جهود العلامة العسكري في مناقشة الأسطورة السبئية

كاتب المقال: د. السيد حسين البدري

نشر هذا المقال في مجلة فجر عاشوراء الثقافي العدد 6 و 7

« إن أسطورة عبد الله‏ بن سبأ و قصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذاب، و قد أغنانا العلامة الجليل والباحث المحقق السيد مرتضى العسكري فيما قدم من دراسات عميقة دقيقة عن هذه القصص الخرافية وعن سيف وموضوعاته في مجلدين ضخمين طبعا باسم (عبد الله بن سبأ) و في كتابه الآخر (خمسون ومائة صحابي مختلق)».
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي(رح)
معجم رجال الحديث‏، ج11 ص207.

تمهيد:

تعتقد المدرسة السلفية المعاصرة أن تأسيس الشيعة وعقائدهم حول الإمامة والوصية كان على يد عبد الله بن سبأ اليهودي في سنة 35 هجرية أي في عهد الإمام أمير المؤمنين (ع)، وان ابن سبأ شخصية يهودية يمنية أظهرت الإسلام في عهد عمر من اجل تنفيذ خطط اليهود للنيل من الإسلام والمسلمين حين فشلوا في مواجهة النبي (ص) لما أجلاهم عن مواضعهم في المدينة بعد نقضهم العهد، وذلك بالكيد للإسلام من الداخل بإيجاد الفتن والحروب والطعن على الرموز وتحريف العقائد، وأنه هكذا تأسس التشيع.[1]

وقد أخذ السلفيون المعاصرون هذا التصور كعقيدة راسخة لا تقبل الشك ولا الريب عن أسلافهم السابقين كعبد القاهر البغدادي (ت429هـ) في كتابه الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية والاسفراييني (ت418هـ) في كتابه التبصير في الدين والباقلاني (ت403هـ ) في كتابه كشف أسرار الباطنية وابن حزم (ت456هـ) في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل وابن تيمية (728هـ) في كتبه ورسائله كـ منهاج السنة و مجموع الفتاوى وأيضا الدهلوي (1239هـ) في كتابه التحفة الإثني عشرية وهو أوسع هذه الكتب انتشارا عندهم.

شكوك العلماء حول ابن سبأ:

ويبقى أهم سؤال حول الأسطورة السبئية هو السؤال عن المصادر؛ فما مصادر أخبار ابن سبأ؟ وكيف تحولت تلك الأخبار إلى عقيدة عند السلفيين؟

لابد في البداية من الإشارة إلى أن الشكوك التي ساورت العلماء قديما وحديثا حول ابن سبأ كثيرة؛ ولعل مِن أقدم مَن أثارها ابن حجر العسقلاني في كتبه الرجالية في القرن الثامن الهجري، وأيضا أثار المستشرقون شكوكا حين درسوا مصادر الطبري[2]، ثم طرح ذلك بشكل واضح وصريح في العالم العربي والإسلامي طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى في ثلاثينيات القرن المنصرم ولكن بقيت على مستوى الشكوك والإثارات، ثم جاء جواد علي ليطرح في مقالاته في مجلة الرسالة عام 1948م عملا تحقيقيا مهما ولكن بقي في إطار نقد بعض الأحداث ولم يتسع عمله إلى نقد المصادر، أيضا العلامة الأميني (رح)  في موسوعة الغدير أشار في الجزء الثامن إلى الشكوك حول ابن سبأ لكن هذه المرة بتقديم معلومة مهمة وهي أن سيف بن عمر التيمي الذي ورد اسمه في سند روايات ابن سبأ كذاب متهم في وضع الحديث.[3]

أوسع دراسة حول الأسطورة السبئية:

ويعتبر اهم وأوسع من تتبّع ودرس الأسطورة السبئية ونَقَد مصادرها وأسانيدها وما ورد فيها من المعلومات في التراث الإسلامي اجمع هو العلامة السيد مرتضى العسكري (1914 إلى 2007). حيث قام (رح) منذ عام 1369هـ/1950م بدراسة مستوعبة لأخبار (الأسطورة السبئية)، وهي أبرز واشمل دراسة معاصرة حول الموضوع، وقد نتج عنها ثلاثة كتب:

عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، جزءان، بنحو 900 صفحة.

