْ بينَ عدنان وإسماعيل من الآباء ولطول المدة وبُعد العهد، وروى ابن الكلبي في جمهرة النسب عن ابن عباس انّه قال: «ولو شاء رسول الله ان يعلمه لعلمه».

    (2) قال العلامة البدري: ذكر أهل السيرة والتاريخ: أنَّ مَعَدَّ بن عدنان كان معاصراً للنبي ارميا وكان عمره زمن بختنصر اثنتي عشرة سنة وانّ الله أوحى إلى ارميا بن حلقيا أن يعنى به وأخبره ان من صلبه خاتم الرسل (انظر السيرة النبوية لابن كثير ج1 ص74ـ75)، وذكروا أيضاً عمود نسب إبراهيم إلى آدم وهو مأخوذ عن أهل الكتاب والأصل فيه التوراة المتداولة عندهم وقد ذكرت تسعة آباء بين إبراهيم ونوح عليهما السلام وثمانية آباء بين نوح وآدم عليهما السلام، وهذا العدد غير كاف قطعاً لاستيعاب المدة الزمنية بين إبراهيم ونوح وقد انتبه لذاك أيضاً باحثون متأخرون من أهل الكتاب وسجّلوه على التوراة في جملة ما سجلوه عليها من إيرادات لزعزعة الثقة المطلقة بالتوراة كوثيقة تاريخية، (انظر: موريس بوركاي في كتابه دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص49).

    (3) التبيين في أنساب القرشيين ص36.

    صفحة 7

    من ولد نابت بن إسماعيل أو من ولد قِيدار بن إسماعيل، والذي عليه الأكثر هو الثاني(1).

    والحمزة: الأسد؛ لشدّته وصلابته(2). واشتقاق حمزة من قولهم: قلبٌ حَمِيز، أي ذكيٌّ ملتهِب(3).

    لقّب بأسد الله وأسد رسوله(4). وبعد استشهاده خصّه رسول الله صلى الله عليه وآله بـالصلاة على جنازته ونال لقب «سيد الشهداء».(5)

    وأمه هالة بنت أُهَيب (وُهَيب) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وهي بنت عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف أم النبيصلى الله عليه وآله . (6)

    أبوه عبد المطلب بن هاشم كان سيد قريش وزعيمها. حيث كان لعبد المطلب عشرة من الأولاد هم: الحارث وأبو طالب والزبير وحمزة والعباس والمقوَّم وصدار وقُثَم وأبو لهب والغَيداق وعبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله. ولم يدرك الإسلام منهم إلاّ أربعة: أبو طالب وحمزة


    (1) الطبري ج2 ص274.

    (2) الزبيدي، تاج العروس، ج 15، ص 117.

    (3) ابن دريد، الاشتقاق، ج 1، ص 46.

    (4) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 68.؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 75.

    (5) الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص 386.

    (6) ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 291. وابن عبد البر، الاستيعاب، لترجمة حمزة بن عبد المطلب.

    صفحة 8

    والعباس وأبو لهب(1)

    وكان حمزة في الجاهلية فتىً شجاعاً كريماً سمحاً، وأحد صناديد قريش وسادتهم، ولد ونشأ بمكة(2)، وكان أشدَّ فتى في قريش وأعزَّهم شكيمة وكان صاحب قنص (أي: يصطاد)(3). وكان ممن لهم مكانة اجتماعية مرموقة فقد كان حمزة يُتخذ حليفاً من قبل الآخرين.(4)

    وكان يكنى بابي عمارة او بابي يعلى.(5)

    وقد ورد في الكافي للكليني عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «حمزة اسد الله واسد رسوله وسيد الشهداء».(6)

    في العهد المكي:

    تبدأ احداث العهد المكي ببعثة النبي صلى الله عليه وآله سنة 610ميلادية، وبدأ رسول صلى الله عليه وآله الله في دعوته السريّة بعشيرته الاقربين وذلك بامر من ربه سبحاته وتعالى ويعرف ذلك بـ (يوم الدار)، فكان


    (1) التبيين في أنسب القرشيين ص76.

    (2) الزركلي، الاعلام، ج2 ص278.

    (3) ابن حبيب، المنمّق، ص 340.

    (4) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 153؛ ابن حبيب، المنمّق، ص 340.

    (5) الذهبي، سير أعلام النبلاء ج1 ص172.

    (6) الكليني، الكافي، ج1 ص557، ط. دار الحديث.

    صفحة 9

    حمزة بن عبد المطلب من ضمن الحاضرين(1). قال علي عليه السلام: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله ﴿وانذر عشيرتك الاقربين﴾ دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي إنّ الله أمرني أنْ أنذر عشيرتي الأقربين.. فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عُسَّاً من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب (2) حتى أكلِّمهم وأُبلِّغهم ما أُمرت له.

    ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه فيهم أعمامه (3): أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله حذية من اللحم فشقَّها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصَّحفة ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل


    (1) ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ص 146.

    (2) وبضمنهم بني المطلب بقرينة ذكرهم اسلام عبيدة ين الحارث يومئذ (تاريخ اليعقوبي ج2 ص28) وقد ذكر البلاذري انّ المطلب كان هو العاضد لعبد المطلب والذاب عنه والقائم بأمره ج1 ص69، وكانوا ولد المطلب سبعة وكانوا مع عبد المطلب في حلفه مع خزاعة ج1 ص71.

    (3) استنكر ابن تيمية هذا العدد ومن ثم جعله قرينة على ضعف الرواية وفاته انّ المدعويين والحاضرين هم بنو عبد المطلب اعمام النبي صلى الله عليه وآله واولادهم وبنو المطلب واولادهم، وفي رواية البلاذري انساب الاشراف ج1 ص118، عن عبد الله بن أبي الحكم قال: فحضروا وفيهم عدة من عبد مناف وجميعهم خمسة وأربعين رجلاً.

    صفحة 10

    القوم… ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب إني لرسولُ الله إليكم خاصّة وإلى النّاس كافَّة والله لتموتُنَّ كما تنامون ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون ولتُحاسبُنَّ بما تعملون ولتُجزون بالإحسان إحساناً وبالسّوء سواءً وإنّها للجنّة أبداً والنّار أبداً وأنتم لأولى من أنذر.

    فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك وأقْبَلُنا لنصيحتك وأشدُّنا تصديقاً لحديثك… امضِ لما أُمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك.

    وقال أبو لهب: خذوا على يد صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإن اسلمتموه ذُلِلْتُم وإن منعتموه قُتِلْتُم.

    فقال أبو طالب: يا عَوْرَة (1)، والله لننصُرَنَّه ثم


    (1) قال في لسان العرب: العورة الخلل في الثغر وغيره وقد يوصف به منكوراً فيكون للواحد والجمع بلفظ واحد. وفي التنزيل العزيز: (إن بيوتنا عورة) فأفرد الوصف والموصوف جمع، وأجمع القراء على تسكين الواو من عورة ولكن في شواذ القراءات عورة على فعلة وإنما أرادوا: إن بيوتنا عورة أي ممكنة للسراق لخلوها من الرجال ومراد أبي طالب انّ أبا لهب أصبح بموقفه هذا عورة في بني هاشم وخلل تنفذ قريش من خلاله اليهم. وفيه أيضاً: لما اعترض أبو لهب على النبي صلى الله عليه وآله عند إظهار الدعوة قال له أبو طالب: يا أعور ما أنت وهذا ولم يكن أبو لهب أعور ولكن العرب تقول الذي ليس له أخ من أمه وأبيه أعور وقيل: إنهم يقولون للردى من كل شيء من الاُمور والأخلاق أعور.

    صفحة 11

    لنعينَنَّه، يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربّك فأعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح (1).