خمسون ومائة صحابي مختلق، ثلاثة أجزاء بنحو 1500صحفة.

الأسطورة السبئية، جزءان، بنحو 700 صفحة.

درس المؤلف (رح) في كتبه هذه أحاديث سيف بن عمر راوي «الأسطورة السبئية» وانتهى إلى ان سيفا بالإضافة على اختلاقه للأسطورة السبئية اختلق وحرّف كماً هائلاً مما يرتبط بتاريخ صدر الإسلام من أسماء الشخصيات والأحداث والسنوات والمدن والحروب والأيام والشعراء والقادة  والتي انتشرت في الكثير من كتب التاريخ والطبقات والتراجم والملل والنحل وغيرها خلال عشر قرون بعده[4].

يقول (رح) عن الأسطورة السبئية: «عشرة قرون والمؤرّخون يكتبون هذه القصّة، وكلّما تصرّمت السّنون ذاعت انتشارا حتّى ندر أن يكتب في العصور الأخيرة كاتب عن تاريخ الصحابة ولا يذكر هذه القصّة، غير أن القاصّ الأوّل قد أوردها بأسلوب الحديث، والمتأخرون قد زيّنوها بإطار من التجزئة والتحليل. تواترت هذه القصّة وشاعت، ولا بدّ لنا في تمحيصها من الرجوع إلى مصادرها ورواتها من القدامى والمتأخّرين. فمن هم رواتها؟ وما هي أسانيدها؟»[5].

منهج العلامة العسكري في دراسة الأسطورة السبئية:

ويقول عن منهجه في الدراسة «نرجع إلى تاريخ الطبري أوّلا، ثم إلى غيره من المصادر الّتي اعتمدت على أحاديث «سيف» و ندرس تلك الأحاديث دراسة نقد وتحليل ونقارنها بأحاديث غيره من ثقات الرواة لنرى مدى أثر سيف على مصادر التاريخ الإسلامي أولا، وقيمة أحاديث «سيف» ثانيا، و نعرف مدى تحرّي «سيف» للواقع التاريخي أو مجانبته له»[6].

وقد قام العلامة العسكري بجهد مضن استغرق منه أكثر من ربع قرن في دراسة مصادر الأسطورة وأسانيدها وأحاديث راويها الأول (سيف بن عمر التميمي) التي نقلها عنه الطبري وغيره بمنهج المقارنة وتحري أسماء الأشخاص والأماكن والوقائع والشعر والشعراء وغير ذلك كمنهج أساسي للدراسة والكشف عن الاختلاق والتحريف، وخلاصة ما وصل إليه هو:

ما توصل إليه العلامة العسكري:

أ. ان أهم من نقل أخبار ابن سبأ من المصادر هو:  الطبري (310هـ) في تاريخه، وابن عساكر (571هـ) في تاريخ مدينة دمشق، والذهبي (748هـ) في تاريخ الإسلام، وابن أبي بكر (741هـ) في التمهيد والبيان، وان أقدمهم واكثرهم نقلا وتأثيرا فيمن بعده هو الطبري حيث اخذ منه ابن الأثير (ت630) وأبو الفداء (ت732) وابن كثير (ت774) وابن خلدون (ت808) وغيرهم.

ب. ان جميع أسانيد (الأسطورة) في المصادر السابقة تنتهي إلى ان سيف بن عمر التميمي راويها ولا راو لها غيره وقد وصفه علماء الجرح والتعديل بالكذاب والوضّاع وانه المتهم بالزندقة[7]. وقد توصل العلامة العسكري في بحوثه إلى ان سيف بن عمر كان يختلق أسانيد أحاديثه وأخباره إلى جنب بقية مختلقاته.

ج. أما دراسة روايات سيف بن عمر بشكل مقارن مع روايات غيره ومع مصادر الحديث والنسب والتراجم والرجال والجغرافية وغير ذلك فقد توصل فيها (رح) إلى النتائج التالية:

حجم مختلقات سيف بن عمر:

منها: ان سيف بن عمر اخترع واختلق الكثير من أسماء الشخصيات من الصحابة او التابعين او الشعراء، فقد اختلق أكثر من 160 اسم صحابي وصحابية وتابعي وشاعر، واختلق 70 اسم راو وراوية للأخبار، وقد راجع العلامة العسكري جميع المصادر من غير سيف ككتب النسب او كتب التاريخ ما يظن وجودهم فيها ولم يجد لهم ذكرا ولا أثرا[8].

ومن جملة اشهر تلك الأسماء المختلقة «القعقاع بن مالك بن عمر التميمي» الذي صوره سيف بن عمر انه صحب النبي (ص) وروى عنه وأدرك السقيفة وأخبر عنها وشارك في إحدى وثلاثين معركة حربية في الردة والفتوح قتل فيها من الأعداء أكثر من سبعمائة ألف وانه كان في هذه المعارك قطب رحاها وليث وغاها ونظم فيها واحدا وثلاثين رجزا، قال العلامة العسكري: «روى (أي سيف) ذلك (أي أخبار القعقاع) في ثمانية وستين حديثا، ويروي كلّ حديث عن سلسلة من الرواة تفرّد بذكر نيف وأربعين واحدا منهم! كما تفرّد بذكر معارك حربية لم تقع، وتفرد بذكر أماكن رأينا أنّها لم تكن، تفرد سيف بذكر أخبار وقعت في ست وعشرين سنة لم يذكرها غيره فهو واضعها ومختلقها!!! بحثنا عن هؤلاء الرواة في كتب تراجم رواة الحديث كالعلل ومعرفة رجال‏ الحديث لأحمد بن حنبل (ت: 241ه‍)، وتاريخ البخاري الكبير (ت: 256 ه‍)، و… بحثنا في عشرات من أمثال هذه المصادر عن هؤلاء الرواة الذين ذكرناهم والذين روى عنهم سيف مئات الأحاديث، ولمّا لم نجد لهم ذكرا في غير أحاديث سيف جاز لنا أنّ نعتبرهم من مختلقات سيف من الرواة»[9].

ومنها: ان سيفا قام بتحريف واختلاق كمٍ هائلٍ من أخبار الحوادث والوقائع والأيام التي انتشرت في كتب التاريخ والطبقات والتراجم والبلدان والجغرافية والملل والنحل وغيرها، من جملة تلك الأخبار: قصة السقيفة والردة وقصة العلاء بن الحضرمي ونباح كلاب الحوأب واستلحاق زياد وقصة المغيرة بن شعبة وحبس ابي محجن ويوم الاباقر ويوم ارماث واغواث وعماس والنحيب واحداث الشورى وبيعة عثمان وقماذبان بن الهرمزان وبشارة الأنبياء بعمر  وتهدم دور حمص من تكبير المسلمين والدجال وفتح سوس وقصة الأسود العنسي وغيرها، كما يشير العلامة العسكري ان سيف كان يخترع مدن وأيام وأسماء شعراء مع أشعارهم ويحرف سني الحوادث والأسماء وكذا هو مختلق للأخبار التي يستند إليها الغربيون في إثبات أن الإسلام انتشر بالسيف مثل ابرق الربذة وردة طي وردة ام زمل وردة اهل عمان ومهرة وردة اليمن الأول وردة الاخابث وردة اليمن الثانية ووقعة الني او المذار والولجة واليس وامغشيا ويوم المقر وفم الفرات بادقلي وغير ذلك[10].