    وفي رواية البلاذري أنَّ صفيَّة بنت عبد المطلب قالت لأبي لهب: أي أخي أحسن بك خِذلان ابن اخيك واسلامَه، فوالله ما زال العلماء يخبرون أنّه يخرج من ضِئضِيء (2) عبد المطلب نبي فهو هو. فقال لها: هذا والله الباطل والأماني وكلام النّساء في الحِجال (3)، إذا قامت بطون (4) قريش كلها وقامت معها العرب فما قوتنا بهم والله ما نحن عندهم إلا أَكْلة رأس(5).

    ويظهر من ابن عبد البر وغيره ان حمزة رضي الله عنه أعلن اسلامه في السنة الثانية من المبعث قبل اسلام ابي ذر(6).

    وذكر ابن اسحاق رواية يظهر منها ان اعلان حمزة اسلامه كان في السنة السادسة من المبعث.

    الا انه ليس في الرواية ما يدل على ان بداية اسلامه


    (1) تاريخ اليعقوبي ج2 ص28. انساب الاشراف للبلاذري ج1 ص119.

    (2) ضئضئ الشيء: أصله. وضئضىء عبد المطلب ذريته.

    (3) الحجلة: بيت كالقُبَّة يستر بالثياب وتكون له ازرار كبار.

    (4) اي قبائل.

    (5) أنساب الأشراف ج1 ص119.

    (6) ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 1، ص 369، الكليني، الكافي، ج 8، ص 298.

    صفحة 12

    كان من هذه السنة، فان الاصل في اولاد عبد المطلب انهم على دين ابراهيم عليه السلام وهو الاسلام الذي جدده النبي صلى الله عليه وآله. فإنهم هم المستثنون من ضلال قريش في قوله تعال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)﴾ الجمعة/3، وقد ثبت ان عبد المطلب كان على دين ابراهيم عليه السلام، وهكذا ربى اولاده وانشأهم الا ابا لهم وامره معروف.

    وتبقى قضية اعلان الاسلام على الملأ فإن ابا طالب وهو زعيم بني عاشم بالرغم من انه كان مؤمنا ومسلما ولكنه آثر ان يكتم إيمانه من اجل حماية ابن اخيه صلى الله عليه وآلهامام طواغيت قريش، وحادثة الدار وانذار العشيرة الاقربين توضّح ذلك بشكل جلي، اما الموقف العلني امام قريش فهو النصرة لابن اخيه وهو موقف اولاد عبد المطلب ايضا إلا ابا لهب الذي نزلت فيه سورة المسد، وقد بقي هذا الامر عند بني هاشم سرا لا يظهرونه علانية من اجل الحفاظ على النبي صلى الله عليه وآله والقدرة على نصرته مدة من الزمن حتى يفشو الاسلام بمكة ويظهر.

    وكان حمزة مع بني هاشم حين قاطعتهم قريش في

    صفحة 13

    فترة الحصار شعب أبي طالب.(1)

    ومن حديث نصرة حمزة لرسول الله صلى الله عليه وآله في العهد المكي بعد وفاة ابي طالب عليه السلام: ان قريشا اجترأت على رسول الله بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهمَّت به مرة بعد أخرى وآذته أشدّ الإيذاء، وكان المؤذون له كثيرين منهم: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة من بني مخزوم، وأبو لهب عمّ النبي صلى الله عليه وآله، والحكم بن أبي العاص(2) والعاص بن وائل (والد عمرو بن العاص)، وعُقْبَة بن أبي مُعَيْط(3) وعُتبة بن ربيعة


    (1) ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ص 161.

    (2) قال في لسان العرب تحت مادة خلج: أَن الحكم بن أَبي العاصي أَبا مروان كان يجلس خلف النبي، صلى الله عليه و سلم، فاِذا تكلم اخْتَلَجَ بوجهه فرآه، فقال: كن كذلك، فلم يزل يختلج حتى مات، أَي كان يحرِّك شفتيه و ذقنه استهزاء و حكايةً لفعل سيدنا رسول الله، صلى الله عليه و سلم، فبقي يرتعد إِلى أَن مات، وقال البلاذري في انساب الاشراف ط دار المعارف ج1 ص150 كان رسول الله يمشي ذات يوم وهو خلفه يخلُج (اي يحرك) بانفه وفمه فبقي على ذلك وكان من الطلقاء وكان مغموصا في دينه. اطلع يوما على رسول الله وهو في بعض حجر نسائه فخرج اليه النبى صلى الله عليه وآله بعنزة وقال: من عذيري من هذه الوزغة؟ لو أدركته لفقأت عينيه لعنه وما ولد وغربه عن المدينة فلم يزل خارجاً منها إلى ان استخلف عثمان فرده وولده فكان ذلك ممّا انكر عليه(العنزة: العصا).

    (3) قال البلاذري ج1 ص147 يكنّى ابا الوليد واسم أبي معيط ابان بن أبي عمرو بن أمية وكان عقبة من اشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأذى له وروى الواقدي أن عقبة عمد إلى مكتل (أي زنبيل) له فجعل فيه عذرة ثم ألقاه على باب النبي صلى الله عليه وآله فبصـر به طُليب بن عمر بن وهب بن عبد قصي بن كلاب وأمه أروى بنت عبد المطلب فأخذ المكتل وضرب به رأسه وأخذ بإذنيه ونشب به عقبة فذهب به الى أمه فقال لها: ألا ترين إلى ابنك قد صار غرضاً دون محمد؟ فقالت (ومن أولى به منه بذلك؟ هو ابن خاله، أموالنا وأنفسنا دون محمد) وجعلت تقول: إنَّ طليباً نصر ابن خاله آساه في ذي دمه وماله.فلما كان يوم بدر اتي بعقبة أسيراً فأمر به النبي صلى الله عليه وآله بضرب عنقه فجعل عقبة يقول: يا ويلتي علام أقتل يا معشر قريش أقتل من بين هؤلاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله لعداوتك لله ولرسوله.

    صفحة 14

    بن عبد شمس(1) وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس(2) وهُبيرة بن أبي وهب المخزومي(3) وغيرهم.

    وحدث ذات يوم أن أبا جهل مرَّ برسول الله صلى الله عليه وآله عند الصَّفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره، من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك منه، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقبل


    (1) قتل يوم بدر كافرا قتله حمزة بن عبد المطلب.

    (2) قتل يوم بدر قتله عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان أسن من عتبة بثلاث سنين.

    (3) قال العلامة البدري: وهو زوج أم هانئ بنت أبي طالب هرب يوم الفتح إلى اليمن فمات هناك كافرا،وخطب النبي صلى الله عليه وآله أمَّ هانئ بعد هبيرة فاعتذرت للرسول صلى الله عليه وآله بكونها مُصبِيَة (أي ام صغار)، وتخشى ان يؤذوه، وكانت قد ولدت لهبيرة:عمرا وهانئا ويوسف وجعدة بني هبيرة فيما ذكر الزبير بن بكار وغيره،وقد وَلِيَ جَعدةُ خراسانَ لعلي عليه السلام وكان من وجوه شيعته وكذلك كان بنوه عبد الله وعلي والحسن والحارث ويحيى في الكوفة.

    صفحة 15

    متوشِّحاً قوسه راجعاً من قَنْص(1) له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشد شكيمة(2). فلما مرّ بالمولاة، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بيته قالت له: يا أبا عِمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم ابن هشام: وجده ها هنا جالساً فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وآله. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على النبي صلى الله عليه وآله، مُعِدّاً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه شجَّة (3) منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فَرُدّ ذلك علىَّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت


    (1) أي الصيد.

    (2) أي كان ابيا قوي النفس.

    (3) أي ضربه على رأسه.

    صفحة 16

    ابن أخيه سبّاً قبيحاً، وتمَّ حمزة رضي الله عنه على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد عزّ وامتنع، وأنَّ حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه(1). وقد ذكرنا سابقا ان إسلام حمزة رضي الله عنه كان قديما أخذه من أبيه عبد المطلب ولكن بقي سرا كإسلام أبي طالب من اجل حماية النبي صلى الله عليه وآله ولما الحت الحاجة إلى إظهاره بعد وفاة أبي طالب اظهره. وقد ذكر البلاذري ان حمزة بن عبد المطلب كان ممن يدعو الى الاسلام سراً حتى فشا الإسلام بمكة.(2)

    وقد روي عن الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنه قال: «لم يدخل الجنة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطلب غضباً للنبي صلى الله عليه وآله في حديث السلى الذي ألقي على النبي صلى الله عليه وآله».(3)
    وحين هاجر المسلمون مع جعفر الطيار الى الحبشة لم يهاجر حمزة معهم من اجل مهمة حماية


    (1) سيرة ابن هشام ج2 ص129، قال العلامة البدري في تعليقه على هذه الرواية: والذي احتمله ان حمزة كان مسلما قبل ذلك ولكنه أخفى اسلامه عن قريش لحكمة نظير ما صنع أبو طالب، وإن صدقت القصة في الجملة فإن الحادثة كانت مناسبة ليعلن حمزة عن تصديقه بالنبي صلى الله عليه وآله.

    (2) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 1، ص 123.

    (3) الكليني، الكافي، ج 2، ص 308.

    صفحة 17

    النبي صلى الله عليه وآله مع بقية بني هاشم(1).

    في العهد المدني:

    تبدأ احداث العهد المدني بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة في 12 ربيع الأول سنة 622 ميلادية ومن هذه السنة بدأ التاريخ الهجري عند المسلمين، و كان حمزة من المهاجرين الأولين فلم يكن بعد وفاة ابي طالب عليه السلام ليترك رسول الله صلى الله عليه وآله وحده في المهجر يواجه الصعاب ويتعرض للخطر فواساه بنفسه وباهله مهاجرا معه في سبيل الله.(2)

    وقد حضر الاحداث الأولى في المدينة كلها مع النبي صلى الله عليه وآله وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة(3).

    وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله لحمزة بن عبد المطلب، فانه لما كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه السلام بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)


    (1) ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 323.

    (2) العلامة السيد محسن الأمين، اعيان الشيعة، ج6 ص245. وراجع ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج2 ص105، المحقق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية – بيروت، الأولى – 1415 هـ

    (3) أعيان الشيعة، ج ٦، السيد محسن الأمين، ص ٢٤٤، عن ابن سعد في الطبقات.

    صفحة 18

    الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾(1) عقد رسول الله صلى الله عليه وآله لواءً لِعمِّه حمزة بن عبد المطلب على ثلاثين راكباً ليس فيهم أنصاري إلى ساحل البحر يطلب عِيراً لقريش من الشام تريد مكة، ثم لم يكن قتال ورجع حمزة الى المدينة. (2)

    وفي ذلك قال حمزة بن عبد المطلب حين واجه قومه:

    الا يا لقومي للتحلم والجهل

    وللنقض من رأي الرجال وللعقل

    وللراكبينا بالمظالم لم نطأ

    لهم حرمات من سوام ولا أهل


    (1) الحج/39-41، والايات تفيد بصراحة ان قتال النبي صلى الله عليه وآله لقريش انما كان بعد ظلم قريش للمسلمين واخراجهم اياهم بغير حق الا انهم يقولون ربنا الله.

    (2) وفاء الوفا ج1 ص272. لان الانصار كانوا بايعوه على النصرة في المدينة. الواقدي، المغازي، ج 1، ص 9.؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 595 – 596.؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 6.

    صفحة 19

    كانا نبلناهم ولا نبل عندنا

    لهم غير امر بالعفاف وبالعدل

    وامر باسلام فلا يقبلونه

    وينزل منهم مثل منزلة الهزل

    فما برحوا حتى انتدبت لغارة

    لهم حيث حلوا ابتغي راحة الفضل

    بأمر رسول الله أول خافق

    عليه لواء لم يكن لاح من قبلي

    لواء لديه النصر من ذي كرامة

    اله عزيز فعله أفضل الفعل

    عشية ساروا حاشدين وكلنا

    مراجله من غيظ أصحابه تغلي

    فلما ترائينا أناخوا فعقلوا

    مطايا وعقلنا مدى غرض النبل

    فقلنا لهم حبل الاله نصيرنا

    ومالكم الا الضلالة من حبل

    فثار أبو جهل هنالك باغيا

    فخاب ورد الله كيد أبي جهل

    وما نحن الا في ثلاثين راكبا

    وهم مائتان بعد واحدة فضل

    صفحة 20

    فيال لؤي لا تطيعوا غواتكم

    وفيؤا إلى الاسلام والمنهج السهل

    فاني أخاف ان يصب عليكم

    عذاب فتدعوا بالندامة والشكل(1)

    غزوة بدر:

    وهي الوقعة العظيمة التي فَرَّق الله تعالى فيها بين الحق والباطل، وأَعَزَّ الإسلام ودَمَغَ (2) الكفر وأهله.

    فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، يطلب عِيرَ قريش التي عادت من الشام، ثم بلغه أنَّ قريشاً خرجت ليمنعوا عِيرَهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وآله الناس لانّه لم يكن قد خرج بهم للقتال وإنما لطلب العِير.

    فقام عُمَر فقال: يا رسول الله إنها قريش وعِزُّها والله ما ذَلَّت مذ عَزَّت، ولا آمنت مذ كفرت، والله لتقاتلَنَّك فاتَّهِب لذلك أُهْبَتَه وأَعِدّ لذلك عُدَّتَه (3). فأَعْرَض عنه رسولُ الله صلى الله عليه وآله، ثم قام أبو


    (1) السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج ٦ ص ٢٤٧.

    (2) الدمغ: القهر والغلبة.

    (3) عيون الاثر ج1 ص127، الإمتاع ص74.

    صفحة 21

    بكر فقال فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله(1).

    ثم قام المقداد بن عمرو الكندي فقال: يا رسول الله اِمْضِ لِما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مُقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغُماد (2) لجالدنا(3) معك من دونه حتى نبلغه فقال له رسول الله خيراً ودعا له به.(4)

    ثم قال: اشيروا أيّها الناس فقام سعد بن معاذ فقال: كأنَّك يا رسول الله تُريدُنا! قال: أجل، فقال: إنَّك عسى أن تكون قد خرجت عن أمر قد أُوحي إليك في غيره… فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لَخُضناه معك ما بقىَ منّا رجل… وما نكره أن نلقى عدوَّنا، إنّا لَصُبُرٌ(5) عند الحرب، صُدُقٌ(6) في اللقاء، لعلّ الله يريك منّا بعض ما تَقِرُّ به عيناك.


    (1) بهجة المحافل ص181.

    (2) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، وقيل هو مدينة الحبشة.

    (3) أي لضربنا معك بالسيوف. جلده ضربه.

    (4) السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص162.

    (5) صُبُر جمع صابر.

    (6) جمع صادق.

    صفحة 22

    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيروا على بركة الله، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لَكَأنّي انظر إلى مصارع القوم، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه على القَليب ببدر .(1)

    وكانت قريش قد خرجت في تسعمائة وخمسين مقاتلاً، ومعهم القِيان(2) والدِّفاف(3) يغنين.

    واصطفّ المسلمون والمشركون وکان أبو جهل يوبّخ عتبة، وأجبره أن يبدأ بالمبارزة في حرب كان يحاول إطفاء نارها، وهكذا بارز هو وولده، الوليد إضافة إلى شيبة وبدأوا الحرب(4).