ومنها: اختلاقه للأسطورة السبئية التي انتشرت عن الطبري إلى كثير من كتب التاريخ والطبقات والتراجم وكتب الملل والنحل وغيرها والتي يستند إليها السلفيون وغيرهم بالأمس واليوم لتفسير نشأة التشيع وظهوره[11]. ولم يكتف العلامة العسكري ببحث أحاديث سيف حول الأسطورة بل أضاف إلى ذلك مراجعة جميع مصادر التراث الإسلامي من كتب الحديث والتاريخ والطبقات والتراجم والتفسير وغيرها من اجل البحث عن الأسطورة السبئية او شواهد عليها من غير روايات سيف فلم يجد شيئا، ولذا توصل إلى ان سيف بن عمر هو الذي اختلق الأسطورة واخترعها وأخذها عنه الطبري ونشرها وعنه أخذ من جاء بعده.

محاكمة الأسطورة السبئية:

د. قام المؤلف بمحاكمة «الأسطورة السبئية» من جهة أنها تحاول تحريف التصور حول نشأة التشيع لعلي (ع) وبدء ظهوره، وتتبع أحاديث وصية النبي (ص) لعلي (ص) عند الصحابة والتابعين وتتبع شهرة لقب الوصي للإمام علي (ع) وانتشاره في أشعارهم ومحاوراتهم وفي كتب اللغة ومن جاء بعدهم، وكذلك مسألة الرجعة من الكتاب والسنة، ليتضح ان أفكار التشيع نابعة من الكتاب والسنة وتعاليم اهل البيت (ع) ولا علاقة لها بغير ذلك.[12]

دراسة ذكر اسم ابن سبأ في بعض كتب الشيعة:

بحث العلامة العسكري (رح) ورود اسم عبد الله بن سبأ في بعض كتب الشيعة القديمة والتي يحاول السلفيون المعاصرون التمسك بها حين عجزوا عن العثور على مصدر لرواية الأسطورة في كتبهم من غير سيف، وكان ما توصل إليه هو:

ان أحاديث عبد اللّه بن سبأ في كتب الشيعة تنقسم إلى قسمين وعبد اللّه بن سبأ فيهما ذو شخصيتين متغايرتين‏.

في إحداهما مغال في حقّ الإمام و تأليهه.

وفي ثانيتهما مغال فيما زعم من تنزيه الباري و نفي ما لا يليق به عنه، مثل الخوارج.

والقسمان يناقض أحدهما الآخر، وتنحصر أحاديث الشخصية الأولى برجال الكشّي و من أخذ عنه من علماء الرجال و الحديث.

وخلاصة رأيه(رح)  في الشّخصية الأولى أنها لم توجد بتاتا! وإنّما اختلقتها جناية الزنادقة على التاريخ الإسلامي أوّلا وتقوّلات العامّة ثانيا. ومن هذين المعنيين أخذ من ذكر خبره في تأليفه من مؤلفي القرن الرابع.

أمّا الشخصية الثانية فيرى العلامة العسكري أنها عبد الله بن وهب الراسبي السبائي اليماني وهو راس الخوارج الذي قتل في النهروان[13] ويأتي تفصيله بعد قليل.

سبب اختلاق الأسطورة عنده(رح):

ان سيف كان يعيش في الكوفة ووضع أساطيره أوائل القرن الثاني الهجري وكان يدفعه إلى اختلاق أساطيره أمران: الأول تعصبه للعدنانيين ضد القبائل القحطانية اليمانية، الثاني قصده التشويش على التاريخ الإسلامي بدافع الزندقة، ولمّا كان أنصار الإمام أمير المؤمنين (ع) وشيعته من القبائل السبائية اليمانية هم الذين كانوا يشكّلون الحزب المعارض للحكم العدناني القائم منذ عصر الإمام علي (ع) حتّى الخلافة الأموية الّتي كان يعيش سيف في كنفها، وكان هؤلاء يعتقدون بأنّ النبي (ص) عيّن عليّا (ع) وصيّا من بعده، أراد سيف (لدوافعه الآنفة الذكر) أن يشكّك في منشأ عقيدتهم بوصية النبي (ص) للإمام، و يشوّش في نسبتهم إلى السبئية فاخترع أسطورة عبد اللّه بن سبأ و جعله من صنعاء اليمن و قال ‏إنّه هو الّذي أسّس هذه العقيدة دون النبي (ص)، و إنّ السبئية هم الّذين اتّبعوه على هذا الرأي، ثمّ ذكر في عداد هؤلاء السبئية رؤساء القبائل السبئية اليمنية.[14]