    روى علي بن إبراهيم بسنده إلى أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش أمامها عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أَخرِج إلينا أَكْفاءَنا من قريش، فَبَدَر إليهم ثلاثة من شبان الأنصار، فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا له، فقال: لهم لا حاجة بنا إلى مبارزتكم، إنَّما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار:


    (1) القليب: البئر.

    (2) الجواري.

    (3) جمع دف.

    (4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 19

    صفحة 23

    ارجعوا إلى مواقعكم، ثم قال: يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة قاتلوا على حقِّكم الذي بعث الله نبيَّكم إذ جاؤا بباطلهم ليُطفِئوا نور الله، فقاموا(1)، فقتل علي الوليد، وجاء فوجد حمزة معتنقاً شيبة بعد أن تَثَلَّمَت في أيديهما السيوف فقال: يا عَمّ طأْطِئْ رأسك وكان حمزة طويلاً فادخل رأسه في صدر شيبة فاعترضه علي بالسيف فطيَّر نصفه، وكان عتبة قد قطع رجل عُبيدة وفَلَقَ عبيدة هامته(2) فجاء علي فأَجْهَزَ على عتبة أيضاً فيكون علي عليه السلام قد شَرِك في قتل الثلاثة (3).

    ونزل في ذلك قوله تعالى ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الحج/19 وكان حمزة بن عبد المطّلب يوم بدر معلّما بريش نعامة حمراء يضعها على صدره.

    قال أبو ذرّ رضي اللّه عنه: «أقسم باللّه لنزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في هؤلاء النّفر السّتة: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث رضي اللّه عنهم، وعتبة، وشيبة، والوليد بن


    (1) مغازي الواقدي ج1 ص68، الارشاد للمفيد ج1 ص74.

    (2) الهامة: الرأس.

    (3) الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ج5 ص45.

    صفحة 24

    عتبة». (1)

    وقال قيس بن عباد في قوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة و أبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وعن علي عليه السلام أنّه قال: أنا أول من يجثو (2) بين يـدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.(3)

    غزوة احد:

    اجتمعت قريش واتَّعدت (4) لطلب ثأرها في يوم بدر، وكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بخبرهم، وخرج المشركون وعِدَّتهم ثلاثة آلاف ورئيسهم أبو سفيان بن حرب.

    وكان رأيُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله أن لا يخرج من المدينة لرؤيا رآها في منامه: أنَّ في سيفه ثُلْمَة(5)، وأن بعيراً


    (1) إسماعيل بن محمد الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى 535هـ)، سير السلف الصالحين، ص 354 – 358، المحقق: د. كرم بن حلمي بن فرحات بن أحمد، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض. وانظر أيضا: أبو نعيم، معرفة الصحابة، ج2 ص673 تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر، الرياض، الأولى 1419 هـ – 1998 م.

    (2) جثا يجثو: جلس على ركبته للخصومة.

    (3) صحيح البخاري ج4 ص1458 حديث 3747، وفي تفسير نور الثقلين ج3 ص477 انها نزلت في بني امية وأهل البيت .

    (4) اى اتفقت على وقت.

    (5) ثلمة: ثلم السيف اي كسر حرفه او تعوج حرفه فلم يعد بقطع.

    صفحة 25

    يُذبح له، وأنَّه أدخل يده في دِرع حصينة، وتأوَّلها النبي صلى الله عليه وآله أنَّ نَفَراً من أصحابه يُقْتلون وأنَّ رجلاً من أهل بيته يصاب وأنَّ الدرع المدينة فأشارت عليه الأنصار بالخروج، فلمّا لَبِس لِباس الحرب ردَّت إليه الأنصار الأمر، وقالوا: لا نخرج من المدينة، فقال: الآن وقد لبست لامَتي والنبي إذا لَبِسَ لامَته لا ينزعها حتى يقاتل ويُفْتَح عليه(1).

    قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشَّوْط (2) بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أُبيّ بن سلول بثلث الناس. قال ابن هشام: وذكر غير زياد، عن محمد بن إسحاق عن الزُّهرى: أنَّ الأنصار يوم أحد، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من اليهود؟ فقال: لا حاجة لنا فيهم.

    قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نزل الشِّعب من أُحُد(3)، في عُدْوَة(4) الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال. وتعبَّأَ رسول الله صلى الله عليه وآله


    (1) اليعقوبي ج2 ص47.

    (2) منخفض بين المدينة واحد.

    (3) جبل يقع في شمال المدينة ويبعد عنها بنحو خمسين دقيقة بالمشي السريع، طوله من الشرق إلى الغرب ستة آلاف متر.

    (4) عدوة الوادي شاطئه وسنده.

    صفحة 26

    للقتال، وهو في سبع مئة رجل، وأمَّر على الرُّماة عبد الله بن جبير، أخا بني عَمرو بن عوف وهو مُعْلِم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلاً، فقال: إِنضَح (1) الخيل عنا بالنّبل (2)، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبُت مكانَك لا نؤتَيَنَّ من قِبَلِك.

    فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذنَ الدُّفوف يضرِبنَ بها خلف الرجال، ويحرِّضْنَهم، فقالت هند فيما تقول:

    ويهـاً بنـي عبــد الــدار و يـهاً حـمــاة الأدبــار

    ضــربـاً بــكـل بتّـــار

    وكان شِعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد: أَمِت، أمت.(3)

    فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقَتَل علي عليه السلام أصحابَ اللِّواء عن آخرهم وكانوا تسعة، وانهزم القوم وطارت مخزوم(4) فَضَحَها علي عليه السلام يومئذ(5)،


    (1) النضح: الرش بالسهام اي ارم الخيل بالسهام.

    (2) النبل: السهام.

    (3) سيرة ابن هشام ج4 ص15.

    (4) اي هربت وتفرقت.

    (5) الارشاد للمفيد ج1 ص88 في روايته عن الصادق عليه السلام. انظر أيضاً مجمع الزوائد ج6 ص114.

    صفحة 27

    ودخل المسلمون عسكر المشركين فأَقبَلوا يَغْنَمون وينهَبون مُكِبِّين على ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوهم إلى اتِّباع القوم ويقول إنَّ الغنائم لكم(1).

    ولما رأى الرماة وكانوا خمسين رجلاً وعليهم عبد الله بن جبير ذلك قال بعضهم لبعض، لِمَ تقيمون هاهنا وقد هَزَم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم؟ فقال عبد الله: أَنَسِيتُم قول رسول الله صلى الله عليه وآله «احموا ظهورنا ولا تبرَحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصُرونا، وإن غَنِمنا فلا تَشرِكونا» قالوا: والله لنأتينَّ الناس فنصيبن من الغنائم، فعصوا وانطلقوا ولم يبق منهم إلاّ عبد الله ومعه دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون(2).

    فلما رأى المشركون فعلهم كَرُّوا على المسلمين من جهة جبل الرُّماة(3) وانتهى خالد بن الوليد إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم جاء من ظهر رسول


    (1) أنساب الأشراف 1: 318.

    (2) المصدر السابق. صحيح البخاري ج4 ص1486 حديث 3817.

    (3) ويسمى بجبل عَيْنَيْن وهو جبل صغير يقع جنوبي ضريح حمزة عم النبي بمسافة 62 مترا وتعلو الجبل اليوم في كل أماكنه بيوت وحوانيت لبعض أهل المدينة (آثارالمدينة المنورة،عبدالقدوس الأنصاري: 201).

    صفحة 28

    الله صلى الله عليه وآله يريده، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله في خِفّ(1) من أصحابه فحمَلوا عليه حملة رجل واحد ضَرْباً بالسيوف وطَعناً بالرِّماح ورَمياً بالنَّبل ورَضْخاً(2) بالِحجارة، فشُجَّ(3) رسولُ الله في وجهه، وأُغمي عليه، وانهزم المسلمون وفرّوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يثبت معه إلاّ علي عليه السلام وسهل بن حنيف وأبو دجانة.

    استشهاد حمزة رضي الله عنه:

    وفي هذه المعركة اصيب حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله رماه وحشىّ عبدٌ لجبير بن مُطعِم بحربة فسقط ومَثَّلَت به هند بنت عتبة وشَقَّت عن كبده فاخذت منها قطعة فأَكلتها وجَدَعَت(4) أنفه وبَقَرَت(5) عن كبده فلاكتها(6) فلم تستطع ان تسيغها(7) فلفظتها(8)، فجزع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله جَزَعاً شديداً.(9)


    (1) أي في جماعة قليلة.

    (2) اي الرمي بالحجارة.

    (3) الشَّجَّة: الجرح في الوجه.

    (4) أي قطعت.

    (5) اي شقت.

    (6) اي مضغتها.

    (7) اي تبتلعها.

    (8) أي طرحتها.

    (9) اليعقوبي ج2 ص47. سيرة ابن هشام ج4 ص45.

    صفحة 29

    وفي رواية قالت ابنة الحارث لـوحشي بن حرب ـ وكان عبداً لها ـ : إنّ أبي قتل يوم بدر، فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حرّ، إن قتلت محمّداً، أو حمزة بن عبد المطّلب، أو علي بن أبي طالب، فإني لا أرى فى القوم كفواً لأبي غيرهم.(1)

    وفي رواية أخرى بأنّ هند بنت عتبة كانت قد أعطت وحشياً عهداً لئن قتل محمداً أو علياً أو حمزة لأعطيته رضاه(2). وفي رواية أخرى كانت قَد نذرت لئن قدرت على حمزة لتأكلنَّ من كبده.(3)

    والذي يقوي الرواية الثانية هو ما ذكره ابن سعد في طبقاته: بان وحشي حين قتل حمزة أخذ كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة بن ربيعة. فمضغتها.(4)

    كان وحشي يريد قتل علي عليه السلام في بادئ الأمر إلا أنه كان قد خرج عليه وهو حذر مرس، وكثير الانتباه، فانصرف إلى حمزة وهو يصول ويجول، فترصد له حتى إذا حانت الفرصة رماه وأرداه


    (1) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 285.

    (2) القمي، تفسير القمي، ج 1، ص 116.

    (3) ابن سعد، الطبقات الكببرى، ج 3، ص 8.

    (4) ابن سعد (المتوفى 230هـ)، الطبقات الكبرى، ج3 ص6 المحقق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، الأولى، 1410 هـ .

    صفحة 30

    قتيلاً.(1)

    وعلى رواية كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد بسيفَين ويقول: «أنا أسد الله وأسد رسوله» وجعل يقبل ويدبر، فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة فوقع على ظهره، وبصر به الأسود، فزرقه بحربة فقتله. وقيل طعَنه الحبشي بحربة أو رمح فبقره(2).

    واستشهد حمزة رضي الله عنه يوم السبت في النصف من شوال سنة ثلاث للهجرة وله اربع او تسع وخمسين سنة.(3) وقد قتل من المشركين إحدى وثلاثين نفسا.(4)

    التمثيل به:

    قام وحشي بشقّ بطن حمزة قتله وأخرج كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة بن ربيعة، فمضغتها، ثمّ لفظتها.

    يقال بأنّ هند بنت عتبة بعد أن جاءها وحشي بكبد حمزة وقدّمها إليها، نزعت ثيابها و حليّها،


    (1) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 285 – 286.

    (2) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 8.

    (3) إسماعيل بن محمد الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى 535هـ)، سير السلف الصالحين، ص 362. وأيضا: أبو نعيم، معرفة الصحابة ج2 ص673.

    (4) أبو نعيم، معرفة الصحابة ج2 ص673.

    صفحة 31

    فأعطتها له ووعدته بعشرة دنانير إذا قدم مكة. ثمّ جاءت فمثّلت بحمزة، وجعلت من ذلك مسكتين ومعضدين وخدمتين حتّى قدمت بذلك مكة(1). فلقّبت بـآكلة الأكباد.(2)

    وفي رواية ابن الأثير: قال وحشي اني و الله لأنظر إلى حمزة و هو يهذ الناس بسيفه ما يلقى شيئا يمر به الا قتله فهززت حربتي و دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه و اقبل نحوي فغلب فوقع فأمهلته حتى مات فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر قال: ووقعت هند وصواحباتها على القتلى يمثلن بهم و اتخذت هند من آذان الرجال و آنافهم خدما و قلائد و اعطت خدمها و قلائدها وحشيا و بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع ان تسيغها فلفظتها.

    ويكمل ابن الاثير الرواية فيقول: ووجد حمزة ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده و مثل به فحين رآه الرسول صلى الله عليه وآله بكى، ثم قال: «لن أصاب بمثلك، ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا الموقف».


    (1) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 285 – 286.

    (2) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 4، ص 287.

    صفحة 32

    وقوف النبي صلى الله عليه وآله على حمزة وكيفية صلاته عليه:

    ولما انصرف المشركون أقبل المسلمون على أمواتهم، فكان حمزة أول من كبَّر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم جمع إليه الشهداء، فكان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم ثم ترفع التسعة وحمزة مكانه ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلّي عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات.(1)

    وفي السيرة الحلبية عن ابن مسعود: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقف على جنازة حمزة يقول: «يا عم رسول الله و أسد الله وأسد رسول الله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا حمزة يا ذاب يا مانع عن وجه رسول الله».

    وذكرت المصادر بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما وقف على حمزة حيث استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مثل به. تألم رسول الله صلى الله عليه وآله الما شديدا(2)، وقال صلى الله عليه وآله: «لو لا أن تحزن صفية أو تكون سُنة من بعدي ما غيبته


    (1) الإمتاع ص191.

    (2) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 12.

    صفحة 33

    ولتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أنا أظهرني اللّه على قريش في موطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم»، فلما رأى المسلمون حزن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وغيظه على ما فعل بعمّه، قالوا: واللّه لئن أظهرنا اللّه عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قط(1). فنزل جبرئيل عليه السلام ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾ النحل/126ـ128.(2)

    و كان من رثائه صلى الله عليه وآله له قوله: «يا عم رسول الله و أسد الله و أسد رسول الله، يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا حمزة يا ذاب يا مانع عن وجه رسول الله».

    وفي رواية انه صلى الله عليه وآله جلس بعد الصلاة على حفرته.(3)


    (1) ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ص 335.

    (2) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.(ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ص 335.)

    (3) العلامة السيد محسن الأمين، ترجمة حمزة بن عبد المطلب.

    صفحة 34

    تجهيزه ودفنه:

    أتت صفية ـ أخت حمزة ـ بثوبين لتكفّن أخاها، فكفّن حمزة بأوسعها وكفّن بالثاني رجل من الأنصار صريع إلى جنبه. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة.(1)

    البكاء عليه:

    ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من دفن الشهداء، انصرف إلى المدينة وأقبل حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم فقال: لكن حمزة لا بواكي له.

    تفيد الروايات بأنّ النبي صلى الله عليه وآله لما رأى حمزة قتيلاً بكى عليه، فلما رأى كيف مثّل به شهق.(2)

    وفي رواية أنّ الرسول صلى الله عليه وآله مر على نساء بني عبد الأشهل لمّا فرغ من أحد فسمعَهن يبكين على من استشهد منهم بأحُد فقال صلى الله عليه وآله: «ولكن حمزة لا بواكي له»، فسمعها سعد بن معاذ فذهب إلى نساء بني عبد الأشهل فأمرهن أن يذهبهن إلى باب رسول الله فيبكين على حمزة، فذهبن


    (1) السيوطي، الخصائص الكبرى، ج 1، ص 358.