ما حقيقة ابن سبأ؟

أما حقيقة ابن سبأ فيبحثها العلامة العسكري في الجزء الثاني من كتابه عبد الله بن سبأ، وذلك بعد ان قدم للباحثين حال سيف وأخباره المختلقة والمحرفة الهائلة التي انتشرت في كتب التاريخ؛ وخلاصة ما وصل إليه هو ان الأسطورة السبئية نسجت حول ثلاثة أسماء هي: عبد اللّه بن سبأ، وعبد اللّه بن السوداء والسبئية والسبائية.

أما السبئية والسبائية فكانت تدلّ على الانتساب إلى قبائل اليمن من سلالة سبأ ابن يشجب بن قحطان، ولقّب بالسبئية عدد كبير من رواة الحديث في الصحاح واشتهروا بها في بلاد المغرب واليمن إلى أواسط القرن الثالث، ثمّ تطوّرت وأصبحت نبزا ينبز بها بعض شيعة علي (ع) وأصحاب المختار من أفراد القبائل السبائية، ثمّ أطلق على عامّة شيعة علي (ع) من أفراد تلك القبائل، ثمّ اختلق سيف الأسطورة السبئية و رواها عنه الطبري ومن الطبري أخذ المؤرّخون، ثمّ تطوّرت الأسطورة على أفواه الناس وتكثّرت، و من أفواه الناس أخذ أصحاب كتب الملل و النحل، و أخيرا اشتهرت السبئية في الفرق المذهبية ونسيت دلالتها على المنسوبين إلى قبائل سبأ[15].

وأما ابن سبأ، فإن ما يستفاد من أسطورة سيف انه عربي ابن عربي، ومن سكّان الجزيرة العربية، ومن مشاهير الرجال في العقد الرابع من القرن الأوّل الهجري؛ وكما يقول العلامة العسكري: بحثنا عشرات السنوات في مختلف مصادر الدراسات الإسلامية فلم نجد عن نسبه حرفا واحدا، مع انه لا نجد عربيا في الجزيرة العربية في العصر الإسلامي الأوّل وإلى العصر الأموي يعرف اسمه واسم أبيه ومحلّ نشاطه ولا يعرف اسم جدّه ولا سلسلة آبائه! في حين أنّ العرب قد غالوا في حفظ أنسابهم، وألّفوا في الأنساب عشرات المؤلّفات، حتّى أنّهم عنوا بحفظ أنساب خيولهم، وألّف العلماء فيها، والذي وجدناه: عبد الله بن وهب الراسبي كما عند ابن قتيبة؛ او عبد الله بن وهب الهَمْداني كما عند البلاذري وقد قال عنه وهو ابن سبأ وكذا قال سعد بن عبد الأشعري، السؤال: من هو عبد الله بن وهب الراسبي أو الهمْداني؟ يذكر ابن ماكولا انه «رأس الخوارج»، والسمعاني في كتابه الأنساب يقول: «السبئي؛ هذه النسبة بفتح السين المهملة والباء المنقوطة من تحتها بنقطة واحدة وفتحها، هذه النسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهم رهط ينسبون إليه، عامتهم مصريون‏ أبو هبيرة عبد اللّه بن هبيرة بن أسعد بن سهل السبائي، ثم عد السبائيين إلى قوله ‏وعبد اللّه بن وهب رئيس الخوارج». وكان مع علي (ع) في حروبه حتى إذا وقع التحكيم أصبح منهم، وكان الخوارج يجتمعون في منزله، والذهبي يذكر انه قتله علي (ع) في النهروان مع الخوارج.