    (2) ابن عبد البر، الإستيعاب، ج 1، ص 374.

    صفحة 35

    فبكين.(1)

    فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك اليوم على ميّت إلا بدأت بـالبكاء على حمزة ثم بكت على ميتها.(2)

    مقبرته:

    وقد كانت السيدة فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وآله تزور قبر حمزة رضي الله عنه، ترممه وتصلحه، وقد علّمته بحجر(3). وكانت بنت الرسول صلى الله عليه وآله تستعمل تربة حمزة كمسابيح، فاستعملها الناس بعد ذلك.(4)

    وقد قام الأمويون -وبسبب عداءهم لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله– بتصرفات سلبية تجاه قبر حمزة وشهداء أحد. فيروى أن أبا سفيان في أيام عثمان قد مر بقبر حمزة وضربه برجله وقال ما تعبيره يا صاحب القبر، إن الأمر الذي تنافسنا عليه وحصلنا عليه بشق الأنفس وبقوة السيف،


    (1) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 13.

    (2) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 12.

    (3) ابن شبة، تاريخ المدينة، ج 1، ص 132؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 13.

    (4) الطبرسي، رضي الدين، مكارم الأخلاق، ج 1، ص 281.

    صفحة 36

    أمسى في يد غلماننا اليوم يلعبون به.(1)

    وبعد مضي حوالي 40 سنة من غزوة أحد، أراد معاوية أن يجري عينا بالأحد، فأمر بنبش قبور الشهداء، ومن ضمنها قبر حمزة، والظاهر قد نقل مع عدد منهم إلى مكان آخر.(2)

    وكان قد بُني مسجد على قبر حمزة(3)، إلا أنه وبعد سيطرة الوهابية على شبه الجزيرة وتحت قيادة آل سعود، دمر المسجد بقبته ومنارته بالكامل سنة 1344 هـ(4). وبعد أن تم تخريب ذلك المسجد، قاموا ببناء مسجد آخر بالقرب منه، في الجهة الغربية لمقبرة شهداء أحد، اشتهر بمسجد أحد، ومسجد علي ومسجد حمزة.(5)


    (1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 136.

    (2) الواقدي، المغازي، ج 1، ص 267؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 11.

    (3) النميري، ابن شبه، تاريخ المدينة، ج 1، ص 126.

    (4) الخياط، جعفر، تاريخ المدينة المنورة في المصادر الغربية، ص 254؛ نجمي، محمد صادق، حمزة سيد الشهداء عليه السلام، ص 191 – 212.

    (5) قائدان، تاريخ و آثار اسلامي مكه مكرمه و مدينه (بالفارسيه)، ص 332.

    صفحة 37
    cover image

    مقبرة حمزة وشهداء أحد قبل الهدم على يد الوهابية

    cover image

    مقبرة حمزة وشهداء أحد بعد الهدم على يد الوهابية

    صفحة 38
    cover image

    مقبرة حمزة وشهداء أحد قبل الهدم على يد الوهابية

    cover image
    صفحة 39

    مكانته:

    هناك من الصحابة سمّوا أسماء أبنائهم باسم حمزة بعد استشهاده مما يشير إلى شخصيته السامية ومكانته في قلوبهم(1)، ويُعتقد أيضا أن استشهاد حمزة وجعفر بن أبي طالب كان السبب في تراجع معزّة بني هاشم في قبال قريش وعدم وصول الامام علي بن أبي طالب عليه السلام للخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله.(2)

    ويحتجّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وفي إحدى رسائله على خصومه ويتباهى بعمه حمزة وأخيه جعفر وغيرهم، ويقول: «منّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف».(3)

    قد روى كثير من المحدثين ان عليا عليه السلام عقيب يوم السقيفة قال: وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم وا حمزتاه و لا حمزة لي اليوم.(4)

    وقد اورد السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة عن الباقر عليه السلام انه قال كان أمير المؤمنين عليه السلام


    (1) ابن سعد، الطبقات الكبری، ۱4۱۰ق، ج5، ص۱۸6.

    (2) الكليني، الكافي، 1407ق، ج۸، ص۱۸۹ـ۱۹۰؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج۱۱، ص۱۱۱، ۱۱5ـ 116.

    (3) السيد الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 28.

    (4) ابن ابي الحديد، شرح النهج، ج 3 ص 37.

    صفحة 40

    دائما يقول: «والله لو كان حمزة و جعفر حيين ما طمع فيها فلان». وقال بعد ايراد الحديث: «دل هذان الحديثان على ان حمزة و جعفرا كانا يعتقدان استحقاق على عليه السلام الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و انهما لو كانا حيين لم يطمع فيها غيره و لذلك ذكرناهما في طبقات الشيعة»(1).

    منزلته وفضائله:

    وصف الرسول صلى الله عليه وآله ـ وهو يتحدث لفاطمة  في مرضه الذي قبض فيه ـ عمّه الشهيد، بانه خير الشهداء وأحبهم إلى الله.(2)

    كما قال صلى الله عليه وآله فيه: «خير إخوتي علي، وخير أعمامي


    (1) العلامة السيد محسن الأمين، اعيان الشيعة، ج6 ص244.

    (2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 3، ص 57. عن علي بن علي المكي الهلالي عن أبيه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إليها فقال حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك فقالت أخشى الضيعة من بعدك فقال يا حبيبتي أما علمت أن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك عروبة برسالته ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك وأوحى إلي أن أنكحك إياه يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحد قبلنا ولا يعطى أحد بعدنا أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب وهو عم أبيك وعم بعلك إلخ…الطبراني، المعجم الكبير، ج 3، ص 57؛ الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 327.

    صفحة 41

    حمزة».(1)

    وعند مصرعه يوم أحد قال صلوات الله عليه: «ما وقفت موقفا قط أغيظ لقلبي من هذا الموقف و قال رحمك الله اي عم فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات».(2)

    وكان يُسمّى سيف حمزة بن عبد المطلب، اللياح، وفرسه الورد.(3)

    أولاده:

    كان له من الولد يعلى وعامر وعُمارة، الذي قدم العراق مع المسلمين وشارك معهم في الجهاد.(4)

    وقد كان ليعلى بن حمزة أولاد. عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد درجوا، والمشهور لم يبق لحمزة وُلد ولا عقب(5). ولو أن هناك من أعتبر من نسله في القرن العاشر.(6)

    جانب من مراثي حمزة:

    لقد رثى حمزة بن عبد المطلب حين شهادته الكثير


    (1) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج 11، ص 90.

    (2) ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 1، ص 374.

    (3) ابن حبيب، المنمق، ص 407 – 411.

    (4) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 4، ص 283.

    (5) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 5.

    (6) الطهراني، الأغا بزرك، الذريعة، ج 26، ص 96.