ويرتب العلامة العسكري على ما مر أن: «أي خبر جاز أن يصدق على عبد اللّه بن وهب السبائي وينسب إليه؛ جاز وقوعه، وأيّ خبر لا يصح صدوره من هذا؛ لم يقع ولم يكن بتاتا. ولم يكن عبد اللّه هذا مؤسس فكرة الوصاية للإمام علي (ع)، ولا مؤسس عقيدة الألوهية فيه، وإنّما كان رأس الخوارج الذين حاربوا عليا(ع). وعلى هذا لا يصدق جميع ما رواه سيف في شأنه وأخذ منه المؤرخون! كما لا يصح جميع ما ذكره أهل الملل والنحل فيه. بينما يصدق في شأنه بعض روايات كتب حديث الشيعة مثل الرواية الّتي ذكرت أنّ ابن سبأ اعترض على الإمام (ع) في رفع اليدين إلى السماء في الدّعاء، والأخرى الّتي ذكرت جلبه إلى الإمام لمقال له و تصحيح الإمام قوله و أمره بإخلاء سبيله. [16]

وأما عبد الله بن السوداء فليس هو اسما وعلما لشخص واحد وإنّما هو نبز كانوا يلمزون به من كانت أمه أمة سوداء، وقد ذكر ابن حبيب المتوفى (245 هـ) في فصل (أبناء الحبشيات) من كتابه المحبّر تسعة وخمسين رجلا من أبناء الحبشيات، وذكر ان الخليفة عمر قد عيره قيس بن شماس الأنصاري بقوله: يا بن السوداء لان امه كانت جارية حبشية، ونجد سيف قد استخدم ذلك في أسطورته لمكان النبز.[17]

إشادة أكابر علماء الشيعة بدراسة العلامة العسكري(رح):

وقد أشاد اساطين علماء الشيعة بتحقيقات العلامة العسكري منهم: زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف السيد أبو القاسم الخوئي (رح)، قال:

«أقول: بطلان قول من خالف الشيعة واضح ناشئ عن العصبية العمياء فإن أصل التشيع والرفض مأخوذ من الله عز وجل حيث قال سبحانه و تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا.﴾ والرسول الأعظم (ص) حيث قال في الغدير: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه..” و أما عبد الله بن سبأ، فعلى فرض وجوده فهذه الروايات تدل على أنه كفر و ادعى الألوهية في علي (ع) لا أنه قائل بفرض إمامته (ع)، مضافا إلى أن أسطورة عبد الله‏ بن سبأ و قصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذاب، و لا يسعنا المقام الإطالة في ذلك و التدليل عليه و قد أغنانا العلامة الجليل و الباحث المحقق السيد مرتضى العسكري في ما قدم من دراسات عميقة دقيقة عن هذه القصص الخرافية و عن سيف وموضوعاته في مجلدين ضخمين طبعا باسم (عبد الله بن سبأ) و في كتابه الآخر (خمسون ومائة صحابي مختلق)».[18]

ومنهم: الفيلسوف والمفسر الكبير العلامة الطباطبائي(رح) صاحب الميزان قال: «وهذان اللذان روي عنهما الحديث وعنهما يروى جل قصص عثمان أعني شعيبا وسيفا هما من الكذابين الوضاعين المشهورين ذكرهما علماء الرجال وقدحوا فيهما، و الذي اختلقاه من حديث ابن السوداء و هو الذي سموه عبد الله بن سبأ، وإليهما ينتهي حديثه، من الأحاديث الموضوعة، وقد قطع المحققون من أصحاب البحث أخيرا[19] أن ابن السوداء هذا من الموضوعات الخرافية التي لا أصل لها»[20].

ومنهم الأستاذ اسد حيدر؛ قال:«ومن الحق والإنصاف ان نشير إلى ما كتبه العلامة السيد مرتضى العسكري حول أحاديث سيف بن عمر وأسطورة ابن سبأ في كتاب عبد الله بن سبأ بصورة واسعة مستقصيا أحاديثه في الحوادث التاريخية وماله من افتعالات وأحداث وقد تعرض إلى أسماء الصحابة الذين افتعل سيف بن عمر أسماءهم ولم توجد إلا من طريقه بل ابتكاره».[21]

ومنهم: الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه الجوامع و الفوارق[22] وغيرهم.

تبلور الخلل المنهجي في بحوث السلفيين ببركة بحوث العلامة العسكري (رح):

إن اهم ما أثبتته بحوث العلامة العسكري بطلان الدور المزعوم لعبد الله بن سبأ في تأسيس التشيع، وذلك من خلال نقده للمصادر التي أوردت ذلك. والسلفيون الجدد بذلوا كل جهودهم لإثبات وجود هذه الشخصية وتركوا الدخول فيما دخل فيه العلامة العسكري من نقد مصادر الأسطورة السبئية بيد أن هذا الأمر هو الفيصل وحجر الزاوية في الحكم على الأسطورة، وقد غفل السلفيون الجدد وكثير من الكتاب (أو تغافلوا) عن قضية منهجية وهي: أن إثبات شخص معين ليس معناه إثبات لقيامه بعمل أو دور في زمن معين، فضلا عن تأسيس فرقة وجماعة ومذهب كبير في الإسلام.

الخاتمة:

قام العلامة العسكري (رح) بمنهج المقارنة ونقد المصادرو الكشف عن زيف وكذب الأسطورة السبئية وأنها ليست إلا مفردة صغيرة من مختلقات سيف بن عمر الهائلة، وقد نشرها الطبري ودخلت إلى تراث المسلمين المكتوب منذ القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا، وصارت مادة سائغة للهجوم على الشيعة وتشويه تاريخهم.

يبقى السؤال: ما مقدار تأثير بحوث العلامة العسكري في الأسطورة السبئية على التراث والعلماء؟

الإجابة نجدها عند علماء السلفية:

قال حسن بن فهد الهويمل[23]: «أن في نسف هذه الشخصية (ابن سبأ) نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما، فابن سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهباً عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا أمام زلزلة تمس بنايات كثيرة»[24].

وقال سليمان العودة: «ففي هذا الرأي (إنكار دور ابن سبأ في أحداث مقتل عثمان) نسف لكتب بأكملها تعد من مفردات كتب التراث، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة، فكتاب منهاج السنّة مثلاً لشيخ الإسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبد الله بن سبأ أصل الرافضة، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وإنكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله، ونسف له من أصوله، بل ربما تجاوز الأمر ذلك إلى التشكيك في أصول الرافضة وتاريخ نشأتهم»[25].

لذا يعتبر عمل العلامة العسكري (رح) في هدم «الأسطورة السبئية» من أهم التحديات والزلازل الفكرية لتراث المسلمين في العصر الحاضر، ومفتاح ذهبي لإعادة النظر في الكثير من كتب السابقين ونقدها وما ترتب عليها من رؤية زائفة ومشوهة حول تاريخ الإسلام بشكل عام وتاريخ الشيعة والتشيع بشكل
خاص.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  راجع كتب السلفيين المعاصرين: محب الدين الخطيب في حواشيه على كتاب المنتقى وكتاب مختصر التحفة الإثني عشرية اللذان طبعهما بعد سنة 1367هـ/1948م، وإحسان إلهي ظهير في كتبه الخمس حول التشيع وخصوصا كتاب الشيعة والتشيع فرق وتاريخ، وناصر القفاري في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد ص73، واحمد بن سلمان الغامدي في كتابه التشيع نشأته ومراحل تكوينه، وغيرهم.

[2]  راجع: عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ج2 ص30، دار العلم للملايين الطبعة الأولى سنة 1973م.

[3] راجع بحثنا حول الموضوع في رسالة الدكتوراه بعنوان (قراءة المدرسة السلفية لتاريخ الشيعة الإمامية).