    صفحة 42

    من الصحابة ننقل فيما يلي جانبا مما نقله السيد محسن الأمين العاملي في كتابه أعيان الشيعة:

    قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي أخاها حمزة رضي الله عنهما:

    أسائلة أصحاب أحد مخافة

    بنات أبي من أعجم وخيبر

    فقال الخبيران حمزة قد ثوى

    وزير رسول الله خير وزير

    فيا ليت شلوي عند ذاك واعظمي

    لدى أضبع تعتادني ونسور

    أقول وقد أعلى النعي عشيرتي

    جزى الله خيرا من أخ ونصير

    دعاه اله الحق ذو العرش دعوة

    إلى جنة يحيا بها وسرور

    فذلك ما كنا نرجي ونرتجي

    لحمزة يوم الحشر خير مصير

    فوالله لا أنساك ما هبت الصبا

    بكاء وحزنا محضري ومسيري

    على أسد الله الذي كان مدرها

    يذود عن الاسلام كل كفور

    قال ابن إسحاق وقال عبد الله بن رواحة يبكي

    صفحة 43

    حمزة بن عبد المطلب قال ابن هشام أنشدنيها أبو زيد الأنصاري عمر بن شبة لكعب بن مالك :

    بكت عيني وحق لها بكاها

    وما يغني البكاء ولا العويل

    على أسد الاله غداة قالوا

    أحمزة ذاكم الرجل القتيل

    أصيب المسلمون به جميعا

    هناك وقد أصيب به الرسول

    أبا يعلى لك الأركان هدت

    وأنت الماجد البر الوصول

    عليك سلام ربك في جنان

    مخالطها نعيم لا يزول

    الا يا هاشم الأخيار صبرا

    فكل فعالكم حسن جميل

    رسول الله مصطبر كريم

    بأمر الله ينطق إذ يقول

    الا من مبلغ عني لؤيا

    فبعد اليوم دائلة تدول

    وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا

    وقائعنا بها يشفى الغليل

    صفحة 44

    نسيتم ضربنا بقليب بدر

    غداة اتاكم الموت العجيل

    غداة ترى أبا جهل صريعا

    عليه الطير حائمة تجول

    وعتبة وابنه خرا جميعا

    وشيبة عضه السيف الصقيل

    وهام بني ربيعة سائلوها

    ففي أسيافنا منها فلول

    الا يا هند لا تبدي شماتا

    بحمزة ان عزكم ذليل

    الا يا هند فابكي لا تملي

    فأنت الواله العبري الثكول

    قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة قال المؤلف والقصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا :

    يا حمزة لا والله لا

    أنساك ما صر اللقائح

    لمناخ أيتام وأضياف

    و أرملة تلامح

    صفحة 45

    ولما ينوب الدهر في

    حرب لحرب وهي لاقح

    يا فارسا يا مدرها

    ياحمزقدكنت المصامح(1)

    عنا شديدات الخطوب

    إذا ينوب لهن فادح

    ذكرتني أسد الرسل

    وذاك مدرهنا المنافح

    عنا وكان يعد إذا

    عد الشريفون الجحاجح

    يعلو القماقم جهرة

    سبط اليدين أغر واضح

    بحرا فليس يغب جارا

    منه سيب أو منادح

    أودى شباب أولى الحفائظ

    والثقيلون المراجح

    لهفي لشبان

    رزئناهم كأنهم المصابح


    (1) في القاموس صمحه بالسوط ضربه والا صمح لشجاع يتعمد رؤوس الابطال بالضرب . وفي نسخة المصامخ.

    صفحة 46

    شم بطارقة غطارفة

    خضارمة مسامح

    المشترون الحمد

    بالأموال ان الحمد رابح

    والجامزون بلجمهم

    يوما إذا ما صاح صائح

    القائلون الفاعلون

    ذوي السماحة والممادح

    من لا يزال ندى يديه

    له طوال الدهر مائح

    وقال كعب بن مالك يرثي حمزة :

    طرقت همومك فالرقاد مسهد

    وجزعت ان سلخ الشباب الأغيد

    ولقد هددت لفقد حمزة هدة

    ظلت بنات الجوف منها ترعد

    ولو أنها فجعت حراء بمثله

    لرأيت رأسي صخرها يتبدد

    قرم تمكن في ذؤابة هاشم

    حيث النبوة والندى والسؤدد

    صفحة 47

    والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت

    ريح يكاد الماء فيها يجمد

    زيارة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه:

    « اَلسَّلامُ عَلَيكَ ياعَمَّ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) اَلسَّلامُ عَلَيكَ ياخَيرَ الشُّهداءِ، اَلسَّلامُ عَلَيكَ ياأَسَدَ اللهِ وَأَسَدَ رَسُولِهِ، أَشهَدُ اَنَّكَ قَد جاهَدتَ في اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَجُدتَ بِنَفسِكَ، وَنَصَحتَ رَسُولَ اللهِ، وَكُنتَ فيما عِندَ اللهِ سُبحانَهُ راغِباً. بِأبي أَنتَ وَاُمّي اَتَيتُكَ مُتَقَرِّباً اِلى اللهِ عَزَّوَجلَّ بِزيارَتِكَ وَمُتَقَرِّباً اِلى رَسُولِ اللهِ بِذلِكَ، راغِباً اِلَيكَ في الشَّفاعَةِ، اَبتَغي بِزِيارَتِكَ خَلاصَ نَفسي، مُتَعَوِّذاً بِكَ مِن نار اسْتَحَقَّها مِثلي بما جَنَيتُ عَلى

    صفحة 48

    نَفسي، هارِباً مِن ذُنُوبِيَ الَّتي اِحتَطَبتُها عَلى ظَهري، فَزِعاً اِلَيكَ رَجاءَ رَحمَةِ رَبّي، أَتَيتُكَ مِن شُقَّة بَعيدَة طالِباً فَكاكَ رَقَبَتي مِنَ النّارِ، وَقَد أَوقَرَتْ ظَهري ذُنُوبي، وَأَتيتُ ماأَسخَطَ رَبّي وَلَم أَجِد أَحَداً اَفزَعُ اِليهِ خَيراً لي مِنكُمْ اَهلَ بَيتِ الرَّحمَةِ، فَكُن لي شَفيعاً يَومَ فَقري وَحاجَتي، فَقَد سِرتُ اِلَيكَ مَحزُوناً، وَأَتَيتُكَ مَكرُوباً، وَسَكَبتُ عَبرَتي عِندَكَ باكِياً، وَصِرتُ اِلَيكَ مُفرَداً، وَأَنتَ مِمَّن أَمَرَنِيَ اللهُ بِصِلَتِهِ، وَحَثَّني عَلى بِرِّهِ، وَدَلَّني عَلى فَضلِهِ، وَهَداني لِحُبِّهِ، وَرَغَّبَني في الوِفادَةِ اِلَيهِ، وَأَلهَمَني طَلَبَ الحَوائِجِ عِندَهُ،

    صفحة 49

    أَنتُم اَهلُ بَيت لايَشقى مَن تَوَلاّكُم، وَلا يَخيبُ مَن أَتاكُم، وَلا يَخسَرُ مَن يَهواكُم، وَلا يَسعَدُ مَن عاداكُم».

    فإذا فرغت من الزيارة تصلي ركعتين وتدعو بهذا الدعاء:

    « اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، اَللّهُمَّ اِنّي تَعَرَّضتُ لِرَحمَتِكَ بِلزُومي لِقَبرِ عَمِّ نَبِيّكَ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِيُجيرَني مِنْ نِقمَتِكَ وَسَخَطِكَ وَمَقْتِكَ في يَوم تَكثُرُ فيهِ الاَصواتُ وَتَشغَلُ كُلُّ نَفس بِما قَدَّمَت وَتُجادِلُ عَن نَفسِها فَاِن تَرحَمْني اليَومَ فَلا خَوفٌ عَلَيَّ وَلا حُزنٌ، وَاِن تُعاقِبْ فَمَولىً لَهُ القُدرَةُ عَلى عَبدِهِ، وَلاتُخَيِّبني بَعدَ اليَومِ، وَلا تَصرِفني بِغَيرِ حاجَتي، فَقَد لَصِقْتُ بِقَبرِ عَمِّ نَبِيِّكَ،

    صفحة 50

    وَتَقَرَّبتُ اِلَيكَ ابتِغاءَ مَرضاتِكَ وَرَجاءَ رَحْمَتِكَ، فَتَقَبَّلْ مِنّي وَعُدْ بِحلْمِكَ عَلى جَهلي وَبِرَأفَتِكَ عَلى جنايَةِ نَفْسي، فَقَد عَظُمَ جُرمي وَما أَخافُ اَن تَظلِمَني وَلكِن أَخافُ سُوءَ الحِسابِ، فَانظُرِ اليَومَ تَقَلُّبي عَلى قَبرِ عَمِّ نَبِيِّكَ عَلَيهما السَّلامُ، فَبِهِما فُكَّني مِنَ النّارِ، وَلا تُخَيِّب سَعْيي، وَلا يَهُونَنَّ عَلَيكَ اِبتهالي، وَلا تَحجُبَنَّ عَنكَ صَوتي، وَلا تَقلِبني بِغَيرِ حَوائِجي. ياغِياثَ كُلِّ مَكروُب وَمَحزُون، وَيامُفَرِّجاً عَنِ المَلهُوفِ الحَيرانِ الغَريقِ المُشرِفِ عَلَى الهَلَكَةِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَانظُر إِلَىَّ نَظْرَةً لاأَشقى بَعدَها أَبَداً،

    صفحة 51

    وَارحَم تَضَرُّعي وَعَبرَتي وَانفِرادي فَقَد رَجَوتُ رِضاكَ، وَتَحرَّيتُ الخَيرَ الَّذي لايُعطيهِ أَحدٌ سِواكَ، فَلا تَرُدَّ اَمَلي. اَللّهُمَ إن تُعاقِب فَمَولىً لَهُ القُدرَةُ عَلى عَبدِهِ وَجَزائِهِ بِسُوءِ فِعلِهِ، فَلا أَخيبَنَّ اَليَومَ وَلا تَصرِفْني بِغَيرِ حاجَتي وَلا تُخَيِّبَنَّ شُخوُصي وَوِفادَتي، فَقَد اَنفَدتُ نَفَقَتي وَاَتعَبتُ بَدَني وَقَطَعتُ المَفازاتِ وَخَلَّفتُ الاهلَ وَالمالَ وَما خَوَّلتَني وَآثَرتُ ماعِندَكَ عَلى نَفسي، وَلُذتُ بِقَبرِ عَمِّ نَبِيِّكَ وَتَقَرَّبتُ بِهِ ابتِغاءَ مَرضاتِكَ، فَعُد بِحِلمِكَ عَلى جَهلي وَبِرَأفَتِكَ عَلى ذَنبي، فَقَد عَظُمَ جُرمي بِرَحمَتِكَ ياكَريمُ ياكَريمُ ».

    صفحة 52

    ثم توجه الى قبور الشهداء رحمهم الله في أحد، فقم على قبورهم فقل:

    « اَلسَّلامُ عَلى رَسُولِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلى نَبِيّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى اَهْلِ بَيتِهِ الطّاهِرينَ اَلسَّلامُ عَلَيكُم اَيُّها الشُّهداءُ المُؤمِنونَ اَلسَّلامُ عَلَيكُم يااَهلَ بَيتِ الايمانِ وَالتَّوحيدِ اَلسَّلامُ عَلَيكُم يااَنصارَ دينِ اللهِ وَاَنصارَ رَسُولِ اللهِ عَلَيهِ وآلِهِ السَّلامُ سلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ اَشهَدُ انَّ اللهَ اْختارَكُم لِدينِهِ وَاصطفاكُم لِرَسُولِهِ وَاَشهَدُ اَنَّكُم قَد جاهَدتُم في اللهِ حَقَّ جَهادِهِ وَذَبَبْتُم عَن دينِ اللهِ وَعَن نَبِيِّهِ وَجُدتُم

    صفحة 53

    بِاَنفُسِكُم دَونَهُ وَاَشهَدُ اَنَّكُم قُتِلتُم عَلى مِنهاجِ رَسُولِ اللهِ فَجَزاكُمُ اللهُ عَن نَبِيِّهِ وَعَن الاِسلامِ وَاَهلِهِ اَفَضَلَ الجَزاءِ وَعَرَّفَنا وُجُوهَكُم في مَحَلِّ رِضوانِهِ وَمَوضِعِ اِكرامِهِ مَعَ النَّبِيّينَ والصِّدّيقينَ وَالشُّهداءِ والصّالِحينَ وَحَسُنَ اوُلئِكَ رَفيقاً اَشهَدُ أَنَّكُم حِزبُ اللهِ وَاَنَّ مَنْ حارَبَكُم فَقَد حارَبَ اللهَ وَاَنَّكُم لَمِنَ المُقَرَّبينَ الفائِزينَ الّذينَ هُم اَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ فَعَلى مَن قَتَلَكُم لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ اَجمَعينَ اَتَيتُكُم يااَهلَ التَّوحيدِ زائِراً وبِحَقِّكُم عارفاً وَبِزيارَتِكُم اِلى اللهِ مُتَقَرِباً وبِما سَبَقَ مِن شَريفِ الاَعمالِ

    صفحة 54

    وَمَرضِيِّ الاَفعالِ عالِماً فَعَلَيكُم سَلامُ اللهِ وَرَحمَتُهُ وَبَرَكاتُهُ وَعَلى مَنْ قَتَلَكُم لَعنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ وَسَخَطُهُ، اَللّهُمَّ انفَعني بِزِيارَتِهِم وَثَبِّتني عَلى قَصدِهِمْ وَتَوَفَّني عَلى ماتَوَفَّيتَهُم عَلَيهِ وَاْجمَعْ بَيني وَبَينَهُم في مُستَقَرِّ دارِ رَحْمَتِكَ اَشهَدُ اَنَّكُم لَنا فَرَطٌ وَنَحنُ بِكُم لاحِقُونَ ».(1)


    (1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٩٧ ص ٢٢٠.

    صفحة 55

    المصادر والمراجع

    1. ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة.

    2. ابن الأثير، الكامل في التاريخ.

    3. ابن حبيب، المنمّق.

    4. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة.

    5. ابن سعد، الطبقات الكبرى.

    6. ابن سيد الناس، عيون الأثر في المغازي والسير.

    7. ابن شبة، تاريخ المدينة.

    8. ابن شبه النميري، تاريخ المدينة.

    9. ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

    10. ابن قدامة المقدسي، التبيين في أنساب القرشيين.

    11. ابن هشام، السيرة النبوية.

    12. ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي.

    13. أبو نعيم، معرفة الصحابة.

    14. إسماعيل بن محمد الأصبهاني، سير السلف الصالحين.

    15. إمتاع الأسماع.

    صفحة 56

    16. البخاري، صحيح البخاري

    17. البلاذري، انساب الأشراف.

    18. تفسير نور الثقلين

    19. الخياط، جعفر، تاريخ المدينة المنورة في المصادر الغربية.

    20. الذهبي، سير أعلام النبلاء.

    21. الزركلي، الأعلام.

    22. السيوطي، الخصائص الكبرى.

    23. الشريف الرضي، نهج البلاغة.

    24. الصالحي، سبل الهدى والرشاد.

    25. الطبرسي، مكارم الأخلاق.

    26. الطهراني، الأغا بزرك، الذريعة.

    27. علي ابن إبراهيم القمي، تفسير القمي.

    28. قائدان، تاريخ و آثار إسلامي مكه مكرمه و مدينه (بالفارسيه).

    29. الكليني، الكافي.

    30. محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري.

    31. المفيد، الإرشاد.

    32. الواقدي، المغازي.

    33. وفاء الوفا بأحوال المصطفى.

    تم بحمد الله

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    أحدث العناوين