[4]  راجع: مرتضى العسكري، عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، ج1، المجمع العلمي الإسلامي، طهران، الطبعة الأولى سنة 1417هـ

[5]  مرتضى العسكري، عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، ج1 ص45، المجمع العلمي الإسلامي، طهران، الطبعة الأولى سنة 1417هـ.

[6]  المصدر نفسه، ص 76.

[7]  المصدر نفسه ج1 ص 62 إلى 76.

[8]  راجع: تفصيل أسمائهم في: مرتضى العسكري، الأسطورة السبئية ج2 ص330، منشورات كلية أصول الدين، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1424. وكذلك كتابه خمسون ومائة صحابي مختلق، منشورات كلية أصول الدين، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1426.

[9]  راجع: مرتضى العسكري، خمسون ومائة صحابي مختلق، ج1 ص95 إلى ص189.

[10]  انظر: مرتضى العسكري، عبد الله بن سبأ واساطير أخرى، الجزء الأول والجزء الثاني.

[11]  راجع: المصدر نفسه ج1 ص68.

[12]  راجع مرتضى العسكري، الأسطورة السبئية، ج1 ص114 إلى 168.

[13]  راجع: مرتضى العسكري، عبد الله بن سبأ، ج2 ص171 إلى ص 209.

[14]  المصدر نفسه ج2 ص306. وقد خالف العلامة العسكري تلميذه السيد سامي البدري انظر كتاب المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.

[15]  راجع تفصيل البحث في: المصدر نفسه ج2 ص 257. يذكر أن للعلامة البدري رأي آخر حول الموضوع،ويتلخص بان الدولة العباسية بقيادة أبي جعفر المنصور هي من دفعت بعض الأخباريين أمثال سيف لتشويه صورة التشيع وحملته الأوائل بمثل تلك الأساطير.

[16]  المصدر نفسه ج2 ص 310 إلى 315.

[17]  المصدر نفسه ج2 ص 315 إلى 317

[18]  معجم رجال الحديث‏، ج11 ص207، مركز نشر الثقافية ـ قم، الطبعة الخامسة 1372هـ.ش.

[19]  يقصد العلامة العسكري.

[20]  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏9، ص: 260، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات‏ ـ بيروت‏ الطبعة: الثانية 1390 ه. ق‏.

[21] اسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الأربعة، ج6 ص273، تحقيق لجنة التحقيق في المجمع العالمي لاهل البيت (ع) الطبعة الأولى سنة 1425هـ قم المقدسة.

[22]  مغنيه، محمد جواد، الجوامع و الفوارق بين السنة و الشيعة، مؤسسة عز الدين – لبنان – بيروت، الطبعة الاولى1414 ه.ق. قال: «ولست أعرف أحدا أجهل و أغبى ممن نسب الإمامة إلى عبد اللّه بن سبأ و أنّه أصلها و باعثها لا أحد أجهل من هذا القائل، لأنّ ابن سبأ خرافة لا أساس لها في الواقع، و شخصيته اختلقها أعداء الشيعة للتشنيع عليهم، و التنكيل بهم، كما قال الدكتور طه حسين في كتاب «علي و بنوه»، وأثبت ذلك بالأدلة الحسية و الأرقام التي لا تقبل الريب السيد العسكري‏ في كتابه الخطير الشهير «عبد اللّه بن سبأ» الذي طبع أكثر من مرة»

[23]  أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود.

[24]  راجع: مرتضى العسكري، آراء وأصداء حول عبد الله بن سبأ، ص15، كلية أصول الدين، طهران، نقلا عن صحيفة الرياض 4 ربيع الأول 1418هـ 8 يوليو 1997 العدد 10606 السنة الرابعة والثلاثون.

[25]  راجع المصدر نفسه ص 43، نقلا عن جريدة المسلمون السعودية في عددها ٦٥٤، الجمعة ١٢ ربيع الآخر ١٤١٦ﻫ.

عدد الزوار: 313

معلومات الاصدار

الناشر: مركز فجر عاشوراء الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *